النص المفهرس

صفحات 181-200

- الأنعام -
ذلك في النساء(١) فقوله تعالى ((وحَرْث حِجْر)) أي ممنوع، فـ ((فِعْل)) بمعنى
مفعول كالذَّبْح والنِّطْح بمعنى مذبوح ومنطوح. فإن قيل: قد تقدم شيئان:
وهما أنعام وحرث وجيء بالصفة مفردة فالجواب أنه في الأصل مصدر
والمصدر يُذَكَّر ويُوَحَّد مطلقاً. وقال الزمخشري(١): ((ويستوي في الوصف به
المذكر والمؤنث والواحد والجمع؛ لأنَّ حكمه حكم الأسماء غير الصفات)»
قلت: يعني بكونه حكمه حكم الأسماء أنه في الأصل مصدرٌ لا صفةٌ، فالاسم
هنا يُراد به المصدرُ وهو مقابل الصفة.
وأمَّا بقيّةُ القراءات فقال أبو البقاء (٣): ((إنها لغات في الكلمة)) وفَسَّر
معناها بالممنوع. قلت: ويجوز أن يكون المضمومُ الحاء والجيم مصدراً وقد
جاء من المصادر للثلاثي ما هو على وزن فُعُل بضم الفاء والعين نحو: حُلُم.
ويجوز أن يكون جمع ((حَجْر)) بفتح الحاء وسكون الجيم، وفُعُل قد جاء قليلاً
جمعاً لفَعْل نحو: سَقْف وسُقُف ورَهْن ورُهُن، وأن يكونَ جمعاً لِفِعْل بكسر
الفاء، وفُعُل أيضاً قد جاء جمعاً لفِعْل بكسر الفاء وسكون العين نحو حِذْج(٤)
وحُدُج. وأما حُجْر بضم الحاء وسكون الجيم فهو مخفف من المضمومِها
فيجوز أن يكون مصدراً، وأن يكون جمعاً لحَجْر أو حِجْر. وقرأ أبيّ بن كعب
وعبدالله بن العباس وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن الزبير وعكرمة وعمرو ابن
دينار والأعمش: حِرْج بكسر الحاء وراء ساكنة مقدمة على الجيم، وفيها
تأويلان، أحدهما: أنها من مادة الحَرَج وهو التضييق، قال أبو البقاء(٥): «وأصلُه
خَرِج بفتح الحاء وكسر الراء ولكنه خُفِّف ونُقِل مثل فَخْذ في فخِذ)). قلت:
(١) انظر إعرابه للآية ٢٣ من النساء.
(٢) الكشاف ٥٥/٤.
(٣) الإِملاء ٢٦٢/١.
(٤) الحدج: الحمل.
(٥) الإملاء ٢٦٢/١.
١٨١

- الأنعام -
ولا حاجةً إلى ادِّعاء ذلك، بل هذا جاء بطريق الأصالة على وزن فِعْل.
والثاني: أنه مقلوبُ مِنْ حجر قُدْمَتْ لام الكلمة على عينها ووزنه فِلْع كقولهم
ناء في نأى ومعيق في عميق، والقلب قليل في لسانهم. وقد قدَّمْتُ منه جملة
[٣٥٨/ب] صالحة عند قوله تعالى: ((أشياء))(١) في المائدة /.
قوله: ((لا يَطْعَمُها إلا مَنْ نشاء)» هذه الجملة في محل رفع نعتاً لأنعام،
وَصَفوه بوصفين أحدهما: أنه حجر، والثاني: أنه لا يأكله إلا من شاؤوا، وهم:
الرجال دون النساء: أو سَدَنة الأصنام. و ((من يشاء)) فاعل بـ ((يَطْعَمُها)»
وهو استثناء مفرغ و (بزعمهم)) حال كما تقدم في نظيره.
قوله: ((افتراء)) فيه أربعة أوجه أحدها: وهو مذهب سيبويه(٢) أنه مفعول
من أجله أي: قالوا ما تقدَّم لأجل الافتراء على الباري تعالى. الثاني: مصدر
على غير الصدر لأن قولهم المحكيَّ عنهم افتراء، فهو نظير ((قعد القرفصاء»
وهو قول الزجاج(٣). الثالث: أنه مصدرٌ عاملُه من لفظه مقدر أي: اقْتَرَوا ذلك
افتراءً. الرابع: أنه مصدر في موضع الحال أي: قالوا ذلك حالَ افترائهم، وهي
تشبه الحال المؤكدة؛ لأن هذا القولَ المخصوصَ لا يكون قائله إلا مفترياً.
وقوله ((على الله)) يجوز تعلَّقه بـ ((افتراء)) على القول الأول والرابع، وعلى
الثاني والثالث بقالوا لا بافتراء؛ لأنَّ المصدر المؤكّد لا يعمل، ويجوز أن يتعلَّق
بمحذوفٍ صفةً لافتراء، وهذا جائز على كل قولٍ من الأقوال السابقة. وقوله
((بما كانوا)) الباء سببية، و ((ما)) مصدرية أو موصوفةٌ أو بمعنى الذي.
آ. ١٣٩ قوله تعالى: ﴿خالصة﴾: الجمهور على ((خالصة)) بالتأنيث
مرفوعاً على أنه خبر (ما)) الموصولة، والتأنيث: إمَّا حَمْلاً على المعنى؛ لأن الذي
(١) من الآية ١٠١.
(٢) الكتاب ١٨٤/١ - ١٨٦ .
(٣) معاني القرآن ٣٢٣/٢.
١٨٢

