النص المفهرس

صفحات 121-140

- الأنعام -
((ولِتُصْغَى)) من أصغى رباعياً وهوهنا لازم.
وقرأ الحسن: ((وَلْتَصْغِى وَلْيَرْضَوْه(١) / ولْيقترفوا)) بسكون اللام في [٣٤٧/ب]
الثلاثة. وقال أبو عمر الداني: ((قراءة الحسن إنما هو ((ولِتَصْغِي)) بكسر الغين))
قلت: فتكون كقراءة النخعي. وقيل: قرأ الحسن ((ولتصغى)) بكسر اللام كالعامة،
ولْيرضوه ولْيقترفوا بسكون اللام، وخَرَّجوا تسكين اللام على أحد وجهين:
إمَّا أنها لام كي وإنما سُكِّنَتْ إجراءً لها مع ما بعدها مُجْرى كَبِد ونَمِر، قال ابن
جني(٢): ((وهو قويٍّ في القياس شاذٍّ في السماع)). والثاني: أنها لام الأمر،
وهذا وإن تَمَشَّى في ليرضوه وليقترفوا فلا يتمشّى في ((ولتصْغَى)) إذ حرفُ العلة
يحذف جزماً. قال أبو البقاء(٣): ((وليست لامَ الأمر لأنه لم يُجْزم الفعل)). قلت قد
ثبت حرفُ العلّة جزماً في المتواتر فمنها: ((أَرْسِلْه معنا غداً نَرْتَعي ويلعب))(٤)
(إِنَّه مَنْ يَتَّقِي ويصبرُ فإن الله))(٥) ((سنقرئك فلا تَنْسى))(٦) ((لا تَخَفْ دَرَكاً
ولا تَخْشى))(٧)، وفي كل ذلك تأويلاتٌ ستقفُ عليها إن شاء الله تعالى فلتكنْ
هذه القراءة الشاذة مثلَ هذه المواضع، والقولُ بكون لام ((لتصغى)) لام كي
سُكِّنت لتوالي الحركات واللامين بعدها لامَيْ أمرٍ بعيدٌوَتَشَةٍ. وقال النحاس(٨):
((ويُقْرأ ولْيقترفوا)) يعني بالسكون قال: ((وفيه معنى التهدد)). قلت يريد أنه أَمْرُ
(١) كتب المصنف في خاتمة الصفحة على زاويتها اليسرى ((وليقترفوا)) إشارة إلى أنه سيبدأ بها
في الصفحة التالية ولكنه نسيها وکرر «وليرضوه)).
(٢) المحتسب ٢٢٧/١.
(٣) الإملاء ٢٥٨/١.
(٤) الآية ١٢ من يوسف قرأ ابن كثير بالنون وكسر العين، ويلعب بالياء وجزم الباء. السبعة
٣٤٥.
(٥) الآية ٩٠ من يوسف قراءة ابن كثير من رواية قنبل في الوصل والوقف. السبعة ٣٥١.
(٦) الآية ٦ من الأعلى وهي قراءة العامة .
(٧) الآية ٧٧ من طه، قرأ حمزة بجزم لا تخف. انظر: السبعة ٤٢١.
(٨) إعراب القرآن ٥٧٦/١.
١٢١

- الأنعام -
تهديد كقوله: ((اعمَلُوا ما شِئْتم))(١) ولم يَحْكِ التسكينَ في ((لتَصْغَى)) ولا في
«ليرضوه)) .
و ((ما)) في مأهم مُقْتَرِفون موصولةٌ اسمية أو نكرة موصوفة أو نكرة
موصوفة أو مصدرية، والعائد على كلا القولين الأولين محذوفٌ أي: ماهم
مقترفوه. وقال أبو البقاء(٢): ((وأثبت النونَ لَمَّا حُذِفَتْ الهاء)) يريد أن الضمير
المتصل باسم الفاعل المثنى والمجموع على حَدِّه تُحْذَفُ له نون التثنية :
والجمع نحو: هذان ضارباه وهؤلاء ضاربوه، فإذا حذف الضمير زال الموجب
فتعود النون، وهذا هو الأكثر أعني حذف النون مع اتصال الضمير وقد ثبتت
قال (٣):
٢٠٤٠ - ولم يَرْتَفِقْ والناسُ مُحْتَضِرُونه
جميعاً وأيدي المعتفين رواهقه
وقال (٤).
٢٠٤١ - هم الفاعلونَ الخيرَ والآمرونهُ
والاقتراف: الاكتساب، واقترف فلان لأهله أي: اكتسب، وأكثر ما يقال
في الشر والذنب، ويطلق في الخير قال تعالى: ((ومن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ له فيها
حُسْنَاً)(٥) وقال ابن الأنباري(٦): ((قَرَف واقْتَرَف اكتسب. وأنشد(٧):
٢٠٤٢ - وإني لَآتٍ ما. أَتْتُ وإنني
لِمَا اقترفَتْ نفسي عَليَّ لَراهِبُ
(١) الآية ٤٠ من فصلت.
(٢) الإملاء ٢٥٨/١.
(٣) تقدم برقم ١٠٧٥.
(٤) تقدم برقم ٧١١.
(٥) الآية ٢٣ من الشورى.
(٦) الزاهر ١ / ٥٧٤.
(٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في الزاهر ٥٧٤/١.
١٢٢

- الأنعام -
وأصلُ القِرْف والاقتراف قِشْرُ لِحاء الشجر، والجِلْدَةُ من أعلى الحَرَج(١)
وما يُؤخذ منه قِرْف، ثم استعير الاقترافُ للاكتساب حسناً كان أو سيئاً وفي
السَّيِّء أكثر استعمالاً، وقارف فلان أمراً: تعاطَى ما يُعاب بِه. وقيل:
الاعتراف يزيل الاقتراف، ورجل مُقْرِف أي هجين قال(٢).
٢٠٤٣ - كم بجودٍ مُقْرِفٍ نال العُلى
وشريفٍ بُخْلُه قد وضَعَهْ
وقَرَفْتُه بكذا اتهمته أو عبته به.
آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿أُفغيرَ الله﴾: يجوز نصب ((غير) من وجهين
أحدهما: أنه مفعولٌ لأبتغي مقدماً عليه وَوَلِيَ الهمزة لِما تقدم في قوله ((أُغيرَ
الله أتخذ ولياً))(٣) ويكون ((حكماً)) حينئذ: إمَّا حالاً وإمَّ تمييزاً لـ ((غير)) ذكره
الحوفي وأبو البقاء (٤) وابن عطية(٥) كقولهم: ((إن لنا غيرها إبلاً)). والثاني: أن
ينتصب ((غير)) على الحال مِنْ ((حَكْماً)) لأنه في الأصل يجوز أن يكون وصفاً
له، و((حَكَماً» هو المفعول به فتحصَّل في نصب ((غير)» وجهان.
وفي نصب ((حكماً) ثلاثة أوجه: كونه حالاً أو مفعولاً أو تمييزاً. والحَكُمُ
أبلغُ من الحاكم قيل: لأنَّ الحَكَم مَنْ تكرَّر منه الحُكْمُ بخلاف الحاكم فإنه
يُصَدِّق غيره. وقيل: لأن الحَكّم لا يَحْكُمُ إلا بالعدل والحاكم قد يجور. وقوله
((وهو الذي أنزل)) هذه الجملة في محل نصب على الحال مِنْ فاعل
((أبتغي))، و((مفصلاً)) حال من ((الكتاب)).
(١) الحرج: غيضة الشجر الملتفة.
(٢) البيت لأنس بن زنيم وهو في الكتاب ٢٩٦/١؛ وشرح المفصل ١٣٢/٤؛ والخزانة
١١٩/٣.
(٣) الآية ١٤ من الأنعام.
(٤) الإِملاء ٢٥٩/١.
(٥) المحرر ١٣٤/٦.
١٢٣

