النص المفهرس

صفحات 161-180

- الأنعام -
أو مضمر وتمييز، ولا خلاف في جواز حذف المخصوص بالمدح أو الذم
والتمييز بها لدلالة الكلام عليه. فقوله ((لأن المفسَّر هنا مضمرٌ ولا بد من
إظهاره باتفاق)) قوله ساقط، ودعواه الاتفاق على ذلك - مع أن الاتفاق على
خلافه - عجب عُجاب)).
آ. (١٣٧) قوله تعالى: ﴿وكذلك زَيَّنَ﴾: هذا في محل نصب
نعتاً لمصدر محذوف كنظائره، فقدّره الزمخشري (١) تقديرين فقال: ((ومثل ذلك
التزيين وهو تزيينُ الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو: ومثل ذلك
التزيينِ البليغ الذي عُلِم من الشياطين)). قال الشيخ(٢): ((قال ابن الأنباري:
ويجوز أن يكون ((كذلك)) مستأنفاً غير مشار به إلى ما قبله فيكون المعنى: وهكذا
زَيَّن)» قلت: والمنقول عن ابن الأنباري أنه مشار به إلى ما قبله، نقل الواحدي
عنه أنه قال: ((ذلك)) إشارة إلى ما نعاه الله عليهم مِنْ قَسْمهم ما قسموا بالجهل
فكأنه قيل: ومثل ذلك الذي أَتوه في القَسْم جهلاً وخطأ زَيَّن لكثير من
المشركين فشبّه تزيين الشركاء بخطابهم في القسم، وهذا معنى قول
الزجاج(٣).
وفي هذه الآية قراءات(٤) كثيرة، والمتواتر منها ثنتان، الأولى: قرأ
العامة ((زَيِّنَ)) مبنياً للفاعل و((قْلَ)) نصب على المفعولية و ((أولادهم)) خفض
بالإِضافة، و ((شركاؤهم)) رفع على الفاعلية وهي قراءة واضحة المعنى والتركيب.
وقرأ ابن عامر: ((زُيِّن)) مبنياً للمفعول، ((قَتْلُ)) رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعله،
(١) الكشاف ٥٣/٢ .
(٢) البحر ٢٢٩/٤.
(٣) لم يرد في كتابه معاني القرآن.
(٤) انظر: السبعة ٢٧٠؛ والكشف ٤٥٣/١؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ والحجة ٢٧٣؛ والمحتسب
٢٢٩/١؛ والبحر ٢٢٩/٤.
١٦١

- الأنعام -
(أولادهم)) نصباً على المفعول بالمصدر، ((شركائهم)) خفضاً على إضافة المصدر
إليه فاعلاً. وهذه القراءة متواترة صحيحة، وقد تجرًّا كثير من الناس على
قارئها بما لا ينبغي، وهو أعلى القراء السبعة سنداً وأقدمهم هجرة: أمَّا علوُ سندِه
فإنه قرأ على أبي الدرداء (١) وواثلة بن الأسقع(٢) وفضالة(٣) بن عبيد
[٣٥٥/أ] / ومعاوية(٤) بن أبي سفيان والمغيرة(٥) المخزومي، ونقل يحيى
الذماري(٦) أنه قرأ على عثمان نفسه، وأمَّ قِدَمُ هجرته فإنه وُلِد في حياةٍ
رسول الله صلى الله عليه وسلم وناهيك به أن هشام بن عمار أحد شيوخ
البخاري أخذ عن أصحاب أصحابه، وترجمته متسعة(٧) ذكرتها في ((شرح
القصيد))، وإنما ذكرت هنا هذه العُجالة تنبيهاً على خطأ مَنْ ردَّ قراءته ونسبه إلى
لَحْنٍ أو اتباع مجرد المرسوم فقط .
قال أبو جعفر النحاس(٨): ((وهذا يعني الفصل بين المضاف والمضاف
إليه بالظرف أو غيره، لا يجوز في شعرٍ ولا غيره)). وهذا خطأ من أبي جعفر
(١) عويمر بن زيد، أحد الذين جمعوا القرآن حفظاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
توفي سنة ٣٢. انظر: طبقات القراء ٦٠٦/١.
(٢) واثلة بن الأسقع الليثي، قرأ عليه يحيى بن الحارث توفي سنة ٨٥: انظر: طبقات
القراء ٣٥٨/٢.
(٣) فضالة بن عبيد، ولي القضاء بدمشق بعد أبي الدرداء، مات بها في ولاية معاوية:
انظر: مشاهير علماء الأمصار ٥٢.
(٤) معاوية بن أبي سفيان، صحابي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن توفي سنة ٦٠؛
انظر: طبقات القراء ٣٠٣/٢.
(٥) المغيرة بن أبي شهاب: هو عبدالله بن عمرو، أخذ عن عثمان، كان يُقرىء بدمشق
توفي سنة ٩١. انظر: طبقات القراء ٣٠٦/٢.
(٦) يحيى الذماري: شيخ القراءة بدمشق بعد ابن عامر، تابعي توفي سنة ١٤٥ . انظر: طبقات
القراء ٣٦٧/٢.
(٧) ي: متشعبة، والرشم في الأصل يحتملها.
(٨) إعراب القرآن ٥٨٣/١.
١٦٢