- الأنعام -
في بطون الأنعام أنعام، ثم حُمِلَ على لفظها في قوله ((ومحرَّم))، وإمَّا لأنَّ
التأنيث للمبالغة كهو في عَلَّمة ونسَّابة وراوية، وإمَّا لأن ((خالصة)) مصدر على
وزن فاعلة كالعاقبة والعافية. وقال تعالى: ((بخالصة ذكرى الدار))(١) وهذا
القول قول الفراء(٢)، والأول له أيضاً ولأبي إسحاق الزجاج(٣)، والثاني
الكسائي، وإذا قيل: إنها مصدر كان ذلك على حذف مضاف أي: ذو خلوصٍ
أو على المبالغة، أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل كنظائره. وقال الشاعر(٤):
وليس كلُّ امِرِئٍ بمؤتمنٍ
٢٠٩٦ - وكنتِ أُمْنِيَّتِي وكنتِ خالصتي
وهذا مستفيضٌ في لسانهم: فلان خالصتي أي ذو خلوصي.
و ((لذكورنا)) متعلُّقٌ به، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه وصف لخالصة
وليس بالقوي .
وقرأ(٥) عبد الله وابن جبير وأبو العالية والضحاك وابن أبي عبلة ((خالص))
مرفوعاً على ما تقدَّم من غير هاء. و((لذكورنا)) متعلق به أو بمحذوف
كما تقدَّم. وقرأ ابن جبير أيضاً فيما نقله عنه ابن جني(٦) ((خالصاً)) نصباً من
غير تاء، ونصبُه على الحال، وفي صاحبه وجهان أظهرهما: أنه الضمير
المستتر في الصلة. الثاني: أنه الضمير المستتر في ((لذكورنا)) فإنَّ (لذكورنا)»
على هذه القراءة خبر المبتدأ، وهذا إنما يجوز على مذهب أبي الحسن لأنه
يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي نحو: ((زيد مستقراً في الدار))،
والجمهور يمنعونه، وقد تقدَّم تحقيق هذه المسألة بتفصيلها ودلائلها .
(١) الآية ٤٦ من ص.
(٢) معاني القرآن ٣٥٩/١.
(٣) معاني القرآن ٣٢٤/٢.
(٤) لم أقف عليه .
(٥) المحتسب ٢٣٢/١؛ والبحر ٢٣٢/٤.
(٦) المحتسب ٢٣٢/١.
١٨٣

- الأنعام -
وقرأ ابن عباس أيضاً والأعرج وقتادة ((خالصةً)) نصباً بالتأنيث، والكلام
في نصبه وتأنيثه كما تقدم في نظيره، وخرَّجه الزمخشري(١) على أنه مصدر
مؤكد كالعاقبة. وقرأ ابن عباس أيضاً وأبورزين وعكرمة وأبو حيوة: ((خالصُه)).
برفع ((خالص)» مضافاً إلى ضمير (ما)). ورفعه على أحد وجهين: إمَّا على
البدل من الموصول، بدل بعض من كل، و(لذكورنا)) خبر الموصول، وإمَّا على أنه
مبتدأ، و((لذكورنا)) خبره والجملة خبر الموصول، وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّم أنه حيث
قلنا: إن ((خالصة)) مصدر أوهي للمبالغة فليس في الكلام حَمْلٌ على معنى ثم
على لفظ، وإن قلنا: إن التأنيث فيها لأجل تأنيث ما في البطون كان في
الكلام الحَمْلُ على المعنى أولا ثم على اللفظ في قوله «مُحَرَّمٌ)) ثانياً، وليس
لذلك في القرآن نظير، أعني الحمل على المعنى أولًا ثم على اللفظ ثانياً.
إلا أن مكِّيَّاً زعم في غير ((إعراب القرآن)) له أن لهذه الآية نظائر
فذكرها، وأما في إعرابه فلم يذكر أن غيرها في القرآن شاركها في ذلك، فقال
[٣٥٩/أ] في إعرابه(٢) ((وإنما أَنَّث الخبر / لأنَّ ما في بطون الأنعام أنعامٌ فحمل التأنيث
على المعنى، ثم قال: ((ومُحَرَّمٌ) فذكَّر حَمْلًاً على لفظِ ((ما))، وهذا نادرٌ
لا نظير له، وإنما يأتي في ((مَنْ)) و (ما)) حَمْلُ الكلام أولاً على اللفظ ثم على
المعنى بعد ذلك فاعرفه فإنه قليل)). وقال في غير ((الإِعراب)): «هذه الآية في
قراءة الجماعة أَتَتْ على خلاف نظائرها في القرآن؛ لأنَّ كلَّ ما يُحْملَ على
اللفظ مرةً وعلى المعنى مرة إنما يتبدىء أولاً بالحمل على اللفظ ثم يليه
الحَمْل على المعنى نحو: ((مَنْ آمَنَ بالله))(٣) ثم قال: ((فلهم أجرُهم))، هكذا
يأتي في القرآن وكلام العرب، وهذه الآية تَقَدَّم فيها الحَمْلُ على المعنى فقالٍ
(١) الكشاف ٥٥/٢.
(٢) المشكل ٢٩٢/١
(٣) الآية ٦٢ من البقرة.
۔۔
١٨٤

- الأنعام -
((خالصة))، ثم حُمِلَ على اللفظ فقال: ((ومُحرَّمٌ))، ومثله ((كلُّ ذلك كان سَيِّئَةً))(١)
في قراءة نافع ومَنْ تابعه فأَنَّث على معنى ((كل)) لأنها اسم لجميع ما تقدَّم
ممَّا نهى عنه من الخطايا ثم قال: ((عند ربك مكروهاً)) فذكَّر على لفظ ((كل))
وكذلك ((ما تَرْكبون، لتستووا على ظهوره))(٢)، جَمَعَ الظهور حملاً على
معنى ((ما)) ووحَّد الهاءَ حَمْلاً على لفظ ((ما))، وحُكي عن العرب: ((هذا الجرادُ
قد ذهب فأراحنا مِنْ أَنْفُسِه)) جمع الأنفس ووحَّد الهاء وذكَّرها.
قلت: أمَّا قوله ((هكذا أتى في القرآن)) فصحيح، وأمَّا قوله ((وكلام العرب))
فليس ذلك بمُسَلَّم؛ إذ في كلام العرب البداية بالحَمْلِ على المعنى، ثم على
اللفظ، وإن كان عكسُه هو الكثير، وأمَّا ما جعله نظيرَ هذه الآية في الحَمْل على
المعنى أولا ثم على اللفظ ثانياً فليس بُمَسلَّم أيضاً، وكذلك لا نُسَلَّم أن هذه
الآية ممَّا حُمِلَ فيها على المعنى أولاً، ثم على اللفظ ثانياً. وبيان ذلك أنَّ
لقائلٍ أن يقول: صلة ((ما)) جار ومجرور، وهو متعلق بمحذوف فتقدره مسنداً
لضمير مذكَّر أي: ما استقرَّ في بطون هذه الأنعام، ويبعد تقديره باستقرَّت، إذا
عُرِف هذا فيكون قد حَمَل أولاً على اللفظ في الصلة المقدرة ثم على المعنى
ثانياً. وأمَّا ((كل ذلك كان سَيِّئَةً)) فبدأ فيه أيضاً بالحَمْل على اللفظ في قوله
(كان)) فإنه ذكَّر ضميره المستتر في ((كان)) ثم حمل على المعنى في قوله
((سيِّئة)) فَأَنَّث. وكذلك ((لتَسْتَووا)) فإنَّ قبله (ما تركبون))، والتقدير: ما تركبونه،
فحمل العائد المحذوف على اللفظ أولاً ثم حُمِلَ على المعنى ثانياً، وكذلك
في قولهم ((هذا الجراد قد ذهب)) حُمِلَ على اللفظ فأفرد الضمير في ((ذهب))،
ثم حُمِلَ على المعنى ثانياً فجمع في قوله ((أنفسه))، وفي هذه المواضع يكون
قد حمل فيها أولاً على اللفظ، ثم على المعنى، ثم على اللفظ، وكنتُ قد
(١) الآية ٣٨ من الإسراء وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو أيضاً. انظر: السبعة ٣٨٠.
(٢) الآية ١٣ من الزخرف.
١٨٥