- الأنعام -
وقوله: ((والذين آتيناهم)) مبتدأ و((يعلمون)) خبره، والجملة مستأنفة،
و((من ربك)) لابتداء الغاية مجازاً، و((بالحق)) حال من الضمير المستكنّ في
(مُنَزَّل)) أي: ملتبساً بالحق فالباء للمصاحبة. وقرأ ابن(١) عامر وحفص عن
عاصم ((مُنَزَّل)) بتشديد الزاي، والباقون بتخفيفها. وقد تقدَّم أن أنزل ونزّل لغتان
أو بينهما فرقٌ.
آ. (١١٥) قوله تعالى: ﴿صِدْقاً وعَدْلاً﴾: في نصبهما ثلاثة أوجه
أحدها: أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي: تَمَّتِ الكلمات صادقاتٍ في
الوعد عادلاتٍ في الوعيد. الثاني: أنهما نصب على التمييز، قال ابن عطية (٢):
[٣٤٨/أ] / ((وهو غير صواب) وممن قال بكونه تمييزاً الطبري(٣) وأبو البقاء (٤). الثالث:
أنهما نصب على المفعول من أجله أي: تَمَّتْ لأجل الصدق والعدل الواقعين
:
منهما، وهو محلّ نظر، ذكر هذا الوجه أبو البقاء(٤).
وقرأ الكوفيون هنا وفي يونس في قوله «كذلك حَقَّتْ كلمة ربك على
الذين فسقوا))(٦) ((إن الذین حَقَّت علیھم كلمة ربك)»(٧) موضعان، وفي غافر:
((وكذلك حَقَّتْ كلمة ربك))(٨) ((كلمة)) بالإِفراد، وافقهم ابن كثير وأبو عمرو
على ما في يونس وغافر دون هذه السورة، والباقون بالجمع في المواضع
الثلاثة. قال الشيخ(٩): ((قرأ الكوفيون هنا وفي يونس في الموضعين وفي
(١) انظر: السبعة ٢٦٦؛ الكشف ٤٤٨/١؛ والنشر ٢٥٢؛ والحجة ٢٦٨.
(٢) المحرر ١٣٦/٦.
(٣) تفسير الطبري ٦٢/١٢.
(٤) الإملاء ٢٥٩/١.
(٥) الإملاء ٢٥٩/١.
(٦) الآية ٣٣ من يونس.
(٧) الآية ٩٦ من يونس.
(٨) الآية ٦ من غافر.
(٩) البحر ٤ /٢٠٩.
١٢٤

- الأنعام -
المؤمن ((كلمة)) بالإِفراد، ونافع جميع ذلك ((كلمات)) بالجمع، تابعه أبو عمرو
وابن كثير هنا)) قلت: كيف نسي ابن عامر؟ لا يقال إنه قد أسقطه الناسخ وكان
الأصل ((ونافع وابن عامر)) لأنه قال ((تابعه)) ولو كان كذلك لقال ((تابعهما)).
ووجه الإِفراد إرادة الجنس وهو نظير: رسالته ورسالاته. وقراءةُ الجمع ظاهرةٌ
لأنَّ كلماته تعالى متبوعة بالنسبة إلى الأمرِ والنهي والوعد والوعيد، وقد أُجْمع
على الجمع في قوله ((لا مُبَدِّل لكلماتِه))(١) و((لا مبدّل لكلمات الله))(٢).
وقوله ((لا مبدّل لكلماته)): يحتمل أن لا يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب لأنها
مستأنفة، وأن تكونَ جملةٌ حالية من فاعل ((تَمِّتْ)). فإن قلت: فأين الرابط بين
ذي الحال والحال؟ فالجواب أن الرَّبْطَ حصل بالظاهر، والأصل: لا مبدِّل لها،
وإنما أُبْرزت ظاهرة تعظيماً لها ولإضافتها إلى لفظ الجلالة الشريفة. قال
أبو البقاء(٣): ((ولا يجوز أَنْ يكونَ حالاً من ((ربك)) لئلا يُفْصَلَ بين الحال
وصاحبها بالأجنبي وهو ((صدقاً وعدلاً)) إلا أن يُجْعَلَ ((صدقاً وعدلاً) حالاً من
((ربك)) لا من ((الكلمات). قلت: فإنه إذا جعل ((صدقاً وعدلاً)) حالاً من
((ربك)) لم يَلْزَمْ منه فَصْلُ لأنهما حالان لذي حال، ولكنه قاعدته تمنع تعدُّدً
الحال لذي حال واحدة، وتمنع أيضاً مجيء الحال من المضاف إليه، وإن كان
المضاف بعض الثاني، ولم يمنع هنا بشيء من ذلك. والرسم في ((كلمات)) في
المواضع التي أشرْتُ إلى اختلاف القراء فيها مُحْتَمِلٌ لخلافهم، فإنه في
المصحف الكريم مِنْ غير ألفٍ بعد الميم.
آ. (١١٦) وقوله تعالى: ﴿إِنْ يتَِّعون﴾: و «إنْ هم إلا يَخْرُصون»
(إنْ)) نافية بمعنى ما في الموضعين. والخَرْص: الحَزْرُ، ويُعَبَّر به عن الكذب
(١) وهي الآية التي يعربها الآن.
(٢) الآية ٣٤ من الأنعام.
(٣) الإملاء ٢٥٩/١.
١٢٥