- الأنعام -
لِمًا سنذكره من لسان العرب، وقال أبو علي الفارسي (١): ((هذا قبيح قليل في
الاستعمال ولو عدل عنها - يعني ابن عامر - كان أَوْلى لأنهم لم يفصلوا بين
المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظروف، وإنما
أجازوه في الشعر)) قال: ((وقد فصلوا به - أي بالظرف - في كثير من المواضع نحو
قوله تعالى: ((إنَّ فيها قوماً جبارين))(٢) وقولِ الشاعر(٣):
٢٠٦١- على أنني بعدما قد مَضَى
ثلاثون للهَجْرِ حَوْلاً كميلا
وقول الآخر (٤):
٢٠٦٢ - فلا تَلْحَنِي فيها فإنَّ بحبِّها
أخاك مصابُ القلب جَمّ بلابلُه
ففصل بين إنَّ واسمها بما يتعلَّق بخبرها، ولو كان بغير الظرف لم يَجُزْ،
ألا ترى أنك لو قلت: ((إن زيداً عمراً ضارب)) على أن يكون («زيداً) منصوباً
بضارب لم يَجُز، فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه في
الكلام بالظرف مع اتساعهم فيه في الكلام، وإنما يجوز في الشعر كقوله(٥):
٢٠٦٣- كما خُطُّ الكتابُ بكفٍّ يوماً
يهوديٍ يقارِبُ أو يُزيلُ
فأن لا يجوز بالمفعول به الذي لم يُتَّسعْ فيه بالفصل أجدر، ووجه ذلك
(١) الحجة (خ) ٢/ ٤٥٤ .
(٢) الآية ٢٢ من المائدة.
(٣) تقدم برقم ١١٢٧.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الكتاب ٢٨٠/١؛ والخزانة ٥٧٢/٣؛ والعيني ٣٠٩/٢؛ والهمع
١٣٥/١؛ والدرر ١١٣/١.
(٥) البيت لأبي حية النميري وهو في الكتاب ٩١/١؛ والخصائص ٤٠٥/٢؛ وأمالي
الشجري ٢٥٠/٢؛ والإنصاف ٤٣٢؛ وابن يعيش ١٠٣/١؛ واللسان: عجم. يزيل:
يفرق.
١٦٣

- الأنعام -
على ضَعْفه وقلة الاستعمال أنه قد جاء في الشعر على حَدِّ ما قرأه. قال:
الطرماح (١):
٢٠٦٤ - يَطُفْنَ بجوزيِّ المراتعِ لم تَرُعْ
بواديه مِنْ قَرْعِ القِيَّ الكنائِنِ
وأنشد أبو الحسن (٢):
٢٠٦٥_
زجَّ القَلوصَ أبي مزادّهْ
وقال أبو عبيد: ((وكان عبدالله بن عامر وأهل الشام يقرؤونها (زُيِّن)) بضم
الزاي، ((قتلُ)) بالرفع، ((أولادهم)) بالنصب، ((شركائهم)) بالخفض، ويتأوّلون
«قتل شركائهم أولادهم)) فیفرقون بین الفعل وفاعله)). قال أبو عبيد: ((ولا أحب
هذه القراءة لما فيها من الاستكراه، والقراءة عندنا هي الْأُوْلَى لصحتها في
العربية مع إجماع أهل الحرمين والمِصْرَين(٣) بالعراق عليها)) وقال سيبويه (٤)
في قولهم: ((يا سارق الليلةِ أهلَ الدار)) بخفض ((الليلة)) على التجوز وينصب
الأهل على المفعولية، ولا يجوز ((يا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار)) إلا في شعر كراهةً
أن يفصلوا بين الجار والمجرور. ثم قال: ((وممَّا جاء في الشعر قد فُصل بينه
(١) ديوانه ١٦٩؛ والخصائص ٤٠٦/٢؛ والإنصاف ٤٢٩؛ واللسان: حوز؛ والعيني:
٤٦٢/٣؛ والبحر ٢٣٠/٤. الجوزي: الثور الذي تجعله بقر الوحش رأساً لها.
والكنائن: ج كنانة جعبة السهام.
(٢) صدره :
فَزَ جَجْتُها بِمْزَجَةٍ
ولا يُعرف قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ٣٥٧/١؛ والخصائص ٤٠٦/٢؛.
وابن يعيش ١١٩/٣ والضمير للراحلة، والزج: الطعن بسنان الرمح. والقلوص: الناقة
الفتية .
(٣) المصران: الكوفة والبصرة.
(٤) الكتاب ٩١/١.
١٦٤

- الأنعام -
وبين المجرور قولُ عمرو بن قميئة (١):
الله دُرُّ اليومَ مَنْ لامها
٢٠٦٦- لمَّا رأت ساتيدَ ما استعبرتْ
وذكر أبياتاً أخر ستأتي. ثم قال: ((وهذا قبيح، ويجوز في الشعر على
هذا: ((مررت بخيرِ وأفضلٍ مَنْ ثَمَّ)). وقال أبو الفتح ابن جني (٢): ((الفصل بين
المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور كثير لكنه من ضرورة
الشاعر)». وقال مكي بن أبي طالب(٣): ((ومن قرأ هذه القراءة ونصب ((الأولاد))
وخفض ((الشركاء)) فهي قراءة بعيدة، وقد رُوِيَتْ عن ابن عامر، ومجازها(٤)
على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وذلك إنما يجوز عند
النحويين في الشعر، وأكثر ما يكون بالظرف)). وقال ابن عطية(٥) رحمه الله:
(وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب وذلك أنه أضاف الفعل إلى الفاعل
وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ورؤساء العربية
لا يُجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في شعر كما قال(٦):
٢٠٦٧- كما خُطَّ الكتابُ بكفِّ يوماً
یهودي .
/ البيت فكيف بالمفعول في أفصح كلام؟ ولكنْ وجهُها على ضعفها أنها [٣٥٥/ب]
وردت في بيت شاذ أنشده أبو الحسن الأخفش(٧):
٢٠٦٨ - فَزَجَجْتها بمَزَجَّةٍ زجَّ القَلوصَ أبي مزادَهْ
(١) ديوانه ٣٣٧؛ الكتاب ٩١/١؛ المقتضب ٣٧٧/٤؛ مجالس العلماء ١٥٢؛ والإنصاف
٤٣٢؛ والخزانة ٢٤٧/٢؛ وابن يعيش ٤٦/٢؛ ومعجم البلدان: ساتيد ما.
(٢) الخصائص ٢/ ٤٠٤.
(٣) المشكل ٢٩١/١.
(٤) كذا في الأصل ومكي. ص: ومدارها.
(٥) المحرر ١٥٨/٦.
(٦) تقدم برقم ٢٠٦٣.
(٧) تقدم برقم ٢٠٦٥ .
١٦٥