- الأنعام -
قَدَّمْتُ أن في القرآن من ذلك أيضاً ثلاثة مواضع: آية المائدة: ((وَعَبّد:
الطاغوت))(١)، ولقمان: ((ومن الناس مَنْ يشتري لَهْو الحديث))(٢)، والطلاق:
((وَمَنْ يؤمن بالله))(٣).
قوله: ((وإن يكنْ ميتة)) قرأ(٤) ابن كثير ((يكن)) بياء الغيبة مَيْتَةٌ رفعاً،
وابن عامر: ((تكن)) بتاء التأنيث، ميتة رفعاً، وعاصم في رواية أبي بكر ((تكن))
بتاء التأنيث ((ميتةً)) نصباً، والباقون ((تكن)) كابن كثير، ((ميتةً)) كأبي بكر.
والتذكير والتأنيث واضحان لأن الميتة تأنيث مجازي لأنها تقع على
الذكر والأنثى من الحيوان فَمَنْ أنَّث فباعتبار اللفظ، ومَنْ ذكَّر فباعتبارالمعنى،
هذا عند مَنْ یرفع ((میتٌ)) بـ ((تکن))، أمّا من ینصبها فإنه يسند الفعل حينئذٍ إلى ضمير
فيذكُّر باعتبار لفظ ((ما)) في قوله ((ما في بطون)) ويؤنِّث باعتبار معناها. ومن
نصب ((ميتة)) فعلى خبر ((كان)) الناقصة. ومَنْ رفع فيحتمل وجهين، أحدهما:
أن تكون التامة، وهذا هو الظاهر أي: وإن وجد ميتة أو حَدَثَتْ، وأن تكون
الناقصة، وحينئذٍ يكون خبرُها محذوفاً أي: وإن يكن هناك أو في البطون ميتة
وهذا رأي الأخفش، فيكون تقدير قراءة ابن كثير: وإن يَحْدُثْ حيوان ميتة
أو: وإن يكن في البطون ميتة، على حسب التقديرين تماماً ونقصاناً، وتقدير
قراءة ابن عامر كتقدير قراءته، إلا أنه أنَّث الفعل باعتبار لفظ مرفوعه، وتقدير قراءة
أبي بكر: وإن تكنِ الأنعامُ أو الأجنَّة ميتةً، فأَنَّث حَمْلاً على المعنى، وقراءة
الباقين كتقدير قراءته إلا أنهم ذكَّروا باعتبار اللفظ، قال أبو عمرو بن العلاء:
((ويُقَوِّي هذه القراءةَ - يعني قراءة التذكير والنصب - قوله ((فهم فيه)) ولم يقل.
[٣٥٩/ب] فيها). ورُدَّ هذا / على أبي عمرو بأن الميتة لكل ميت ذكراً كان أو أنثى فكأنه
(٢) الآية ٦ من لقمان.
(١) الآية ٦٠ من المائدة.
(٣) الآية ١١ من الطلاق.
(٤) انظر: السبعة ٢٧٠؛ والحجة ٢٧٤؛ والكشف ٤٥٤/١؛ والنشر ٢٥٦/٢؛ والبحر
٤ / ٢٣٣.
١٨٦

- الأنعام -
قيل: وإن يكن ميتاً فهم فيه، يعني فلم يَصِرْ له في تذكير الضمير في ((فيه))
حُجَّةٌ.
ونقل الزمخشري(١) قراءة ابن عامر عن أهل مكة فقال: ((قرأ أهل مكة
((وإن تكنْ ميتةٌ)) بالتأنيث والرفع)) فإن عنى بأهل مكة ابن كثير - ولا أظنه
عناه - فليس كذلك وإن عنى غيره فيجوز، على أنه يجوز أن يكون ابن كثير
قرأ بالتأنيث أيضاً، لكن لم يُشْتهر عنه اشتهارَ التذكير. وقرأ يزيد ((مَيَّنَة))
بالتشديد. وقرأ عبد الله(٢): ((فهم فيه سواء))(٣) وأظنها تفسيراً لا قراءةً لمخالفتها السواد.
أ. ١٤٠ قوله تعالى: ﴿قد خسر الذين قَتَلُوا﴾: هذا جواب قسم
محذوف. وقرأ(٤) ابن كثير وابن عامر - وهي قراءة الحسن وأبي عبدالرحمن -
((قُتَّلوا)) بالتشديد مبالغة وتكثيراً، والباقون بالتخفيف، و((سفها)) نصب على الحال
أي: ذوي سَفَهٍ، أو على المفعول من أجله وفيه بُعْدٌ، لأنه ليس علة باعثة
أو على أنه مصدر لفعل مقدر أي سفهوا سفهاً، أو على أنه مصدر على غير
الصدر؛ لأن هذا القتل سَفَةٌ. وقرأ اليماني (٥) ((سُفَهاء)) على الجمع وهي حال ،
وهذه تقوِّي كونَ قراءةِ العامة مصدراً في موضع الحال حيث صرَّح بها.
و ((بغير علم)»: إمَّ حال أيضاً، وإمّا صفةٌ لسفهاً وليس بذاك.
آ. ١٤١ قوله تعالى: ﴿مختلفاً أكلُّهُ﴾: منصوب على الحال، وفيها
قولان أحدهما: أنها حال مقدرة لأن النخل والزرع وقت خروجهما لا أَكْلَ
فيهما حتى يقال فيه متفق أو مختلف، فهو كقوله ((فادخلوها خالدين))(٦)
(١) الكشاف ٥٥/٢.
(٢) انظر: البحر ٢٣٣/٤.
(٣) أي بدل شركاء.
(٤) انظر: السبعة ٢٧١؛ والنشر ٢٥٦/٢؛ والحجة ٢٧٥؛ والبحر ٢٣٣/٤.
(٥) البحر ٢٣٤/٤.
(٦) الآية ٧٣ من الزمر.
١٨٧