- الأنعام -
والافتراء، وأصله من التظنّي وهو قولُ ما لم يستيقن ويتحقق قاله الأزهري(١)،
ومنه خَرَص النخل يقال: خَرَصها الخارصِ خَرْصاً فهي خِرْص فالمفتوحُ
مصدرٌ، والمكسور بمعنى مفعول كالنَّقض والنِّقض والذَّبح والذُّبْح .
آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿هو أعلم مَنْ يضلُّ﴾: في ((أعلم)) هذه
قولان أحدهما: أنها ليست للتفضیل بل بمعنی اسم فاعل في قوته کأنه قيل : إن ربك
هو يعلم. قال الواحدي: ((ولا يجوز ذلك لأنه لا يطابِقُ ((وهو أعلم بالمهتدين)).
والثاني: أنها على بابها من التفضيل. ثم اختلف هؤلاء في محلِّ ((مَنْ)): فقال
بعض البصريين: هو جُرِّ بحرفٍ مقدَّرٌ حُذِف وبقي عملُه لقوة الدلالة عليه بقوله
((وهو أعلم بالمهتدين) وهذا ليس بشيء لأنه لا يُحْذَفُ الجارُّ ويبقى أثرُه إلا في
مواضعَ تقدَّمَ التنبيهُ عليها، وَما وَرَدَ بخلافها فضرورةٌ كقولهِ(٢):
أشارت كليبٍ بالأكف الأصابعُ:
٢٠٤٤-
[وقوله](٣):
حتى تبذَّخ فارتقى الأعلامِ
٢٠٤٥_
الثاني: أنها في محل نصب على إسقاط الخافض كقوله(٤):
٢٠٤٦- تمرُّون الديار ولم تعوجوا
قاله أبو الفتح. وهو مردود من وجهين: أحدهما: أن ذلك لا يطرد.
والثاني: أن أَفْعَلَ التفضيل لا تَنْصِبُ بنفسها لضعفها. الثالث : - وهو قول
الكوفيين - أنه نُصِب بنفس أفعل فإنها عندهم تعمل عمل الفعل. الرابع: أنها
(١) تهذيب اللغة ١٣٠/٧.
(٢) تقدم برقم ٢٩٢.
(٣) تقدم برقم ٢٩٣.
(٤) تقدم برقم ١٤٨.
١٢٦

- الأنعام -
منصوبةٌ بفعل مقدَّر يدل عليه أفعل، قاله الفارسي، وعليه خَرَّج قول
الشاعر (١):
٢٠٤٧ - أكَرَّ وأَحْمَى للحقيقةِ منهمُ وَأَضْرَبَ منا بالسيوف القوانِسا
فالقوانِس نُصِبَ بإضمار فعلٍ ، أي: يَضْرِبُ القوانس، لأن أفعل ضعيفة
كما تقرر. الخامس: أنها مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء، و ((يضلُّ)) خبره، والجملة
مُعَلِّقة لأفعل التفضيل فهي في محل نصبٍ بها، كأنه قيل: أعلمُ أيُّ الناس
يضلُّ كقوله: ((لَيَعْلَمَ أيُّ الحزبين أحصى))(٢) وهذا رأي الكسائي والزجاج(٣)
والمبرد ومكي(٤). إلا أن الشيخ(٥) رَدَّ هذا بأن التعليق فرع ثبوت العمل في
المفعول به / وأفعل لا يعمل فيه فلا يُعَلَّق)). والراجح من هذه الأقوال نَصْبُها [٣٤٨/ب]
بمضمر وهو قول الفارسي، وقواعد البصريين موافقة له، ولا يجوز أن تكون
((مَنْ)) في محل جر بإضافة أفعل إليها؛ لئلا يلزم محذور عظيم: وذلك أن
أفعل التفضيل لا تُضاف إلا إلى جنسها فإذا قلت: ((زيد أعلمُ الضالين)) لزم أن
يكون ((زيد)» بعضَ الضالين أي متَّصِفٌ بالضلال، فهذا الوجهُ مستحيل في
هذه الآية الكريمة. هذا عند مَنْ قرأ ((يَضِلُّ)) بفتح حرف المضارعة.
أمَّا مَنْ قرأ بضمُّه: ((يُضِلّ)) - وهو الحسن وأحمد بن أبي سريج(٦) - فقال
أبو البقاء (٧): ((يجوز أن تكون ((مَنْ)) في موضع جر بإضافة ((أفعل)) إليها. قال:
(١) تقدم برقم ٣٤٥.
(٢) الآية ١٢ من الكهف.
(٣) معاني القرآن ٣١٤/٢.
(٤) المشكل ٢٨٥/١.
(٥) البحر ٢١٠/٤.
(٦) أبو جعفر أحمد بن أبي سريج الصباح، قرأ على الكسائي وحدّث عنه البخاري،
ولم تذكر وفاته. انظر: معرفة القراء الكبار ١٧٨/١ .
(٧) الإملاء ٢٥٩/١.
١٢٧

- الأنعام -
(إمَّا على معنى هو أعلم المضلين أي: مَنْ يجد الضلال،وهو مَنْ أضللته أي:
وجدته ضالاً مثل أَحْمَّدْتُه أي: وجدتُه محموداً أو بمعنى أنه يضلُّ عن الهدى».
قلت: ولا حاجة إلى ارتكاب مثل هذا في مثل هذه الأماكن الحرجة، وكان قد
عَبَّر قبل ذلك بعبارات استعظمتُ النطق بها فضربت عنها إلى أمثلةٍ من قولي .
والذي تُحْمَلُ عليه هذه القراءة ما تقدَّم من المختار وهو النصب بمضمر.
وفاعل ((يُضِلّ)) على هذه القراءة ضمير يعود على الله تعالى على معنى يجده
ضالاً أو يخلُق فيه الضلال، لا يُسأل عما يَفعل. ويجوز أن يكون ضمير ((مَنْ)).
أي: أعلم مَنْ يضلُّ الناس. والمفعول محذوف. وأمَّا على القراءة الشهيرة
فالفاعل ضمير ((مَنْ)) فقط. و((مَنْ)) يجوز أن تكون موصولةً وهو الظاهر، وأن
تكون نكرةً موصوفة، ذكره أبو البقاء(١).
آ. (١١٨) وقوله تعالى: ﴿فكلوا﴾: في هذه الفاء وجهان أحدهما:
أنها جوابُ شرطٍ مقدر. قال الزمخشري(٢) بعد كلام: ((فقيل للمسلمين: إن
كنتم متحققين بالإِيمان فكلوا)). والثاني: أنها عاطفة على محذوف قال:
الواحدي: ((ودخلت الفاءُ للعطف على ما دلَّ عليه أولُ الكلام كأنه قیل: كونوا.
على الهدى فكلوا، والظاهر أنها عاطفة على ما تقدَّم من مضمون الجمل :
المتقدمة كأنه قيل: اتَّبِعوا ما أمركم الله مِنْ أكل المُذَكَّى دون الميتة فكُلوا.
آ. (١١٩) قوله تعالى: ﴿ومالكم﴾: مبتدأ وخبر، وقوله ((أن
لا تأكلوا» فيه قولان أحدهما: هو على حذف حرف الجر أي: أيُّ شيء استقر
في منع الأكل ممَّا ذُكِرَ اسم الله عليه، وهو قول أبي إسحاق الزجاج(٣)،
فلمَّا حُذِفَتْ ((في)) جزى القولان المشهوران، ولم يذكر الزمخشري(٤) غير هذا
(١) الإملاء ٢٥٩/١.
(٢) الكشاف ٤٦/٢.
(٣) معاني القرآن ٣١٤/٢.
(٤) الكشاف ٤٦/٢ .
١٢٨

