النص المفهرس

صفحات 261-280

- الأعراف -
والترتيبُ أيضاً واضحٌ على هذا. ومن قال: إن الأولى للترتيب الزماني
والثانية للترتيب الإخباري اختلفت عباراتهم أيضاً. فقال بعضهم: المراد
بالخطاب الأول آدمُ وبالثاني ذريتُه، والترتيبُ الزماني واضح، و ((ثم)) الثانية
للترتيب الإخباري. وقال بعضهم: ولقد خلقناكم في ظهر آدم ثم صوَّرناكم
في بطونِ أمَّهاتكم. وقال بعضهم: ولقد خلقنا أزواجكم ثم صوَّرنا أجسامكم.
وهذا غريبٌ نقله القاضي أبو يعلى(١) في ((المعتمد)). وقال بعضهم: خلقناكم
نُطَفاً في أصلاب الرجال ثم صوَّرْناكم في أرحام النساء. وقال بعضهم: ولقد
خلقناكم في بطون أمهاتكم وصوَّرْناكم فيها بعد الخلق بشَقُّ السمع والبصر،
فـ (ثم)) الأولى لترتيب الزمان، والثانية لترتيب الإخبار.
وقوله: ((إلا إبليس)) تقدَّم الكلام عليه في البقرة(٢). وقوله ((لم يكن)) هذه
الجملةُ استئنافيةٌ لأنها جواب سؤال مقدر، وهذا كما تقدَّم في قوله في البقرة
((أبى)). وتقدم أن الوقف على إبليس. وقيل: فائدة هذه الجملة التوكيدُ
لما أخرجه الاستثناء من نفي سجود إبليس. وقال أبو البقاء(٣): ((إنها في محل
نصب على الحال أي: إلا إبليس حال كونه ممتنعاً من السجود)). وهذا كما
تقدم له(٤) في البقرة من أن ((أبى)) في موضع نصب على الحال.
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿أَن لا تَسجِدَ﴾: في ((لا)) هذه وجهان،
أظهرهما: أنها زائدة للتوكيد. قال الزمخشري(٥): ((لا)) في ((أن لا تسجد))
(١) أحمد بن علي الموصلي، حافظ محدّث ثقة، نعته الذهبي بمحدّث الموصل، له المعجم
والمسند الكبير والمسند الصغير توفي سنة ٣٠٧. انظر: الأعلام ١٧١/١.
(٢) الآية ٣٤ ((فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكاذبين)).
(٣) الإملاء ٢٦٩/١.
(٤) له: أي لأبي البقاء. انظر: الإملاء ٣٠/١.
(٥) الكشاف ٦٨/٢.
٢٦١

- الأعراف -
صلةٌ بدليل قوله تعالى: ((ما منعك أن تسجد لِما خلقتُ بيدَيَّ))(١) ومثلها:
(ثلا يعلمَ أهلُ الكتاب))(٢) بمعنى ليعلم. ثم قال: ((فإن قلت: ما فائدةُ زيادتها؟
قلت: توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه، كأنه قيل: ليتحقّق عِلمُ
أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتُلْزَمَه نفسك إذ أمرتك؟ وأنشدوا
على زيادة ((لا)) قولَ الشاعر (٣):
٢١٤٥ - أبى جودُهلا البخلَ واستعجلَتْ نَعَمْ به مِنْ فتى لا يمنع الجودَ نائلُه
يروى ((البخل)) بالنصب والجر، والنصبُ ظاهرُ الدلالة في زيادتها،
تقديرُه: أبى جودُه البخلَ. وأمَّا في روايةِ الجر فالظاهرُ منها عدمُ الدلالة على
زيادتها. ولا حجةَ في هذا البيتِ على زيادة ((لا)» في رواية النصب، ویتخرَّجُ
على وجهين أحدهما: أن تكون ((لا)) مفعولاً بها و((البخل)) بدل منها لأنَّ ((لا))
تُقال في المنع فهي مؤدِّية للبخل. والثاني: أنها مفعول بها أيضاً، والبخل
مفعول من أجله والمعنى: أبى جودُه لفظ ((لا)) لأجل البخل أي كراهة
البخل، ويؤيد عدمَ الزيادة روايةُ الجر. قال أبو عمرو بن العلاء: ((الرواية فيه
بخفض ((البخل)) لأن ((لا)) تُسْتعمل في البخل))، وأنشدوا أيضاً على زيادتها قول
الآخر (٤):
٢١٤٦ - أَفَعَنْكَ لا برقُ كأنَّ وميضَه غابٌ تَسَنَّمَه ضِرَامٌ مُثْقَبُ
(١) الآية ٧٥ من ص.
(٢) الآية ٢٩ من الحديد ..
(٣) تقدم برقم ٨٥ والأصل ((به من نعم من فتى)) وبذلك يضطرب عروضياً.
(٤) البيت لساعدة بن جوية وهو في ديوان الهذليين ١٧٢/١ برواية: أفمنك، تشيَّمه بدلاً من
تسلمه. اللسان لا؛ البحر ٢٧٣/٤. والغاب: ضرب من الشجر. والضرام: النار في
الحطب. وقوله ((غاب)) في الأصل غراب وهو تحريف.
٢٦٢