- الأنعام-
وكقولهم: ((مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً) أي: مقدِّراً الاصطياد به.
والثاني : أنها حال مقارنة وذلك على حذف مضاف أي: وثمر النخل وجب
الزرع. و ((أُكُلُه)) مرفوع بـ ((مختلفاً)) لأنه اسم فاعل، وشروط الإِعمال موجودة.
والأكُل: الشيء المأكول، وقد تقدَّم أنه يُقْرأ بضم الكاف وسكونها ومضى
تحقيقه في البقرة (١).
والضمير في ((أُكُله)): الظاهر أنه يعود على الزرع فقط: إمَّا لأنه حذف
حالاً من النخل لدلالة هذه عليها تقديره: والنخل مختلفاً أكله، والزرع مختلفاً
أكله، وإمَّا لأن الزرع هو الظاهر فيه الاختلافُ بالنسبة إلى المأكول منه كالقمح
والشعير والفول والحمص والعَدَس وغير ذلك. وقيل إنها تعود عليهما، قال
الزمخشري(٢): ((والضمير للنخل، والزرعُ داخلٌ في حكمه لكونه معطوفاً عليه)).
قال الشيخ (٣): ((وليس بجيد، لأن العطفَ بالواو لا يُجَوِّزُ إفراد ضمير
المتعاطفين)). وقال الجوفي: ((والهاء في ((أكلُّه)) عائدةٌ على ذِكْرِ ما تقدَّم من هذه
الأشياء المنشآت)»، وعلى هذا الذي ذكره الحوفي لا تختص الحال بالنخل
والزرع بل يكون لِما تقدَّم جميعه.
قال الشيخ (٤): ((ولو كان كما زعم لكان التركيب ((أكلها))، إلا إنْ أُخذ
ذلك على حذف مضاف أي: ثمر جنات، وروعي هذا المحذوفُ فقيل: ((أُكُلُه))
بالإِفراد على مراعاته، فيكون ذلك كقوله: ((أو كظلمات في بحر لُجِّيّ يغشاه
موج))(٥) أي: أو كذي ظلمات؛ ولذلك أعاد الضمير في يغشاه عليه)). قلت:
فيبقى التقدير: مختلفاً أكل ثمر الجنات وما بعدها، وهذا يلزم منه إضافة الشيء :
:
(١) انظر إعرابه للآية ٢٦٥ من البقرة.
(٢) الكشاف ٥٦/٢
(٣) البحر ٢٣٦/٤.
(٤) البحر ٢٣٦/٤.
(٥) الآية ٤٠ من النور.
١٨٨

- الأنعام -
إلى نفسه، لأن الْأَكُل كما تقدم غير مرة أنه الثمر المأكول. قال الزمخشري(١)
في الأكل: ((وهو ثمره الذي يؤكل)). وقال ابن الأنباري: ((إن مختلفاً نُصب على
القطع فكأنه قال: والنخل والزرع المختلف أُكُلُهما)) وهذا رأي الكوفيين وقد
تقدم إيضاحه غير مرة.
وقوله: ((والزيتونَ والرُّمَّان إلى قوله ((إذا أَثْمر)) قد تقدم إيضاحه(٢).
قوله ((حصادِه)» قرأ(٣) أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء، والباقون
بكسرها، وهما لغتان في المصدر لقولهم جَداد (٤) وجِداد، وقَطاف
وقِطاف(٥)، وحَران وحِران(٦). قال سيبويه(٧): ((جاؤوا بالمصدر حين أرادوا
انتهاء الزمان على مثالٍ فِعال، وربما قالوا فيه فَعال)» يعني أن هذا مصدر
خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر فإن المصدر الأصلي إنما
هو الحصد، فالحصدُ ليس فيه دلالةٌ على انتهاء زمان ولا عدمها بخلاف
الحصاد والحصاد. ونسب الفراء(٨) الكَسْرَ لأهل الحجاز / والفتح لتميم [٣٦٠/أ]
ونجد. واختار أبو عبيد الفتح قال: ((للفخامة، وإن كانت الأخرى فاشية غير
مدفوعة)»، ومكي (٩) الكسرَ قال: ((لأنه الأصل وعليه أكثر الجماعة)».
وقوله ((يوم حصاده)) فيه وجهان أحدهما: أنه منصوب بـ ((آتوا)) أي: أعطوا
(١) الكشاف ٥٦/٢.
(٢) انظر: إعرابه للآية ٩٩ من الأنعام.
(٣) انظر: السبعة ٢٧١؛ الكشف ٤٥٦/١؛ والنشر ٢٥٦/٢؛ والحجة ٢٧٥؛ والبحر
٤ /٢٣٨.
(٤) الجداد: صرام النخل.
(٥) القطاف: وقت القطف.
(٦) ضبطها في القاموس واللسان بالكسر والضم فقط. والحران مصدر حَرَنت الدابَّة.
(٧) الكتاب ٢١٧/٢ .
(٨) لم يرد هذا القول في كتابه معاني القرآن.
(٩) الكشف ٤٥٦/١.
١٨٩

- الأنعام -
واجبه يوم الحصاد. واستشكل بعض الناس ذلك بأن الإِيتاء إنما يكون بعد
التصفية فكيف يوجب الإِيتاء في يوم الحصد؟ وأجيب بأن ثَمَّ محذوفاً
والتقدير: إلى تصفيته قالوا: فيكون الحصاد سبباً للوجوب المُوَسَّع والتصفية
سبب للأداء، وأحسنُ من هذا أن يكون المعنى: واهتموا بإيتاء الزكاة الواجبة
فيه واقصدوه في ذلك اليوم.
والثاني: أنه منصوب بلفظ ((حقه)) على معنى: وأعطوا ما استحق منه يوم.
حصاده، فيكون الاستحقاق ثابتاً يوم الحصاد والأداء بعد التصفية، ويؤيدذلك
تقديرُ المحذوف عند بعضهم كما قَدَّمْتُه، وقال في نظير هذه الآية: ((انظروا
إلى ثَمَره)(١) وفي هذه ((كُلُوا)) قيل: لأن الأولى سِيْقَتْ للدلالة على كمال
قدرته وعلى إعادة الأجسام من عُجْب الذُّنَب فأمر بالنظر والتفكّر في البداية
والنهاية، وهذه سِيْقَت في مَعْرِض كمال الامتنان فناسب الأمر بالأكل، وتحصَّل
من مجموع الآيتين الانتفاعُ الأخروي والدنيوي، وهذا هو السبب لتقدم النظر
على الأمر بالأكل.
آ. ١٤٢ قوله تعالى: ﴿حَمَولةً وَفَرْشاً﴾: منصوبان على أنهما نُسِقا.
على جنات أي: وأنشأ من الأنعام حمولة. والحمولة: ما أطاق الحملَ عليه
من الإِبل. والفَرْش صغارُها، هذا هو المشهورُ في اللغة. وقيل: الحَمولة كبارُ
الأنعام أعني الإبل والبقر والغنم، والقَرْش صغارها قال: ((ویدل له أنه أبدل منه
قولَه بعد ذلك ثمانية أزواج من الضأن)) كما سيأتي. وقال الزجاج(٢): ((أجمع
أهل اللغة على أن الفَرْشَ صغار الإِبل، وأنشد(٣):
٢٠٩٧- أَوْرَثَنِي حَمولةً وفَرْشاً أَمُثُّها في كل يومٍ مَّشَّا
(١) الآية ٩٩ من الأنعام.
(٢) معاني القرآن ٣٢٧/٢ ولكنه هنا لم ينشد شيئاً.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ١١٢/٧؛ والبحر ٢٣٤/٤. ومشَّ: حَلَبَ.
١٩٠

