النص المفهرس

صفحات 81-100

- الأنعام -
وقيل: بل هي جمع ثَمَرَة كَبُدْن جمع بَدَنَة، ونقل(١) بعضهم أنه يقال ثَمُرَة بزنة
سَمُرة، وقياسها على هذا ثَمُر كسَمُر بحذف التاءِ(٢) إذا قُصِدَ جمعُه، وقياسُ
تكسيرِه أثمار كعَضُد وأعضاد، وقد قرأ أبو عمرو الذي في سورة الكهف(٣)
بالضم وسكون الميم، فهذه القراءةالتي هنا فصيحة كان قياس أبي عمرو أن
يقرأهما شيئاً واحداً لولا أن القراءة مستندها النقل. وقرأ أبو عمرو والكسائي
وقنبل ((خُشْب))(٤). والباقون بالضم، فهذه القراءة نظير تِيك. وهذا الخلاف
أعني في «ثَمَرِه)» والتوجيه بعينه جارٍ في سورة يس(٥). وأما الذي في سورة
الكهف ففيه ثلاث قراءات : فعاصم يقرؤه بفتحتين كما يقرؤه في هذه السورة،
وفي يس، فاستمرَّ على عمل واحد، والأخوان يقرآنه بذومتين في السور
الثلاث / فاستمرا على عمل واحد، وأمَّا نافع وابن كثير وابن عامر فقرؤوا [٣٤٠/ب]
ما في الأنعام ويس بفتحتين وقرؤوا ما في الكهف بضمتين، وأمَّا أبو عمرو فقرأ
ما في الأنعام ويس بفتحتين وما في الكهف بضمة وسكون. وقد ذكروا في
توجيه الضمتين في الكهف ما لا يمكن أن يأتي في السورتين، وذلك أنهم
قالوا في الكهف: الثُّمُر بالضم المال، وبالفتح المأكول.
وقوله: ((إذا أثمر)) ظرف لقوله: ((انظروا))، وهو يحتمل أن يكون
متمحضاً للظرف، وأن يكون شرطاً، وجوابه محذوف أو متقدم عند من يرى ذلك
أي: إذا أثمر فانظروا إليه.
قوله: ((ويَنْعِه)) الجمهور على فتح الياء مِنْ ((ينعه)) وسكون النون. وقرأ(٦)
(١) قوله: ((نقل)) غير واضح في الأصل.
(٢) أي تاء ثمرة.
(٣) الآية ٤٢، وانظر: السبعة ٢٦٤.
(٤) الآية ٤ من المنافقون ((كأنهم خشب مسنّدة)). وانظر: السبعة ٦٣٦.
(٥) الآية ٣٥. وانظر: السبعة ٢٦٤.
(٦) البحر ٤ /١٩١.
٨١