- الأعراف -
يريد: أفعنك برقٌ. وقد خَرَّجه الشيخ(١) على احتمال كونها عاطفةً
وحَذْفِ المعطوف، والتقدير: أفعنك لا عن غيرك. وكونُ ((لا)) في الآية زائدةٌ
هو مذهب الكسائي والفراء(٢) وأبي إسحاق(٣). وما ذكرته من كون ((البخل))
بدلاً من ((لا)) و((لا)) مفعولٌ بها هو مذهب الزجاج. وحكى بعضهم عن يونس
قال: ((كان أبو عمرو بن العلاء يجرُّ (البخل)) ويجعل ((لا)) مضافة إليه، أراد
أبى جوده لا التي هي للبخل لأن ((لا)) قد تكون للبخل وللجود، فالتي للبخل
معروفة، والتي للجود أنه لو قال له: ((امنع الحق)) أو ((لا تعط المساكين)) فقال:
(لا)) كان جوداً. قلت: يعني فتكون الإضافة للتبين، لأن ((لا)) صارت مشتركةً
فميَّزها بالإِضافة وخصَّصها به. / وقد تقدم طرف جيد من زيادة ((لا)) في أواخر [٣٧٢/ب]
الفاتحة(٤) وأقوال الناس في ذلك.
وقد زعم جماعةٌ أن ((لا)) في هذه الآية الكريمة غيرُ زائدة، لكن اختلفت
عبارتهم في تصحيح معنى ذلك فقال بعضهم: في الكلام حَذْفٌ يصحُّ به
النفي، والتقدير: ما منعك فأحوجك أن لا تسجد؟ وقال بعضهم: المعنى على
ما ألجأك أن لا تسجد؟ وبعضهم: مَنْ أَمَرَك أن لا تسجد؟ ومَنْ قال لك أن
لا تسجد، أو ما دعاك أن لا تسجد؟ وهذا تمحُّل مَنْ يتحرِّج مِنْ نسبة الزيادة
إلى القرآن وقد تقدَّم تحقيقه، وأنَّ معنى الزيادة على معنىً يفهمه أهلُ العلم
وإلا فكيف يُدَّعى زيادةٌ في القرآن بالعُرْف العام؟ هذا ما لا يقوله أحد من
المسلمین.
و ((ما)» استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء، والخبرُ بعدها أي: أيُّ شيء
(١) البحر ٢٧٣/٤ .
(٢) معاني القرآن ٣٧٤/١.
(٣) معاني القرآن ٣٥٥/٢ وأبو إسحاق هو الزجاج.
(٤) انظر: الورقة ٩أ.
٢٦٣

:
- الأعراف -
منعك. و((أَنْ)) في محل نصبٍ أو جر لأنها على حَذْفٍ حرف الجر إذ التقدير:
ما منعك من السجود؟ و((إذ)) منصوب بتسجد أي: ما منعك من السجود في
وقت أمري إياك به. وقوله: ((خَلَقْتني من نار)) لا محلَّ لهذه الجملةِ لأنها
كالتفسير والبيان للخبرية .
آ. (١٣) وقوله تعالى: ﴿منها﴾: و«فيها)» الضميرُ يعود على الجنة
لأنه كان من سكانها. عن ابن عباس: أنهم كانوا في عدن لا في جنة الخلد.
وقيل: يعود على السماء، لأنه يُروى في التفسير أنه وَسْوس إليهما وهو في
السماء. وقيل: على الأرض أُمِر أن يَخْرج منها إلى جزائر البحار، ولا يدخل
في الأرض إلا كالسّارق. وقيل: على الرتبة المنيفة والمنزلة الرفيعة. وقيل:
على الصورة والهيئة التي كان عليها لأنه كان مُشْرق الوجه فعاد مُظْلِمَه ..
وقوله: ((فاخرجْ)) تأكيدٌ لـ ((اهبط)) إذ هو بمعناه.
وقوله: ((فيها)) لا مفهومَ له، يعني أنه لا يُتَوَهَّم أنه يجوز أن يتكَّر في
غيرها. ولمَّا اعتبر بعضهم هذا المفهوم احتاج إلى تقدير حذف معطوف
كقوله: ((تقيكم الحزَّ)(١) قال: ((والتقديرُ فما يكون لك أن تتكَبَّر فيها ولا في
غیرها» .
آ. (١٤) والضمير في ﴿يُبْعثون﴾: يعود على بني آدم لدلالة السياق
عليهم، كما دلَّ على ما عاد عليه الضميران في منها وفيها كما تقدَّم .
آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿فيما أَغْوَيْتنِ﴾: في هذه الباء وجهان
أحدهما: أن تكون قسميةً وهو الظاهر. والثاني: أن تكون سبيَّة، وبه بدأ
الزمخشري (٢) قال: ((فبما أغويتني: فبسبب إغوائك إياي لأقعدنَّ لهم)) ثم
(١) الآية ٨١ من النحل.
(٢) الكشاف ٦٩/٢.
٢٦٤

- الأعراف -
قال: ((والمعنى: فبسبب وقوعي في الغَيِّ لاجتهدنَّ في إغوائهم حتى يَفْسُدوا
بسببي كما فَسَدْتُ بسببهم. فإن قلت: بم تَعَلَّقَت الباء فإن تعلُّقها
بـ «الأقعدن)) يصدُّ عنه لام القسم لا تقول: واللَّهِ بزيدٍ لأمرَّنَّ؟ قلت: تَعَلَّقَتْ
بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنَّ أي: فبسبب
إغوائك أُقْسم. ويجوز أن تكون الباء للقسم أي: فأقسم بإغوائك لأقعدنَّ».
قلت: وهذان الوجهان سبق إليهما أبو بكر بن الأنباري، وذكر عبارةً قريبة من
هذه العبارة .
وقال الشيخ(١): ((وما ذكره من أن اللام تصدُّ عن تعلُّق الباء بـ((الأقعدَنَّ)
ليس حكماً مُجْمَعاً عليه بل في ذلك خلافٌ)). قلت: أمَّ الخلافُ فنعم، لكنه
خلافٌ ضعيف لا يُقَّد به أبو القاسم، والشيخُ نفسه قد قال عند قوله تعالى:
((لَمَنْ تَبِعك منهم لأملأنَّ))(٢) في قراءة مَنْ كسر اللام في ((لمن))، إنَّ ذلك
لا يُجيزه الجمهور وسيأتي لك مبيناً إن شاء الله.
و((ما)) تحتمل ثلاثة أوجه أظهرها: أنها مصدرية أي: فبإغوائك إياي .
والثاني: أنها استفهامية يعني أنه استفهم عن السبب الذي أغواه به فقال:
فبأي شيء من الأشياء أغويتني؟ ثم استأنف جملةً أَقْسَمَ فيها بقوله ((لأقعدَنَّ)).
وهذا ضعيفٌ عند بعضِهم أو ضرورةٌ عند آخرين من حيث إنَّ ((ما)) الاستفهامية
إذا جُرَّت حُذِفَتْ ألفها، ولا تَنْبت إلا في شذوذ كقولهم: عمَّا تسأل؟ أو ضرورةٌ
کقوله(٣):
٢١٤٧ - على ما قام يَشْتِمني لئيمٌّ كخنزيرٍ تمرَّغَ فِي رمادِ
(١) البحر ٢٧٥/٤.
(٢) الآية ١٨ من الأعراف وهي قراءة أبي بكر في بعض طرقه والجحدري. انظر: البحر
٢٨٨/٤.
(٣) تقدم برقم ٦١٦.
٢٦٥