- الأنعام -
وقال الآخر (١):
٢٠٩٨ - وَحَوَيْنا الفَرْشَ مِنْ أَنعامكم والحَمُولاتِ وربَّاتِ الحجالْ
قال أبو زيد: ((يحتمل أن يكون سُمِّيَتْ بالمصدر لأنَّ الفَرْشَ في الأصل
مصدر). والفَرْش لفظُ مشترك بين معانٍ كثيرة منها ما تقدَّم، ومنها متاع البيت،
والفضاء الواسع، واتساع خفِّ البعيرِ قليلاً، والأرض الملساء، عن
أبي عمرو بن العلاء، ونباتٌ يلتصق بالأرض، ومنه قول الشاعر(٢):
٢٠٩٩ - كمِشْفَر الناب تلوك الفَرْشا
وقيل: الحَمُولة: كلُّ ما حُمِل عليه، من إبل وبقر وبغل وحمار، والفّرْشُ
هنا ما اتُّخِذَ من صوفه ووبره وشعره مايفترش، وأنشدوا للنابغة(٣):
٢١٠٠ - وحَلَّتْ بيوتي في يَفاعِ مُمَنَّعٍ
تَخّالُ به راعي الحَمولَّةِ طائرا
وقال عنترة(٤):
٢١٠١ - وما راعني إلا حَمُولة أهلها
وسطَ الديارِ تَسُفُّ حب الخِمْخِمِ
آ. ١٤٣ قوله تعالى: ﴿ثمانية أزواج﴾: في نصبه ستةُ أوجه،
أحسنُها: أن يكونَ بدلاً من ((حَمولة وفرشاً)) لولا ما نقله الزجاج من الإجماع
المتقدم(٥)، ولكن ليس فيه أن ذلك محصورٌ في الإِبل، والقول بالبدل هو قول
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ١١٢/٧؛ والبحر ٢٣٤/٤. وربات الحجال: صغار
الإِبل.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان فرش.
(٣) ديوانه - بيروت - ٦٤؛ شرح المفصل ٥٤/٢. واليفاع: المشرف من الأرض.
(٤) ديوانه ١٨٨ والخمخم: نبت تعلفه الإِبل.
(٥) أي أن الفرش صغار الإِبل.
١٩١

- الأنعام -
الزجاج(١) والفراء (٢) والثاني: أنه منصوب بـ ((كلوا)) الذي قبله أي: كلوا
ثمانيةً أزواج، ويكون قوله ((ولا تَتَّبِعُوا)) إلى آخره كالمعترض بين الفعل ومنصوبه
وهو قول علي بن سليمان وقَدَّره: كُلوا لحمَ ثمانية. وقال أبو البقاء(٣):
((هو منصوب بـ ((كلوا) تقديره: كُلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج، ولا تُشْرفوا
معترض بينهما)). قلت: صوابه أن يقول: ((ولا تَبعوا)) بدلَ ((ولا تسرفوا)) لأنَّ
(كُلوا)) الذي يليه ((ولا تسرفوا) ليس منصباً على هذا لأنه بعيد منه، ولأنَّ بعده
ما هو أَوْلَى منه بالعمل، ويُحتمل أن يكون الناسخ غلط عليه، وإنما قال
هو ((ولا تَتَّبعوا)) ويدل على ذلك أنه قال ((تقديره: كلوا ممَّا رزقكم الله))، وكلوا
الأولُ ليس بعده ((مما رزقكم)) إنما هو بعد الثاني. الثالث: أنه عطف على
(جنات)) أي: أنشأ جنات وأنشأ ثمانية أزواج، ثم حُذِفَ الفعل وحرف العطف
وهو مذهب الكسائي. قال أبو البقاء(٤): ((وهو ضعيف)) قلت: الأمر كذلك، وقد
سُمِع ذلك في كلامهم نثراً ونظماً، ففي النثر قولهم: ((أكلت لحماً سمكاً تمراً»
وفي نظمهم قول الشاعر (٥):
٢١٠٢ - كيف أصبحتَ كيف أَمْسَيْتَ مِمَّا
يزرَعُ الودَّ في فؤاد الكريمِ
أي: أكلت لحماً وسمكاً وتمراً، وكيف أصبحت وكيف أمسيت، وهذا
على أحد القولين في ذلك. والقول الثاني أنه بدل بداء. ومنه الحديث: ((إن
الرجلَ ليصلِّي الصلاة، وما كُتِبَ له نصفُها ثلثُها ربعُها إلى أن وصل إلى
(١) معاني القرآن ٣٢٨/٢.
(٢) معاني القرآن ٣٥٩/١.
(٣) الإملاء ٢٦٣/١.
(٤) الإِملاء ٢٦٣/١.
(٥) تقدم برقم ١٢٨٥.
١٩٢