- الأنعام -
الوجه. والثاني: أنها في محل نصب على الحال والتقدير: وأيُّ شيءٍ لكم
تاركين للأكل، ويؤيد ذلك وقوعُ الحال الصريحة في مثل هذا التركيب كثيراً
نحو: ((فما لهم عن التذكرة مُعْرِضين))(١) إلا أن هذا مردود بوجهين أحدهما:
أنَّ ((أنْ)) تُخَلِّص الفعلَ للاستقبال فكيف يقع ما بعدها حالاً؟ والثاني: أنها مع
ما بعدها مؤولة بالمصدر وهو أشبه بالمضمرات كما تقدم تحريره، والحال
إنما تكون نكرة. قال أبو البقاء (٢): ((إلا أن يُقَدَّر حَذْفُ مضاف فيجوز أي:
((وما لكم ذوي أن لا تأكلوا)) وفيه تكلف، ومفعول ((تأكلوا)) محذوف بقيت
صفته، تقديره: شيئاً مما ذُكِرَ اسم الله، ويجوز أن لا يُراد مفعول، بل المراد
وما لكم أن لا يقع منكم الأكل، وتكون ((مِنْ)) لابتداء الغاية أي: أن لا تبتدئوا
بالأكل من المذكور عليه اسمُ الله، وزُعِم أن ((لا)) مزيدةٌ، وهذا فاسد
إذ لا داعي لزيادتها.
قوله: (وقد فَصَّل لكم ما حَرَّم)» قرأ(٣) ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر
ببنائهما للمفعول، ونافع وحفص عن عاصم ببنائهما للفاعل، وحمزة
والكسائي وأبوبكر عن عاصم ببناء الأول للفاعل وبناء الثاني للمفعول،
ولم يأت عكس هذه. وقرأ عطية (٤) العوفي كقراءة الأخوين، إلا أنه خَفَّف
الصاد من ((فصل))، والقائم مقام الفاعل هو الموصول، وعائده من قوله ((حَرَّم
عليكم)). والفاعلُ في قراءة مَنْ بنى للفاعل ضميرُ الله تعالى، والجملة في
محل نصب على الحال.
قوله: ((إلا ما اضْطَرِرْتُم)) فيه وجهان أحدهما: أنه استثناء منقطع، قاله ابن
(١) الآية ٤٩ من المدثر.
(٢) الإِملاء ٢٥٩/١.
(٣) انظر: السبعة ٢٦٧؛ والكشف ٤٤٨/١؛ الحجة ٢٦٨؛ المحتسب ٢٢٧/١؛ النشر
٢٥٣/٢؛ البحر ٢١١/٤.
(٤) عطية بن سعد العوفي القيسي، أبو الحسن الكوفي، روى عن زيد بن أرقم وعبد الله بن
عباس، روى له البخاري وأبو داود توفي سنة ١١١. انظر: تهذيب الكمال ٩٤٠/٢.
١٢٩

- الأنعام -
عطية(١) والحوفي. والثاني: أنه استثناء متصل قال أبو البقاء(٢): ((ما)) في
موضع نصب على الاستثناء من الجنس من طريق المعنى لأنه وبَّخهم بترك
الأكل مما سُمِّي عليه، وذلك يتضمن الإِباحة مطلقاً)). قلت: الأول أوضح
والاتصال قلق المعنى. ثم قال: «وقوله وقد فضَّل لكم ما حَرَّم علیکم أي :
[٣٤٩/أ] في حال الاختيار وذلك / حلال حالَ الاضطرار)).
قوله ((لَيُضِلُّون)) قرأ(٣) الكوفيون بضم الياء، وكذا التي في يونس (٤) ((ربنا.
ليضلُّوا)) والباقون بالفتح، وسيأتي لذلك نظائر في إبراهيم وغيرها، والقراءتان
واضحتان فإنه يقال: ضَلَّ في نفسه وأضلَّ غيره، فالمفعول محذوف على
قراءة الكوفيين، وهي أبلغُ في الذمِّ فإنها تتضمَّن قُبْحَ فِعْلهم حيث ضُّوا في
أنفسهم وأَضَلُّوا غيرهم كقوله تعالى: وأضلُوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل))(٥)
وقراءةُ الفتح لا تحوج إلى حذف فرجَّحها بعضهم بهذا، وأيضاً فإنهم أجمعوا
على الفتح في ص عند قوله ((إنَّ الذين يَضِلُّون عن سبيل الله))(٦).
وقوله: ((بأهوائهم)) متعلق بيضلون، والباء سبيَّة أي: بسبب اتّباعهم
أهواءهم وشهواتهم. وقوله ((بغير علم)) متعلق بمحذوف لأنه حال أي: يضلُّون
مصاحبين للجهل أي: ملتبسين بغير علم.
آ. (١٢١) قوله تعالى: ﴿وإنّه لِفِسْق): هذه الجملة فيها أوجه،
أحدهما: أنها مستأنفة قالوا: ولا يجوز أن تكون منسوقةً على ما قبلها، لأن
(١) المحرر ١٣٨/٦.
(٢) الإِملاء ٢٥٩/١ .
(٣) انظر: السبعة ٢٦٧؛ النشر ٢٥٣/٢؛ الكشف ٤٤٩/١؛ والحجة ٢٦٩؛ البحر
٤ /٢١١.
(٤) الآية ٨٨.
(٥) الآية ٧٧ من المائدة.
(٦) الآية ٢٦ .
١٣٠

