النص المفهرس
صفحات 221-240
- الأنعام- مختاره في آخرين، ثم قال: ((وليس بمختار لفقدان أَفْعُل في المفردات وَضْعً)) وقيل: هو جمع ((شِدَّة))، وفِعْلة يجمع على أَفْعُل كِنِعْمَة وأنعُم، قاله أبو الهيثم وقال: ((وكأن الهاء في الشدة والنعمة لم تكن في الحرف إذ كانت زائدة، وكان الأصل نِعم وشِدّ فجمعا على أَفْعُل كما قالوا: رجل وأرجُل وقدح وأقْدُح وضِرس وأضرُس. وقيل: هو جمع شُد بضم الشين نقله ابن الأنباري عن بعض البصريين قال: ((كقولك: هو وُدٍّ، وهم أَوَدّ. وقيل: هو جمع شَدّ بفتحها وهو محتمل. والمراد هنا ببلوغ الأشد بلوغ الخُلُمِ في قول الأكثر لأنه مَظِنَّة ذلك. وقيل: هو مبلغ الرجال من الحيلة والمعرفة. وقيل: هو أن يبلغ خمسة عشر إلى ثلاثين. وقيل: أن يبلغ ثلاثة وثلاثين. وقيل: أربعين. وقيل: ستين، وهذه لا تليق بهذه الآية، إنما تليق بقوله تعالى ((حتى إذا بلغ أَشُدَّه وبلغ أربعين سنة))(١). والْأَشَدُّ: مشتق من الشِدَّة وهي القوة والجلادة، وأنشد الفراء(٢): ٢١٢٠ - قد ساد وهو فتىَّ حتى إذا بلغت أَشُدُّهُ وعلا في الأمر واجتمعا وقيل: أصله من الارتفاع، مِنْ شَدَّ النهارُ إذا ارتفع وعلا، قال عنترة(٣): ٢١٢١ - عهدي به شَدَّ النهار كأنما خُضِبَ البَنانُ ورأسُه بالعِظْلِمِ والكَيْل والميزان: هما الآلة التي يُكال بها ويوزن، وأصل الكيل المصدر ثم أطلق على الآلة. والميزان: مِفْعال من الوَزْن لهذه الآلة كالمصباح والمقياس لما يُستصبح به ويُقاس، وأصل ميزان مِوْزان فَفُعِلَ به ما فُعِلَ بميقات وقد تقدم في البقرة (٤). (١) الآية ١٥ من الأحقاف. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان شدد. (٣) ديوانه ٢١٣. والعظلم: نبات. (٤) الآية ١٨٩ من البقرة. ٢٢١ - الأنعام - و ((بالقسط)) حال من فاعل ((أَوْفوا)) أي: أوفوهما مُقْسِطين أي ملتبسين بالقسط، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول أي: أوفوا الكيل والميزان متلبسين بالقسط أي تَامَّين. وقال أبو البقاء(١): ((والكَيْلُ هنا مصدر في معنى المكيل، وكذلك الميزان. ويجوز أن يكون فيه حذف مضاف، تقديره: مكيل الكيل وموزون الميزان))، ولا حاجة إلى ما ادَّعاه من وقوع المصدر موقع اسم المفعول ولا من تقدير المضاف لأن المعنى صحيح بدونهما، وأيضاً فميزان ليس مصدراً إلا أنه يعضُد قولَه ما قاله الواحدي فإنه قال: ((والميزان أي: وزن الميزان لأن المراد إتمام الوزن لا إتمام الميزان، كما أنه قال ((وأَوْفوا الكيل)» ولم يقل المِكْيال فهو من باب حذف المضاف)) انتهى. والظاهرُ عدم الاحتياج إلى ذلك وكأنه لم يعرف أن الكيل يُطْلق على نفس المكيال حتى يقول «ولم يقل المکیال». قوله ((لا نُگلّف» معترض بین هذه الأوامر، وقوله «ولو کان» أي: ولو كان المقول له والمقول عليه ذا قرابة. وقد تقدَّم نظير هذا التركيب مراراً. وقوله ((وبعهد الله)) يجوز أن يكونَ من باب إضافة المصدر لفاعله أي: بما عاهدكم الله عليه، وأن يكون مضافاً لمفعوله أي: بما عاهدتم الله عليه كقوله ((صدقوا ما عاهدوا الله عليه))(٢) ((بما عاهد عليه الله))(٣) وأن تكون الإضافة لمجرد البيان أضيف إلى الله من حيث إنه الآمرُ بحفظه، والمراد به العهد الواقع بين الآ يتين. وخُتِمَت هذه بالتذكُّر لأنَّ الأربعة قبلها خفيَّةٌ تحتاج إلى إعمال فكر ونظر حتى يقفَ متعاطيها على العدل فناسبها التذكُّر، وهذا بخلاف الخمسة الأشياء (١) الإِملاء ١ /٢٦٥. (٢) الآية ٢٣ من الأحزاب. (٣) الآية ١٠ من الفتح ٢٢٢ - الأنعام - فإنها ظاهرة بحسب تعقّلها وتفهُّمها فلذلك خُتِمَت بالفعل. وتَذَكَّرون حيث وقع يقرؤه الأخوان(١) وعاصم في رواية حفص بالتخفيف، والباقون بالتشديد والأصل: تتذكرون، فَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ إحدى الياءين، وهل هي تاء المضارعة أو تاء التفعُّل؟ خلاف مشهور. ومَنْ ثقَّل أدغم التاء / في الذال. [١/٣٦٦] قوله ((وأن هذا)) قرأ الأخوان (٢) بكسر ((إن)) على الاستئناف و((فاتبعوه)) جملة معطوفة على الجملة قبلها. وهذه الجملة الاستئنافية تفيد التعليل لقوله ((فاتبعوه))، ولذلك استشهد بها الزمخشري على ذلك كما تقدُّم، فعلى هذا يكون الكلام في الفاء في «فاتَّبِعوه)» كالكلام فيها في قراءة غيرهما وستأتي. وقرأ ابن عامر ((وأَنْ)) بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح أيضاً والتشديد. فأمَّا قراءة الجماعة ففيها أربعة أوجه، أحدها :- وهو الظاهر - أنها في محل نصب نَسَقاً على ما حرَّم أي: أتل ما حرم وأتل أنْ هذا صراطي، والمراد بالمتكلم النبي صلى الله عليه وسلم لأنَّ صراطه صراط الله عز وجل، وهذا قول الفراء (٣) قال: ((بفتح ((أن)) مع وقوع ((أتلُ)) عليها يعني: أتل عليكم أنَّ هذا صراطي مستقيماً). والثاني: أنها منصوبة المحل أيضاً نسقاً على ((أن لا تشركوا)) إذا قلنا بأنَّ ((أَنْ)) المصدرية وأنها وما بعدها بدل من ((ما حَرَّم)) قاله الحوفي. الثالث: أنها على إسقاط لام العلة أي: ولأنَّ هذا صراطي مستقيماً فَاتَّبِعوه كقوله تعالى: ((وأن المساجد لله فلا تَدْعُوا)) (٤) قال أبو علي (٥): ((من فتح ((أنَّ)) فقياس قول سيبويه أنَّه حَمَلها على ((فَتَّبعوه)) والتقدير: ولأن هذا صراطي (١) انظر: السبعة ٢٧٢؛ الكشف ٤٥٧/١؛ والنشر ٢٥٧/٢؛ والبحر ٢٥٣/٤. (٢) انظر: السبعة ٢٧٣؛ والكشف ٤٥٧/١؛ والحجة ٢٧٧؛ والنشر ٢٥٧/٢؛ والبحر ٢٥٣/٤. (٣) معاني القرآن ٣٦٤/١. (٤) الآية ١٨ من الجن. (٥) الحجة (خ) ٤٦٨/٢. ٢٢٣ - الأنعام - مستقيماً فاتَّبعوه كقوله: ((وأنَّ هذه أمتكم أمةً واحدة))(١) قال سيبويه(٢): ((ولأن هذه أمتكم)) وقال في قوله تعالى: ((وأن المساجد لله)): ولأن المساجد)). قال بعضهم: وقد صرَّح بهذه اللام في نظير هذا التركيب كقوله تعالى: («لإيلاف قريش إيلافهم فليعبدوا))(٣)، والفاء على هذا كهي في قولك: زيداً فاضرب، وبزيد فامرر. وقد تقدم تقريره في البقرة(٤). قال الفارسي: ((قياس قول سيبويه في فتح الهمزة أن تكون الفاء زائدة كهي في ((زيد فقائم)) قلت: سيبويه لا يجوِّز زيادتها في مثل هذا الخبر، وإنما أراد أبو علي بنظيرها في مجرد الزيادة وإن لم يَقُلْ به، بل قال به غيرُه. الرابع: أنها في محل جر نسقاً على الضمير المجرور في ((به)) أي: ذلكم وصَّاكم به ويأن هذا، وهو قول الفراء(٥) أيضاً. وردَّه أبو البقاء(٦) بوجهين أحدهما: العطف على الضمير المجرور من غير إعادةٍ الجار. والثاني: أنه يصير المعنى: وَصَّاكم باستقامة الصراط وهذا فاسدٌ». قلت: والوجهان مردودان، أمّا الأول فليس هذا من باب العطف على المضمر من غير إعادة الجار لأن الجارَّ هنا في قوة المنطوق به، وإنما حُذِفَ لأنه يَطْرد حَذْفُه مع أنَّ وأنْ لطولهما بالصلة، ولذلك كان مذهب الجمهور أنها في محل جر بعد حذفه لأنه كالموجود، ويدل على ما قلته ما قال الحوفي قال: ((حُذِفت الباء لطول الصلة وهي مرادة، ولا يكون في هذا عَطْفُ مُظْهَرٍ على مضمر لإرادتها)). وأمَّا الثاني فالمعنى صحيح غير فاسد؛ لأن معنى توصيتنا باستقامة الصراط أن لانتعاطى ما يُخْرِجنا عن الصراط، فوصيتنا باستقامته مبالغة في اتباعه. (١) الآية ٥٢ من المؤمنون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الألف وتشديد النون، وقرأ ابن عامر («وأنْ))، وعاصم وحمزة والكسائي ((وإنّ)). انظر: السبعة ٤٤٦. (٢) الكتاب ٤٦٤/١ : (٣) الآية ١ من قريش. (٤) الآية ٤٠ من البقرة. (٥) معاني القرآن ٣٦٤/١. (٦) الإِملاء ٢٦٥/١. ٢٢٤ - الأنعام - وأمَّا قراءةُ ابنِ عامر فقالوا: ((أنْ)) فيها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن أي: ((وأنَّه)) كقوله تعالى: ((أن الحمدُ لله))(١) وقوله(٢): أنْ هالكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ ٢١٢٢- وحينئذٍ ففيها أربعةُ الأوجه المذكورة في المشددة. و ((مستقيماً)) حال، العامل: إمَّا ((ها)) التنبيه، وإمَّا اسم الإشارة، وفي مصحف عبدالله ((وهذا صراطي)) بدون ((أنَّ) وهي قراءة الأعمش، وبها تتأيَّد قراءةُ الكسر المؤذنة بالاستئناف. قوله: ((فتفرَّق)) منصوب بإضمار ((أن)) بعد الفاء في جواب النهي والجمهور على ((فتفرق)) بتاء