- الأنعام -
وفي بيت الطرماح وهو قوله(١):
٢٠٦٩ - يَطُفْنَ بحُوزِيِّ المراتع لم تَرُعْ
بواديه من قَرْعِ القِسيِّ الكنائِنِ
وقال الزمخشري(٢) - فأغلظ وأساء في عبارته - ((وأمَّا قراءة ابن عامر
- فذكرها - فشيءٌ لو كان في مكان الضرورة وهو الشعر لكان سَمِجاً مردوداً
كما سَمُج ورُدَّ :
زجِّ القَلوصَ أبي مزادَهْ
فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المُعْجِز بحسن نظمه
وجزالته))؟ الذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف ((شركائهم)»
مكتوباً بالياء، ولو قرأ بجر ((الأولاد)) و «الشركاء)) - لأن الأولاد شركاؤهم في
أموالهم - لَوَجَدَ في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب))(٣) قلت: سيأتي بيان ..
ما تمنّى أبو القاسم أن يقرأه ابن عامر، وأنه قد قرأ به، فكأن الزمخشري
لم يَطِّعْ على ذلك فلهذا تمنَّه.
:وهذه الأقوال التي ذكرتُها جميعاً لا ينبغي أن يُلْتفت إليها لأنها طَعْنٌ فِي
المتواتر، وإن كانت صادرةً عن أئمةٍ أكابرَ، وأيضاً فقد انتصر لها مَنْ يقابلهم،
وأورد من لسان العرب نظمِه ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغةً: قال
أبو بكر ابن الأنباري: «هذه قراءة صحيحة، وإذا كانت العرب قد فَصَلَتْ بين
(١) تقدم برقم ٢٠٦٤.
(٢) الكشاف ٢/ ٥٤
(٣) قال أبو حيان معلقاً على كلام الزمخشري: ((وأعجب لعجمي ضعيف في النحو يردُّ على
عربي صريح محض قراءة متواترة موجودٌ نظيرها في لسان العرب في غير ما بيت،
وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيَّرتْهم هذه الأمة لنقل كتاب الله
شرقاً وغرباً، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم ودينهم)) البحر
٤ /٢٣٠.
١٦٦

- الأنعام -
المتضايفين بالجملة في قولهم: ((هو غلامُ إن شاء الله أخيك)) يريدون:
هو غلام أخيك فأنْ يُفْصَل بالمفرد أسهل)) انتهى. وسمع الكسائي قول
بعضهم: ((إن الشاةَ لتجترُّ فتسمع صوتَ واللَّهِ ربِّها)) أي: صوت ربها والله،
ففصل بالقسم وهو في قوة الجملة، وقرأ بعض السلف: ((فلا تحسبنَّ الله
مخلفَ وعدَه رسلِه))(١) بنصب ((وعدَه)) وخفض ((رسله))، وفي الحديث عنه عليه
السلام: ((هل أنتم تاركو لي صاحبي، تاركو لي امرأتي))(٢) أي: تاركو
صاحبي لي، تاركو امرأتي لي.
وقال ابن جني في الخصائص(٣): ((باب ما يَرِد عن العربي مخالفاً
للجمهور، إذا اتفق شيء من ذلك: نُظِر في ذلك العربي وفيما جاء به: فإن
کان فصیحاًوكان ما جاء به يقبله القیاس فَيَحْسُن الظنُّ به؛ لأنه يمكن أن يكون
قد وقع إليه ذلك مِنْ لغةٍ قديمة قد طال عهدها وعفا رسمها. أخبرنا أبو بكر
جعفر بن محمد بن أبي الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: قال
ابن عوف عن ابن سيرين: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((كان الشعر
عِلْمَ قوم لم يكن لهم عِلْمٌ أصحُ منه، فجاء الإِسلام فتشاغلت عنه العرب
بالجهاد وغَزْوِ فارس والروم ولَهَت عن الشعر وروايته، فلمّا كثُر الإِسلام وجاءت
الفتوح واطمأنَّت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يُؤُولوا إلی دیوانٍ
مُدَوَّنٍ ولا إلى كتاب مكتوب، وأَلِفُوا ذلك وقد هلك مَنْ هلك من العرب بالموت
والقتل فحفظوا أقلَّ ذلك وذهب عنهم كثيره. قال: وحدثنا أبو بكر عن
أبي خليفة عن يونس بن حبيب عن أبي عمروبن العلاء: قال: ((ما انتهى
إليكم ممَّا قالت العرب إلا أقلُّه ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعر كثير)). قال
أبو الفتح: ((فإذا كان الأمر كذلك لم نقطع على الفصيح [إذا] سُمِع منه
(١) الآية ٤٧ من إبراهيم، ذكرها صاحب البحر ٤٣٩/٥ من دون نسبة.
(٢) رواه البخاري: تفسير سورة ٣:٧ (الفتح ٣٠٣/٨).
(٣) الخصائص ٣٨٥/١.
١٦٧

- الأنعام-
ما يخالف الجمهورَ بالخطأ ما وُجِد طريق إلى تقُّل ما يورده إلا إذا كان القياس
يعاضده)). قلت: وقراءة هذا الإِمام بهذه الحيثيّة بل بطريق الأولى والأحرى
لو لم تكن متواترةً فكيف وهي متواترة؟ وقال ابن ذكوان: ((سألني الكسائي عن
هذا الحرف وما بلغه من قراءتنا فرأيته كأنه أعجبه وترنّم بهذا البيت(١):
٢٠٧٠ - تَنْفي يداها الحصى في كل هاجرة
نَفْيَ الذَّراهِيمَ تَنْقادِ الصيارِيف.
بنصب ((الدراهيم)) وجرّ ((تنقاد))، وقد روي بخفض ((الدراهيم)) ورفع
[٣٥٦/أ] ((تنقاد)) وهو الأصل وهو المشهور في الرواية. وقال / الكرماني: ((قراءة
ابن عامر وإِن ضَعُفَتْ في العربية للإِحالة بين المضاف والمضاف إليه فقويَّةٌ
في الرواية عالية)) انتهى. وقد سُمِعَ ممِّنْ يُوثق بعربيته: ((تَرْلُك يوماً نفسِك
وهواها سَعْيٌ فِي رَدّاها)» أي: تَرْكُ نفسِك يوماً مع هواها سَغْيٌّ في هَلاكها،
وأمَّا ما ورد في النظم من الفصل بين المتضايفين بالظرف وحرف الجر
وبالمفعول فكثير وبغير ذلك قليلٌ، فمِن الفصلِ بالظرف قولُ الشاعر(٢):
٢٠٧١ - فَرِشْني بخيرٍ لا أكونَنْ ومِدْحتي
.كناحتِ يوماً صخرةٍ بعسيل
تقديره: كناحت صخرةٍ يوماً، ومثله قول الآخر (٣):
٢٠٧٢- كما خُطَّ الكتابُ بكف يوماً يهوديٍّ.
وقول الآخر (٤):
٢٠٧٣ - قد سَأَلَنْنِي أمُّ عمروٍ عن الـ أرضِ التي تجهل أَعْلامَها.
(١) تقدم برقم ٦٨٧
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ٤٨١/٣. وراش: أصلح. والعسيل: القضيب.
(٣) تقدم برقم ٢٠٦٣
(٤) تقدم برقم ٢٠٦٦
١٦٨