- الأنعام-
ابن محيصن بضم الياء وهي قراءة قتادة والضحاك. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة
واليماني: يانعة، ونسبها الزمخشري(١) لابن محيصن، فيجوز أن يكون عنه.
قراءتان. والينع بالفتح والضم مصدر: يَنَعَتِ الثمرة أي: نضجت، والفتح لغة
الحجاز، والضم لغة بعض نجد، ويقال أيضاً يُنْع ويُنُوع بواو بعد ضمتين.
وقيل: البُنْع بالفتح جمع يانِع كتاجِر وتَجْر وصاحِب وصَحْب، ويقال: يَنَعَت
الثمرة وأينعت ثلاثياً ورباعياً بمعنى. وقال الحَجَّاج: ((أرى رؤوساً قد أينعت
وحان قطافها))(٢). ويانع اسم فاعل وقيل: أينعت الثمرة وينعت احمرَّت، قاله
الفراء (٣)، ومنه الحديث(٤) في الملاعنة: ((إنْ وَلَدَتْهُ أحمَرَ مثلَ اليَّنْعَة)) وهي :
خَرَزَةٌ حمراء، قيل: هي العقيق أو نوع منه. ويقال: يَنْعَتْ تَيْنِع بفتح العين في
الماضي وكسرها في المستقبل هذا قول أبي عبيد(٥) وأنشد(٦):
حولها الزيتونُ قَد یَنْعَا
٢٠٢٣-
...
وقال الليث بعكس هذا: أي بكسرها في الماضي وبفتحها في
المستقبل. وناسب ختامَ هذه الآية بقوله ((لقوم يؤمنون)) كونُ ما تقدَّم دالاً على
وحدانيته وإيجاده المصنوعات المختلفة، فلا بُدَّ لها مِنْ مدبِّر مع أنها نابتةٌ من
أرضٍ واحدةٍ وتُسْقَى بماءٍ واحد، وهذه الدلائل إنما تنفع المؤمنين المتدبرين
دون غيرهم .
(١) الكشاف ٢ / ٤٠
(٢) جمهرة خطب العرب ٢٨٨/٢.
(٣) معاني القرآن ٣٤٨/١.
(٤) رواه أحمد في المسند ٣٣٥/٥ برواية ((مثل النبقة)). وانظر: النهاية ٣٠٢/٥.
(٥) لعله أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٠٢/١ ولكنه ضبطها في المطبوعة بالفتح.
(٦) صدره :
في قباب حول دَسْكَّرَةٍ
وهو للأحوص في ديوانه ٢٢٢، أو الأخطل أو يزيد بن معاوية؛ ومجاز القرآن ٢٠٢/١؛
ومعاني القرآن للزجاج ٣٠٤/٢؛ واللسان: دسكر - ينع؛ والكامل ٢٢٧/١.
٨٢

- الأنعام -
آ. ١٠٠ قوله تعالى: ﴿شركاء الجن): الجمهور على نصب ((الجن)) وفيه
خمسة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنَّ ((الجن)) هو المفعول الأول، والثاني
هو ((شركاء)) قُدِّم، و(الله)) متعلَّق بشركاء. والجَعْل هنا بمعنى التصيير، وفائدةٌ
التقديم كما قاله الزمخشري (١) استعظامُ أن يُتَّخَذَ لله شريكٌ مَنْ كان مَلَكاً
أو جنّاً أو إِنسِيّاً ولذلك قُدِّم اسم الله على الشركاء)) انتهى. ومعنى كونهم
جعلوا الجن شركاء لله هو أنهم يعتقدون أنهم يخلقون من المضارِّ والحيَّات
والسباع كما جاء في التفسير. وقيل: ثم طائفة من الملائكة يسمَّون الجن كان
بعض العرب يعبدها.
الثاني: أن يكون ((شركاء)) مفعولاً أول و(الله)) متعلقٌ بمحذوف على أنه
المفعول الثاني، و((الجنّ)) بدل من ((شركاء))، أجاز ذلك الزمخشري(٢)
وابن عطية(٣) والحوفي وأبو البقاء (٤) ومكي بن أبي طالب(٥)، إلا أنَّ مكِّيَّ
لمَّا ذَكَرَ هذا الوجهَ جَعَلَ اللامَ مِنْ ((له)) متعلقةُ بجَعَلَ فإنه قال: ((الجنَّ مفعولٌ
أولُ لَجْعَلَ و((شركاء)) مفعولٌ ثانٍ مقدَّم، واللام في ((لله)) متعلقة بشركاء، وإن
شِئْتَ جَعَلْتَ ((شركاء)) مفعولاً أول، والجن بدلاً من شركاء، و(الله)) في موضع
المفعول الثاني، واللام متعلقة بجعل)). قلت: بعد أن جعل ((الله)) مفعولاً ثانياً
كيف يُتَصَوَّرِ أن يَجْعَلَ اللامَ متعلقةً بالجعلِ؟ هذا ما لا يجوز لأَنَّه لما صار
مفعولاً ثانياً تعيَّنَ تعلُّقُهُ بمحذوف على ما عرفته غيرَ مرة. قال الشيخ(٦):
((وما أجاوزه - يعني الزمخشري ومن ذُكِرَ معه - لا يجوز؛ لأنه يصِحُ (٧) للبدل أن
(١) الكشاف ٤٠/٢.
(٢) الكشاف ٤٠/٢.
(٣) المحرر ١٢٠/٦.
(٤) الإِملاء ٢٥٥/١.
(٥) المشكل ٢٨٢/١.
(٦) البحر ١٩٣/٤.
(٧) الأصل ((لا يصح)) وهو سهو، والتصويب من البحر.
٨٣
مے