خفيفة، والبزي بتشديدها، فَمَنْ خَفَّف حذف إحدى التاءين، ومَنْ شدَّد أدغم، وتقدم هذا آنفاً في ((تذكرون))(٣). و((بكم)) يجوز أن تكون مفعولاً به في المعنى أي: فيفرقكم، ويجوز أن تكون حالاً أي : وأنتم معها كقوله (٤). تَدُوس بنا الجماجمَ والتَّرِيبا ٢١٢٣- وختم هذه بالتقوى وهي اتقاء النار لمناسبة الأمر باتباع الصراط، فإنَّ مَنْ اتبعه وقی نفسه من النار. آ. ١٥٤ قوله تعالى: ﴿ثم آتينا﴾: أصل ((ثم)) المهلة في الزمان، وقد تأتي للمهلة في الأخبار. وقال الزجاج(٥): ((هو معطوف على ((أتل)) تقديره: أتل (١) الآية ١٠ من يونس. (٢) تقدم برقم ١٧٨٥ . (٣) الآية ٨٠ من الأنعام. (٤) تقدم برقم ٤٥٤. (٥) معاني القرآن ٣٣٦/٢. ٢٢٥ - الأنعام - [٣٦٦/ب] ما حَرَّم ثم أتل آتينا، وقيل: هو عطف على ((قل)) على / إضمار قل أي: ثم قل: آتينا. وقيل: تقديره ثم أخبركم آتينا. وقال الزمخشري(١): ((عطف على وصَّاكم به)). قال: ((فإن قلت: كيف صح عطفه عليه بـ ثم، والإِيتاء قبل التوصية به بدهر طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة لم يزل تتواصاها كل أمة على لسان نبيها فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنَّا آتينا موسى الكتاب. وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله ((ووهبنا له إسحاق))(٢). وقال ابن عطية(٣): (مُهْلَتُها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال: ثم ممَّا وصَّيناه أنَّا آتينا موسى الكتاب ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقِدُّم بالزمان على محمد عليه السلام)). وقال ابن القشيري(٤): ((في الكلام محذوف تقديره: ثم كنّا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام)). وقال الشيخ(٥): ((والذي ينبغي أن يُسْتعمل للعطف كالواو من غير اعتبار مهلة، وبذلك قال بعض النحويين)). قلت: وهذه استراحة، وأيضاً لا يلزمُ من انتفاء المهلة انتفاء الترتيب فكان ينبغي أن يقول من غير اعتبار ترتيب ولا مُهْلَةٍ على أن الفرض في هذه الآية عدمُ الترتيب في الزمان. قوله: ((تماماً» يجوز فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله أي: لأجل تمام نعمتنا الثاني: أنه حال من الكتاب أي: حال كونه تماماً. (١) الكشاف ٦٢/٢. (٢) الآية ٨٤ من الأنعام. (٣). المحرر ١٨٣/٦. (٤) عبدالله بن عبدالكريم روى عن الصيرفي توفي سنة ٤٧٧. انظر: طبقات المفسرين ٢٣٨/١. وهناك عبدالرحيم بن أبي القاسم له: التيسير في التفسير توفي سنة ٥١٤. طبقات المفسرين ٢٩٢/١. (٥) البحر ٢٥٥/٤. ٢٢٦ - الأنعام- الثالث: أنه نصب على المصدر لأنه بمعنى: آتيناه إيتاء تمامٍ لا نقصان. الرابع: أنه حال من الفاعل أي متمّين. الخامس: أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه، ويكون مصدراً على حذف الزوائد والتقدير: أتممناه إتماماً. و((على الذي)) متعلق بـ ((تماماً)) أو بمحذوف على أنه صفة، هذا إذا لم يُجْعَلْ مصدراً مؤكِّداً فإنْ جُعِلَ تَعَيِّن جَعْلُه صفة. و ((أحسن)» فيه وجهان أظهرهما: أنه فعلٌ ماضٍ واقع صلةً للموصول، وفاعله مضمر يعود على موسى أي: تماماً على الذي أحسن، فيكون الذي عبارة عن موسى. وقيل: كل مَنْ أحسن. وقيل: ((الذي)) عبارة عن ما عمله موسى وأتقنه أي: تماماً على الذي أحسنه موسى. والثاني: أن ((أحسن)) اسم على وزن أفعل كأفضل وأكرم، واستغنى بوصف الموصول عن صلته، وذلك أن الموصول متى وُصِف بمعرفة نحو: ((مررت بالذي أخيك))، أو بما يقارب المعرفة نحو: ((مررت بالذي خير منك وبالذي أحسن منك)) جاز ذلك واستغنى به عن صلته، وهو مذهب الفراء وأنشد(١): ٢١٢٤- حتى إذا كانا هما اللَّذيْنِ مثلَ الجَدِيْلَيْنِ المُحَمْلَجَيْنِ بنصب مثل على أنه صفة لـ ((اللذين)» المنصوب على خبر كان. ويجوز أن تكون ((الذي)) مصدرية، وأحسن فعل ماض صلتها، والتقدير: تماماً على إحسانه أي إحسان الله إليه وإحسان موسى إليهم، وهو رأي يونس والفراء کقوله(٢). ٢١٢٥ - فَثَّتَ اللَّهُ ما آتاك مِنْ حَسَنٍ تثبيتَ عيسى ونصراً كالذي نُصِرُوا (١) انظر: معاني القرآن ٣٦٥/١. والبيت لم أهتد إلى قائله وهو في الدرر ٦٢/١. والجديل: الزمام، المحملج: المحكم القتل. (٢) البيت لعبد الله بن رواحة، وهو في ديوانه ٩٤؛ والبحر ٣١١/٢. ٢٢٧ -- الأنعام - وقد تقدَّم لك تحقيق هذا. وفتحُ نون ((أحسن)) قراءة العامة. وقرأ(١) يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق برفعها، وفيها وجهان، أظهرهما: أنه خبر مبتدأ محذوف أي : على الذي هو أحسن، فحذف العائد، وإن لم تَطْل الصلة فهي شاذة من جهة. ذلك، وقد تقدَّم ذلك بدلائله عند قوله: ((ما بعوضةٌ))(٢) فیمن رفع ((بعوضة)). والثاني: أن يكون ((الذي)) واقعاً موقع الذين، وأصل ((أَحْسن)) أَحْسَنوا بواو الضمير حُذِفَت الواو اجتزاءً بحركة ما قبلها، قاله التبريزي وأنشد (٣). ٢١٢٦- فلو أنَّ الْأَطِبَّا كانُ حولي وكان مع الأطباء الْأُساةُ وقول الآخر (٤): ٢١٢٧ - إذا ما شاءُ ضرُّوا مَنْ أرادوا ولا يألوهُمُ أحدٌ ضِرارا: وقول الآخر(٥): ٢١٢٨- شَبُّوا على المجد وشابوا واكتهلْ يريد: اكتهلوا فحذف الواو وسكن الحرف قبلها، وقد تقدَّم أبياتُ أُخْرُ كهذه في تضاعيف هذا التصنيف، ولكن جماهير النحاة تخصُّ هذا بضرورة [٣٦٧/أ] الشعر /. وقوله: ((وتفصيلاً)) وما عُطِف عليه منصوب على ما ذُكِر في ((تماما)). (١) المحتسب ٢٣٤/١؛ البحر ٢٥٥/٤. (٢) الآية ٢٦ من البقرة. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن يعيش ٥/٧؛ والإنصاف ٣٨٥؛ والخزانة ٣٨٥/٢؛ والعين ٥٥١/٤؛ والهمع ٥٨/١؛ والدرر ٣٣/١. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٥٦/٤. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٥٦/٤. ٢٢٨ - الأنعام - آ. (١٥٥) قوله تعالى: ﴿وهذا كتابٌ أَنْزَلْناه مبارك﴾: يجوز أن يكون كتاب وأنزلناه ومبارك إخباراً عن اسم الإِشارة عند مَنْ يُجيز تعدُّدَ الخبر مطلقاً، أو بالتأويل عند مَنْ لم يُجَوِّز ذلك. ويجوز أن يكون أنزلناه ومبارك وَصْفَيْن لكتاب عند مَنْ يجيز تقديمَ الوصف غير الصريح على الوصف الصريح. وقد تقدَّم تحقيق ذلك في السورة قبلها في قوله ((بقوم يحبُّهم ويحبونه))(١)، قال أبو البقاء(٢): ((ولو كان قُرِىء ((مباركاً)) بالنصب على الحال لجاز)) ولا حاجة إلى مثل هذا وقُدِّم الوصف بالإِنزال لأن الكلام مع منكري أن الله ينزِّل على البشر كتاباً ويرسله رسولاً، وأمَّا وصفُه بالبركة فهو أمر متراخٍ عنهم، وجيء بصفة الإِنزال بجملةٍ فعلية أُسند الفعل فيها إلى ضمير المعظّمِ نفسه مبالغة في ذلك بخلاف ما لوجيء بها اسماً مفرداً. آ. (١٥٦) قوله تعالى: ﴿أن تقولوا﴾: فيه وجهان أحدهما: أنه مفعول من أجله. قال الشيخ(٣): ((والعاملُ فيه ((أنزلناه)) مقدَّراً مدلولاً عليه بنفس (أنزلناه)) الملفوظ به تقديره: أنزلناه أن تقولوا. قال: ((ولا جائزٌ أن يعمل فيه ((أنزلناه)) الملفوظ به لئلا يلزمَ الفصلُ بين العامل ومعموله بأجنبي، وذلك أن ((مبارك)): إمَّا صفة وإمّا خبر وهو أجنبي بكل من التقديرين، وهذا الذي مَنَعَه هو ظاهر قول الكسائي والفراء(٤). والثاني: أنها مفعول به، والعامل فيه ((واتقوا)» أي: واتقوا قولكم كيت وكيت، وقوله ((لعلكم ترحمون)) معترضّ جارٍ مجرى التعليل، وعلى كونه مفعولاً من أجله يكون تقديرُه عند البصر بين على حذف مضاف تقديره: كراهةَ أن تقولوا، وعند الكوفيين يكون تقديره: أن لا تقولوا (١) الآية ٥٤ من المائدة. (٢) الإِملاء ٢٦٦/١. (٣) البحر ٢٥٧/٤. (٤) معاني القرآن ٣٦٦/١. ٢٢٩ - الأنعام - كقوله: ((رواسيَّ أَنْ تميدَ بكم))(١) أي: أن لا تميد بكم وهذا مطّردٌ عندهم في هذا النحو، وقد تقدَّم ذلك غيرَ مرة. وقرأ الجمهور ((تقولوا)) بتاء الخطاب وقرأه(٢) ابن محيصن ((يقولوا)) بياء الغيبة. قوله: ((وإنْ كنا)) ((إنْ)) مخففةٌ من الثقيلة عند البصريين، وهي هنا مهملةٌ ولذلك وَلِيَّتْها الجملة الفعلية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وأن الكوفيين يجعلونها بمعنى ((ما)) النافية، واللام بمعنى إلا، والتقدير: ماكنا عن دراستهم. إلا غافلين. وقال الزجاج (٢) بمثل ذلك، فنحا نحو