- الأنعام -
للهِ دَرُ اليومَ مَنْ لامها
لَمَّا رَأَتْ ساتِيْدَ ما اسْتَعْبَرَتْ
أخوالَها فيها وأعمامَها
تَذَكَّرَتْ أرضاً بها أهلَها
يريد: لله دَرُّ مَنْ لامَها اليوم. و ((ساتيد ما)) قيل: هو مركب والأصل:
ساتي دما، ثم سُمِّي به هذا الجبلُ لأنه قُتِل عنده. قيل: ولا تبرح القتلى
عنده. وقيل: ((ساتيد)) كلُّه اسمٌ و((ما)) مزيدةً. ومثالُ الفصل بالجارِّ قولُه(١):
٢٠٧٤- هما أخوا في الحرب مَنْ لا أخاله
إذا خافَ يوماً نّبْوَةً فدعاهما
وقوله(٢).
٢٠٧٥- لأنتَ مُعْتَادُ في الهيجا مصابَرَةٍ يَصْلى بها كلَّ مَنْ عاداك نيرانا
وقوله(٣).
٢٠٧٦- كأنَّ أصواتَ مِنْ إيغالِهِنَّ بنا
أواخِرِ المَيْسِ أصواتُ الفراريج
وقوله (٤).
٢٠٧٧ - تُمُرُّ على ما تَسْتَمِرُّ وقد شَفَتْ
غلائلَ عبدُ القيسِ منها صدورِها
(١) البيت لدرنى بنت عبعبة. وهو في الكتاب ٩٢/١؛ والنوادر ١١٦؛ والخصائص
٤٠٥/٢؛ وابن يعيش ١٩/٣؛ والجمع ٥٢/٢؛ والدرر ٦٦/٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في العيني ٤٨٥/٣؛ ومعجم شواهد العربية ٣٨٣.
(٣) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ٩٩٦؛ وكتاب اللامات ١٠٩؛ وسر الصناعة ١١/١؛
والإِنصاف ٤٣٣؛ وابن يعيش ١٠٣/١؛ ورصف المباني ٦٥. والإِيغال: الإبعاد
والضمير إلى الإِبل، الأواخر: ج آخرة وهو عُود يستند إليه الراكب، والميس: ضرب من
الشجر.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الإنصاف ٤٢٨؛ والخزانة ٢/ ٢٥٠؛ وتفسير القرطبي ٩٢/٧؛
ومعجم شواهد العربية ١٧٨. والغلائل: الأحقاد.
١٦٩

- الأنعام -
يريد: هما أخوا مَنْ لا أخاله في الحرب، ولأنت معتاد مصابرة في
الهجاء، وكأن أصواتَ أواخر الميس، وغلائل صدورِها. ومن الفصل
بالمفعول قول الشاعر(١):
٢٠٧٨ - فَزَجَجْتُنُها بمَزَجَّةٍ زجَّ القَلوصَ أبي مزادَه
ويروى: فَزَجَجْتُها فتدافعَتْ، ويُروى: فرجَجْتها متمكناً، وهذا البيت
كما تقدَّم أنشده الأخفش بنصب ((القلوص)) فاصلاً بين المصدر وفاعله
المعنوي، إلا أن الفراء(٢) قال بعد إنشاده لهذا البيت: ((ونحويُّو أهل المدينة
ينشدون هذا البيت يعني بنصب القلوص)» قال: ((والصواب: زَجَّ القلوصِ
بالخفض)» قلت: قوله ((والصوابُ يحتمل أن يكون من حيث الرواية)) أي: إن
الصوابَ خَفْضُه على الرواية الصحيحة، وأن يكون من حيث القياس، وإن
لم يُرْوَ إلا بالنصب. وقال في موضع آخر من كتابه («معاني القرآن)): ((وهذا
مما كان يقوله نحويُّوِ أهلِ الحجاز ولم نجد مثله في العربية))(٣) وقال.
أبو الفتح(٤): ((فُصل بينهما بالمفعول به هذا مع قدرته على أن يقول:
زج القلوصِ أبو مزادة كقولك: ((سَرَّني أُكلُ الخبزِ زيدٌ)) بمعنى أنه كان ينبغي
أن يضيف المصدر إلى مفعوله فيبقى الفاعل مرفوعاً على أصله، وهذا معنى
قول الفراء الأول ((والصواب جر القلوص)) يعني ورفع الفاعل. ثم قال ابن
جني (٥): ((وفي هذا البيت عندي دليلٌ على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل
عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول، ألا تراه ارتكب هذه
الضرورةً مع تمكَّنِهِ مِنْ تَرْكِها لا لشيء غيرَ الرغبة في إضافة المصدر إلى
(١) تقدم برقم ٢٠٦٥.
(٢) معاني القرآن ٣٥٨/١ بعبارة قريبة.
(٣) معاني القرآن ٣٥٨/١.
(٤) الخصائص ٤٠٦/٢.
(٥) الخصائص ٤٠٦/٢.
١٧٠

