النص المفهرس
صفحات 141-160
- الأنعام - ساكنة ويكون فيه لغتان: التثقيل والتخفيف كميّت ومَيْت وهيِّن وهين. وقيل: المخفف مصدر ضاق يضيق ضيقاً كقوله تعالى: ((ولاتك في ضيق))(١) يقال: ضاق يضيق ضَيقاً وضِيقاً بفتح الضاد وكسرها، وبالكسر قرأ ابن كثير في النحل والنمل(٢)، فعلى جَعْلِه مصدراً يجيء فيه الأوجه الثلاثة في المصدر الواقع وصفاً لجثة نحو: رجل عدل، وهي حذف مضاف أو المبالغة أو وقوعه موقعَ اسم الفاعل أي: يجعل صدره ذا ضيق أو ضائقاً أو نفس الضيق مبالغةً، والذي يظهر من قراءة ابن كثير أنه عنده اسمٌ صفةٌ مخفف من فَيْعِل وذلك أنه استغرب قراءته في مصدرٍ هذا الفعلِ دونَ الفتح في سورة النحل والنمل، فلو كان هذا عنده مصدراً لكان الظاهرُ في قراءته الكسرَ كالموضعين المشارِ إليهما، وهذا من محاسنٍ علم النحو والقراءات، والخلافُ الجاري هنا جارٍ في الفرقان(٣). وقال الكسائي: / ((الضَّيِّق بالتشديد في الأجرام، وبالتخفيف [٣٥١/أ] في المعاني)). ووزن ضيّق(٤) فَيْعلِ كميّت وسيّد عند جمهور النحويين ثم أدغم، ويجوز تخفيفه كما تقدم تحريره. قال الفارسي: ((والياء مثل الواو في الحذف وإن لم تعتلَّ بالقلب كما اعتلَّت الواو، أُتْبِعَت الياءُ الواوَ في هذا كما أتبعت في قولهم (اتَّسر)) من اليسر فجعلت بمنزلة اتَّعد)). وقال ابن الأنباري: ((الذي يثقَّل الياء يقول وزنه من الفعل فَعِيل، والأصل فيه ضَييق على مثال كريم ونبيل، فجعلوا الياءَ الأولى ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها من حيث أعلُّوا ضاق يضيق، ثم أسقطوا الألفَ لسكونِها وسكونٍ ياء فَعِيل فأشفقوا مِنْ أن يلتبس فعيل بـ فَعْل، فزادوا ياء على الياء يكمل بها بناء الحرف ويقع بها فرق بين (١) الآية ١٢٧ من النحل. (٢) الآية ٧٠ من النمل. (٣) الآية ١٣ من الفرقان. (٤) انظر: الإِنصاف ٧٩٥/٢. ١٤١ - الأنعام - فعيل وفَعْل. والذين خَفَّقُوا الياء قالوا: أُمِن اللبس لأنه قد عُرِفِ أصلُ هذا الحرف، فالثقة بمعرفته مانعة من اللبس. وقال البصريون: وزنه من الفعل فَيْعِل فأدغمت الياء في التي بعدها فشُدِّد ثم جاء التخفيف. قال(١): ((وقد ردِّ الفراء وأصحابُه هذا على البصريين، وقالوا: لا يُعرف في كلام العرب اسم على وزن فيعِل يَعْنُون بكسر العين إنما يُعرف فيعَل يعنون بفتحها نحو صيفَل: وهيكل، فمتى ادّعىْ مُدَّعٍ في اسمٍ معتلّ ما لا يُعرف في السالم كانت دعواه مردودةً) قلت: قد تقدَّم تحرير هذه الأقوال عند قوله: ((أو كصيِّب))(٢) فليُراجَعْ ثَمة. وإذا قلنا إنه مخفف من المشدد فهل المحذوفُ الياءُ الأولى أو الثانية؟ خلاف مرَّت له نظائره. وإذا كانت ((يَجْعَل)) بمعنى يخلق فيكون ((ضيقاً)) حالاً، وإن كانت بمعنى ((سَمَّى)) كانت مفعولاً ثانياً، والكلام عليه بالنسبة إلى التشديد والتخفيف وتقدير المعاني كالكلام عليه أولاً. وحَرَجاً وحَرِجاً بفتح الراء وكسرها: هو المتزايد في الضيق فهو أخصٍُّ من: الأول، فكلُّ حَرَج ضيق من غيرعكسٍ ، وعلى هذا فالمفتوح والمكسور بمعنى واحد يقال: رجل حَرِج وحَرَج قال الشاعر(٣): ٢٠٥٢ - لا حَرِجُ الصدرِ ولا عنيفُ قال الفراء(٤): ((هو في كسره ونصبه بمنزلة الوحّد والوحد والفرد والفرد والدَّنَف والدَّنِف)). وفرَّق الزجاج والفارسي بينهما فقالا: المفتوح مصدر والمكسور اسم فاعل. قال الزجاج(٥): ((الحَرَج أضيق الضيق، فَمَنْ قال: رجل حَرَج (١) لعل صاحب هذا القول ابن الأنباري . (٢) الآية ١٩ من البقرة. (٣) لم أهتد إلى تمامه وقائله، وهو في اللسان: حرج. (٤) معاني القرآن ٣٥٤/١. (٥) معاني القرآن ٣١٩/٢. ١٤٢ - الأنعام - - يعني بالفتح - فمعناه ذو حَرَج في صدره، ومن قال حرج - يعني بالكسر - جعله فاعلاً وكذلك دنّف ودنِف)). وقال الفارسي(١): ((مَنْ فتح الراء كان وصفاً بالمصدر نحو: قَمَن وحَرَىَّ ودنَف ونحو ذلك من المصادر التي يوصف بها، ولا تكون كبطل لأن اسم الفاعل في الأمر العام إنما يجيء على فَعِل، ومن قرأ(٢) حَرِجاً - يعني بكسر الراء - فهو مثل دنِف وفَرِق بكسر العين)). وقيل: الحَرَج بالفتح جمع حَرَجَة كقصبة وقصب، والمكسور صفة كدَنِف، وأصل المادة من التشابك وشدة التضايق فإنَّ الحَرَجة غَيْضة من شجر السَّلَم ملَّفةٌ لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يصل إليها قال العجاج(٣). ٢٠٥٣ - عايَنَ حَيَّاً كالحِراجِ نَعَمُهْ الجِراج: جمع حِرْج، وحِرْج جمع حَرَجَة. ومن غريب ما يُحكى أن ابن عباس قرأ هذه الآية فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ فقال رجل: نعم. قال: ما الحَرَجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المستمسك الذي لا طريق فيه. فقال ابن عباس: فهكذا قلب الكافر، هذه رواية عبيد بن عمير (٤). وقد حكى أبو الصلت الثقفي (٥) هذه الحكاية بأطولَ من هذا عن عمر بن الخطاب (١) الحجة (خ) ٤٤٦/٢. (٢) قرأ بالفتح ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص، وقرأ بالكسر نافع وأبو بكر. انظر: السبعة ٢٦٨؛ والبحر ٢١٨/٤؛ والحجة ٢٧١؛ والكشف ٤٥٠/١؛ والنشر ٢٥٣/٢. (٣) بعده : يكون أقصى ثَلِّ مُحْرَنْجِمُهْ وهو في ديوانه ٤٣٤، واللسان: حرج. (٤) عبيد بن عمير الليثي المكي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى عن عمر بن الخطاب، توفي سنة ٧٤. انظر: طبقات القراء ١ /٤٩٦. (٥) أبو الصلت الثقفي، روى عنه عبدالله اليمامي، وروى له أبو داود. ولم تذكر وفاته. تهذيب الكمال ١٦١٦/٣. ١٤٣ - الأنعام - فقال: ((قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية فقال: ابغوني رجلاً من بني كنانة واجعلوه راعياً، فأتَوْه به فقال له عمر: يا فتى ما الحَرَجَةُ فيكم؟ قال: الحَرَجَةُ [٣٥١/ب] فينا الشجرة تُحْدِق بها الأشجار فلا تصل إليها / راعيةٌ ولا وحشية. فقال عمر: ((وكذلك قلبُ الكافر لا يصل إليه شيء من الخير)). وبعضهم يحكي هذه الحكاية عن عمر رضي الله عنه كالمنتصر لمن قرأ بالكسر قال: ((قرأها بعض أصحاب عُمَر له بالكسر فقال: ابغوني رجلاً من كنانة راعياً وليكن من بني مُدْلج فَأَتَوْه به فقال: يا فتى ما الحَرَجَةُ تكون عندكم؟ فقال: شجرةٌ تكون بين الأشجار لا يصل إليها راعيةٌ ولا وحشية فقال: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيءٌ من الخير. قال الشيخ (١): ((وهذا: تنبيه - والله أعلم - على اشتقاق الفعل من اسم العين كاستنوق واستحجر)) قلت: ليس هذا من باب استنوق واستحجر في شيء، لأن هذا معنى مستقل ومادة مستقلة متصرفة نحو: حَرِجَ يَحْرَج فهو حَرِج وحارج بخلاف تِيْكَ الألفاظ فإن معناها . يُضطر فيه إلى الأخذ من الأسماء الجامدة، فإنَّ معنى قولك استنوق الجمل : أي: صار كالناقة، واستحجر الطين أي: صار كالحجر، وليس لنا مادةٌ متصرفة. إلى صيغ الأفعال من لفظ الحجر والناقة، وأنت إذا قلت: حَرِج صدرُه ليْس بك ضرورة أن تقول: صار كالحَرَجة، بل معناه تزايدَ ضيقُه، وأمَّا تشبيهُ عمر بن الخطاب فالإِبرازه المعاني في قوالبِ الأعيان مبالغةً في البيان. وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ((حَرِجاً) بكسر الراء، والباقون بفتحها، وقد عُرِفا. فأمَّا على قراءة الفتح فإن كان مصدراً جاءت فيه الأوجه الثلاثة المتقدمة في نظائره، وإن جُعِلَ صفة فلا تأويل. ونصبه على القراءتين: إمَّا على كونه نعتً لضيقاً، وإمَّا على كونه مفعولاً به تعذَّد، وذلك أن الأفعالَ النواسخَ إذا دخلت على مبتدأ وخبر كان الخبران : (١) البحر ٢١٨/٤. ١٤٤ - الأنعام - على حالهما فكما يجوز تعدُّدُ الخبر مطلقاً أو بتأويل في المبتدأ والخبر الصريحين كذلك في المنسوخين حين تقول: ((زيدٌ كاتب شاعر فقيه)) ثم تقول: ظننتُ زيداً كاتباً شاعراً فقيهاً، فتقول: ((زيد)) مفعول أول ((كاتباً)) مفعول ثان ((شاعراً)) مفعول ثالث ((فقيهاً)) مفعول رابع، كما تقول: خبر ثان وثالث ورابع، ولا يلزم من هذا أن يتعدّى الفعل لثلاثة ولا أربعة لأن ذلك بالنسبة إلى تعدُّد الألفاظ، فليس هذا كقولك في : أعلمْتُ زيداً عمراً فاضلاً، إذ المفعولُ الثالثُ هناك ليس متكرراً لشيء واحد، وإنما بَنْتُ هذا لأنَّ بعض الناس وَهِمَ في فهمه، وقد ظهر لك ممَّا تَقَدَّم أنَّ قوله ((ضيقاً حَرَجاً)) ليس فيه تكرار. وقال مكي(١): «ومعنی حَرِج یعني بالكسر كمعنى ضيق كرِّر لاختلاف لفظه للتأكید» قلت: إنما يكون للتأكيد حيث لم يظهر بينها فارق فتقول: كُرِّر لاختلاف اللفظ كقوله: ((صلوات من ربهم ورحمة))(٢) [وقوله](٣): وألْفَى قولَها كَذِباً ومَيْنا ٢٠٥٤_ [وقوله](٤): ٢٠٥٥_ وهندٌ أتىْ مِنْ دونها النَّأْيُ والْبُعْدُ وأما هنا فقد تقدَّم الفرق بينهما بالعموم والخصوص أو غير ذلك. وقال أبو البقاء(٥): ((وقيل هو جمع ((حَرَجَةٌ)) مثل قَصَبَة وَقَصَب والهاءُ فيه للمبالغة» ولا أدري كيف تَوَهَّم كونَ هذه الهاءِ الدالَّةِ على الوَحْدة في مفرد أسماء (١) المشكل ٢٨٨/١. (٢) الآية ١٥٧ من البقرة. (٣) تقدم برقم ٤٦٥. (٤ ) تقدم برقم ٤٦٦. (٥) الإِملاء ٢٦٠/١. ١٤٥ - - الأنعام - الأجناس كثمرة وبُرَّةٍ(١) ونَبِقة(٢) للمبالغة كهي في راوية ونَسَّابة وفَرُوْقة (٣)؟ وقوله: ((كأنما)) ((ما)) هذه مهيّئة لدخول كان على الجمل الفعلية كهي في «إنما تُوَفَّوْن))(٤). وقرأ ابن كثير(٥): (يَصْعَد)) ساكنَ الصاد مخفّف العين، مضارع صَعِد أي ارتفع، وأبو بکر عن عاصم یصًّاعد بتشديد الصاد بعدها ألف، وأصلها يتصاعد أي: يتعاطى الصُّعود ويتكلَّفه، فأدغم التاء في الصاد تخفيفاً، والباقون يَصَّعَّد بتشديد الصاد والعين دون ألفٍ بينهما، مِنْ يصَّعَّد أي يفعل الصعود ويُكَلَّفه. والأصل: يتصعَّد فأدغم كما في قراءة شعبة، وهذه الجملة التشبيهية يحتمل أن تكون مستأنفة شبَّه فيها حال مَنْ جعل الله صدره ضيقاً حَرَجاً بأنه بمنزلة مَنْ يطلب الصُّعود إلى السماء المُظِلة، أو إلى مكان مرتفع وَعْرِ كالعقبة الكَؤُود. وجَوَّزوا فيها وجهين آخرين أحدهما: أن يكون مفعولاً آخر تعدَّد كما. [٣٥٢/أ] / تَعَدَّد ما قبلها، والثاني: أن يكون حالاً، وفي صاحبها احتمالان، أحدهما: هو الضميرُ المستكنُّ في ((ضيَّقا))، والثاني: هو الضمير في ((حَرْجا)) و((في السماء)) متعلّق بما قبله. قوله: ((كذلك يَجْعَلُ)) هو كنظائِرِهِ، وقدَّره الزجاج(٦): مثل ما قَصَصْنا عليك يَجْعل، أي: فيكون مبتدأ وخبراً أو نعت مصدر محذوف، فلك أن ترفعَ ((مثل)) وأن تنصِبَها بالاعتبارين عنده، والأحسن أن يُقَدَّر لها مصدرٌ مناسب (١) البرة: الحنطة . (٢) النبقة: حَمْل السِّدر. (٣) الفروقة: الخائف. (٤) الآية ١٨٥ من آل عمران. (٥) انظر: السبعة ٢٦٨؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ الكشف ٤٥١/١؛ والحجة ٢٧١؛ والبحر: ٢١٨/٤. (٦) معاني القرآن ٣١٩/٢. ١٤٦ - الأنعام - كما قدَّره الناس وهو: مثل ذلك الجَعْل ـ أي جَعْلِ الصدرِ ضيقاً حرجاً - يجعل اللَّهُ الرجس، كذا قدَّره مكي(١) وغيره، و((يجعل)) يُحتمل أن تكونَ بمعنى ((ألقى)) وهو الظاهر فتتعدّى لواحد بنفسها وللآخر بحرف جر، ولذلك تَعدَّتْ هنا بـ على، والمعنى: كذلك يلقي اللَّهُ العذاب على الذين لا يؤمنون، ويجوز أن يكون بمعنى صَيَّر أي: يُصَيِّره مُسْتعلياً عليهم محيطاً بهم، والتقدير الصناعي : مستقراً عليهم. آ. ١٢٦ وقوله تعالى: ﴿مستقيماً﴾: حال من ((صراط))، والعامل فيه أحد شيئين: إمَّا ((ها)) لِما فيها من معنى التنبيه، وإمَّا ((ذا)) لما فيه من معنى الإِشارة وهي حال مؤكدة لامبيِّنة، لأنَّ صراط الله لا يكون إلا كذلك. آ. ١٢٧ قوله تعالى: ﴿لهم دارُ﴾: يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة فلا محلَّ لها كأن سائلاً سأل عَمَّا أعدَّ الله لهم فقيل له ذلك، ويحتمل أن يكون حالاً من فاعل ((يَذَّكَّرون)) ويحتمل أن يكون وصفاً لقوم، وعلى هذين الوجهين فيجوز أن تكون الحال أو الوصف الجارّ والمجرور فقط ويرتفع («دار السلام)) بالفاعلية، وهذا عندهم أولى؛ لأنه أقرب إلى المفرد من الجملة، والأصل في الوصف والحال والخبر الإِفراد فما قَرُبَ إليه فهو أَوْلَی و((عند ربهم)) حال من ((دار)»، والعامل فيها الاستقرار في ((لهم)). والسلامُ والسَّلامة بمعنى، كاللَّداد واللَّدادة(٢)، ويجوز أن ينتصب ((عند)) بنفس السلام لأنه مصدر أي: يُسَلِّم عليهم عند ربهم أي: في جنته، ويجوز أن ينتصب بالاستقرار في ((لهم)). وقوله ((وهو وليُّهم)) يحتمل أيضاً الاستئناف، وأن يكون حالاً أي: لهم دار السلام، والحال أن الله وليُّهم وناصرهم. و ((بما كانوا)» الباء سببية و ((ما)) بمعنى الذي أو نكرةٌ أو مصدريَّة. (١) المشكل ٢٨٩/١. (٢) الألد: الخصم الشحيح . ١٤٧ - الأنعام - آ. ١٢٨ قوله تعالى: ﴿ويومَ يَحْشرهم﴾: يجوزُ أن ينتصب بفعل مقدَّر فقدَّره أبو البقاءِ(١) تارةً بـ ((اذكر)) وتارةً بالقول المحذوف العامل في جملة النداء من قوله ((يا مَعْشَر)) أي: ويقول: يا معشرَ يوم نحشرهم، وقَدَّره الزمخشري(٢): ((ويوم يحشرهم وقلنا(٣) كان ما لا يوصف لفظاعته)). قال الشيخ (٤): ((وما قلناهُ أَوْلَى)) يعني مِنْ كونه منصوباً بـ ((يقول)) المحكي به جملة النداء)) قال: ((لاستلزامه حذفَ جملتين إحداهما جملة ((وقلنا)» والأخرى العاملة في الظرف)) .. وقَدَّره الزجاج(٥) بفعل قول مبني للمفعول: يُقال لهم يا معشر يوم نحشرهم، وهو معنى حسن، كأنه نظر إلى معنى قوله. ((ولا يُكَلِّمهم ولا يزكِّيهم)) فبناه للمفعول، ويجوز أن ينتصب ((يوم)) بقوله (وليُّهم)) لما فيه من معنى الفعل أي: وهو يتولّهم