- الأنعام -
يحلّ محلّ المبدل منه فيكونَ الكلام منتظماً، لوقلت: وجعلوا لله الجنَّ.
لم يَصِحَّ، وشرطُ البدل أن يكون على نية تكرار العامل على أشهر القولين
أو معمولاً للعامل في المبدل منه على قول، وهذا لا يَصِحُّ هنا البتّةً لِما ذكرنا)»
قلت: هذا القول المنسوب للزمخشري ومَنْ ذُكِرَ معه سبقهم إليه الفراء(١).
وأبو إسحاق(٢) فإنهما أجازا أن يكونا مفعولين قُدِّم ثانيهما على الأول وأجازا
أن يكون ((الجن)) بدلاً من ((الشركاء)) ومفسِّراً للشركاء هذا نصُّ عبارتهم،
وهو معنى صحيح أعني كونَ البدل مفسراً، فلا معنى لردِّ هذا القول، وأيضاً
فقد رَدَّ هو على الزمخشري عند قوله تعالى ((إلا ما أَمَرْتَنِي به أن اعبدوا))(٣) فإنه
لا يلزم في كل بدلٍ أن يحل مَحَلَّ المبدلِ منه، قال (٤): ((ألا ترى إلى تجويز
النحويين ((زيد مررت به أبي عبدالله)) ولو قلت: ((زيد مررت بأبي عبدالله)).
[١/٣٤١] لم يجز إلا على رأي الأخفش)) وقد سبق هذا في المائدة، فقد قرر / هو أنه
لا يلزم حلول البدل محلَّ المبدل منه فكيف يَرُدُّ به هنا؟
الثالث: أن يكون ((شركاء)) هو المفعول الأول و((الجن)» هو المفعول
الثاني، قاله الحوفي، وهذا لا يَصِحُّ لِما عرفت أن الأول في هذا الباب مبتدأ.
في الأصل والثاني خبر في الأصل، وتقرَّر أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جَعَلْتَ
المعرفة مبتدأ والنكرة خبراً، من غير عكس إلا في ضرورة، تقدَّم التنبيه على:
الوارد منها.
الرابع: أن يكون ((شركاء الجن)) مفعولين على ما تقدَّم بيانه. و (الله)).
متعلق بمحذوف على أنه حال من ((شركاء))؛ لأنه لو تأخر عنها لجاز أن يكون
(١) معاني القرآن للفراء ٣٤٨/١.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٠٥/٢.
(٣) الآية ١١٧ من المائدة.
(٤) أي أبو حيان، انظر: البحر ٦١/٤.
٨٤