- الأنعام -
الفاعل دون المفعول، ومن الفصل بالمفعول به أيضاً قولُ الآخر (١):
فداسهم دوس الحصاد الدائِسِ
٢٠٧٩ - وحِلَقِ الماذيِّ والقوانِسِ
أي: دوس الدائس الحصادَ. ومثله أيضاً(٢):
بالقاع فَرْكَ القطنَ المحالجِ
٢٠٨٠ - يَفْرُك حَبَّ السنبلِ الكُنافِجِ
يريد: فَرْك المحالجِ القطنَ، وقول الطرماح (٣):
بواديه من قَرْع القِيِّ الكنائنِ
٢٠٨١_
يريد: قرع الكنائنِ القسيَّ، قال ابن جني في هذا البيت: ((لم نجد فيه
بُدَّاً من الفصل لأن القوافي مجرورة)» وقال في ((زجِّ القلوصَ)): فصل بينهما
بالمفعول به / هذا مع قدرته إلى آخر كلامه المتقدم. يعني أنه لو أنشد بيت [٣٥٦/ب]
الطرماح بخفض ((القسيّ)) ورفع الكائن لم يَجُز لأن القوافي مجرورة بخلاف
بيت الأخفش، فإنه لو خفض ((القلوص)) ورفع ((أبو مزادة)) لم تختلف فيه قافيته
ولم ينكسر وزنُه. قلت: ولو رفع ((الكنائن)) في البيت لكان جائزاً وإن كانت
القوافي مجرورةً ويكون ذلك إقواء، وهو أن تكونَ بعضُ القوافي مجرورة
وبعضها مرفوعة كقول امرىء القيس (٤).
٢٠٨٢ - تَخْدي على العِلَّاتِ سامٍ رأسُها
رَوْعاءُ مَنْسِمُها رئيمٌ دامٍ
(١) البيت لعمرو بن كلثوم وهو في العيني ٤٦١/٣؛ والأشموني ٢٧٦/٢. والماذي: الدروع
الصافية، القوانس: ج قونس وهي أعلى البيضة من الحديد.
(٢) البيت لأبي جندل الطهوي وهو في اللسان كنفج؛ والعيني ٤٥٧/٣؛ ومعجم الشواهد
٤٥٧. والكنافج: المكتنز من السنابل.
(٣) تقدم برقم ٢٠٦٤.
(٤) ديوانه ١١٦. تخدي: تسرع، على العلات: على ما بها من الكلال، وسام: مرتفع،
روعاء: حديدة الفؤاد، منسمها: طرف خفها، رثيم: مشقوق، جالت: نهضت،
ورواية الديوان في البيتين بجر القافية.
١٧١

- الأنعام -
ثم قال:
جالَتْ لتصِرَعني فقلت لها اقصِري
إني امرؤُ صَرْعي عليك حِرامُ
فالميمُ مخفوضةٌ في الأول مرفوعة في الثاني، فإن قيل: هذا عيبٌ في
الشعر. قيل: لا يتقاعد ذلك عن أن يكونَ مثلُ هذه للضرورة ، والحق إن الإِقواء
أفحشُ وأكثر عيباً من الفصل المذكور، ومن ذلك أيضاً(١):
٢٠٨٣- فإن يكنِ النِّكاحُ أَحَلَّ شيءٍ
فإِنَّ نكاحها مطرِ حِرِامُ
أي: فإن نكاحِ مطرٍ إِيَّاها، فلمَّا قُدَّم المفعول فاصلاً بين المصدر.
وفاعله اتصل بعامله لأنه قدِر علیه متصلاً فلا يَعْدِلُ إليه منفصلاً. وقد وقع في
شعر أبي الطيب الفصلُ بين المصدر المضاف إلى فاعله بالمفعول كقوله(٢):
٢٠٨٤ - بعثبتُ إليه من لساني حديقة
سقاها الحيا سَقْيَ الرياضَ السجائبِ
أي: سقي السحائبِ الرياضَ. وأمَّا الفصلُ بغير ما تقدَّم فهو قليل، فمنه
الفصلُ بالفاعل كقوله (٣):
غلائلَ عبدُالقيس منها صدورِها
٢٠٨٥-
ففُصِل بين ((غلائل)) وبين ((صدورها)) بالفاعل وهو ((عبدالقيس)) وبالجار
وهو ((منها)) كما تقدم بيانه، ومثلُه قول الآخر(٤):
(١) البيت للأحوص وهو في ديوانه ١٨٩؛ والعيني ١٠٨/١، والرواية المشهورة: ((مطراً)).
(٢) ديوانه بشرح العكبري ١٥٨/١؛ والبحر ٢٣٠/٤. والحيا: المطر.
(٣) تقدم برقم ٢٠٧٧.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الأشموني ٤٨٩/٢؛ والعيني ٤٨٨/٣؛ وتصمي: مِنْ أصميت
الصيد: إذا رميته فقتلته بحيث تراه، وتنمي : مِنْ أَمْيْتُ الصيد: إذا رميته فغاب عنك
ثم مات، لا ترعوي: لا تكف.
١٧٢

- الأنعام -
٢٠٨٦ - نرى أسهماً للموت تُصْمي ولا تُنْمي
ولا تَرْعوي عن نقضِ أهواؤنا العزمِ
فأهواؤنا فاعلٌ بالمصدر وهو (نَقْض)) وقد فُصِل به بين المصدر وبين
المضاف إليه وهو العزم، ومثله قول الآخر (١):
٢٠٨٧ - أَنْجَبَ أيام والداهُ به إذ نَجَلَاه فنِعْمَ ما نَجَلا
يريد: أيام إذ نجلاه(٢)، ففصل بالفاعل وهو ((والداه)) المرفوع
بـ ((أنجب)) بين المتضايفين وهما ((أيام - إذ ولداه)). قال ابن خروف: ((يجوز
الفصلُ بين المصدر والمضاف إليه بالمفعول لكونه في غير محله، ولا يجوز
بالفاعل لكونه في محله، وعليه قراءة ابن عامر». قلت: هذا فرق بين الفاعل
والمفعول حيث استُحْسِن الفصل بالمفعول دون الفاعل. ومن الفصل بغير
ما تقدَّم أيضاً الفصلُ بالنداء كقوله(٣):
٢٠٨٨ - وفاقُ كعبُ بُجْرٍ منقِذٌ لك من
تعجيل مُهْلِكَةٍ والخلدِ فِي سَقَرَ
وقول الآخر (٤):
٢٠٨٩ - إذا ما أبا حفصٍ أَتْكَ رَأَيْتَها
على شعراء الناس يعلو قصيدها
وقول الآخر(٥):
(١) تقدم برقم ١١٦٢.
(٢) الأصل ((ولداه)) وهي رواية ثانية، ولكن المصنف أثبت ((نجلاه)) حين روى البيت.
(٣) البيت لبجير بن زهير وهو في ابن عقيل ٨٦/٣؛ والعيني ٤٨٩/٣؛ والهمع ٥٣/٢؛
والدرر ٦٧/٢.
(٤) لم أقف عليه. والفصل هنا بين المضاف ((إذا)) والمضاف إليه جملة ((أتتك)).
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في الخصائص ٤٠٤/٢؛ وأوضح المسالك ١٩٥/٣؛ والعيني
٥٨٠/٣؛ والهمع ٥٣/٢؛ والدرر ٦٧/٢. والبرذون: ضرب من الخيل: دُقَّ: زُيِّنَ.
١٧٣

- الأنعام-
٢٠٩٠- كأنَّ بِرْذَوْنَ أبا عصامٍ
زيدٍ حمارٌ دُقَّ باللَّجَامِ
يريد: وفاق بجيرٍ يا كعب، وإذا ما أتتك يا أبا حفص، وكأن بِرْذون زيدٍ
يا أبا عصام. ومن الفصل أيضاً الفصلُ بالنعت كقول معاوية يخاطب به.
عمرو بن العاص(١):
٢٠٩١ - نَجَوْتَ وقد بَلَّ المُراديُّ سيفَه
من ابن أبي شيخ الأباطح طالبٍ
وقول الآخر(٢):
٢٠٩٢ - ولئن حَلَقْتُ على يديكَ لأحْلِفَنْ
بيمينِ أصدقَ مِنْ يمينك مُقْسِم
يريد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، فشيخ الأباطح نعت
لأبي طالب، فَصَلَ به بين أبي وبين طالب، ويريد: لأحلفن بيمينٍ مقسم
أصدقَ مِنْ يمينك، فأصدق نعت لقوله بيمين، فصل به بين ((يمين)) وبين
((مقسم)). ومن الفصل أيضاً الفصل بالفعل الملغى(٣):
نسائلْ حيَّ بشةَ أين سارا
٢٠٩٣- ألا يا صاحِبَيَّ قِفا المهارى
أالدبران أم عَسَفُوا الكِفارا
بأيِّ تَرَاهُمُ الأَرَضِينَ حَلُّوا
يريد: بأي الأرضين تراهم حلُّوا، فَفَصَلَ بقوله ((تراهم)) بين ((أيّ)) وبين
(الأرضين)). ومن الفصلِ أيضاً الفصلُ بمفعولٍ ليس معمولاً للمصدر
(١) أوضح المسالك ١٩٣/٣؛ والعيني ٤٧٨/٣؛ والهمع ٥٢/٢؛ والدرر ٦٧/٢.
(٢) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٧٧٩؛ وابن عقيل ٨٥/٣؛ والعيني ٤٨٤/٣؛ والأشموني
٢٧٨/١.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في العيني ٤٩٠/٣؛ والأشموني ٢٧٥/٢؛ والهمع ٥٣/٢؛ والدرر
٦٨/٢. المهار: الإِبل. والدبران والكفار: موضعان، عسفوا: قطعوا على غير هدى.
١٧٤

- الأنعام -
المضاف إلى فاعل كقول الشاعر (١):
٢٠٩٤ - تَسْقي امتياحاً ندى المسواكَ ريقتِها
كما تَضَمَّن ماءَ المُزْنَةِ الرَصفُ
أي: تسقي ندى ريقتها المسواكَ فالمسواك مفعول به ناصبه ((تسقي))
فَصَل به بين / ((ندى)) وبين ((ريقتها))، وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن قراءة ابن [٣٥٧/أ]
عامر صحيحة من حيث اللغة كما هي صحيحة من حيث النقل، ولا التفات
إلى قول مَنْ قال: إنه اعتمد في ذلك على رسم مصحف الشام الذي أرسله
عثمان بن عفان رضي الله عنه، لأنه لم يوجد فيه إلا كتابة «شركائهم» بالیاء)»،
وهذا وإن كان كافياً في الدلالة على جَرِّ ((شركائهم)) فليس فيه ما يدل على
نصب ((أولادهم)) إذ المصحفُ مهملٌ من شكل ونقط فلم يبقَ له حجةٌ في
نصب الأولاد إلا النَّقْلُ المحض.
وقد نُقِلَ عن ابن عامر أنه قرأ بجرِّ ((الأولاد)) كما سيأتي بيانُه وتخريجهُ،
وأيضاً فليس رسمها ((شركائهم)) بالياء مختصّاً بمصحف الشام بل هي كذلك
أيضاً في مصحف أهل الحجاز. قال أبو البرهسم(٢): ((في سورة الأنعام في
إمام أهل الشام وأهل الحجاز ((أولادهم شركائهم)) بالياء، وفي إمام أهل العراق
((شركاؤهم)) ولم يَقْرأ أهل الحجاز بالخفض في ((شركائهم)) لأنَّ الرسمَ سُنَّةٌ مُتَّبعة
قد توافقها التلاوة وقد لا توافق)). إلا أن الشيخ أبا شامة قال: ((قلت ولم تُرْسَمُ
كذلك إلا باعتبار قراءتين: فالمضموم عليه قراءة معظم القراء)» ثم قال:
((وأما شركائهم بالخفض فيحتمل قراءة ابن عامر)) وسيأتي كلام أبي شامة هذا
(١) البيت لجرير وهو في ديوانه ٣٨٦؛ والعيني ٣٧٤/٣؛ والتصريح ٥٨/٢؛ والهمع
٥٢/٢؛ والدرر ٦٦/٢. والرصف: ج رصفة وهي حجارة مرصوف بعضها إلى بعض،
والمزنة: السحاب والامتياح هنا: الاستياك.
(٢) عمران بن عثمان الشامي روى عن يزيد بن قطيب ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء
١ /٦٠٤.
١٧٥