- الأعراف -
والثالث: أنها شرطية، وهو قولُ ابن الأنباري، ولا بد من إيراد نصِّه
قال : - رحمه الله -: ((ويجوز أن تكونَ ((ما)) بتأويل الشرط، والباءُ من صلة
الإغواء، والفاءُ المضمرة جواب الشّرط، والتقدير: فبأي شيء أغويتني
فلأقعدنَّ لهم صراطك)) فتُضْمر الفاءَ [في] جواب الشرط كما تضمرها في
قولك («إلى ما أومأتَ إني قابلُه، وبما أمرت إني سامعٌ مطيع)». وهذا الذي قاله
ضعيف جداً، فإنه على تقدير صحة معناه يمتنع من حيث الصناعة، فإن فاء
الجزاء لا تُحذف إلا في ضرورة شعر كقوله(١):
٢١٤٨- مَنْ يفعلِ الحسناتِ اللَّهُ يشكرُها والشرّ بالشر عند الله مِثْلان
أي: فالله. وكان المبرد(٢) / لا يُجَوِّز ذلك ضرورة أيضاً، وينشد البيت
المذکور:
[٣٧٣/أ]
مَنْ يفعل الخير فالرحمن یشکره
فعلى رأي أبي بكر(٣) يكون قوله ((لأقعدنَّ)» جوابَ قسم محذوف،
وذلك القسم المقدر وجوابه جواب الشرط، فيقدِّرُ دخول الفاء على نفس
جملة القسم مع جوابها تقديره: فبما أغويتني فواللَّهِ لأقعدنَّ. هذا يُتَمِّمُ
مذهبه .
وقوله: ((صراطَك)) في نصبه ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوب على
إسقاط الخافض. قال الزجاج(٤): ((ولا اختلاف بين النحويين أنَّ ((على))
(١) تقدم برقم ١٤٠.
(٢) لم يفعل ذلك في المقتضب، وإنما أورد البيت بسقوط الفاء من لفظ الجلالة ثم قال: ((إنه
على إرادة الفاء)» المقتضب ٧٠/٢.
(٣) أي أبي بكر بن الأنباري .
(٤) معاني القرآن ٣٥٨/٢.
٢٦٦
.-----

- الأعراف -
محذوفة كقولك: ((ضُرِب زيدٌ الظهرَ والبطنَ)) أي: على الظهر والبطن)). إلا أن
هذا الذي قاله الزجاج - وإن كان ظاهرهُ الإِجماع - ضعيفٌ من حيث إن
حرف الجر لا يَطُرِدُ حذفه، بل هو مخصوص بالضرورة أو بشذوذ كقوله(١):
٢١٤٩ - تُمُرُون الديارَ فلم تعوجوا
[وقوله](٢):
٢١٥٠_
لولا الأسى لقضاني
[وقوله](٣):
٢١٥١- فَبِتُّ كأنَّ العائداتِ فَرَشْنني
والثاني: أنه منصوب على الظرف والتقدير: لأقعدنَّ لهم في صراطك.
وهذا أيضاً ضعيف لأن ((صراطك)) ظرفُ مكانٍ مختصٍّ، والظرف المكاني
المختص لا يصل إليه الفعل بنفسه بل بـ ((في))، تقول: صليت في المسجد
ونمت في السوق. ولا تقول: صَلَّيْتَ المسجد، إلا فيما استثني في كتب
النحو(٤)، وإنْ ورد غير ذلك كان شاذاً كقولهم ((رَجَع أدراجَه)) و((ذهبت)) مع
((الشام)) خاصة(٥). أو ضرورة كقوله(٦):
رفيقَيْنِ قالا خَيْمَتَيْ أمِّ معبدٍ
٢١٥٢- جزی الله بالخيرات ما فعلا بکم
(١) تقدم برقم ١٤٨.
(٢) تقدم برقم ١٨٣٥.
(٣) تقدم برقم ١٨٣٤ وورد في الأصل مكسوراً: ((فلو أن العائدات)).
(٤) وهو: دخلت الدار ونزلت الخان وسكنت الغرفة انظر: شرح الكافية ١٨٦/١.
(٥) قال في شرح الكافية ١٨٦/١: ((وأما نحو ((ذهبت الشام)) فانتصاب ((الشام)) على الظرفية
اتفاقاً لأن ذهب لازم، وهو شاذه.
(٦) تقدم برقم ٤٨١.
٢٦٧

-- الأعراف -
أي: قالا في خيمتي. وجعلوا نظيرَ الآية في نصب المكان المختص
قولَ الآخر (١):
٢١٥٣- لَذْنٌ بهزِّ الكفِّ يَعْسِلِ مَتْنَه كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ
وهذا البيت أنشده النحاة على أنه ضرورة. وقد شذَّ ابن الطراوة عن
مذهب النحاة فجعل ((الصراط)) و((الطريق)) في هذين الموضعين مكانين
مُبْهمين. وهذا قولٌ مردودٌ لأن المختصَّ من الأمكنة ما له أقطارٌ تحويه وحدودٌ
تحصره، والصراط والطريق من هذا القبيل. والثالث: أنه منصوبٌ على
المفعول به لأنَّ الفعلَ قبله وإن كان قاصراً فقد ضُمِّن معنى فعلٍ متعدٍّ.
والتقدير: لألزمَنَّ صراطك المستقيم بقعودي عليه.
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿ثم لآتِيَنْهم﴾: جملةٌ معطوفة على جواب
القسم أيضاً، وأخبر أنه بعد أن يقعد على الصراط يأتي من هذه الجهات
الأربع، ونوَّع حرف الجر فجرَّ الأَوَّلَيْن بـ ((مِنْ)) والثانيين بـ ((عن)) لنكتة ذكرها
الزمخشري(٢). قال رحمه الله: ((فإن قلت كيف قيل: مِنْ بين أيديهم ومِنْ
خلفهم بحرف الابتداء، وعن أيمانهم وعن شمائلهم بحرف المجاورة؟ قلت:
المفعول فيه عُدِّي إليه الفعلُ نحو تعديتهِ إلى المفعول به، فكما اختلفَتْ حروفُ
التعدية في ذلك اختلفت في هذا وكانت لغةً تُؤْخَذُ ولا تُقاسُ، وإنما يُفَتَّشُرُ عن
صحة موقعها فقط، فلمَّا سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلی یمینه، وعن
شماله وعلى شماله قلنا: معنى «على (٣) يمينه)) أنه تَمَكّن من جهة اليمين:
(١) البيت لمساعدة بن جؤية وهو في ديوان الهذليين ٩٠١/١؛ والكتاب ١٦/١؛ والخصائص.
٣١٩/٣؛ وأمالي الشجري ٤٢/١؛ والهمع ٢٠٠/١؛ والدرر ١٦٩/١. واللدن:
اللين. يعسل: يتحرك ويضطرب. المتن: الظهر.
(٢) الكشاف ٧١/٢.
(٣) في المطبوعة ((عن)) تحريف.
٢٦٨