- الأنعام -
الأولى طلبية وهذه خبرية، وتُسَمَّى هذه الواوُ واوَ الاستئناف. والثاني: أنها
منسوقةٌ على ما قبلها ولا يُبالى بتخالفهما وهو مذهب سيبويه، وقد تقدَّم تحقيق
ذلك، وقد أَوْرَدْتُ من ذلك شواهد صالحة من شعر وغيره. والثالث: أنها
حالية أي: لا تأكلوه والحال أنه فسق. وقد تبجَّح الإِمام الرازي(١) بهذا الوجه
على الحنفيّة حيث قَلَبَ دليلهم عليهم بهذا الوجه، وذلك أنهم يمنعون مِنْ
أَكْلٍ متروك التسمية، والشافعية لا يمنعون منه، استدلَّ عليهم الحنفية بظاهر
هذه الآية فقال الرازي: ((هذه الجملة حالية، ولا يجوز أن تكون معطوفة
لتخالفهما طلباً وخبراً فتعيّن أن تكون حالية، وإذا كانت حاليةكان المعنى:
لا تأكلوه حال كونه فسقاً، ثم هذا الفسق مجمل قد فسَّره الله تعالى في موضع
آخر فقال: ((أو فسقاً أُهِلَّ لغير الله به))(٢) يعني أنه إذا ذُكر على الذبيحة غيرُ
اسم الله فإنه لا يجوز أكلُها لأنه فسقٌ)) ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك أنه
إذا لم يُذْكَر اسمُ الله ولا اسمُ غيره أن تكون حراماً لأنه ليس بالتفسير الذي
ذكرناه. وللنزاع فيه مجال من وجوه، منها: أنها لا نُسَلَّم امتناع عطف الخبر
على الطلب والعكس كما قدَّمْتُه عن سيبويه، وإن سُلِّم فالواو للاستئناف كما
تقدَّم وما بعدها مستأنف، وإن سُلِّم أيضاً فلا نُسَلُّم أنَّ ((فسقا)) في الآية الأخرى
مُبَيِّن(٣) للفسق في هذه الآية، فإنَّ هذا ليس من باب المجمل والمبيِّن لأن له
شروطاً ليست موجودةٌ هنا.
وهذا الذي قاله مستمد من كلام الزمخشري فإنه قال (٤) «فإن قلت: قد
ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أَكْلِ ما لم يُذْكَرِ اسم الله عليه بنسيانٍ
أو عَمْد. قلت: قد تأوَّله هؤلاء بالميتة وبما ذُكر غيرُ أسمِ الله عليه كقوله:
(١) انظر: تفسير الفخر الرازي ١٦٨/١٣.
(٢) الآية ١٤٥ من الأنعام .
(٣) الأصل ((مُبَيِّناً) وهو سهو.
(٤) الكشاف ٤٧/٢ .
١٣١

- الأنعام -
((أو فسقاً أُهِلَّ لغير الله به))(١) فهذا أصل ما ذكره ابن الخطيب(٢) وتبجّح به ..
والضمير في: ((إِنَّه)» يحتمل أن يعود على الأكل المدلول عليه
بـ ((لا تأكلوا)) وأن يعود على الموصول، وفيه حينئذ تأويلان: أن تجعل
الموصول نفس الفسق مبالغةً أو على حذف مضاف أي: وإن أكله لفسق،
أو على الذِّكْرِ المفهوم من قوله ((ذُكر)). قال الشيخ(٣): ((والضمير في ((إنه)) يعود
على الأكل قاله الزمخشري واقتصر عليه)). قلت: لم يَقْتَصِرْ عليه بل ذكر أنه
يجوز أن يعود على الموصول، وذكر التأويلين المتقدمين فقال: ((الضمير راجع
على مصدر الفعل الداخل عليه حرفُ النهي بمعنى: وإن الأكل منه الفسق،
أو على الموصول على أن أكلَه لِفِسْق، أو جَعَلَ ما لم يُذكر اسمُ الله عليه.
[في](٥) نفسه فسقاً)).
قوله: ((لِيجادلوكم)) متعلقٌ بـ ((يُوحُون)) أي: يوحون لأجل مجادلتكم
وأصل (يُوحون)): يُوحِيُون فَأُعِلّ (٦). ((وإن أَطَعْتموهم)) قيل: إنَّ لام التوطئة
للقسم(٧) فلذلك أجيب القسم المقدَّر بقوله ((إنكم لمشركون)) وحُذِف جواب
الشرط لسدّ جواب القسم مَسَدَّه، وجاز الحذف لأنَّ فعل الشرط ماض. وقال
أبو البقاء (٨): ((حَذَفَ الفاء من جواب الشرط، وهو حسن إذا كان الشرط بلفظ
الماضي، وهوههنا كذلك وهو قوله وإن أَطَعْتموهم)). قلت: كأنّه زعم أن
(١) الآية ١٤٥ من الأنعام.
(٢) أي الإِمام الرازي :
(٣) البحر ٢١٣/٤.
(٤) الكشاف ٤٧/٢.
(٥) من الكشاف.
(٦) أي: نقلت حركة الياء المضمومة إلى الحاء فالتقى ساكنان الياء والواو، فحذفت الياء.
فأصبح يوجون .
(٧) أي المقدرة مع ((إنْ).
(٨) الإملاء ٢٦٠/١.
١٣٢

- الأنعام -
جواب الشرط هو الجملة من قوله ((إنكم لمشركون))، والأصل ((فإنكم)) بالفاء
لأنها جملة اسمية، ثم حُذِفت الفاءُ لكونِ فعل الشرط بلفظ المُضيّ، وهذا ليس
بشيء فإن القَسَمَ مقدر قبل الشرط، ويدل على ذلك حذفُ اللام الموطئة قبل
((إن)) الشرطية وليس فعل الشرط ماضياً كقوله تعالى: ((وإن لم تَغْفِرْ لنا وترحمنا
لنكونَنَّ))(١) فههنا لا يُمْكنه أن يقول: إن الفاء محذوفة لأن فعل الشرط مضارع،
وكأن أبا البقاء - والله أعلم - أخذ هذا من الحوفي فإني رأيته فيه كما ذكره
أبو البقاء، وردَّه الشيخ(٢) بنحوٍ مما تقدم.
آ. (١٢٢) قوله تعالى: ﴿أُو مَنْ كان﴾: «أو مَنْ كان)» قد تقدَّم أن
هذه الهمزة يجوز أن تكونَ مقدَّمةً على حرفِ العطف وهو رأي الجمهور، وأن
تكونَ على حالها وبينها وبين الواو فعل مضمر. و((مَنْ)) في محلٌّ رفع بالابتداء
و ((كَمَنْ)) خبره وهي موصولة، و((يمشي)» في محلِّ نصب صفةً لـ ((نوراً))
و ((مَثَلُّه)) مبتدأ، وفي الظلمات خبره / والجملةُ صلةُ ((مَنْ)) و ((مَنْ)) مجرورة بالكاف [٣٤٩/ب]
والكافُ ومجرورها كما تقدَّم في محل رفع خبراً لـ مَنْ الأولى، و ((ليس بخارج))
في محلٌّ نصب على الحال من الموصول أي: مثل الذي استقر في الظلمات
حال كونه مقيماً فيها. وقال أبو البقاء(٣): ((ليس بخارجٍ في موضع الحال من
الضمير في ((منها))، ولا يجوز أن يكون حالاً من الهاء في ((مَثَلُه)) للفصل بينه
وبين الحال بالخبر)). وجعل مكي (٤) الجملة حالاً من الضمير المستكنِّ في
((الظلمات)). وقرأ(٥) طلحة بن مصرف ((أَفَمَنْ كان)) بالفاء بدل الواو.
قوله: ((كذلك زُيِّن)) نعتّ لمصدر فقدَّره بعضهم: زُيِّن للكافرين تزييناً
(١) الآية ٢٣ من الأعراف.
(٢) البحر ٢١٣/٤.
(٣) الإملاء ٢٦٠/١.
(٤) المشكل ٢٨٧/١.
(٥) البحر ٢١٤/٤.
١٣٣