- الأنعام -
بتمامه في موضعه، وإنما أَخَذْتُ منه [بقدر](١) الحاجة هنا. فقوله ((إن كل قراءة
تابعةٌ لرسم مصحفها)) تُشْكِلُ بما ذكرت لك من أن مصحف الحجازيين بالياء
مع أنهم لم يقرؤوا بذلك. وقد نقل أبو عمرو الداني أن ((شركائهم)) بالياء إنما
هو في مصحف الشام دون مصاحف الأمصار فقال: ((في مصاحف أهل الشام
((أولادهم شركائهم)) بالياء وفي سائر المصاحف شركاؤهم بالواو)). قلت: هذا
هو المشهور عند الناس أعني اختصاص الياء بمصاحف الشام، ولكنْ
أبو البرهسم ثقة أيضاً فنقبل ما ينقله. وقد تقدَّم قولُ الزمخشري: ((والذي
حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوباً بالياء)».
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: ((ولا بُعْدَ فيما استبعده أهل النحو
من جهة المعنى وذلك أنه قد عُهد تقدُّمُ المفعول على الفاعل المرفوع لفظاً
فاستمرت له هذه المرتبةُ مع الفاعل المرفوع تقديراً فإن المصدر لو كان منوناً
لجاز تقديم المفعول على فاعله نحو: ((أعجبني ضربٌ عمراً زيدٌ)) فكذا في
الإِضافة وقد ثَبَتَ جوازُ الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة الاتصال
بينهما أكثر من شدته بين المضاف والمضاف إليه كقوله تعالى: ((فيما نقضِهم
ميثاقَهم))(٢) ((فبما رحمةٍ)) (٣) فـ ((ما)) زائدة في اللفظ فكأنها ساقطة فيه لسقوطها
في المعنى، والمفعول المقدم هو غير موضعه معنى فكأنه مؤخر لفظاً،
ولا التفات إلى قول مَّنْ زعم أنه لم يأت في الكلام المنثور مِثْلُه لأنه نافٍ،
ومَنْ أسند هذه القراءةِ مُثْبِت، والإِثبات مُرَجَّح على النفي بإجماع، ولو نُقِل إلى
هذا الزاعم عن بعض العرب أنه استعمله في النثر لرجع إليه فما باله لا يكتفي
بناقل القراءة من التابعين عن الصحابة؟ ثم الذي حكاه ابن الأنباري يعني
(١) سقط سهواً من الأصل وأثبتناه من: ص.
(٢) الآية ١٥٥ من النساء.
(٣) الآية ١٥٩ من آل عمران.
١٧٦

- الأنعام -
مما تقدَّم حكايته من قولهم (هو غلامُ إن شاء الله أخيك)» فيه الفصلُ في غير
الشعر بجملة .
وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي والحسن البصري وعبدالملك قاضي
الجند(١) صاحب ابن عامر: ((زُيِّن)) مبنياً للمفعول، ((قَتْلُ)) رفعاً على ما تقدم،
(أولادِهم)) خفضاً بالإِضافة، ((شركاؤهم)) رفعاً، وفي رفعه تخريجان أحدهما:
- وهو تخريج سيبويه(٢) - أنه مرفوع بفعل مقدر تقديره: زَيَّنه شركاؤهم،
فهو جواب السؤال مقدر كأنه قيل: مَنْ زَيَّه لهم؟ فقيل : شركاؤهم، وهذا كقوله
تعالى: ((يُسَبَّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال))(٣) أي: يُسَبِّحه رجال، وقول
الآخر (٤):
٢٠٩٥ - لِيُبْكَ يزيدٌ ضارعٌ لخصومةٍ
والثاني : - وهو تخريج قطرب - أن يكون ((شركاؤهم)) رفعاً على الفاعلية
بالمصدر، والتقدير: زُيّن للمشركين أنْ قَتَلَ أولادَهم شركاؤهم كما تقول:
/ ((حُبِّب لي ركوبُ الفرسِ زيدٌ)) تقديره: حبب لي أَنْ ركب الفرس زيد. [٣٥٧/ب]
والفرق بين التخريجين أن التخريج الأول يؤدي إلى أن تكون هذه القراءة في
المعنى كالقراءة المنسوبة للعامَّة في كون الشركاء مُزَيِّنين للقتل وليسوا قاتلين،
والثاني: [أن](٥) يكون الشركاء قاتلين، ولكن ذلك على سبيل المجاز؛ لأنهم
لَمَّا زيّنُوا قَتْلَهم لآبائهم وكانوا سبباً فيه نُسِبَ إليهم القتل مجازاً. وقال
أبو البقاء(٦): ((ويمكن أن يقعَ القَتْلُ منهم حقيقةً))، وفيه نظرٌ لقوله ((زُيّن))
(١) لم أقف على ترجمته .
(٢) الكتاب ١٤٦/١ .
(٣) الآية ٣٦ من النور على قراءة ابن عامر وأبي بكر. السبعة ٤٥٦.
(٤) تقدم برقم ١٢٠١.
(٥) من: ص.
(٦) الإملاء ٢٦٢/١.
١٧٧

- الأنعام-
والإِنسان إنما يُزَيَّن له فِعْلُ نفسه كقوله تعالى: ((أَفَمَنْ زُيِّن له سوءُ عملِهِ فَرَآه
حَسَناً»(١).
وقال غير أبي عبيد: ((وقرأ أهل الشام كقراءة ابن عامر إلا أنهم خَفَضُوا.
((الأولاد)) أيضاً، وتخريجُها سَهْلٌ: وهو أن تجعلَ ((شركائهم)) بدلاً من ((أولادهم)).
بمعنى أنهم يُشْركونهم في النسب والمال وغير ذلك. قال الزجاج(٢): ((وقد
رُوِيت ((شركايهم)) بالياء في بعض المصاحف، ولكن لا يجوزُ إلا على أن
يكونَ (شركاؤهم)) من نعتِ الأولاد لأنَّ أولادهم شركاؤهم في أموالهم. وقال.
الفراء (٣): بعد أن ذكر قراءة العامة وهي ((زَيَّن)) مبنياً للفاعل، ((شركاؤهم)) مرفوعاً:
على أنه فاعل - ((وقراءة ((زُيِّن)) مبنياً للمفعول ((شركاؤهم)) رفعاً على ما تقدم من
أنه بإضمار فعل، وفي مصحف أهل الشام شركايهم بالياء، فإن تكنْ مثبتةً عن
الأولين فينبغي أن تُقرأ ((زين)) ويكون الشركاء هم الأولاد، لأنهم منهم في:
النسب والميراث، وإن كانوا يقرؤون ((زَيَّن)) - يعني بفتح الزاي - فلست أعرفُ
جهتها، إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايا، ويقولون في
تثنية حمراء: حمرايان، فهذا وجه أن يكونوا أرادوا: زين لكثير من المشركين
قتل أولادهم شركايُهم، يعني بياء مضمومة لأن ((شركاؤهم)) فاعل كما مر في:
القراءة العامة)) قال: ((وإن شئت جعلت زين فعلاً إذا فتحته لا يُلبس، ثم
تخفض الشركاء بإتباع الأولاد)). قال أبو شامة: ((قلت: يعني تقدير الكلامِ زَيَّن
بُزُين، فقد اتجه ((شركائهم)) بالجر أن يكون نعتاً للأولاد سواءٌ قُرىء زين بالفتح
أو الضم)).
وقرأت فرقة من أهل الشام - ورُوِيَتْ عن ابن عامر أيضاً - ((زِيْنَ)) بكسر
(١) الآية ٨ من فاطر.
(٢) ليس هذا القول وارداً في كتابه معاني القرآن.
(٣) معاني القرآن ٣٥٧/١.
١٧٨