- الأنعام -
العُشْر))(١). الرابع: أنه منصوب بفعل محذوف مدلولٍ عليه بما في اللفظ
تقديره: كلوا ثمانيةَ أزواج، وهذا أضعفُ ممَّا قبله. الخامس: أنه منصوبٌ
على الحال، تقديره: / مختلفةً أو متعددة، وصاحب الحال ((الأنعام)) فالعامل [٣٦٠/ب]
في الحال ما تعلَّق به الجار وهو ((مِنْ)). السادس: أنه منصوب على البدل مِنْ
محلِّ ((ممَّا رزقكم الله)).
قوله: ((من الضّأْنِ اثنين)) في نصب ((اثنين)) وجهان أحدهما: أنه بدلٌ
من ((ثمانية أزواج)) وهو ظاهرُ قولِ الزمخشري فإنه قال(٢): ((والدليل عليه
(ثمانية أزواج)) ثم فَسَّرها بقوله ((من الضأن اثنين)) الآية. وبه صَرَّح أبو البقاء(٣)
فقال: ((واثنين بدل من الثمانية وقد عُطِفَ عليه بقية الثمانية)). والثاني: أنه
منصوبٌ بأنشأ مقدَّراً، وهو قول الفارسي، و ((مِنْ)) تتعلَّق بما نصب ((اثنين)).
والجمهور على تسكين همزة ((الضأن)» وهو جمع ضائن وضائنة كتاجر
وتاجرة وتَجْر، وصاحب وصاحبة وصَحْب، وراكب وراكبة ورَكْب. وقرأ
الحسن(٤) وطلحة بن مصرف وعيسى بن عمر ((الضَّأَن)) بفتحها، وهو إمَّا جمع
تكسير لضائن كما يقال خادم وخدم وحارس وحرس وطالب وطَلَب، وإمَّا اسم
جمع. ويُجْمع على ضَئين كما يقال: كلب وكليب، قال(٥):
٢١٠٣-
... فبذَّتْ نَبْلَهِمْ وكليبُ
وقيل: الضَّئين والكليب اسما جمع، ويقال ضِئين بكسر الضاد، وكأنها
إتباع لكسر الهمزة نحو: بعير وشعير بكسر الباء والشين لكسر العين. والضأن
(١) لم أقف على تخريجه .
(٢) الكشاف ٥٧/٢.
(٣) الإملاء ٢٦٣/١.
(٤) البحر ٢٣٩/٤؛ المحتسب ٢٣٤/١.
(٥) تقدم برقم ١٠٥٦ .
١٩٣

- الأنعام .
معروفٌ وهو ذو الصوف من الغنم، والمعز ذو الشعر منها. وقرأ أبان بن عثمان(١)
(اثنان)) بالرفع على الابتداء والخبر الجار قبله. وقرأ ابن كثير(٢) وأبو عمرو
وابن عامر المَعَز بفتح العين، والباقون بسكونها، وهما لغتان في جمع ماعِز،
وقد تقدَّم أن فاعِلًا يُجمع على فَعْل تارة وعلى فَعَل أخرى كتاجر وتَجْر وخَادِمِ
وخَدَم، وقد تقدَّم تحقيقُه، ويُجْمع أيضاً على مِعْزى، وبها قرأ أُبَيّ، قال
امرؤ القيس (٣) :
٢١٠٤ - ألا إنْ لا تكن إِبِلٌ فمِعْزَى
كأنَّ قُروْنَ جِلَّتِها العِضِيُّ
وقال أبو زيد: إنه يُجْمع على أُمْعوز، وأنشد(٤).
كالتّيْسِ فِي أُمْعوزِهِ المُتَرَّبِّلِ
٢١٠٥_
ويجمع أيضاً على مَعِيز، وأنشدوا لامرىء القيس(٥):
٢١٠٦ - ويمنحها بنو شَمَجَى بنِ جَرْمٍ
معيزَهُمُ حِنَائِكَ ذا الحَنِانِ
!
والإِبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل واحدُه جمل وناقة وبعير،
ولم يجئُّ اسم على فِعِل عند سيبويه(٦) غيره، وزاد غير سيبويه بِكِراً وإِطِلَّاً
(١) البحر ٢٣٩/٤.
(٢) السبعة ٢٧١؛ والنشر ٢٥٦/٢؛ الحجة ٢٧٥؛ والبحر ٢٣٩/٤.
(٣) تقدم برقم ١٠٦٩ .
(٤) البيت لربيعة بن مقروم وصدره:
: أخلصْتُه صُنْعاً فآضَ مُحَمْلِجاً
وهو في النوادر ٧٧. والمحملج والمتربل: كثير اللحم مكتنزُه.
(٥) ديوانه ١٤٣؛ والقرطبي ١١٤/٧. وحنانك ذا الحنان: رحمتك يا ذا الرحمة.
(٦) الكتاب ١٧٩/٢.
١٩٤

- الأنعام -
ووتداً ومِشِطاً، وسيأتي لهذا مزيد بيان في الغاشية إن شاء الله، والنسبة إليه
إبَلي بفتح الباء لئلا يتوالَی کسرتان مع یاءین.
قوله: ((الذَّكَرَيْنِ حَرَّم)) الذِّكَرَيْن منصوب بما بعده، وسببُ إيلائه الهمزةَ
ما تقدم في قوله ((أأنت قلتَ للناس))(١) و(أم)) عاطفة للْأَنْثَيْن على الذكرين،
وكذلك أم الثانية عاطفة ما الموصولة على ما قبلها فمحلُّها نصبٌ تقديره:
أم الذي اشتملت عليه أرحام، فلما التقت الميم ساكنة مع ما بعدها وجّب
الإدغامُ .
أ. (١٤٤) و((أم)) في قوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء﴾: منقطعة ليست
عاطفةً؛ لأن بعدها جملةً مستقلة بنفسها فتقَدَّر بـ بل والهمزة والتقدير: بل
أكنتم شهداء. و((إذ)) منصوب بشهداء أنكر عليهم ما ادَّعَوْه، وتهكّم بهم في
نسبتهم إلى الحضور في وقتِ الإِيصاء بذلك. و((بهذا)) إشارة إلى جميع
ما تقدَّم ذِكْرُه من المحرَّمات عندهم.
آ. (١٤٥) قوله تعالى: ﴿مُحَرَّمَا﴾: منصوبٌ بقوله ((لا أَجِدُ)» وهو صفة
الموصوف محذوف حُذِفَ لدلالة قوله على ((طاعم يَطْعَمُه)) والتقدير: لا أجد
طعاماً محرَّماً. و((على طاعم)) متعلق بمحرَّماً و((يَطْعَمُه)) في محل جرّ صفةً
لطاعم. وقرأ(٢) الباقر - ونقلها مكي(٣) عن أبي جعفر - ((يَطَّعِمُه)) بتشديد الطاء
وأصلها يَطْتَعِمه افتعالاً من الطعم، فأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد طاء للتقارب
فوجب الإدغام. وقرأت عائشة ومحمد بن الحنفية وأصحاب عبدالله بن مسعود
(«تَطَعَّمه)) بالتاء من فوق وتشديد العين فعلاً ماضياً.
قوله ((إلا أن يكونَ)) منصوبٌ على الاستثناء وفيه وجهان، أحدهما: أنه
(١) الآية ١١٦ من المائدة.
(٢) البحر ٤ /٢٤١ .
(٣) المشكل ٢٩٦/١.
١٩٥