- الأنعام -
كما أحيينا المؤمنين، وقدَّره آخرون: زُيّن للكافرين تزييناً لكونٍ الكافرين في
ظلمات مقيمين فيها، والفاعل المحذوف مِنْ ((زُيِّن)) المنوبُ عنه هو الله تعالى،
ويجوز أن يكون الشيطان، وقد صَرَّح بكل من الفاعلين مع لفظ ((زَيَّن)) قال
تعالى: ((زيّنًا لهم أعمالهم))(١) وقال تعالى: ((وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم))(٢)
و ((ما كانوا يعملون)) هو القائمُ مقامَ الفاعل، و((ما)) يجوز أن تكون موصولة
اسميةً أو حرفيةً أو نكرة موصوفة، والعائد على القول الأول والثالث محذوف
دون الثاني عند الجمهور، على ما عُرِفَ غيرَ مرة. وقال الزجاج(٣): ((موضع
الكاف رفعٌ(٤)، والمعنى: مثل ذلك الذي قَصَصْنا عليك زُيِّن للكافرين
أعمالهم».
أ. (١٢٣) قوله تعالى: ﴿وكذلك جَعَلْنا﴾ قيل: ((كذلك)) نَسَقٌ:
على ((كذلك)) قبلها ففيها ما فيها، وقَدَّره الزمخشري (٥) بأن معناه: وكما جعلنا.
في مكة صناديدَها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها))
واللام في ((ليمكروا)) يجوز أن تكون للعاقبة وأن تكون للعلةِ مجازاً، و(جَعَلَ)).
تصييريةٌ فتتعدّى لاثنين، واختلف في تقديرهما، والصحیح أن تكون «في كل
قرية)) مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأولى، والأول ((أكابرَ)) مضافاً لمجرميها. والثاني: أن
(في كل قرية)) مفعول أيضاً مقدم، ((أكابر)) هو الأول و((مجرميها)) بدلٌ من
(أكابر)) ذكر ذلك أبو البقاء(٦). الثالث: أن يكون (أكابر)) مفعولاً ثانياً قُدِّم
و ((مجرميها)) مفعول أول أُخِّرَ، والتقدير: جَعَلْنا في كل قرية مجرميها أكابر،
(١) الآية ٤ من النمل!
(٢) الآية ٣٨ من العنكبوت.
(٣) معاني القرآن ٣١٧/٢.
(٤) المطبوعة: ((نصب)).
(٥) الكشاف ٤٨/٢.
(٦) الإملاء ٢٦٠/١.
١٣٤

- الأنعام-
فيتعلق الجار بنفس الفعل قبله، ذكر ذلك ابن عطية(١).
قال الشيخ(٢): ((وما أجازاه - يعني أبا البقاء وابن عطية - خطأ وذهول
عن قاعدة نحوية وهي: أن أفعل التفضيل إذا كانت بـ((مِنْ)) ملفوظً بها
أو مقدَّرة أو مضافة إلى نكرة كانت مفردة مذكرة على كل حال سواء كانت
المذكر أم مؤنث مفرد أم مثنى أم مجموع، وإذا ثُنِّيَتْ أو جُمِعت أو أُنََّتْ طابقت
ما هي له ولَزِمَها أحد أمرين: إمَّا الألفُ واللامُ وإِمَّا الإِضافةُ لمعرفة، وإذا تقرر
ذلك(٣) فالقول بكون ((مجرميها)) بدلاً أو (٤) يكون مفعولاً أول و «أكابر)» مفعولٌ
ثانٍ خطأ لاستلزام أن يبقى ((أكابر)) مجموعاً وليست فيه ألف ولام ولا هي مضافة
لمعرفة)) قال: ((وقد تنبَّه الكرماني إلى هذه القاعدة فقال: ((أضاف ((أكابر)» إلى
((مجرميها) لأن أفعل لا يُجْمَعُ إلا مع الألف واللام أو مع الإضافة)). قال الشيخ:
((وكان ينبغي أن يُقَيَّد بالإِضافة إلى معرفة).
قلت: أمّا هذه القاعدة فمُسَلَّمة، ولكن قد ذكر مكي(٥) مثل ما ذكر
ابن عطية سواء وما أظنه أخذ(٦) إلا منه، وكذلك الواحدي أيضاً ومنع أن تُجَوِّز
إضافة ((أكابر)) إلى (مجرميها)) قال رحمه الله: ((والآية على التقديم والتأخير
تقديره: جَعَلْنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن تكون الأكابر مضافة لأنه لا يتمُّ
المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل لأنك إذا قلت: ((جعلت
زيداً)) وسكتَّ لم يُفِد الكلام حتى تقول: رئيساً أو دليلاً أو ما أشبه ذلك،
ولأنك إذا أَضَفْتَ الأكابر فقد أضفت النعت إلى المنعوت، وذلك لا يجوز عند
(١) المحرر ١٤٣/٦.
(٢) البحر ٢١٥/٤.
(٣) أي إن المطابقة لا تكون إلا بإضافة إلى معرفة أو بألف ولام فكيف طابق وهو غير مضاف
ولا محلى بأل؟
(٤) الأصل: ((و)) وهو سهو.
(٥) المشكل ٢٨٧/١.
(٦) أي إن ابن عطية أخذ من مكي؛ لأن وفاة مكي قبل وفاة ابن عطية.
١٣٥