- الأنعام -
الزاي بعدها ياء ساكنة على أنه فعل ماض مبني للمفعول على حَدّ قيل وبيع.
وقيل: مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعله، وأولادهم بالنصب، وشركائِهم بالخفض،
والتوجيه واضح مما تقدم فهي [و] القراءة الأولى سواء، غاية ما في الباب أنه
أُخذ مِنْ زان الثلاثي وبُني للمفعول فأُعِلَّ بما قد عرفته في أول البقرة(١).
واللام من قوله ((لكثير من المشركين)) متعلقة بزين، وكذلك اللام في قوله
(ليُرْدُوهم)). فإن قيل: كيف تُعَلَّق حرفَيْ جر بلفظ واحد وبمعنى واحد بعامل
واحد من غير بدلية ولا عطف؟ فالجواب: أن معناهما مختلف فإنَّ الأولى
للتعدية والثانية للعِلَّة. وقال الزمخشري(٢) ((إن كان التزيين من الشياطين فهي
على حقيقة التعليل، وإن كان من السَّدَنة فهي للصيرورة)) يعني أن الشيطانَ
يفعل التزيين، وغرضه بذلك الإِرداء، فالتعليل فيه واضح، وأمَّا السَّدَنةُ فإنهم
لم يزيّنوا لهم ذلك وغرضُهم إهلاكهم، ولكن لمَّا كان مآل حالهم إلى الإِرداء
أتى باللام الدالّة على العاقبة والمآل.
قوله ((وليلْبِسوا)) عطف على ((لِيُرْدوا))، عَلَّلَ التزيين بشيئين: بالإِرداء
وبالتخليط وإدخال الشبهة عليهم في دينهم. والجمهورُ على ((وليَلْبِسوا)) بكسر
الباء مِنْ لَبَسْت عليه الأمر ألبِسُه بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع
إذا أدْخَلْتَ عليه فيه الشبهة وخلطته فيه. وقد تقدم بيانه في قوله ((ولَلَسْنا
عليهم ما يَلْبِسون))(٣). وقرأ النخعي (٤): ((وليلبسوا)) بفتح الباء فقيل: هي لغة
في المعنى المذكور تقول: ((لَبِسْتُ عليه الأمر بفتح الباء وكسرها ألبسه
وألبسه، والصحيح أن لَّبِس بالكسر بمعنى / لبس الثياب، وبالفتح بمعنى [٣٥٨/أ]
(١) انظر إعرابه للآية ١١ من البقرة.
(٢) الكشاف ٥٤/٢.
(٣) الآية ٩ من الأنعام.
(٤) البحر ٤ /٢٣٠.
١٧٩

- الأنعام -
الخلط، فالصحيح أنه استعار اللباس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين
التخليط حتى كأنهم لبسوها كالثياب وصارت محيطةً بهم.
وقوله: ((ما فعلوه)) الضمير المرفوع للكثير والمنصوب للقتل للتصريح به
ولأنه المسوقُ للحديث عنه. وقيل: المرفوع للشركاء والمنصوب للتزيين،
وقيل: المنصوب لِلَّبْسِ المفهوم من الفعل قبله وهو بعيد. وقال الزمخشري(١):
(لما فعل المشركون ما زُيِّن لهم من القتل، أو لما فعل الشياطين أو السَّدَنَة
التزيين أو الإِرداء أو اللبس، أو جميع ذلك إن جَعَلْتَ الضمير جاریاً مَجْری اسم
الإِشارة».
وقوله (فَذَرْهُمْ وما يَفْتَرون)) تقدَّم نظيره(٢).
آ. (١٣٨) قوله تعالى: ﴿أنعامٌ﴾: قرأها الجمهور كذلك على صيغة
الجمع، وأبان(٣) بن عثمان ((نَعَمْ)) بالإِفراد وهو قريب، لأن اسم الجنس يقوم:
مقام الجمع. وقرأ الجمهور ((حِجْر)) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم.
وقرأ(٤) الحسن وقتادة والأعرج بضم الحاء وسكون الجيم. ونُقل عن الحبس
وقتادة أيضاً فتحُ الحاء وسكون الجيم. ونُقِل عن أبان بن عثمان ضَمُّ الحاءِ
والجيم معاً. وقال هرون: ((كان الحسن يضمُّ الحاء من ((حجر)) حيث وقع في
القرآن إلا موضعاً واحداً [وهو]: (وحِجْراً مَحْجوراً))(٥) والحاصل أن هذه
المادة تدل على المنع والحصر ومنه: فلانٌ في حِجْر القاضي أي: في مَنْعه،
وفي حِجْري أي: ما يمنع من الثوب أن ينفلتَ منه شيء، وقد تقدم تحقيق
(١) الكشاف ٥٤/٢.
(٢) الأنعام آية ١١٢ .
(٣) انظر: البحر ٢٣١/٤.
(٤) انظر: البحر ٢٣١/٤.
(٥) الآية ٥٣ من الفرقان: ((وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً)).
١٨٠