- الأعراف -
تمكُّنَ المستعلي من المستعلَى عليه. ومعنى ((عن يمينه)) أنه جلس متجافياً عن
صاحب اليمين غيرَ ملاصقٍ له منحرفاً عنه، ثم كَثُر حتى استعمل في المتجافي
وغيرِه كما ذكرنا في تعالَ. ونحوه من المفعول به قولهم: ((رميت على القوس
وعن القوس ومن القوس))، لأنَّ السهم يُبْعِدُ عنها ويَسْتعليها إذا وُضع على
كَبِدِها للرمي، ويبتدىء الرميُ منها، فلذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى
في لأنهما ظرفان للفعل، ومِنْ بين يديه، ومن خلفه، لأنَّ الفعل يقع في بعض
الجهتين كما تقول: جئت من الليل تريد بعض الليل)). قلت: وهذا كلامُ مَنْ
رسخت قدمُه في فهم كلام العرب. وقال الشيخ(١): ((وهو كلامٌ لا بأس به))
فلم یوقُّه حقَّه.
ثم قال: ((وأقول: وإنما خَصَّ بين الأيدي والخلف بحرف الابتداء الذي
هو أمكن في الإِتيان لأنهما أغلبُ ما يجيء العدوُّ منهما فينال فرصته، وقدَّم
بين الأيدي على الخلف لأنها الجهة التي تدلَّ على إقدام العدو وبسالته في
مواجهة قِرْنِهِ غيرَ خائفٍ منه، والخلف جهةُ غَدْرٍ ومخاتلة وجهالة القِرْن بمَنْ
يغتاله ويتطلب غِرَّتِه وغَفْلَتَه، وخَصَّ الأيمان والشمائل بالحرف الذي يدلُّ على
المجاوزة لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العدو، وإنما يجاوز إتيانَه إلى [٣٧٣/ب]
الجهة التي هي أغلب في ذلك، وقُدِّمت الأيمان على الشمائل لأنها هي
الجهةُ القويةُ في ملاقاة العدو، وبالْأَيْمان البطشُ والدفعُ، فالقِرْنُ الذي يأتي
مِنْ جهتها أبسلُ وأشجع إذجاء من الجهة التي هي أقوى في الدفع،
والشمائل ليست في القوة والدفع كالأيمان.
والأَيْمان والشمائل جَمْعا يمين وشمال، وهما الجارحتان وتُجْمَعان في
القلة على أَفْعُل، قال(٢):
(١) البحر ٤ /٢٧٦.
(٢) البيت لأبي النجم وهو في الكتاب ١١٣/١؛ ٤٧/٢؛ والنوادر ١٦٥؛ والخصائص
٢ / ١٣٠؛ وأمالي الشجري ٣٠٦/١؛ وابن يعيش ٤١/٥؛ والخزانة ٤٠١/٤.
٢٦٩

- الأعراف -
٢١٥٤ - يأتي لها من أَيْمُنٍ وأَشْمُلِ
والشمائل يُعَبَّر بها عن الأخلاق والشيم تقول: له شمائلُ حسنة ويُعَبَّر
عن الحسنات باليمين، وعن السيئات بالشمال، لأنهما منشأ الفعلين: الحسن
والسيِّئَّ. ويقولون: اجعلني في يمينك لا في شِمالك قال(١):
٢١٥٥- ابْنِى أفي ◌ُمْنَى يديكِ جَعَلْتِنِي
فَأَفْرِحَ أم صَيَّرْتَنِي فِي شِمالِكِ
يَكْنون بذلك عن عِظَم المنزلة عند الشخص وخِسِّتها وقال(٢):
٢١٥٦ - رأيت بني العَلَّتِ لمَّا تضافروا يَحُوزون سَهْمي بينهمْ فِي الشَّمائل
والشمائل: جمع شَمَال بفتح الشين وهي الريح. قال امرؤ القيس(٣):
صَباً وشَمالٌ في منازِلِ فُقَّالٍ
٢١٥٧- وهبّتْ له ريح بمختلف الصُوی
والألف في الشمال زائدةٌ، لذا يُزاد فيها الهمزةُ أيضاً بعد الميم فيقولون
شَمْأَل، وقبلها فيقولون شَأْمَل، يدلُّ على ذلك كلِّه سقوطُه في التصريف قالوا:
(شَمَلَت الريح))(٤) إِذَا هِبَّت شَمالاً .
قوله: ((ولا تخْدُ أكثرَهم)) الوجدان هنا يحتمل أن يكون بمعنى اللقاء.
أو بمعنى العلم أي: لا تُلْفِي أکثرهم شاکرین، أو لا تعلم أکثرهم شاکرین،
فشاكرين حالٌ على الأول، مفعول ثان على الثاني. وهذه الجملة تحتمل
وجهين أحدهما: أن تكون استئنافية أخبر اللعين بذلك لتظنِيه(٥) أو لأنه علمه
بطريق. ويحتمل أن تكون داخلةً في حَيِّز ما قبلها في جواب القسم، فتكون.
معطوفةً على قوله ((لأقعدَنَّ))، أَقْسَمَ على جملتين مُثْبَيْن وأخرى منفية.
:
(١) لم أقف عليه .
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان شمل؛ وتهذيب اللغة ٣٧٤/١١.
(٣) ديوانه ١٣. له: أي للجمر. والصوى: الأكم الصغار والقفال: الراجعون من السفر.
(٤) من باب أكل.
(٥) تظنَّن: ظنَّ، وقد تبدل النون ألفاً فيصير تظنى، وتبدل هذه الألف في المصدر ياءً.
٢٧٠