- الأنعام -
متصل قال أبو البقاء (١): ((استثناء من الجنس، وموضعه نصب، أي: لا أجد
مُحَرَّماً إلا الميتة)) والثاني: أنه منقطع، قال مكي(٢): ((وأن يكون في موضع
نصب على الاستثناء المنقطع)). وقال الشيخ(٣): ((وإلا أن يكون)) استثناء منقطع
لأنه كون وما قبله عين، ويجوز أن يكون موضعه نصباً بدلاً على لغة تميم ونصباً
[٣٦١/أ] على الاستثناء على لغة الحجاز)) يعني أن الاستثناء / المنقطع فيه لغتان
إحداهما لغة الحجاز وهو وجوبُ النصبِ مطلقاً، ولغة التميميين يجعلونه
كالمتصل، فإن كان في الكلام نفي أو شبهه رُجِّح البدلُ، وهنا الكلام نفي
فيترجَّح نصبُه عند التميميين على البدل دون النصب على الاستثناء فنصبُه من
وجهين، وأمَّا الحجاز فنصبُه عندهم مِنْ وجهٍ واحد، وظاهر كلام أبي القاسم
الزمخشري أنه متصل فإنه قال (٤): ((محرماً أي: طعاماً محرماً من المطاعم.
التي حَرَّمتموها، إلا أن يكون ميتة: إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة)) وقرأ ابن:
عامر في رواية(٥): ((أوحَى)) بفتح الهمزة والحاء مبنياً للفاعل.
وقوله تعالى: ((قل الذَّكَرَيْنِ)) وقوله (نَبِّئوني))، وقوله أيضاً ((الذكرين)) ثانياً
وقوله ((أم كنتم شهداء)) جمل اعتراضٍ بين المعدودات التي وقعَتْ تفصيلاً
الثمانية أزواج. قال الزمخشري(٦): ((فإن قلت: كيف فصل بين المعدود وبين
بعضه(٧) ولم يُوالِ بينه؟ قلت: قد وقع الفاصل بينهما اعتراضاً غيرَ أجنبي من
المعدود، وذلك أن الله عز وجل مَنَّ على عباده بإنشاء الإِنعام لمنافعهم
(١) الإملاء ٢٦٣/١.
(٢) المشكل ٢٩٦/١.
(٣) البحر ٢٤١/٤ .
(٤) الكشاف ٥٧/٢.
(٥) البحر ٢٤١/٤.
(٦) الکشاف ٥٧/٢
(٧) عبارة الكشاف: ((بين بعض المعدود وبعضه)».
١٩٦

- الأنعام -
وبإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على مَنْ حرَّمها، والاحتجاج على مَنْ
حرَّمها تأكيد وتسديد للتحليل، والاعتراضات في الكلام لا تُساق إلا للتوكيد)).
وقرأ ابن عامر(١) ((إلا أَنْ تكونَ ميتةٌ)) بالتأنيث ورفع ميتة يعني: إلا أن
يوجدَ ميتة، فتكون تامة عنده، ويجوز أن تكون الناقصة والخبرُ محذوف تقديره:
إلا أن يكون هناك ميتة، وقد تقدَّم أن هذا منقولٌ عن الأخفش في قوله مثل
ذلك ((وإن يكن ميتة))(٢). وقال أبو البقاء(٣): ((ويُقْرأ برفع (ميتة)) على أنَّ
(تكون)) تامة، وهو ضعيف لأن المعطوف منصوب)). قلت: كيف يُضَعِّف قراءة
متواترة؟ وأما قوله ((لأن المعطوف منصوب)) فذلك غير لازم؛ لأن النصب على
قراءة مَنْ رفع ((ميتة)) يكون نَسَقَاً على محلِّ ((أن تكون)) الواقعة مستثناةً تقديره:
إلا أن يكون ميتة، وإلا دماً مسفوحاً، وإلا لحم خنزير. وقال مكي (٤) ابن
أبي طالب ((وقرأ أبو جعفر ((إلا أن تكون)) بالتاء، ميتةٌ بالرفع))، ثم قال: ((وكان
يلزم أبا جعفر أن يقرأ ((أو دمٌ)) بالرفع وكذلك ما بعده)). قلت: هذه هي قراءة ابن
عامر نسبها لأبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني شيخ نافع وهو محتمل، وقوله
((كان يلزمه)» إلى آخره هو معنى ما ضَعَّف به أبو البقاء هذه القراءةَ، وقد تقدَّم
جوابُ ذلك، واتفق أن ابن عامر يقرأ ((وإن تكنْ ميتةٌ)) بالتأنيث والرفع وهنا
کذلك.
وقرأ ابن كثير وحمزة ((تكون)) بالتأنيث، ((ميتةً)) بالنصب على أن اسم
((تكون)) مضمر عائد على مؤنث أي: إلا أن يكون المأكول، ويجوز أن يعودّ
الضميرُ مِنْ ((تكون)) على ((محرَّمً))، وإنما أنَّث الفعلَ لتأنيث الخبر كقوله ((ثم
(١) انظر: السبعة ٢٧٢؛ الكشف ٤٥٦/١؛ الحجة ٢٧٦؛ النشر ٢٥٧/٢؛ البحر
٤ / ٢٤١.
(٢) الآية ١٣٩ من الأنعام.
(٣) الإِملاء ٢٦٤/١.
(٤) المشكل ٢٩٦/١.
١٩٧