بما كانوا يعملون ويتولاهم يوم يحشرهم .. و((جميعاً)) حال أو توكيد على قول بعض النحويين. وقرأ(٦). حفص ((يحشرهم)) بياء الغيبة ردًّاً على قوله ((ربهم)) أي: ويوم يحشرهم ربِّهم. قوله: ((يا معشرَ)) في محلِّ نصب بذلك القول المضمر أي: يقول أو قلنا،" وعلى تقدير الزجاج يكون في محل رفعٍ لقيامِه مَقام الفاعل المنوب عنه. والمعشرُ: الجماعة قال(٧): ٢٠٥٦ - وأبغضُ مَنْ وضعتُ إليَّ فيه لساني معشرٌ عنهم أذودُ (١) الإِملاء ١٠٢٦١/١ (٢) الكشاف ٤٩/٢ (٣) الكشاف: قلنا. والواو هنا مقحمة. (٤) البحر ٤ /٢٢٠. (٥) معاني القرآن ٢٢٠/٢ . (٦) انظر: السبعة ٢٦٩؛ الكشف ٤٥١/١؛ النشر ٢٥٣/٢؛ والبحر ٢٢٠/٤. (٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في الهمع ٨٨/١؛ والدرر ٦٤/١؛ وحاشية الشيخ يس ١٢٨/١. ١٤٨ - الأنعام - والجمع: معاشر، كقوله عليه السلام: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))(١) وقال الأودي (٢): ٢٠٥٧ - فينا معاشرُ لن يَبْنوا لقومِهِمُ وإِن بَنِىَ قومُهُمْ ما أفسدوا عادوا وقوله ((من الإِنس)) في محلّ نصب على الحال أي: أولياؤهم حال كونهم من الإِنس، ويجوز أن تكون ((مِنْ)) لبيانِ الجنس؛ لأنَّ أولياءهم كانوا إنساً وجِنّاً والتقدير: أولياؤهم الذين هم الإِنس. وربَّنَا حُذِفَ منه حرف النداء. والجمهور على ((أَجَلّنا)) بالإِفراد لقوله ((الذي)). وقرىء(٣) ((آجالنا)) بالجمع على أفعال، ((الذي)) بالإِفراد / والتذكير، وهو نعت للجمع، فقال أبو علي: [٣٥٢/ب] ((هو جنس أوقع الذي موقع التي)). قال الشيخ (٤): ((وإعرابه عندي بدل كأنه قيل: الوقت الذي، وحينئذٍ يكون جنساً ولا يكون إعرابُه نعتاً لعدم المطابقة بینھما» . قوله ((خالدين)) منصوبٌ على الحال وهي حالٌ مقدرة. وفي العامل فيها ثلاثة أوجه أحدها: أنه ((مثواكم)) لأنه هنا اسمُ مصدر لا اسم مكان، والمعنى : النار ذات ثوائكم، أي إقامتكم في هذه الحال، ولذلك ردَّ الفارسي على الزجاج(٥) حيث قال: المثوى المقام أي: النار مكان ثوائكم أي إقامتكم. قال الفارسي: ((المَثْوى عندي في الآية اسم المصدر دون المكان لحصول الحال معملاً فيها، واسم المكان لا يعمل عملَ الفعل لأنه لا معنى للفعل فيه، وإذا لم يكن مكاناً ثبت أنه مصدر، والمعنى: النار ذات إقامتكم فيها خالدين، (١) رواه البخاري (الفتح): الفرائض ٣، ٥/١٢؛ وأحمد ٤/١. (٢) البحر ٢٢٠/٤. (٣) البحر ٢٢٠/٤. (٤) البحر ٢٢٠/٤. (٥) معاني القرآن ٣٢٠/٢. ١٤٩ - الأنعام - فالكاف والميم في المعنى فاعلون وإن كان في اللفظ خفضاً بالإِضافة، ومثلُ هذا قولُ الشاعر(١). ٢٠٥٨ _ وما هي إلا في إزارٍ وعِلْقَةٍ مُغَارَ ابنِ هَمَّامٍ على حَيّ خَثْعما وهذا يَدُلُّ على حَذْفِ المضاف، المعنى: وما هي إلا إزارٌ وعِلْقةُ وقتِ إغارة ابن همام، ولذلك عدَّاه بعلى، ولو كان مكاناً لَمَا عدَّاه فثبت أنه اسم مصدر لا مكان فهو كقولك: ((آتيك خفوقَ النجم ومقدّمَ الحاج)» ثم قال: ((وإنما حَسُن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان، ألا ترى أنه مُتَقَضٍّ غيرُ باقٍ كما أن الزمان كذلك)» وذكر كلاماً كثيراً اختصرتُه. والثاني: أن العامل فيها فعلٌ محذوف، أي: يَثْوُون فيها خالدين، ويدل على هذا الفعلِ المقدر ((مثواكم)) ويراد بمثواكم مكان الثواء. وهذا جواب عن قول الفارسي المعترض به على الزجاج. الثالث: قاله أبو البقاء(٢) أن العامل معنى الإِضافة، ومعنى الإِضافة لا يصلُح أن يكون عاملاً البتّةً فليس بشيء. قوله: ((إلا ما شاء الله)) اختلفوا في المستثنى منه: فقال الجمهور: هو الجملة التي تليها وهي قوله ((النار مثواكم خالدين فيها)) وسيأتي بيانه عن قرب. وقال أبو مسلم: ((هو مستثنى من قوله ((وبلغْنا أَجَلَنا الذي أجَّلْتَ لنا» أي: إلا مَنْ أهلكته واخترمْتَه قبل الأجل الذي سَمَّيْته لكفرِه وضلاله. وقد ردَّ الناس عنه هذا المذهبَ من حيث الصناعة ومن حيث المعنى: أمَّا الصناعة فَمِنْ وجهين أحدهما: أنه لو كان الأمر كذلك لكان التركيب إلا (١) البيت لحميد بن ثور وهو في الكتاب ١٢٠/١؛ والمقتضب ١٢١/٢؛ والخصائص ٢٠٨/٢؛ والمحتسب ٢٦٦/٢؛ واللسان: علق؛ وابن يعيش ١٠٩/٦. والعلقة: ثوب قصير. (٢) الإملاء ٢٦١/١. ١٥٠ - الأنعام - ما شئت، ليطابق قوله ((أجَّلْتَ))، والثاني: أنه قد فَصَل بين المستثنى والمستثنى منه بقوله «قال النار مثواكم خالدين فيها، ومثل ذلك لا يجوز. وأمّا المعنى فلأن القول بالأجلين: أجل الاخترام والأجل المسمَّى باطل لدلائل مقررة في غير هذا الموضوع. ثم اختلفوا في هذا الاستثناء: هل هو متصل أو منقطع؟ على قولين فذهب مكي بن أبي طالب(١) وأبو البقاء(٢) في أحد قوليهما إلى أنه منقطع والمعنى: قال النار مثواكم إلا مَنْ آمن منكم في الدنيا كقوله: ((لا يذوقون فيها الموتَ إلا الموتَّةَ الأولى)) أي: لكن الموتة الأولى فإنهم قد ذاقوها في الدنيا، كذلك هذا، لكن الذين شاءهم الله أن يؤمنوا منكم في الدنيا. وفيه بُعْدُ، وذهب آخرون إلى أنه متصل، ثم اختلفوا في المستثنى منه ما هو؟ فقال قوم: هو ضمير المخاطبين في قوله ((مَثْواكم)) أي إلا مَنْ آمن في الدنيا بعد أن كان مِنْ هؤلاء الكفرة. و((ما)) هنا بمعنى ((مَنْ)) التي للعقلاء، وساغ وقوعُها هنا لأن المراد بالمستثنى نوعٌ وصنف، و ((ما)) تقع على أنواع مَنْ يعقل وقد تقدَّم تحقيق هذا في قوله ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء)» (٤). ولكن قد اسْتُبعِد هذا من حيث إن المستثنى مخالفٌ للمستثنى منه في زمان الحكم عليهما، ولا بد أن يشتركا / في الزمان لوقلت: ((قام القوم إلا [٣٥٣/أ] زيداً)) كان معناه إلا زيداً فإنّه لم يقم، ولا يصحُّ أن يكون المعنى: فإنه سيقوم في المستقبل، ولو قلت: ((سأضرب القوم إلا زيداً) كان معناه: فإنِّي لا أضربه في المستقبل، ولا يَصِحُّ أن يكون المعنى: فإني ضربته فيما مضى، اللهم إلا أن يُجْعَلَ استثناء منقطعاً كما تقدَّم تفسيره. (١) المشكل ٢٩٠/١. (٢) الإملاء ٢٦١/١. (٣) الآية ٥٦ من الدخان . (٤) الآية ٣ من النساء . ١٥١ - الأنعام - وذهب قوم إلى أنَّ المستثنى منه زمان، ثم اختلف القائلون. بذلك، فمنهم من قال: ذلك الزمانُ هو مدةُ إقامتهم في البَرْزَخ أي: القبور. وقيل: هو المدة التي بين حشرِهم إلى دخولهم النار، وهذا قولُ الطبري (١) قال: ((وساغ ذلك من حيث العبارةُ بقوله ((النار مَثْواكم)) لا يَخْصُّ بها مستقبلَ الزمان دون غيره)). وقال الزجاج(٢): ((هو مجموع الزمانين أي: مدةً إقامتهم في القبور ومدة حشرهم إلى دخولهم النار)). وقال الزمخشري (٣)؛ ((إلا ما شاء الله أي: يُخَلَّدون في عذاب النار الأبد كله إلا ما شاء الله إلا الأوقات. التي يُنقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، فقد رُوِيَ أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يقطع أوصالَهم فيتعاوَوْن ويطلبون الرَّدَّ إلى الجحيم» وقال قوم: ((إلا ما شاء الله هم العصاة الذين يدخلون النار من أهل التوحيد، ووقعت ((ما)) عليهم لأنهم نوع كأنه قيل: إلا الْنوعَ الذي دخلها من العصاة. فإنهم لا يُخَلَّدون فيها. والظاهر أن هذا استثناءً حقيقةً، بل يجب أن يكون كذلك. وزعم الزمخشري (٤) أنه يكون من باب قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يَزَلْ يُحَرِّق عليه أنيابه وقد طلب أن يُنَفِّسَ عن خناقه: ((أهلكني الله إن نَفَّسْتُ عنك إلا إذا شئت)) وقد عَلِمَ أنه لا يشاء ذلك إلا التشفّ منه بأقصى ما يقدر عليه من التشديد والتعنيف، فيكون قوله ((إلا إذا شئت)) من أشدِّ الوعيد مع تهكم)). قلت: ولا حاجة إلى ادِّعاء ذلك مع ظهور معنى الاستثناء فيه وارتكاب المجاز وإبراز ما لم يقع في صورة الواقع. وقال الحسن البصريُّ: ((إلا ما شاء الله أي: مِنْ كونهم في الدنيا بغير عذاب))، فجعل المستثنى زمن: حياتهم وهو أبعدُ ممَّا تقدَّم. ٠٠ (١) تفسير الطبري ١١٨/١٢. (٢) معاني القرآن ٣٢١/٢. (٣) الكشاف ٥٠/٢. (٤) الكشاف ٢/ ٥٠. ١٥٢ - الأنعام - وقال الفراء (١) :- وإليه نحا الزجاج(٢) - ((المعنى إلا ما شاء الله من زيادةٍ في العذاب)). وقال غيره: إلا ما شاء اللّه من النَّكال، وكل هذا إنما يتمثَّى على الاستثناء المنقطع. قال الشيخ (٣): ((وهذا راجعٌ إلى الاستثناء من المصدر الذي يدل عليه معنى الكلام؛ إذ المعنى: يُعَذَّبون في النار خالدين فيها إلا ما شاء الله من العذاب الزائد على النار فإنه يُعَذِّبهم به، ويكون إذ ذاك استثناءً منقطعاً إذ العذابُ الزائد على عذاب النار لم يندرج تحت عذاب النار)). وقال ابن عطية (٤): ((ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون مخاطبةً للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته، وليس مما يُقال يومَ القيامة، والمستثنى هو مَنْ كان مِنَ الكفرة يومئذٍ يؤمن في علم الله، كأنه لمَّا أخبرهم أنه يقال للكفار: النار مثواكم استثنى لهم مَنْ يمكن أن يُؤْمِن مِمَّن يَرَوْنه يومئذٍ كافراً، وتقع ((ما)» على صفة مَنْ يعقل، ويؤيد هذا التأويلَ أيضاً قوله ((إن ربك حكيم عليم)) أي: بمن يمكن أن يؤمن منهم)). قال الشيخ(٥): ((وهو تأويلٌ حسن وكان قد قال قبل ذلك: ((والظاهر أن هذا الاستثناء هو مِنْ كلام الله تعالى للمخاطبين وعليه جاءت تفاسيرُ الاستثناء، وقال ابن عطية)) ثم ساقه إلى آخره، فكيف يَسْتَحْسن شيئاً حكم عليه بأنه خلاف الظاهر من غير قرينة قوية مُخْرِجَةٍ للَّفظ عن ظاهره؟ آ. ١٢٩ قوله تعالى: ﴿وكذلك نُوَلِّ﴾: أي: كما خَذَلْنا عصاةَ الإِنس والجن حتى استمتع بعضُهم ببعض كذلك نَكِلُ بعضَهم إلى بعض في النصرة والمعونة، فهي نعت لمصدر محذوف، أو في محل رفع أي: الأمرُ (١) لم يرد في كتابه معاني القرآن. (٢) معاني القرآن ٣٢١/٢. (٣) البحر ٢٢١/٤. (٤) المحرر ١٥١/٦. (٥) البحر ٢٢١/٤. ١٥٣ - الأنعام - [٣٥٣/ب] مثل تولية بعض / الظالمين، وهو رأي الزجاج في غير موضع. و((بما كانوا یکسِبون» ظاهر کنظائره . . آ. ١٣٠ قوله تعالى: ﴿منكم﴾: في محل رفعٍ صفةٌ لرسل فيتعلَّق بمحذوف وقوله ((يَقُصُّون)) يحتمل أن يكون صفةً ثانية، وجاءت كذا مجيئاً حسناً حيث تقدَّم ما هو قريبٌ من المفرد على الجملة، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما : هو ((رسل» وجاز ذلك وإن كان نكرةً لتخصُّصِه بالوصف. والثاني: أنه الضمير المستتر في ((منكم)). وقوله ((رسلُ منكم)) زعم الفراء(١) أن في الآية حَذْفَ مضاف أي: ألم يَأْتِكم رسلٌ من أحدكم يعني من جنس الإِنس)) قال: كقوله: ((يَخْرُجُ منهما اللؤلؤ والمَرْجان))(٢) وإنما يَخْرجان من الملح، ((وجعل القمر فيهن نوراً)(٣) وإنما هو في بعضها، فالتقدير: يخرج مِنْ أحدهما وجعل القمر في إحداهن، فَحُذِفَ للعلم به))، وإنما احتاج الفراء إلى ذلك لأن الرسل عنده مختصةٌ بالإِنس (٤)، يعني أنه لم يعتقد أن الله أَرْسَل للجن رسولاً منهم، بل إنما أرسل إليهم الإِنس كما يُرْوى في التفسير وعليه قام الإِجماع أنَّ النبي محمداً صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ للإِنس والجن وهذا هو الحق، أعني أنَّ الجنَّ لم يُرْسَلْ منهم إلا بواسطة رسالة الإِنس، كما جاء في الحديث مع الجن الذين لِمَّا سَمِعُوا القرآن وَلَّوْاِ إلى قومهم، ولكن لا يُحْتَاجُ إلى تقدير مضاف وإن قلنا إِنَّ رسل الجن من الإِنس، للمعنى الذي ذكرتُه وهو أنه يُطْلق عليهم رسل مجازاً لكونهم رسلاً بواسطة رسالة الإِنس، وقد زعمَ قومُ أن الله أرسل للجن رسولاً منهم يُسَمَّى يوسف. (١) معاني القرآن ٣٥٤/١. (٢) الآية ٢٢ من الرحمنُّ. (٣) الآية ١٦ من نوح. (٤) وهو أيضاً رأي الزجاج في معاني القرآن ٣٢١/٢. ١٥٤ - الأنعام - آ. ١٣١ قوله تعالى: ﴿ذلك أَنْ لم يكنْ رِبُّك مُهْلِكَ﴾: فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه مبتدأً محذوف الخبرِ أي: ذلك الأمر. الثاني: عكسه أي الأمر ذلك. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار فعل أي: فَعَلْنا ذلك، وإنما يظهر المعنى إذا عُرِفَ المشار إليه، وهو يحتمل أن يكون إتيان الرسل قاصِّين الآيات ومنذرين بالحشر والجزاء، وأن يكون ذلك الذي قَصَصْنا مِنْ أَمْرِ الرسل، وأَمْر مَنْ كَذَّب ويحتمل أن يكون إشارةً إلى السؤال المفهوم من قوله ((ألم يأتِكم)). وقوله ((أن لم يكن)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه على حذف لام العلة أي : ذلك الأمر الذي قَصَصْنا، أو ذلك الإِتيان أو ذلك السؤال لأجل أن لم يكن، فلمَّا حُذِفَت اللامُ احتمل موضعُها الجرَّ والنصبَ كما عُرِفَ غير مرة. والثاني: أن يكون بدلاً من «ذلك)). قال الزمخشري(١): ((ولك أَنْ تجعلَه بدلاً من ((ذلك)) كقوله: ((وقضينا إليه ذلك الأمرَ أنَّ دابِرَ هؤلاء مقطوعٌ مُصْبحين))(٢) انتهى. فيجوز أن يكون في محلِّ رفعٍ أو نصب على ما تقدم في ذلك، إلا أن الزمخشري القائل بالبدلية لم يذكر في محل ذلك إلا الرفعَ على خبر مبتدأ مضمر، و ((أَنْ)) يجوز أن تكونَ الناصبة للمضارع، وأن تكون المخففة واسمها ضمير الشأن، و((لم يكن)) في محل رفع خبرها، وهي نظير قوله ((أن لا يَرْجعُ إليهم قولاً))(٣) وقوله(٤): ٢٠٥٩ - في فتيةٍ كسيوف الهند قد عَلِمُوا أنْ هالكُ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ و ((بظلمٍ)) يجوز فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال (١) الكشاف ٥٢/٢. (٢) الآية ٦٦ من الحجر. (٣) الآية ٨٩ من طه . (٤) تقدم برقم ١٧٨٥ . ١٥٥ - الأنعام- من ((ربك)) أو من الضمير في ((مُهْلِكَ)) أي: لم يكن مهلك القرى ملتبساً بظلم، ويجوز أن يكون حالاً من القرى أي: ملتبسة بذنوبها، والمعنيان منقولان في التفسير. والثاني: أنه يتعلق بمُهْلِك على أنه مفعول وهو بعيد، وقد ذكره أبو البقاء (١). وقوله: ((وأهلُها غافلون)) جملة حالية. آ. (١٣٢) وقوله تعالى: ﴿ولكلٍ﴾: حُذِف المضاف إليه للعلم به أي: ولكلٍّ فريق من الجن والإِنس. وقوله: ((ممَّا عملوا)» في محل رفع نعتاً لدرجات وقيل: ولكل من المؤمنين خاصة. وقيل: ولكل من الكفار خاصة، لأنها جاءت عقيب خطاب الكفار، إلا أنه يبعده قوله ((درجاتٌ)) وقد يُقال إنَّ المراد بها هنا المراتب وإن غلب استعمالها في الخير. وقوله ((عمَّا يعملون)» قرأ العامة بالغيبة ردًّاً على قوله ((ولكل درجات)). وقرأ(٢) ابن عامر بالخطاب مراعاةً لما بعده في قوله ((يُذْهِبْكم))، ((من بعدكم))، ((أنشأكم)». آ. (١٣٣) قوله تعالى: ﴿وربُّك الغنيُّ﴾(٣): يجوز أن يكون ((الغنيُّ)) ذو الرحمة خبرين(٤) أو وصفين، و((إن يشأ)) وما بعده خبر الأول أو يكون الغنيّ وصفاً، و((ذو الرحمة)) خبر، والجملة الشرطية خبر ثان أو مستأنف. وقوله ((ما يشاء)) يجوز أن تكون ((ما)» واقعةُ على ما هو من جنس الآدميّين، وإنما أتى بـ ((ما) وهي لغير العاقل للإِبهام الحاصل. ويجوز أن [٣٥٤/أ] / تكون واقعة على غير العاقل وأنه يأتي بجنس آخر، ويجوز أن تكون واقعة على النوع من العقلاء كما تقدم. قوله ((كما أُنشَأكم)) فيه وجهان أحدهما: أنه مصدر على غير الصدر . (١) الإملاء ٢٦١/١. (٢) انظر: السبعة ٢٦٩؛ والحجة ٢٧٢؛ والكشف ١٥٢/١؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ والبحر ٤ / ٠٢٢٥ (٣) الأصل: ((الغفور)) وهو سهو. (٤) الأصل: ((خبران أو وصفان)) وهو سهو. ١٥٦ - الأنعام - لقوله ((ويَسْتخلف))، لأنَّ معنى يستخلف يُنْشيء. والثاني: أنها نعت مصدر محذوف تقديره: استخلافاً مثل ما أنشأكم. وقوله ((مِنْ ذَرِّيَّة)) متعلق بأنشأكم . وفي ((مِنْ)) هذه أوجه أحدها: أنها لابتداء الغاية أي: ابتدأ إنشاءكم من ذرية قوم. والثاني: أنها تبعيضية قاله ابن عطية(١). الثالث: بمعنى البدل، قال الطبري(٢) - وتبعه مكي بن أبي طالب _(٣) ((هي كقولك: ((أخذت من ثوبي درهماً)) أي: بدله وعوضه، وكون ((مِنْ)) بمعنى البدل قليل أو ممتنع، وما ورد منه مؤولٌ كقوله تعالى: ((لَجَعَلْنا منكم ملائكة))(٤) وقوله(٥): ٢٠٦٠ - جاريةٌ لم تَأْكُلِ المرقَّقَا ولم تَذُقْ من البقول الفُسْتُقا أي: بدلكم وبدل البقول، والمعنى: من أولاد قوم متقدمين أصلهم آدم. وقال الزمخشري(٦): ((من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح)). وقرأ أُبَيّ بن كعب (٧) (ذَرِّيَّة)) بفتح الذال، وأبان بن عثمان ((ذَرِيَّة)) بتخفيف الراء مكسورة، ويروى عنه أيضاً ((ذَرْية)) بوزن ضَرْبَة وقد تقدَّم تحقيق ذلك(٨). ١. (١٣٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّ ما توعدون لآتٍ﴾: ((ما)) بمعنى الذي وليست الكافة، و((توعدون)) صلتها، والعائد محذوف أي: إنَّ ما توعدونه، - (١) المحرر ١٥٤/٦. (٢) تفسير الطبري ١٢٧/١٢. (٣) ليس في مشكل مكي. (٤) الآية ٦٠ من الزخرف. (٥) تقدم برقم ١١٨٢. (٦) الكشاف ٥٢/٢. (٧) البحر ٢٢٥/٤. (٨) انظر: إعرابه للآية ١٢٤ من البقرة. ١٥٧ - الأنعام - و ((لآتٍ)) الخبر مؤكّد باللام. وقرأ(١) الأخوان هنا ((مَنْ یکون له عاقبة الدار)»، وفي القصص، بالياء، والباقون بالتاء من فوق. وهما واضحتان فإنَّ تأنيثها غير حقيقي، وقد تقدَّم ذلك في قوله: ((ولا تنفعها شفاعة))(٢) .. -. أ. (١٣٥): وقرأ العامَّة ((على مكانتكم)) هنا وفي جميع القرآن بالإِفراد، وأبو بكر (٣) عن عاصم: ((مكاناتكم)) بالجمع في الجميع، فَمَنْ أفرد فلإِرادة الجنس ومَنْ جمع فليطابق ما بعدها فإن المخاطبين جماعة وقد أضيفت إليهم، وقد علم أنَّ لكل واحد مكانه. واختلف في ميم ((مكان ومكانة)) فقيل: هي أصلية وهما مِنْ مكن يمكن، وقيل: هما من الكون فالميم زائدة، فيكون المعنى على الأول: اعملوا على تمكُّنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، قال معناه أبو إسحاق(٤)، وعلى الثاني: اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. وقوله: ((مَنْ تكون له)) يجوز في ((مَنْ)) هذه وجهان أحدهما: أن تكون موصولةً وهو الظاهر، فهي في محل نصب مفعولاً به، و((علم)» هنا متعديةٌ لواحد لأنها بمعنى العرفان. والثاني : أن تكون استفهامية فتكون في محل رفع بالابتداء. و((تكون له