- الأعراف -
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿مَنْؤوماً مَدْحُوراً﴾: حالان من فاعل
((اخرج)) عند مَنْ يجيز تَعدُّدَ الحال لذي حال واحدة. ومَنْ لا يُجِزْ ذلك
فَمَدْحُوراً صفةٌ لمذؤوماً أو هي حالٌ من الضمير في الحال قبلها فيكون الحالان
متداخلين. ومَذْؤوماً مدحوراً اسما مفعول مِنْ ذَمه ودَحَره. فأمَّا ذَأَمَه فيقال
بالهمز: ذَأَمِه يَذْأَمِه كَرَأَمه (١) يَرْأَمُهُ، وذامه يَذيمه كباعه يبيعه من غير همز،
وعليه قولهم: (لن يَعْدَمَ الحسناء ذاماً))(٢) يُروى بهمزةٍ ساكنة أو ألف، وعلى
اللغة الثانية قول الشاعر(٣):
٢١٥٨ - تَبِعْتُك إذْ عَيْنِي عليها غِشاوةٌ
فلما انجلَتْ قَطَّعْتُ نفسي أَذِيْمُها
فمصدرُ المهموز ذَأْم كَرَأْس، وأما مصدر غير المهموز فَسُمِعَ فيه ذامٌ
بألف، وحكى ابن الأنباري (٤) فيه ذَيْماً كيِنْعِ قال: ((يقال ذَأَمْتُ الرجل أَذْأَمُه
وذِمْتُه أَذِيْمُه ذَيْماً وذَمَمْتُه أَذُمُّه ذَمَّأْ بمعنىٍّ. وأنشد(٥):
٢١٥٩ - وأقاموا حتى انبرَوا جميعاً في مَقَامٍ وكلّهم مَذْؤُوْمُ
والذَّامُ: العَيْبُ ومنه المثل المتقدم: ((لن يَعْدَمِ الحسناءُ ذاما)) أي كلُّ
امرأة حسنة لا بد أن يكون فيها عيبٌ ما. وقالوا: أردتَ أن تَذيمه فمدحتَه أي :
تَعيبه فمدحته، فأبدل الحاء هاءً. وقيل: الذامِ الاحتقارُ، ذَأَمْتُ الرجل: أي
احتقرته قاله الليث. وقيل: الذام الذَّمُّ، قاله ابن قتيبة (٦) وابن الأنباري.
(١) رأم: أصلح.
(٢) مثل عربي. انظر: فصل المقال ٤٤.
(٣) تقدم برقم ١٥٦.
(٤) الزاهر له ٥/٢.
(٥) البيت لحسان بن ثابت وهو في ديوانه ٤١ برواية:
لم يُوَلّوا حتى أبيدوا جميعاً
في مقام وكلهمْ مذمومٌ
وهو في الزاهر لابن الأنباري ٥/٢.
(٦) تفسير الغريب لابن قتيبة ١٦٦؛ والزاهر ٥/٢.
٢٧١

:
- الأعراف -
والجمهور على: ((مَذْؤومً» بالهمز. وقرأ(١) أبو جعفر والأعمش والزهري
(مَذُوْمَاً)) بواو واحدة من دون همز. وهي تحتمل وجهين أحدهما : - ولا ينبغي
أن يُعْدَلَ عنه - أنه تخفيف «مذؤوماً)) في القراءة الشهيرة بأَنْ أُلْقِيَّتْ حركةُ
الهمزة على الذال الساكنة، وحُذِفَت الهمزةُ على القاعدة المستقرة في تخفيف
مثله، فوزن الكلمة آل إلى مَقُول لحذف العين. والثاني: أن هذه القراءةَ
مأخوذةٌ مِنْ لغة مَنْ يقول: ذِمْتُه أَذيمه كبِعْتُه أَبيعه، وكان مِنْ حق اسم المفعول
[٣٧٤/أ] على هذه اللغةِ مَذيم كمبيع قالوا: إلا أنه أَبْدلت / الواو من الياء على حَدٍّ
قولهم ((مكول)) في ((مكيل)) مع أنه من الكيل. ومثل هذه القراءة في احتمال
الوجهين قولُ أمية بن أبي الصلت(٢):
[أَن] اخرُجْ لعيناً دخيراً مَذُوْمَا
٢١٦٠ - وقالَ الإِبلِيسَ رَبُّ العبادِ
أنشد على ذلك الواحدي على لغة ذامه بالألف يَذيمه بالياء، وليته جعله
محتملاً للتخفيف مِنْ لغة الهمز.
والدَّخْر: الطَّرْدُ والإِبعاد يقال: دَحْرِه يَدْحَرُه دَحْراً ودُحوراً، ومنه:
((وَيُقْذَفون من كلُّ جانبٍ دُخوراً))(٣) وقول أمية في البيت المتقدم ((لَعيناً دخيراً»
وقوله أيضاً(٤):
٢١٦١- وبإذنه سجدوا لآدمَ كلهمْ إلا لعيناً خاطِئاً مَذْحِورا
وقال الآخر(٥):
٢١٦٢ - دَخَرْتُ بني الحصيب إلى قَديدٍ. وقد كانوا ذوي أَشَرِ وفَخْرٍ
(١) البحر ٢٧٧/٤، شواذ ابن خالويه ٤٢.
(٢) ديوانه ٢٣٥ .
(٣) الآية ٩ من الصافات.
(٤) ديوانه ٢٣٥ .
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في تفسير ابن عطية ٢٤/٧؛ والبحر ٢٦٥/٤؛ والقديد: اسم وادٍ
أو ماء. والأشر: البطر.
٢٧٢