- الأنعام -
البصريين)). قلت: هذان الوجهان اللذان ردَّ بهما الواحدي ليسا بشيء، أمّا
الأول فلا نسلِّم أنَّا نُضْمِرُ المفعول الثاني، وأنه يصير الكلام غير مفيد، وأمَّا
ما أورده من الأمثلة فليس مطابقاً لأنَّا نقول: إن المفعول الثاني هنا مذكور
[٣٥٠/أ] مُصَرَّح [به](١) / وهو الجار والمجرور السابق. وأمَّا الثاني فلا نُسَلِّم أنه من
باب إضافة الصفة الموصوفها لأن المجرمين أكابر وأصاغر، فأضاف للبيان
لا لقصد الوصف.
الرابع: أن المفعول الثاني محذوف قالوا: وتقديره: جَعَلْنا في كل قرية
أكابر مجرميها فُسَّاقاً ليمكروا، وهذا ليس بشيء، لأنه لا يُحذف شيء
إلا لدليل، والدليل على ما ذكروه غير واضح. وقال ابن عطية (٢): (ويقال
أكابِرَة كما يقال أحمر وأحامرة)). قال الشاعر(٣):
٢٠٤٨- إن الأحامرة الثلاثة أتلفتْ
ما لي وكنت بهنَّ قِدْماً مُوْلَعا:
قال الشيخ(٤): ((ولا أعلم أحداً أجاز في جمع أفضل أفاضلة، بل نَصَّ
النحويون على أن أَفْعَل التفضيل يُجْمع للمذكر على الْأَفْضَلِين أو على
الأفاضل)). قلت: وهذه التاء يذكرها النحويون [على](٥) أنها تكون دالة على
النسب في مثل هذه البِنْية قالوا: الأزارقة والأشاعثة في الأزرق ورَهطه والأشعث
وبنيه، وليس بقياس، وليس هذا من ذلك في شيء. والجمهور على ((أكابر))
٠
(١) من: ص.
(٢) المحرر ١٤٣/٦.
(٣) البيت للأعشى، وهو في ملحقات ديوانه ٢٤٧؛ والطبري ٩٥/١٢؛ واللسان: حمر؛
والمحرر ١٤٣/٦.
(٤) البحر ٢١٥/٤.
(٥) من: ص.
١٣٦

- الأنعام -
جمعاً. وقرأ ابن مسلم(١): ((أكبر مجرميها)) بالإِفراد، وهو جائز وذلك أن أفعل
التفضيل إذا أضيفت لمعرفة وأريد بها غير الإِفراد والتذكير جاز أن يطابق
كالقراءة المشهور هنا، وفي الحديث: ((أحاسنكم أخلاقا))(٢) وجاز أن يفرد، وقد
أُجْمِعَ على ذلك في قوله: ((ولَتَجِدَنَّهم أحرص الناس)»(٣).
آ. (١٢٤) قوله تعالى: ﴿حيث يجعل﴾: في ((حيث)) هذه وجهان
أحدهما: أنها خرجت عن الظرفية، وصارت مفعولاً بها على السعة، وليس
العاملُ ((أعلم)» هذه لما تقدم من أنَّ أفعل لا ينصب المفعول به. قال أبو علي:
((لا يجوز أن يكون العامل في ((حيث)): ((أعلم)) هذه الظاهرة، ولا يجوز أن
تكون ((حيث)) ظرفاً لأنه يصير التقدير: الله أعلمُ في هذا الموضع، ولا يوصف
الله تعالى بأنه أعلم في مواضع وأوقات، لأنَّ عِلْمَه لا يختلف باختلاف الأمكنة
والأزمنة، وإذا كان كذلك كان العامل في (حيث)» فعلاً يدلَّ عليه ((أعلم))،
و((حيث)) لا يكون ظرفاً بل يكون اسماً، وانتصابه على المفعول به على
الاتساع، ومثل ذلك في انتصاب ((حيث)) على المفعول به اتساعاً قول
الشماخ (٤) :
٢٠٤٩- وحَلَّأَّها عن ذي الأراكةِ عامرٌ
أخو الخُضْرِ يَرْمي حيث تُكْوى النواحِزُ
فـ ((حيث)) مفعولة لأنه ليس يريد أنه يرمي شيئاً حيث تكون النواحز
إنما يريد أنه يرمي ذلك الموضع)). وتبع الناس الفارسيَّ على هذا القول فقال
(١) انظر: البحر ٢١٥/٤.
(٢) رواية البخاري ((أحسنكم)). انظر: الفتح: الأدب ٣٩ (٤٥٦/١٠) ورواية أحمد:
أحاسنكم ١٦١/٢.
(٣) الآية ٩٦ من البقرة.
(٤) ديوانه ١٨٢؛ والتاج: نحر؛ والبحر ٢١٦/٤. حلأها: منعها من الماء والضمير للحمر،
وعامر أخو الخضر: قانص مشهور، وذو الأراكة: نخل، النواجز: التي بها داء الرئة.
١٣٧

- الأنعام -
الحوفي: ((ليست ظرفاً لأنه تعالى لا يكون في مكانٍ أعلم منه في مكان آخر،
وإذا لم تكن ظرفاً كانت مفعولاً بها على السعة، وإذا كانت مفعولاً لم يعمل فيها
(أعلم)) لأنَّ (أعلم)) لا يعمل في المفعول به فيقدَّر لها فعل))، وعبارة
ابن عطية (١) وأبي البقاء(٢) نحوٌ من هذا. وأخذ التبريزيُّ كلامَ الفارسي فنقله
وأنشد البيت المتقدم.
والثاني: أنها باقية على ظرفيتها بطريق المجاز، وهذا القول ليس
بشيء، ولكنْ أجازه الشيخ (٣) مختاراً له على ما تَقَدَّم فقال: ((وما أجازوه من أنه
مفعول به على السَّعة أو مفعول به على غير السعة تأباه قواعد
النحو، لأنَّ النحويين نصُّوا على أن ((حيث)) من الظروف التي
لا تتصرَّف، وشدَّ إضافةُ ((لدى)) إليها وجرُّها بالباء وبـ ((في))، ونصُّوا على أن
الظرف المتوسَّع فيه لا يكون إلا متصرِّفاً، وإذا كان كذلك امتنع نصب ((حيث)»
على المفعول به لا على السَّعة ولا على غيرها.
والذي يظهر لي إقرارُ ((حيث)) على الظرفية المجازية على أن يُضَمَّن
((أعلم)) معنى ما يتعدَّى إِلى الظرف فيكون التقدير: الله أنفذ علماً حيث
يجعل رسالاته أي: هو نافذُ العلمَ في الموضع الذي يَجْعل فيه رسالاته،
والظرف هنا مجاز كما قلنا)). قلت: قد ترك ما قاله الجمهور وتتابعوا عليه
وتأوَّل شيئاً هو أعظمُ مما فرَّ منه الجمهورُ، وذلك أنه يلزمه على ما قَدَّر أنَّ عِلْمَ
الله في نفسه يتفاوت بالنسبة إلى الأمكنة فيكون في مكانٍ أبعد منه في مكان،
ودعواه مجازّ الظرفية لا ينفعه فيما ذكرته من الإِشكال، وكيف يُقال مثلُ
[٣٥٠/ب] / هذا؟ وقوله (نَصَّ النحاة على عدمِ تصرُّفها)) هذا معارض أيضاً بأنهم نصُّوا
(١) المحرر ١٤٤/٦.
(٢) الإِملاء ٢٦٠/١.
(٣) البحر ٢١٦/٤.
١٣٨