- الأنعام -
لم تكن فتتهم إلا أن)(١) بنصب ((فتنتهم)) وتأنيث ((تكن)). وقرأ الباقون ((یکون»
بالتذكير، ((ميتة)) نصباً، واسم ((يكون)) يعود على قوله ((مُحَرَّماً)) أي: إلا أن یکون
ذلك المحرَّم. وقدَّره أبو البقاء(٢) ومكي (٣) وغيرهما: ((إلا أن يكون المأكولُ))
أو «ذلك ميتة)).
قوله: ((أو دماً)) ((دماً)) على قراءة العامة معطوفٌ على خبر ((يكون))
وهو (ميتة))، وعلى قراءة ابن عامر وأبي جعفر معطوفٌ على المستثنى وهو ((أن
يكون)» وقد تقدم تحرير ذلك. ومسفوحاً صفة لـ ((دماً». والسَّفْحُ: الصَّبُّ. وقيل:
السَّيّلان وهو قريب من الأول، وسفح يُستعمل قاصراً ومتعدِّياً يقال: سَفَحَ زِيدٌ
دمعه ودمه أي: أهراقَه وسفح هو، إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر
ففي المتعدي يقال: سَفْح، وفي اللازم يقال سُفُوح، ومن التعدِّي قوله تعالى:
(أو دماً مسفوحاً)) فإن اسم المفعول التام لا يُبْنى إلا مِنْ متعدٍّ، ومن اللزوم
ما أنشده أبو عبيدة (٤) لكثير عزة(٥):
٢١٠٧ - أقول ودَمْعي واكفٌ عند رسمها
عليك سلامُ الله والدمعُ يَسْفَح
قوله: ((أو فِسْقاً)) فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه عطف على خبر يكون أيضاً
أي: إلا أن يكون فسقاً. و((أُهِلَّ)) في محل نصب لأنه صفة له كأنه قيل : :
أو فِسْقاً مُهَلَّ به لغير الله، جعل العين المحرَّمة نفسَ الفسق مبالغة، أو على
[٣٦١/ب] حذف مضاف ويُفَسِّرِهِ ما تقدَّم من قوله: / ((ولا تأكلوا ممَّا لم يُذْكر اسم الله عليه
وإنه لفِسْقِ))(٦). الثاني: أنه منصوب عطفاً على محل المستثنى أي: إلا أن
(١) الآية ٢٣ من الأنعام.
(٢) الإِملاء ٢٦٣/١.
(٣) المشكل ٢٩٦/١.
(٤) لم يرد في ((مجاز القرآن)).
(٥) ديوانه ٤٦٣؛ وتفسير الفخر الرازي ٢٢٢/١٣.
(٦) الآية ١٢١ من الأنعام.
١٩٨

- الأنعام -
يكون ميتة أو إلا فسقاً. وقوله ((فإنه رجْسٌ)) اعتراض بين المتعاطفين. والثالث:
أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه قوله ((أُهِلَّ)» مقدَّم عليه، ویکون قد فصل
بين حرف العطف وهو ((أو)) وبين المعطوف وهو الجملة من قوله ((أُهِلَّ)) بهذا
المفعول من أجله، ونظيره في تقديم المفعول له على عامله قوله(١):
٢١٠٨ - طَرِبْتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ
ولا لَعِبأ مني وذو الشيب يَلْعَبُ
و((أُهِلَّ)) على هذا الإِعراب عَطْفٌ على ((يكون))، والضمير في ((به))
عائد على ما عاد عليه الضمير المستتر في ((يكون))، وقد تقدَّم تحقيقُه، قاله
الزمخشري(٢). إلا أن الشيخ(٣) تَعَقَّب عليه ذلك فقال: ((وهذا إعرابٌ متكلَّف
جداً وتركيب على هذا الإِعراب خارج عن الفصاحة وغيرُ جائزٍ على قراءةٍ مَنْ
قرأ ((إلا أن يكون ميتةٌ)) بالرفع، فيبقى الضمير في ((به)) ليس له ما يعود عليه،
ولا يجوز أن يُتكلَّفَ محذوفٌ حتى يعود الضمير عليه، فيكون التقدير:
أو شيء أهِلَّ لغير الله به؛ لأنَّ مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر)). قلت:
يعني بذلك أنه لا يُحذف الموصوف والصفة جملة إلا إذا كان في الكلام ((مِنْ))
التبعيضية كقولهم: ((منا ظَعَنَ ومنا أقام)) أي: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام،
فإن لم يكن فيه ((مِنْ)) كان ضرورة كقوله(٤).
(١) تقدم برقم ٣٣٩.
(٢) الكشاف ٥٨/٢.
(٣) البحر ٢٤٣/٣.
(٤) لم أهتد إلى قائله وقبله :
مالك عندي غيرُ سهمٍ وحَجْرْ
وغيرُ كَبْداءْ شديدةِ الوتر
وهو في المقتضب ١٣٩/٢؛ والخصائص ٣٦٧/٢؛ والمحتسب ٢٢٧/٢؛ والإنصاف
١١٥؛ وابن يعيش ٥٩/٣؛ والهمع ١٢٠/٢؛ والدرر ١٥٢/٢. والكبداء: القوس.
١٩٩

- الأنعام-
٢١٠٩ - تَرْمي بكفِّيْ كان مِنْ أرمى البَشَرْ
:
أي: بكفَّيْ رجل، وهذا رأي بعضهم، وأمَّا غيره فيقول: متى دل دليل:
على الموصوف حذف مطلقاً، فقد يجوز أن يرى الزمخشري هذا الرأي .
وقوله: ((فإنه)) الهاء فيها خلاف، والظاهر عَوْدُها على ((لحم)) المضاف
الخنزير. وقال ابن حزم(١): ((إنها تعود على خنزير لأنه أقرب مذكور)» ورُجُح
الأول بأن اللحم هو المحدَّث عنه، والخنزير جاء بعرَضيّة الإِضافة إليه،
ألا ترى أنك إذا قلت: ((رأيت غلام زيد فأكرمته)) أن الهاء تعود على الغلام.
لأنه المحدَّث عنه المقصودُ بالإِخبار عنه، لا على زيد؛ لأنه غير مقصود. ورُجُّح
الثاني بأن التحريم المضاف للخنزير ليس مختصاً بلحمه بل شحمُه وشعره.
وعظمه وظِلْفُه كذلك، فإذا أعدنا الضمير على خنزير كان وافياً بهذا المقصود،
وإذا أَعَدْنا على ((لحم)) لم يكن في الآية تعرُّضُ لتحريم ما عدا اللحمَ
مما ذكر. وقد أُجيب عنه بأنه إنما ذُكِر اللحم دون غيره، وإن كان غيرُه مقصوداً
بالتحريم؛ لأنه أهمُ ما فيه وأكثر ما يُقصد منه اللحم، كما ذلك في غيره من
الحيوانات، وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيص اللحم بالذّكر، ولو سُلِّم فإنه
يكون من باب مفهوم اللقب وهو ضعيف جداً. وقوله ((فإنه رِجْسٌ))! إمَّا على
المبالغة بأَنْ جُعل نفس الرجس، أو على حَذْفِ مضاف وله نظائر.
آ. (١٤٦) قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادُوا﴾: متعلق بحرَّمْنا،
وهو يُفيد الاختصاص عند بعضهم كالزمخشري(٢) والرازي(٣)، وقد صَرِّح به
الرازي هنا أعني تقدیم المعمول على عامله.
(١) علي بن أحمد الأندلسي الظاهري له: الفصل؛ المحلى، جمهرة الأنساب، توفي سنة.
٤٥٦. انظر: الأعلام ٥٩/٥.
(٢) الكشاف في هذا الموضع لم يذكر شيئاً من ذلك.
(٣) تفسير الفخر الرازي ٢٢٣/١٣.
٢٠٠