- الأعراف -
قوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ)) في هذه اللامِ وفي ((مَنْ)) وجهان أظهرهما: أن اللام
لامُ التوطئة لقسم محذوف و((مَنْ)) شرطية في محل رفع بالابتداء والأملانً))
جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسدِّ جوابٍ
القسم مسدّه. وقد تقدم إيضاح ذلك غير مرة. والثاني: أن اللامَ لامُ ابتداء،
(مَنْ)) موصولة و («تبعك)) صلتها، وهي في محل رفع بالابتداء أيضاً، و ((لأملأنَّ»
جواب قسم محذوف، وذلك القسمُ المحذوفُ وجوابُه في محلِّ رفع خبراً لهذا
المبتدأ، والتقدير: للذي تبعك منهم والله لأملأنَّ جهنم منكم. فإن قلت:
أين العائد من الجملة القسمية الواقعة خبراً عن المبتدأ؟ قلت: هو متضمِّنٌ في
قوله ((منكم)) لأنه لمَّا اجتمع ضميرا غيبة وخطاب غَلَّب الخطاب على ما عُرِف
غير مرة .
وفَتْحُ اللام هو قراءةُ العامَّة. وقرأ(١) عاصم في رواية أبي بكر من بعض
طرقهِ والجحدري: ((لِمَنْ)) بكسرها، وخُرِّجتْ على ثلاثة أوجه أحدها : - وبه
قال ابن عطية(٢) - أنها تتعلق بقوله (لأملأنَّ)) فإنه قال: ((لأجل مَنْ تبعك منهم
لأملأنَّ))، وظاهر هذا أنها متعلقةٌ بالفعل بعد لام القسم. قال الشيخ(٣):
((ويمتنع ذلك على قول الجمهور أن(٤) ما بعد لام القسم لا يعمل فيما قبلها)).
والثاني: أن اللام متعلقةٌ بالذَّأْمِ والدَّحْر، والمعنى: اخرج بهاتين الصفتين
لأجل تُباعك(٥). ذكره أبو الفضل الرازي في كتاب ((اللوائح على شاذ
القراءة)». قلت: ويمكن أن تجيء المسألةُ من باب الإِعمال لأن كلاً من
(١) البحر ٢٧٧/٤، رواية عصمة عن أبي بكر؛ الشواذ ٤٢.
(٢) التفسير ٢٤/٧.
(٣) البحر ٢٧٨/٤.
(٤) كذا في الأصل والبحر، والتقدير: لأنّ، أو يكون الفعل: ويمنع.
(٥) كذا في الأصل بهذا الضبط، وفي البحر ((اتباعك)) ولعلها أصح.
٢٧٣

- الأعراف -
مذؤوماً ومدحوراً يطلب هذا الجارَّ عند هذا القائل من حيث المعنى ويكون
الإِعمال للثاني كما هو مختار البصريين للحذف من الأول.
والثالث: أن يكون هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوف تقديره: لمن
تبعك منهم هذا الوعيدُ، ودلَّ على قوله ((هذا الوعيد)) قولُه «لأملأن جهنم))، لأن
هذا القسمَ وجوابه وعيدٌ، وهذا أراده(١) الزمخشري (٢) بقوله: ((بمعنى لمن
تبعك منهم الوعيد(٣) وهو قوله ((لأملأن جهنم)) على أنَّ ((لأملأنَّ)) في محل
الابتداء و ((لمن تبعك)) خبره. قال الشيخ (٤): ((فإن أراد ظاهر كلامه فهو خطأ على
مذهب البصريين لأنَّ قولَه ((لأملأنَّ)) جملةٌ هي جوابُ قسم محذوف، من:
حيث كونُها جملةً فقط لا يجوز أن تكون مبتدأة، ومن حيث كونها جواباً للقسم
المحذوف يمتنع أيضاً؛ لأنها إذذاك من هذه الحيثيّة لا موضع لها من
الإِعراب، ومن حيث كونُها مبتدأ لها موضع من الإِعراب، ولا يجوز أن تكون:
الجملة لها موضع من الإِعراب لا موضع لها من الإعراب، وهو محال لأنه
يلزم أن تكون في موضع رفع لا في موضع رفع، داخلٌ عليها عاملٌ غيرُ داخلٍ
عليها عاملٌ، وذلك لا يُتَصَوَّر)).
قلت: بعد أن قال الزمخشري: ((بمعنى لِمَنْ تبعك الوعيد وهو لأملأنَّ»
كيف يحسن أن يُتردّد بعد ذلك فيُقال: إن أراد ظاهر كلامه، كيف يريده مع
التصريح بتأويله هو بنفسه؟ وأمَّا قوله ((على أن لأملأنَّ في محل الابتداء)) فإنما
قاله لأنه دالٌ على الوعيد الذي هو في محل الابتداء، فنسب إلى الدالِّ ما يُنْسب
إلى المدلول من جهة المعنى. وقول الشيخ أيضاً ((ومن حيث كونُها جواباً.
(١) الأصل: أراد وهو سهو.
(٢) الكشاف ٧١/٢.
(٣) عبارة الكشاف: هذا الوعيد.
(٤) البحر ٤ /٢٧٨ .
٢٧٤
٨٠

- الأعراف -
/ للقسم المحذوف أيضاً إلى آخره كلامُ متحمِّل عليه، لأنه يريد جملة [٣٧٤/ب]
الجواب فقط البتة، إنما يريد الجملة القسمية برُمَّتها، وإنما استغنى بذكرها.
عن ذكر قسيمها لأنها ملفوظ بها، وقد تقدَّم لك ما يشبه هذا الاعتراضَ الأخير
عليه وجوابه. وأمَّا قولُ الشيخ: ((ولا يجوز أن تكون الجملةُ لها موضعٌ من
الإِعراب لا موضعَ لها من الإعراب)) إلى آخر كلامه كله شيءٌ واحدٌ ليس فيه
معنی زائد.
وقوله تعالى: ((أجمعين)) تأكيد. واعلم أن الأكثر في أجمع وأخواته
المستعملة في التأكيد إنما يؤتى بها بعد ((كل)) نحو: ((فسجد الملائكةُ كلُّهم
أجمعون))(١) وفي غير الأكثر قد تجيء بدون ((كل)) كهذه الآية الكريمة، فإنَّ
(أجمعين) تأكيد لـ (منكم))،ونظيرها فيما ذكرتُ لك أيضاً قوله تعالى: ((وإن
جهنّم لمَوْعِدُهم أجمعين))(٢).
آ. (١٩) وفي البقرة: ﴿رغَداً﴾: وهو محذوفٌ لدلالة الكلام
عليه(٣) .
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿فوسوس لهما﴾، أي: فَعَلَ الوسوسة
لأجلهما. والفرق بين وسوس له ووسوس إليه أنَّ وسوس له بمعنى لأجله كما
تقدم، ووسوس إليه ألقى إليه الوسوسة .
والوَسْوَسَةُ: الكلامِ الخفيُّ المكرر، ومثله الوَسْواس وهو صوت
الحَلْيِ، والوَسْوَسة أيضاً الخَطْرة الرديئة، ووسوس لا يتعدى إلى مفعول بل
هو لازم ويقال: رجل مُوَسْوِس بكسر الواو ولا يقال بفتحها، قاله ابن
(١) الآية ٣٠ من الحجر.
(٢) الآية ٤٣ من الحجر.
(٣) يعني في قوله هنا ((فكلا من حيث شئتما)) حذف ((رغدا)) أما في البقرة آية ٣٥ فقد قال
«وكلا منها رغداً حيث شئتما)).
٢٧٥

---
- الأعراف -
الأعرابيّ. وقال غيره: يقال: مُوَسْوَس له ومُوَسْوَس إليه. وقال الليث ::
((الوسوسة حديثُ النفس والصوت الخفي من ريحٍ تهزُّ قصباً ونحوه
كالهمس)). قال تعالى: ((ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ به نفسه))(١) وقال رؤبة بن العجاج
يصف صياداً(٢):
٢١٦٣ - وَسْوَسَ يدعو مُخْلِصاً ربَّ الفَلَقْ لَمَّا دَنا الصيدُ دنا مِنَ الْوَهَقْ
أي: لَّمَّا أراد الصيدَ وَسْوس في نفسه: أيخطىء أم يصيب؟ وقال:
الأزهري(٣): ((وسوس ووَزْوَزَ بمعنى واحد)).
قوله: ((لُبْدِيَ)) في هذه اللام قولان أظهرهما: أنها لامُ العلة على
أصلها، لأنَّ قَصْدَ الشيطان ذلك. وقال بعضهم: اللام للصيرورة والعاقبة،
وذلك أن الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة، فالمعنى:
أن أمرهما آيل إلى ذلك. والجواب: أنه يجوزُ أن يُعْلم ذلك بطريق من الطرق
المتقدمة في قوله ((ولا تجدُ أكثرهم شاكرين)) (٤).
قوله: «ماوُوْرِي)) ((ما)) موصولة بمعنى الذي وهي مفعولٌ لـ ((يُبدي)) أي
لُيُظْهِر الذي سُتِر. وقرأ الجمهور ((وُوْري)) بواوين صريحتين وهو ماضٍ مبني
للمفعول، أصله وارَى كضارب فلمَّا بُني للمفعول أُبْدِلْت الألفُ واواً كضُوْرِبَ،
فالواو الأولى فاء والثانية زائدة. وقرأ(٥) عبدالله: أُوْرِيَ بإبدال الأولى همزةٌ
وهو بدلٌ جائزٌ لا واجب. وهذه قاعدة كلية(٦) وهي: أنه إذا اجتمع في أول
(١) الآية ١٦ من سورة ق.
(٢) ديوانه ١٠٨؛ البحر ٢٦٥/٤؛ ابن عطية ٢٩/٧، والوهق: حبل.
(٣) لم أجد هذا النص في تهذيب الأزهري.
(٤) الآية ١٧ من الأعراف.
(٥) البحر ٢٧٩/٤.
(٦) انظر: الممتع ٣٣٢/١.
٢٧٦

- الأعراف -
الكلمة واوان، وتحركت الثانية أو كان لها نظيرٌ متحرك وجب إبدال الأولى همزة
تخفيفاً، فمثال النوع الأول ((أُوَيصل)) و ((أواصل)) تصغير واصل وتكسيره، فإن
الأصل: وٌوَيْصِل، وواصل فاجتمع واوان في المثالين ثانيتهما متحركة فوجب
إبدال الأولى همزة. ومثال النوع الثاني أُوْلى فإن أصلها وُوْلَى، فالثانية ساكنة
لكنها قد تتحرك في الجمع في قولك أُوّل كفُضْلى وفُضَل. فإن لم تتحرك
ولم تُحْمَلْ على متحرك جاز الإِبدال كهذه الآية الكريمة. ومثله وُوْطِىء
وأُوْطِىء.
وقرأ يحيى بن وثاب (وُرِيَ)) بواو واحدة مضمومة وراء مكسورة، وكأنه من
الثلاثي المتعدي، وتحتاج إلى نَقْلِ أَنَّ وَرَيْتُ كذا بمعنى وارَيْتُه.
والمُواراة: السَّتْرُ، ومنه قوله عليه السلام لمَّا بلغه موت أبي طالب:
(لعلِّي أذهب مُوارٍ)) ومنه قول الآخر(١):
٢١٦٤ - على صَدىَّ أسودَ المُواري
في التُّرْب أمسى وفي الصفيح
وقد تقدم تحقيق هذه المادة(٢).
والجمهور على قراءة ((سَوْءاتهما)» بالجمع من غير نقلٍ ولا إدغام.
وقرأ (٣) مجاهد والحسن ((سَوَّتِهما)) بالإِفراد وإبدال الهمزة واواً وإدغام الواو
فيها. وقرأ الحسن أيضاً وأبو جعفر وشَيْبَة بن نصاح ((سَوَّاتِهما)) بالجمع وتشديد
الواو بالعمل المتقدم. وقرأ(٤) أيضاً سَواتِهما / بالجمع أيضاً إلا أنه نقل حركةً [٣٧٥/أ]
الهمزة إلى الواو من غير عملٍ آخر، وكلُّ ذلك ظاهر: فَمَنْ(٥) قرأ بالجمع
(١) لم أقف عليه وهو من مخلع البسيط.
(٢) في قوله تعالى ((فأواري سَوْءة أخي)) من الآية ٣١ المائدة.
(٣) البحر ٢٧٩/٤، شواذ ابن خالويه ٤٢.
(٤) كذا بالبناء للمعلوم وفي البحر بالمجهول، ونسبها ابن خالويه إلى الزهري والحسن.
(٥) الأصل: وفمن بإقحام الواو سهواً.
٢٧٧