عاقبة الدار)) تكون واسمها وخبرها في محل رفع خبراً لها، وهي وخبرها في محل نصب: إمَّا لسدِّها مَسَذَّ مفعول واحدٍ إن كانت ((علم)) عرفانية، وإمَّا لسدِّها مَسَدَّ اثنين إن كانت يقينية. آ. (١٣٦) قوله تعالى: ﴿وجعلوا الله﴾: ((جعل)) هنا بمعنى ضير (١) انظر: السبعة ٢٧٠؛ الكشف ٤٥٣/١؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ والحجة ٢٧٢؛ والحجة ٢٧٢؛ والبحر ٢٢٧/٤ . (٢) الآية ١٢٣ من البقرة. (٣) انظر: السبعة ٢٦٩؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ والحجة ٢٧٢؛ والكشف ٤٥٢/١؛ والبحر ٢٢٦/٤: (٤) أي الزجاج في معاني: القرآن ٣٢٣/٢. ١٥٨ = - الأنعام - فيتعدى لاثنين أوَّلُهما قوله (نصيباً))، والثاني قوله (الله))، و((ممَّا ذَرَأ)) يجوز أن يتعلق بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف لأنه كان في الأصل صفة لـ ((نصيباً)) فلما قُدِّم عليه انتصب حالاً، والتقدير: وجعلوا نصيباً ممَّا ذَرَأ لله، و((من الحَرْث)) يجوز أن يكون بدلاً مِنْ ((ممَّا ذرأ))(١) بإعادة العامل كأنه قيل: وجعلوا الله من الحرث والأنعام نصيباً. ويجوز أن يتعلق بـ((ذرأ))، وأن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال: إمَّا من ما الموصولة أو من عائدها المحذوف، وفي الكلام حذفُ مفعول اقتضاه التقسيم والتقدير: وجعلوا لله نصيباً من كذا ولشركائهم نصيباً منه، يدلُّ عليه ما بعده مِنْ قوله: ((فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا)) و((هذا الله)) جملةٌ منصوبةُ المحل بالقول، وكذلك قوله ((وهذا لشركائنا)». وقوله ((بزَعْمِهم)) فيه وجهان أحدهما: أن يتعلَّق بـ ((قالوا)) أي: فقالوا ذلك القولَ بزعم لا بيقين واستبصار. وقيل: هو متعلّق بما تعلَّق به الاستقرار من قوله (الله)). وقرأ(٢) العامة بفتح الزاي من ((زَعمهم)) في الموضعين، وهذه لغة الحجاز وهي الفصحى. وقرأ الكسائي ((بزعمهم)) بالضم / وهو لغة بني [٣٥٤/ب] أسد، وهل الفتح والضم بمعنى واحد، أو المفتوح مصدر والمضموم اسم؟ خلاف مشهور. وقرأ ابن أبي عبلة ((بزَعَمهم)) بفتح الزاي والعين. وفيه لغة رابعة لبعض قيس وبني تميم وهي كسر الزاي، ولم يُقْرأ بهذه اللغة فيما علمت. وقد تقدم تحقيق الزعم(٣). وقوله ((لشركائنا)) يجوز فيه وجهان أحدهما: أن الشركاء من الشرك، ويعنون بهم آلهتهم التي أشركوا بينها وبين الباري تعالى في العبادة، وليست (١) الأصل ((ما)) وهو سهو. (٢) انظر: السبعة ٢٧٠؛ والكشف ٤٥٣/١؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ والحجة ٢٧٣؛ والبحر ٤ /٢٢٧. (٣) انظر: إعرابه للآية ٦٠ من النساء. ١٥٩ - الأنعام - الإِضافة إلى فاعل ولا إلى مفعول، بل هي إضافة تخصيص والمعنى: الشركاء الذين أشركوا بينهم وبين الله في العبادة. والثاني: أن الشركاء من الشركة،. ومعنى كونهم سَمُّوا آلهتهم شركاءهم أنهم جعلوهم شركاء في أموالهم وزروعهم وأنعامهم ومتاجرهم وغير ذلك، فتكون الإِضافة إضافةً لفظيةً: إمَّا إلى المفعول أي: شركائنا الذين شاركونا في أموالنا، وإمَّا إلى الفاعل أي: الذين أشركناهم في أموالنا. وقوله: ((ساء ما يحكمون)) قد تقدم نظيرها غير مرة، وقد أعربها الحوفي هنا فقال: ((ما)) بمعنى الذي والتقدير: ساء الذي يحكمون حكمُهم فيكون (حكمُهم)) مبتدأ وما قبله الخبر وحُذِف لدلالة ((يحكمون)) عليه، ويجوز أن تكون ((ما)) تمييزاً على مذهب مَنْ يجيز ذلك في ((بئسما)» فتكون في موضع نصب، التقدير: ساء حكماً حكمهم، ولا يكون ((يحكمون)) صفة لـ «ما): لأنّ الغرض الإِبهام، ولكنْ في الكلام حذفٌ يدل عليه ((ما)» والتقدير: ساء. ما ما يحكمون، فحذف ((ما)) الثانية)) قلت: و((ما)» هذه إن كانت موصولة فمذهب البصريين أن حَذْفَ الموصول لا يجوز، وقد عرف ذلك، وإن كانت نكرة موصوفة ففيه نظر، لأنه لم يُعْهَدْ حَذْفُ (ما)) نكرةً موصوفة. وقال ابن عطية (١): ((وما)) في موضع رفع كأنه قال: ساء الذي يحكمون، ولا يتجه عندي أن تجري ((ساء)» هنا مجری نِعْم ويئس؛ لأن المفسَّر هنا مضمر ولا بد من إظهاره باتفاق من النجاة، وإنما اتجه أن يجري مجرى بئس في قوله «ساء مثلاً القوم))(٢) لأن المفسَّر ظاهر في الكلام)). قال الشيخ(٣): ((وهذا كلامُ مَنْ لم ترسخ قدمه في العربية بل شدا فيها شيئاً يسيراً؛ لأنها إذا جرت ((ساء» مجرى بئس كان حكمها كحكمها سواء لا يختلف في شيء البتة مِنْ فاعل ظاهر (١) المحرر ٦ /١٥٦. (٢) الآية ١٧٧ من الأعراف. (٣) البحر ٢٢٨/٤. ١٦٠