- الأنعام -
على أنها قد تتصرف بغير ما ذَكَرَ هو مِنْ كونها مجرورةً بـ ((لدی)) أو إلی أو في،
فمنه: أنها جاءت اسماً لإِنَّ في قول الشاعر(١):
٢٠٥٠ - إنَّ حيث استقرَّ مَنْ أنت راجبـ
ـهِ حِمَىِّ فيه عزةُ وأمانُ
فحيث اسم ((إنّ) و((حمى)) خبرها أي: إن مكاناً استقرَّ مَنْ أنت راعيه
مكانٌ يُحمى فيه العزّ والأمان. ومِنْ مجيئها مجرورةٌ بإلى قوله(٢):
٢٠٥١ - فشدَّ ولم يَنْظر بيوتاً كثيرة
إلى حيث أَلْقَتْ رَحْلَها أَمُّ قَشْعَمِ
وقد يُجاب عن الإِشكال الذي أَوْرَدْتُه عليه بأنه لم يُرِدْ بقوله ((أنفذ علماً))
التفضيل وإن كان هو الظاهر، بل يريد مجرد الوصف، ويدل على ذلك قوله:
أي هو نافذٌ العلمَ في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته، ولكن كان ينبغي أن
يصرِّح بذلك فيقول: وليس المرادُ التفضيلَ. ورُوِي(٣) ((حيثَ يجعل)) بفتح
الثاء، وفيها احتمالان أحدهما: أنها فتحةُ بناءٍ طَرْداً للباب. والثاني: أنها فتحةٌ
إعراب لأنها معربة في لغة بني فَْعس حكاها الكسائي.
وقرأ(٤) ابن كثير وحفص عن عاصم ((رسالته)) بالإِفراد، والباقون: رسالاته
بالجمع، وقد تقدَّم توجيه ذلك في المائدة(٥)، إلا أنَّ بعض مَنْ قرأ هناك
بالجمع ـ وهو حفصٌ - قرأ هنا بالإِفراد، وبعض مَنْ قرأ هناك بالإِفراد -
وهو أبو عمروَ والأخوان وأبو بكر عن عاصم - قرأ هنا بالجمع.
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ١٤/٢؛ والجمع ١١١/١؛ والدرر ١٨٢/١.
(٢) البيت لزهير وهو في ديوانه ٢٢؛ والخزانة ١٥٧/٣؛ والهمع ٢١٢/١؛ والدرر ١٨١/١.
(٣) البحر ٢١٦/٤.
(٤) انظر: الكشف ٤٤٩/١؛ والحجة ٢٧٠؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ والبحر ٢١٧/٤.
(٥) انظر إعرابه للآية ٦٧ من المائدة.
١٣٩

- الأنعام-
قوله: ((عند الله)) يجوز أن ينتصبَ بـ ((يصيب))، ويجوز أن ينتصب بصّغار.
لأنه مصدر، وأجازوا أن يكون صفة لصَغار فيتعلَّق بمحذوف، وقَدَّرِه الزجاج
فقال(١): ((ثابت عند الله)). والصَّغار: الذلُّ والهوان يقال منه: صَغُر يَصْغُر صُغْراً:
وصَغْراً وصَغاراً فهو صاغر، وأمَّا ضدُّ الكِبَر فيقال منه: صَغَر يَصْغَر صِغْراً
فهو صغير، هذا قول الليث، فوقع الفرق بين المعنيين بالمصدر والفعل. وقال
غيره: إنه يقال صَغُر وصغَر مِنْ الذل.
والعندَّة هنا مجازٌ عن حَشْرِهم يوم القيامة أو عن حكمه وقضائه بذلك
كقولك: ثبت عند فلان القاضي أي: في حكمه، ولذلك قَدَّم الصَّغار على
العذاب لأنه يصيبهم في الدنيا. و((بما كانوا)) الباء للسببية و ((ما)) مصدرية.
ويجوز أن تكون بمعنى الذي.
أ. (١٢٥) وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أن يهديَه﴾: كقوله: ((مَنْ
يشأ الله يُضْلِلْه))(٢) و((مَنْ)) يجوز أن تكون مرفوعة بالابتداء، وأن تكون منصوبةً
بمقدَّر بعدها على الاشتغال أي: مَنْ يوفق الله يُرِدْ أن يهديه، و((أن يهديه)»
مفعول الإرادة. والشرح: البسط والسَّعة قاله الليث، وقال ابن قتيبة(٣):
«هو الفتحُ ومنه: شَرَحْتُ اللحم أي فتحته)» وشرحَ الكلامَ بسطه وفتح مغلقه
وهو استعارة في المعاني حقيقة في الأعيان. و((للإِسلام)) أي: لقبوله.
وقوله: ((يَجْعَلْ)) يجوز أن تكون التصييريةً وأن تكون الخَلْقية، وأن تكون
بمعنى سمَّى، وهذا الثالث يفرّ إليه المعتزلة كالفارسي وغيره من معتزلة
النحاة، لأن الله لا يُصَيِّر ولا يخلق أحداً كذا، فعلى الأول يكون ((ضيقاً))
مفعولاً عند مَنْ شدَّد ياء»(٤) وهم العامَّة غيرَ ابن كثير(٥) وكذلك عند مَنْ خِفْفها
(١) معاني القرآن ٣١٨/٢.
(٢) الآية ٣٩ من الأنعام.
(٣) تفسير غريب القرآن ١٥٩.
(٤) أي ياء ضيقاً.
(٥) انظر: السبعة ٢٦٨؛ الكشف ٤٥٠/١؛ والنشر ٢٥٣/٢؛ والحجة ٢٧١؛ والبحر
١٤٠