- الأنعام -
صفة لها قاله أبو البقاء(١)، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنه يصير المعنى: جعلوهم شركاء
في حال كونهم الله أي: مملوكين، وهذه حال لازمة لا تنفك، ولا يجوز أن
يقال إنها غير منتقلة لأنها مؤكدة إذ لا تأكيدَ فيها هنا، وأيضاً فإنَّ فيه تهيئةً
العامل في معمول وقَطْعَه عنه؛ فإن ((شركاء)» يطلب هذا الجارَّ ليعمل فيه
والمعنى منصبٌّ على ذلك.
الخامس: أن يكون ((الجنَّ» منصوباً بفعل مضمر جواب السؤال مقدَّر،
كأن سائلاً سأل فقال بعد قوله تعالى ((وجعلوا لله شركاء)): مَنْ جعلوا لله
شركاء؟ فقيل: الجنَّ، أي: جعلوا الجن، نقله الشيخ (٢) عن شيخه
أبي جعفر بن الزبير(٣)، وجعله أحسن مما تقدَّم قال: ((ويُؤَيِّد ذلك
قراءةُ (٤) أبي حيوة ويزيد بن قطيب ((الجنُّ)) رفعاً على تقدير: هم الجن،
جواباً لمن قال: [من](٥) جعلوا لله شركاء؟ فقيل: هم الجن، ويكون ذلك على
سبيل الاستعظام لما فعلوه والاستنقاص بمن جعلوه شريكاً لله تعالى. وقال
مكي(٦): ((وأجاز الكسائي رفع ((الجن)) على معنى هم الجن))، فلم يَرْوِها عنه
قراءةً، وكأنه لم يطّلع على أن غيرَه قرأها كذلك.
وقرأ شعيب بن أبي حمزة ويزيد بن قطيب وأبو حيوة في رواية عنهما
أيضاً ((شركاءَ الجنِّ)) بخفض ((الجن))، قال الزمخشري(٧): ((وقرىء بالجر على
الإضافة التي للتبيين فالمعنى: أشركوهم في عبادتهم(٨) لأنهم أطاعوهم
(١) الإملاء ٢٢٥/١.
(٢) البحر ١٩٣/٤.
(٣) أحمد بن إبراهيم الغرناطي، أحد نحاة الأندلس ومُحدِّثِيها توفي سنة ٧٠٨، قرأ على
العطار. انظر: طبقات القراء ٣٢/١.
(٤) البحر ١٩٣/٤.
(٥) سقط من الأصل سهواً ونقلناه من البحر.
(٦) المشكل ٢٨٢/١.
(٧) الكشاف ٤٠/٢.
(٨) الكشاف: ((عبادته)).
٨٥

- الأنعام -
كما أطاعوا الله)). قال الشيخ(١): ((ولا يتضح معنى هذه القراءة، إذ التقدير:
وجعلوا شركاء الجن الله)). قلت: معناها واضح بما فسَّره الزمخشري في قوله،
والمعنى: أَشْرَكوهم في عبادتهم إلى آخره ولذلك سَمَّاها إضافة تبيين، أي إنه.
بَيِّن الشركاء كأنه قيل : الشركاء المطيعين للجن.
قوله: ((وَخَلَقهم)) الجمهور على ((خَلَقَهم)) بفتح اللام فعلًا ماضياً، وفي
هذه الجملة احتمالان، أحدهما: أنها حالية فـ ((قد)) مضمرةٌ عند قومٍ وغير
مضمرة عند آخرين. والثاني: أنها مستأنفة لا محَلَّ لها، والضمير في
((خلقهم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه يعود على الجاعلين أي: جعلوا له شركاء
مع أنه خلقهم وأوجدهم منفرداً بذلك من غير مشاركة له في خلقهم فكيف
يشركون به غيره ممّن لا تأثيرَ له في خلقهم؟ والثاني: أنه يعود على الجن
أي: والحال أنه خلق الشركاء فكيف يجعلون مخلوقه شريكاً له؟
وقرأ (٢) يحيى بن يعمر: ((وَخَلْقهم)) بسكون اللام. قال الشيخ(٣):
((وكذا في مصحف عبدالله)). قلت: قوله ((وكذا في مصحف عبدالله)) فيه نظر من
حيث إن الشكل الاصطلاحي أعني ما يدل على الحركات الثلاث وما يدل
على السكون كالجزء منه كانت مصاحفُ السَّلفِ منها مجردة، والضبط.
الموجود بين أيدينا اليوم أمرٌ حادث، يقال: إن أول مَنْ أحدثه يحيى بن يعمر،
فكيف يُنسب ذلك لمصحف عبدالله بن مسعود؟ وفي هذه القراءة تأويلان
أحدهما: أن يكون ((خَلْقهم)» مصدراً بمعنى اختلافهم. قال الزمخشري(٤): أي
اختلافهم للإِفك يعني: وجعلوا لله خَلْقَهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في
قولهم ((والله أمَرَنا بها)) انتهى. فيكون (الله)) هو المفعول الثاني قُدِّم على
(١) البحر ١٩٣/٤.
(٢) المحتسب ٢٢٤/١؛ البحر ١٩٤/٤.
(٣) البحر ٤/ ١٩٤.
(٤) الكشاف ٤٠/٢.
٨٦