الكوفيين. وقال قطرب : . (إنْ)) بمعنى قد واللام زائدة. وقال الزمخشري(٤) بعد أَنْ قَرِّر مذهب البصريين كما قدمته: ((والأصل: إنَّه كنا عن عبادتهم)) فقدَّر لها اسماً محذوفاً هو ضمير الشأن، كما يُقَدِّرِ النحويون ذلك في ((أَنْ)) بالفتح إذا خُفِّفَتْ، وهذا مخالف لنصوصهم وذلك أنهم نصُّوا على أنَّ ((إنْ)) بالكسر إذا خُفِّفت ولِيْها الجملة الفعلية الناسخة فلا عمل لها لا في ظاهر ولا مضمر. و((عن دراستهم)» متعلق بخبر ((كنا)) وهو ((غافلين))، وفيه دلالة على بطلان مذهب الكوفيين في زعمهم أن اللام بمعنى إلا، ولا يجوز أن يعمل ما بعد ((إلا)) فيما قبلها فكذلك ما هو بمعناها . قال الشيخ (٥): ((ولهم أن يجعلوا ((عنها)) متعلقاً بمحذوف)). وتقدَّم أيضاً. خلاف أبي علي في أن هذه اللام ليست لامَ الابتداء بل لامٌ أخرى، (ويدل (٦) أيضاً على أن اللام لام ابتداء لزمت للفرق فجاز أن يتقدَّم معمولُها. : (١) الآية ١٥ من النحل. (٢) البحر ٤ /٢٥٧. (٣) معاني القرآن ٣٣٨/٢. (٤) الكشاف ٦٢/٢. (٥) البحر ٢٥٧/٤. (٦) يتابع أبو حيان هنا كلامه بعد الجملة المعترضة التي أوردها السمين. ٢٣٠ - الأنعام - عليها لمَّا وقعت في غير ما هو لها أصل، كما جاز ذلك في: ((إنَّ زيداً طعامَك لأكل)) حيث وقعت في غير ما هو لها أصلٌ، ولم يَجُز ذلك فيها إذا وقعت فيما هو لها أصل وهو دخولها على المبتدأ)). وقال أبو البقاء(١): ((واللام في ((لغافلين)) عوض أو فارقة بين إنْ وما)) قلت: قوله ((عوض)) عبارة غريبة، وأكثر ما يقال إنها عوضٌ عن التشديد الذي ذهب من إنَّ، وليس بشيء. آ. (١٥٧) وقوله تعالى: ﴿فقد جاءكم﴾: جواب شرط مقدر فقدَّره الزمخشري(٢): إن صدقتم فيما كنتم تعدُّون من أنفسكم فقد جاءكم وهو من أحسن الحذوف)) وقدَّره غيره: إن كنتم كما تزعمون أنكم إذا أنزل عليكم كتاب تكونون أهدى من اليهود والنصارى فقد جاءكم. ولم يؤنث الفعل؛ لأن التأنيث مجازي وللفصل بالمفعول، و ((من ربكم)) يجوز أن يتعلق بجاءكم، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ ((بيِّنة)). وقوله: وهدى ورحمةً محذوف بعدهما: من ربكم. وقوله: ((فَمَنْ أظلمُ)) الظاهر أنها جملة مستقلة. وقال بعضهم: هي جواب شرط مقدر تقديره: فإن كذَّبتم فلا أحدَ أظلمُ منكم. والجمهور على ((كذَّب)) مشدداً، وبآيات الله متعلق به. وقرأ يحيى(٣) ابن وثاب وابن أبي عبلة ((كَذَبَ)) بالتخفيف، وبآيات الله يجوز أن يكون مفعولاً، وأن يكون حالاً / أي: كذَّب ومعه آيات الله. وصَدَف مفعوله محذوف أي: [٣٦٧/ب] وصدف عنها غيرَه. وقد تقدم تفسير ذلك (٤). آ. (١٥٨) وقوله تعالى: ﴿أُو يأتي ربُّك﴾: تقدم أنه على حذف (١) الإملاء ٢٦٦/١. (٢) الكشاف ٦٣/٢. (٣) البحر ٢٥٨/٤؛ المحتسب ٢٣٥/١. (٤) انظر إعرابه للآية ٤٦ من الأنعام: ((ثم هم يصدفون)). ٢٣١ - الأنعام -: مضاف. وقرأ الأخوان(١): ((إلا أن يأتيهم الملائكة)) بياء منقوطة من تحت لأن التأنيث مجازي وهو نظير ((فناداه الملائكة))(٢). وأبو العالية وابن سيرين(٣): (يوم تأتي بعض)) بالتأنيث كقوله ((تَلْتَقِظْه بعضُ السيّارة))(٤). قوله: ((يوم يأتي)) الجمهور على نصب ((اليوم))، وناصبهما بعد ((لا))، وهذا على أحد الأقوال الثلاثة في ((لا)) وهي أنها يتقدم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، ولا يتقدَّم مطلقاً، ويُفَصَّل في الثالث: بين أن يكون جواب قسم فيمتنع، أولا فيجوز. وقرأ(٥) زهير الفرقبي ((يومُ)) بالرفع وهو مبتدأ، وخبره الجملة بعده، والعائد منها إليه محذوف أي: لا تنفع فيه. وقرأ الجمهور: ((ينفع)) بالياء من تحت. وقرأ(٦) ابن سيرين: تنفع بالتاء من فوق. قال أبو حاتم: ((ذكروا أنه غلط)). قلت: وذلك لأن الفعل مسند المذكر، وجوابه أنه لما اكتسب بالإِضافة التأنيث أجرى عليه حكمه كقوله(٧): ٢١٢٩ - وتَشْرَق بالقول الذي قد أَذَعْتَهُ كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ وقد تقدَّم لك تحقيق هذا في أول السورة، وأنشد سيبويه على ذلك(٨): ٢١٣٠ - مَشَيْنَ كما اهتَزَّتْ رماحٌ تسفَّهَتْ أعاليهَا مَرُّ الرياحِ النَّواسمِ (١) انظر: السبعة ٢٧٤؛ الحجة ٢٧٧؛ النشر ٢٥٧/٢؛ الكشف ٤٥٨/١ (٢) الآية ٣٩ من آل عمران على قراءة حمزة والكسائي. السبعة ٢٠٥. (٣) البحر ٤ /٢٥٩. (٤) الآية ١٠ من يوسف. وهي قراءة مجاهد والحسن. البحر ٢٨٤/٥، والإتحاف ٢٦٢. (٥) المحتسب ٢٣٦/١؛ والبحر ٢٦٠/٤. وزهير الفرقبي له اختيار في القراءة وكان في زمن. عاصم ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٢٩٥/١. (٦) المحتسب ٢٣٦/١ ونسبها لأبي العالية، والبحر ٢٥٩/٤. (٧) تقدم برقم ٥٤٢. (٨) تقدم برقم ٥٤١ ٢٣٢ - الأنعام - وقيل: لأن الإِيمان بمعنى العقيدة فهو كقولهم: ((أتته كتابي فاحتقرها)) أي: صحيفتي ورسالتي. وقال النحاس(١): ((في هذا شيء دقيق ذكره سيبويه(٢): وذلك أن الإِيمان والنفس كل منهما مشتمل على الآخر فأنّث الإِيمان إذ هو من النفس وبها)). وأنشد سيبويه ((مَشَيْن كما اهتزَّت)) البيت. وقال الزمخشري(٣) في هذه القراءة ((لكون الإِيمان مضافاً إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه كقولهم: ((ذهبت بعض أصابعه)). قال الشيخ(٤): ((وهو غلطٌ؛ لأن الإِيمان ليس بعضاً للنفس)» قلت: قد تقدَّم آنفاً ما يَشْهد لصحة هذه العبارة من كلام النحاس في قوله عن سيبويه: ((وذلك أنَّ الإِيمان والنفس كلُّ منهما مشتملٌ على الآخر، فَأَنَّثَ الإِيمانَ إذ هو من النفس وبها)» فلا فرقَ بين هاتين العبارتين، أي لا فرق بين أن يقولَ هو منها وبها أو هو بعضها، والمرادُ في العبارتين المجازُ. قوله: ((لم تكنْ آمَنَتْ)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ أحدها: أنها في محل نصب لأنها نعتٌ لنفساً، وفَصَل بالفاعل وهو ((إيمانها)) بين الصفة وموصوفها لأنه ليس بأجنبي، إذ قد اشترك الموصوف الذي هو المفعول والفاعل في العامل، فعلى هذا يجوز: ((ضرب هنداً غلامُها القرشية)) وقوله ((أوكسبت)) عطف على ((لم تكن آمنت)). وفي هذه الآية بحوثٌ حسنة تتعلق بعلم العربية، وعليها تُبْنى مسائل من أصول الدين، وذلك أن المعتزلي يقول: مجردُ الإِيمان الصحيح لا يكفي بل لا بد من انضمام عَمَلِ يقترن به ويصدِّقه، واستدل بظاهر هذه الآية، وذلك (١) إعراب القرآن ٥٩٤/١. (٢) الكتاب ٢٥/١. (٣) الكشاف ٢/ ٦٤. (٤) البحر ٢٦٠/٤. ٢٣٣ - الأنعام - كما قال الزمخشري(١) ((لم تكنْ آمَنَتْ من قبلُ)) صفة لقوله ((نفساً) وقوله (أوكسبت في إيمانها خيراً)) عُطِفت على ((آمنت)) والمعنى: أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي آياتٌ مُلْجئةٌ مضطرة ذهب أوانُ التكليف عندها فلم ينفع الإِيمان حينئذ نفساً غيرَ مقدِّمَةٍ إيمانَها قبل ظهور الآيات أو مقدِّمةً إيمانَها غير كاسبة خيراً في إيمانها، فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإِيمان وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً ليعلم أن قوله ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات)» جَمْعٌ بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوزَ صاحبُهما ويَسْعَدَ، وإلا فالشِّقوة والهلاك)). وقد أجاب الناس عن هذا الظاهر بأن المعنى بالآية الكريمة: أنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفساً كافرة إيمانُها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفساً سَبْقُ إيمانها وما كسبت فيه خيراً، فقد عَلَّق نفع نفي الإِيمان بأحد وصفين: ((إمَّا نفي سبق الإِيمان فقط وإمّا سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه أنه ينفع الإِيمان السابق وحده أو السابق ومعه الخير، ومفهوم الصفة قوي فيُسْتدل بالآية لمذهب أهل السنة فقد قَلَبوا دليلهم دليلاً عليهم. وقد أجاب القاضي ناصرالدين بن المنّر(٢) عن قول الزمخشري فقال(٣): ((قال أحمد: هو يرومُ الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلود سواء حيث سوّى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات، ولا يتمُّ ذلك، فإن هذا الكلام في البلاغة يُلَقَّبُ باللفِّ وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعدُ ولا نفساً لم تكسب خيراً قبل ما تكسبه من الخير بعدُ، فَلَّف الكلامَيْن فجعلهما (١) الكشاف ٢ /٦٣. (٢) أحمد بن محمد بن المنيز المالكي، له: البحر الكبير والانتصاف من صاحب الكشاف، بينَّ فيه ما تضمَّنه من الاعتزال. توفي سنة ٦٨٣. انظر: معجم المؤلفين ١٦١/٢. (٣) الانتصاف وهو حاشية على الكشاف ٦٣/٢. ٢٣٤ - الأنعام - كلاماً واحداً إيجازاً وبلاغةً، ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب الحق فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتسابُ الخير وإن نفع الإِيمان المتقدم من الخلود، فهي بالردِّ على مذهبه أَوْلى من أن تدلْ له» /. [١/٣٦٨] الثاني: أن هذه الجملةَ في محل نصب على الحال من الضمير المجرور، قاله أبو البقاء(١) يعني من ((ها)) في إيمانها. الثالث: أن تكون مستأنفة. وبهذا بدأ أبو البقاء(٢) وثّنى بالحال، وجعل الوصفَ ضعيفاً كأنه استشعر ما ذكره الزمخشري ففرٌّ مِنْ جَعْلها نعتاً، والشيخ(٣) جعل الحال بعيداً والاستئناف أبعد منه. آ. (١٥٩) وقرأ الأخوان(٤): ((فارقوا)): من المفارقة وفيها وجهان أحدهما: أن فاعَلَ بمعنى فَعَّل نحو: ضاعَفْتُ الحساب وضعَّفْتُه. وقيل: هي من المفارقة، وهي الترُكُ والتخلِيَةُ ومَنْ فَرَّق دينه فآمن ببعض وكفر ببعض فقد فارق الدين القيم. وقرأ الباقون فرَّقوا بالتشديد. وقرأ الأعمش وأبو صالح(٥) وإبراهيم فَرّقوا مخفف الراء. قال أبو البقاء(٦): ((وهو بمعنى المشدد، ويجوز أن يكون بمعنى فَصَلُوه عن الدين الحق، وقد تقدم معنى الشيع(٧). وقوله: ((لستَ منهم)) في محل رفع خبراً لإِنْ، و((منهم، هو خبر ((ليس)) إذ به تتمُّ الفائدة كقول النابغة (٨): (١) الإملاء ٢٦٦/١. (٢) الإملاء ٢٦٦/١. (٣) البحر ٢٦٠/٤. (٤) انظر: السبعة ٢٧٤؛ والمحتسب ٢٣٨/١؛ والنشر ٢٥٧/٢؛ والحجة ٢٧٨؛ والبحر ٤ /٢٥٩. (٥) لعله محمد بن عمير أبو صالح الهمذاني الكوفي، مقرىء عارف بحرف حمزة. توفي سنة ٣١٠. طبقات القراء ٢٢٢/٢. (٦) الإملاء ٥٦٦/١. (٧) انظر إعرابه للآية ٦٥ من الأنعام. (٨) تقدم برقم ١٠٢٣. ٢٣٥ - الأنعام - فإني لستُ منك ولست مني ٢١٣١ - إذا حاولْتَ في أسد فُجورا ونظيره في الإِثْبات: ((فَمَنْ تَبِعَني فإنه مني))(١)، وعلى هذا فيكون ((في شيء)) متعلقاً بالاستقرار الذي تعلق به منهم أي: لست مستقراً منهم في شيء أي: مِنْ تفريقهم. ويجوز أن يكون ((في شيء)) الخبر و ((منهم)) حال مقدمة عليه، وذلك على حذف مضاف أي: لست في شيء كائن من تفريقهم، فلمًّا قُدِّمت الصفة نصبت حالاً . آ. (١٦٠) قوله تعالى: ﴿فله عَشْرُ أمثالها﴾: إنما ذَكَّر العددَ والمعدودُ مذكَّر لأوجه منها: أنَّ الإِضافة لها تأثيرٌ كما تقدَّم غيرَ مرة فاكتسب المذكر من المؤنث التأنيث فأُعطي حكمَ المؤنث من سقوط التاء من عدده؛ ولذلك يؤنث فعلُه حالةً إضافته لمؤنث نحو: ((تلتقطه بعض السيارة))(٢)، [وقوله](٣): كما شَرِقتِ صدرُ القَنَاةِ ٢١٣٢- [وقوله](٤): ٢١٣٣- تسفُّهت أعاليها مُّ الرياح . إلى غير ذلك مما تقدم تحقيقه. ومنها: أن هذا المذكر عبارة عن مؤنث، فروعي المراد دون اللفظ وعليه قوله(٥): ٢١٣٤ - وإنَّ كلاباً هذه عشرُ أَبْطُنِ وأنت بريء من قبائلها العشر (١) الآية ٣٦ من إبراهيم. (٢) الآية ١٠ من يوسف وهي قراءة مجاهد والحسن. البحر ٢٨٤/٥؛ الإتحاف ٢٦٢. (٣) تقدم برقم ٥٤٢. (٤) تقدم برقم ٥٤١. (٥) البيت للنواح الكلابي، وهو في الكتاب ١٧٤/٢؛ والمقتضب ١٤٨/٢؛ والخصائص ٤١٧/٢؛ والعيني ٤ / ٤٨٤. ٢٣٦ - الأنعام - لم يُلْحِق التاء في عدد أبطن وهي مذكرة لأنها عبارة عن مؤنث وهي القبائل فكأنه قيل: وإن كلاباً هذه عشر قبائل، ومثله قول عمر ابن أبي ربيعة(١): ٢١٣٥- وكان مِجَنِّي دونَ مَنْ كنت أتَّقي ثلاثُ شُخوصٍ كاعبانِ ومُعْصِرُ لم يُلحِق التاء في عدد ((شخوص)) وهي مذكرة لَمَّا كانت عبارة عن النسوة، وهذا أحسنُ مما قبله للتصريح بالمؤنث في قوله: كاعبان ومعصر، وهذا كما أنه إذا أريد بلفظ مؤنث معنى مذكر فإنهم ينظرون إلى المراد دون اللفظ فيُلْحقون التاء في عدد المؤنث، ومنه قول الشاعر (٢): لقد