الأعراف -
فيحتمل وجهين، أظهرهما: أنه من باب وَضْعِ الجمعِ مَوْضعَ التثنية كراهيةً
اجتماع تثنيتَيْن والجمع أخو(١) التثنية فلذلك ناب منابها كقوله ((صَغَتْ
قلوبُكما))(٢) وقد تقدَّم تحقيق هذه القاعدة. ويحتمل أن يكون الجمعُ هنا على
حقيقته؛ لأنَّ لكل واحد منهما قُبُلاً (٣) ودبراً، والسَّوْءات كناية عن ذلك فهي
أربعٌ؛ فلذلك جيء بالجمع، ويؤيد الأولَ قراءةُ الإِفراد فإنه لا تكون كذلك إلا
والموضع موضع تثنية نحو: ((مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطنهما»(٤) ..
قوله: ((إلا أن تكونا» استثناءً مفرغ وهو مفعول من أجله، فيقدّره البصريون
إلا کراهۀً أن تکونا، وقدَّره الکوفیون إلا أن لا تکونا، وقد تقدَّم غیر مرة أن قول
البصريين أَوْلِى لأن إضمارَ الاسم أحسنُ من إضمار الحرف.
والجمهور على ((مَلَكْن)) بفتح اللام. وقرأ(٥) ابن عباس والحسن
والضحاك ويحيى بن أبي كثير والزهري وابن حكيم عن ابن كثير ((مَلِكين))
بكسرها. قالوا: ويؤيِّد هذه القراءة قولُه في موضع آخر: ((هل أَدُلُّك على
شجرة الخلد ومُلْكٍ لا يَبْلَىْ))(٦)، والمُلك يناسِبُ المَلِك بالكسر. وأتى بقوله
((من الخالدين)) ولم يقل ((أو تكونا خالدَيْن)) مبالغةً في ذلك؛ لأن الوصف
بالخلود أهم من المِلْكية أو المُلْك، فإن قولك: ((فلان من الصالحين)) أبلغُ من
قولك صالح، وعليه: ((وكانت من القانتين))(٧).
(١) الأصل: أخوا بإقحام الألف سهواً.
(٢) الآية ٤ من التحريم.
(٣) الأصل: قبل ودبر وهو سهو.
(٤) رواه أبو داود (الطهارة ٥١)؛ ٩٤/١؛ وابن ماجة (الطهارة ٥٢) ١٥١/١.
(٥) البحر ٧٩/٤؛ الشواذ ٤٢ .
(٦) الآية ١٢٠ من طه :
(٧) الآية ١٢ من التحريم.
٢٧٨

- الأعراف -
آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿وقاسَمَهما﴾: المفاعلةُ هنا تحتمل أن تكون
على بابها، فقال الزمخشري(١): ((كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن
الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله أنت إنك لمن الناصحين لنا، فَجعَل ذلك
مقاسمةً بينهم، أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أَخْرج قسم
إبليس على وزن المفاعلة؛ لأنه اجتهد فيها اجتهادَ المُقاسِم)). وقال ابن
عطية(٢): ((وقاسمهما: أي حلف لهما، وهي مفاعلة إذ قبول المحلوف له
وإقباله على معنى اليمين كالقسم وتقريره، وإن كان بادىءَ الرأي يعطي أنها
من واحد))، ويحتمل أن يكون فاعل بمعنى أفعل كباعَدْته وأبعدته، وذلك أن
الخَلْفَ إنما كان من إبليس دونهما وعليه قول خالد بن زهير(٣):
ألذٌّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نشورها
٢١٦٥ - وقاسَمَها باللّه جَهْداً لأنتمُ
قوله: ((لكما لَمِن الناصحين)) يجوز في ((لكما)) أن يتعلق بما بعده على
أن أل معرفةٌ لا موصولة، وهذا مذهبُ أبي عثمان (٤)، أو على أنها الموصولة
ولكن تُسُومح في الظرف وعديله ما لا يتسامح في غيرهما اتساعاً فيهما
الدورانهما في الكلام، وهو رأي بعض البصريين وأنشد(٥):
٢١٦٦- رَبَّيْتُهُ حتى إذا تَمَعْدَدا كان جزائي بالعصا أن أُجْلدا
فـ ((بالعصا)) متعلق بأُجْلَد وهو صلة أَنْ، أو أن ذلك جائز مطلقاً ولو في
المفعول به الصريح، وهو رأي الكوفيين وأنشدوا(٦):
وشفاءُ غَيِّك خابِراً أن تسألي
٢١٦٧ -
(١) الكشاف ٧٢/٢.
(٢) تفسير ابن عطية ٣١/٧.
(٣) تقدم برقم ٤٨٠.
(٤) وهو المازني.
(٥) تقدم برقم ٧٢٩.
(٦) تقدم برقم ١٥٩٧ .
٢٧٩

- الأعراف -
أي: أن تسألي خابراً، أو أنه متعلقٌ بمحذوف على البيان أي: أعني.
لكما كقولهم: سقياً لك ورَعياً، أو تعلَّق بمحذوف مدلول عليه بصلة أل أي:
إني ناصحٌ لكما. ومثلُ هذه الآية الكريمة: ((إني لِعملكم من القالِين))(١)
((وكانوا فيه من الزاهدين)) (٢): وجعل ابن مالك(٣) ذلك مطَّرداً في مسألة أل
الموصولة إذا كانت مجرورة بـ مِنْ.
ونَصَح یتعدی لواحد تارةً بنفسه وتارة بحرف الجر، ومثله شکر، وقد
تقدم(٤)، وكال ووزن. وهل الأصلُ التعدِّي بحرف الجر أو التعدي بنفسه.
أو كلٍّ منهما أصل؟ الراجح الثالث. وزعم بعضُهم أن المفعول في هذه
الأفعال محذوفٌ وأنَ المجرور باللام هو الثاني، فإذا قلت: نصحتُ لزيدٍ
فالتقدير: نصحت لزيد الرأيّ. وكذلك شَكَر له صنيعه وكِلْتُ له طعامه.
ووَزَنْتُ له متاعه فهذا مذهب رابع. وقال الفراء: ((العربُ لا تكاد تقول:
نصحتك، إنما يقولون نصحتُ لك وأنصح لك))، وقد يجوز نصحتك. قال
النابغة(٥) :.
٢١٦٨ - نصحتُ بني عوفٍ فلم يتقبّلوا
رسولي ولم تنجحْ لدیھم وسائلي
وهذا يقوِّي أن اللام أصل.
والنُّصْحُ: بَذْلُ الجهد في طلب الخير خاصة، وضده الغش. وأمَّا
(نصحت لزيد ثوبه)) فمتعدٍ لاثنين لأحدهما بنفسه، والثاني بحرف الجر
باتفاق، وكأن النصح الذي هو بذل الجهد في الخير مأخوذ مِنْ أحد معنيين: إمَّا
(١) الآية ١٦٨ من الشعراء.
(٢) الآية ٢٠ من يوسف.
(٣) انظر: شرح الكافية له ١٠١٩/٢.
(٤) انظر الآية ٥٢ من البقرة ..
(٥) ديوانه ١٩٧؛ وأمالي الشجري ٣٦٢/١؛ ومعجم شواهد العربية ٣٠٨.
٢٨٠