جار الزمانُ على عِيالي ٢١٣٦ - ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ فألحق التاءَ في عدد ((أنفس) وهي مؤنثة لأنها يراد بها ذكور، ومثله: ((اثنتي عشرة أسباط))(٣) في أحد الوجهين وسيأتي إن شاء الله في موضعه. ومنها: أنه راعى الموصوف المحذوف والتقدير: فله عشرُ حسناتٍ أمثالها، ثم حذف الموصوف وأقام صفته مُقَامَه تاركاً العدد على حاله، ومثله ((مررت بثلاثة نسابات)) ألحقت التاء في عدد المؤنث مراعاةً للموصوف المحذوف، إذ الأصل: بثلاثة رجال نسابات. وقال أبو علي: ((اجتمع ههنا أمران كلُّ منهما يوجب التأنيث، فلمّا اجتمعا قوي التأنيث، أحدهما: أن الأمثالَ في المعنى ((حسنات)) فجاز التأنيثُ كقوله(٤): ثلاثُ شخوصٍ كاعبان ومعصـ ٢١٣٧- (١) ديوانه ١٠٠. (٢) البيت الحطيئة وهو في ديوانه ٣٩٥. (٣) الآية ١٦٠ من الأعراف. (٤) تقدم برقم ٢١٣٥. ٢٣٧ - الأنعام - أراد بالشخوص النساء، الآخر: أن المضاف إلى المؤنث قد يؤنَّث وإن: كان مذكراً كقول من قال: ((قُطِعَتْ بعض أصابعه)) ((تلتقطه بعضُ السَّيّارة))(١) وقرأ يعقوب(٢) والحسن وسعيد بن جبير والأعمش وعيسى بن عمر بالتنوين ((أمثالُها)) بالرفع صفة لعشر أي: فله عشر حسنات أمثال تلك الحسنة، وهذه القراءة سالمةٌ من تلك التآويل المذكورة في القراءة المشهورة. آ. (١٦١) قوله تعالى: ﴿دِيْناً﴾: نصبه من أوجه، أحدها: أنه مصدر على المعنى أي: هداني هداية دين قيم، أو على إضمار ((عَرَّفني ديناً» أو الزموا ديناً. وقال أبو البقاء(٣): ((إنه مفعول ثان لهداني، وهو غلط؛ لأن المفعول الثاني هنا هو المجرور بإلى فاكتفى به. وقال مكي(٧): إنه منصوب على البدل من محل ((إلى صراط)). وقيل: بهداني مقدرةً لدلالة ((هداني)) الأول عليها، وهو كالذي قبله في المعنى. وقرأ الكوفيون(٥) وابن عامر: ((قِيماً) بكسر القاف وفتح الياء خفيفة [٣٦٨/ب] والباقون بفتحها وكسر الياء شديدة، وتقدَّم توجيه إحدى القراءتين في / النساء والمائدة. و ((مِلَّ)) بدل من ((ديناً)) أو منصوب بإضمار أعني. و((حنيفاً) قد ذكر في البقرة(٦). وقرأ نافع(٧) ومَحيائي بسكون ياء المتكلم وفيها الجمع بين ساكنين. (١) الآية ١٠ من يوسف. وتقدم تخريجها قبل قليل. (٢) انظر: النشر ٢٥٧/٢؛ البحر ٢٦١/٤. (٣) الإملاء ٢٦٧/١. (٤) المشكل ٣٠١/١. (٥) انظر: السبعة ٢٧٤؛ والنشر ٢٥٧/٢؛ والكشف ٤٥٨/١؛ والحجة ٢٧٨؛ والبحر: ٢٦٢/٤. (٦) انظر إعرابه للآية ١٣٥ من البقرة. (٧) انظر: السبعة ٢٧٤؛ الحجة ٢٧٩؛ الكشف ٤٥٩/١؛ النشر ٢٥٧/٢؛ البحر. ٢٦٢/٢. ٢٣٨ - الأنعام - قال الفارسي(١) كقوله ((التقت حَلْقتا البطان)) ((ولفلان ثلثا المال)) يعنون الألفين. وقد طعن بعض الناس على هذه القراءة بما ذكرت من الجمع بين الساكنين، وتعجِّبْتُ من كون هذا القارىء يحرِّك ياء ((مماتي)» ويُسَكِّن ياء (مَحْياي)). وقد نقل بعضهم عن نافع الرجوع عن ذلك. قال أبو شامة: ((فينبغي أن لا يَحِلَّ نَقْلُ تسكين ياء (محياي)) عنه)). وقرأ نافع في رواية (محياي)) بكسر الياء وهي تُشْبه قراءة حمزة في ((مُصْرخِيٍّ))(٢) وستأتي إن شاء الله تعالى. وقرأ(٣) ابن أبي إسحاق وعيسى الجحدري: ((ومَحْيَيٍّ)) بإبدال الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة هذيل، وقد أنشدْتُ عليها قول أبي ذؤيب (٤): فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ٢١٣٨ - سبقوا هَوَيَّ وأعنقوا لهواهُمُ في سورة البقرة. ومن هنا إلى آخر السورة إعرابُه ظاهر لِما تكرر من النظائر. وأكَّد قوله ((لغفور)) باللام دلالةً على سعة رحمته، ولم يؤكد سرعة العقاب بذلك هنا وإن كان قد أكد ذلك في سورة الأعراف، لأن هناك المقامَ مقامُ تخويف وتهديد وبعد ذكر قصة المعتدين في السبت وغيره فناسب تأكيدً العقاب هناك، وأتى بصفتي الغفران والرحمة، ولم يأت في جانب العقاب إلا بصفة واحدة دلالة على حلمه وسَعَة مغفرته ورحمته . انتهى بحمد الله . (١) الحجة (خ) ٤٧٢/٢. (٢) الآية ٢٢ من إبراهيم، وذلك بتحريك ياء بمصرخي الثانية بالكسر. السبعة ٣٦٢. (٣) البحر ٢٦٢/٤. (٤) تقدم برقم ٣٩٤. ٢٣٩