- الأنعام -
الأول. والتأويل الثاني: أن يكون ((خَلْقهم)) مصدراً بمعنى مخلوقهم. فيكون
عطفاً على ((الجن)»، ومفعوله الثاني محذوف تقديره: وجعلوا مخلوقَهم
وهو ما ينحتون من الأصنام كقوله تعالى: ((أتعبدون ما تنحتون))(١) شركاءَ لله
تعالی .
قوله تعالى: ((وخَرَقوا)) قرأ الجمهور ((خَرَقوا)) بتخفيف الراء ونافع
بتشديدها(٢). وقرأ(٣) ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء، وابن عمر
كذلك أيضاً إلا أنه شدد الراء، والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى الاختلاق.
قال الفراء(٤): ((يقال خلق الإِفك وخَرَقه واختلقه وافتراه وافتعله وخَرَصَه بمعنى
كَذَّب فيه)»، والتشديد للتكثير لأن القائلين بذلك خلق كثير وجمٌّ غفير، وقيل:
هما لغتان، والتخفيف هو الأصل. وقال الزمخشري(٥): ((ويجوز / أن يكون [٣٤١/ب]
مِنْ خرق الثوب إذا شقَّه أي: اشتقُوا له بنين وبنات)). وأمَّا قراءة الحاء المهملة
فمعناها التزوير أي: زوَّروا له أولاداً لأن المزوِّر محرِّف ومغيِّرُ الحقَّ إلى
الباطل.
وقوله ((بغير علم )) فيه وجهان. أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف أي :
خَرَقُوا له خَرْقاً بغير علم قاله أبو البقاء(٦) وهو ضعيفُ المعنى؛ والثاني:
- وهو الأحسنُ - أن يكونَ منصوباً على الحال من فاعل ((خرقوا)) أي: افتعلوا
الكذبَ مصاحبين للجهل وهو عدم العلم.
آ. ١٠١ قوله تعالى: ﴿بديع﴾: قرأ الجمهور برفع العين، وفيها
(١) الآية ٩٥ من الصافات.
(٢) السبعة ٢٦٤؛ البحر ١٩٤/٤؛ الحجة ٢٦٤؛ التيسير ١٠٥.
(٣) المحتسب ٢٢٤/١؛ البحر ١٩٤/٤.
(٤) معاني القرآن ٣٤٨/١، ولم يَرِدْ في المطبوعة: افتعل وخرص.
(٥) الكشاف ٤١/٢.
(٦) الإملاء ٢٥٥/١.
٨٧

- الأنعام -
ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها؛ أنه خبرُ مبتدٍ محذوفٍ أي: هو بديعُ، فيكون الوقفُ على
قوله ((والأرض)) فهي جملة مستقلة بنفسها. الثاني: أنه فاعلٌ بقوله ((تعالى))،
أي تعالى بديع السموات، وتكون هذه الجملةُ الفعليةُ معطوفةً على الفعلِ
المقدَّرِ قبلَها وهو الناصبُ لسبحان فإنَّ ((سبحان)) كما تقدَّم من المصادر اللازم
إضمارُ ناصِها. الثالث: أنه مبتدأ وخبرُه ما بعده من قوله ((أنّی یکون له ولد)».
وقرأ (١) المنصور ((بديعِ)) بالجر، قال الزمخشري (٢): ((رداً على قوله وجعلوا لله
أو على سبحانه)» كذا قاله، ولم يُبَيِّنْ على أيِّ وجهٍ من وجوهِ الإِعراب هو،
وكذا الشيخُ (٣) حكاه عنه ومرَّ عليه، ويريد بالردّ كونَه تابعاً إمّا: لله، أو للضمير
المجرور في ((سبحانه))، وتبعيَّتُه له على كونه بدلاً من ((الله)) أو من الهاء في
((سبحانه)، ويجوز أن يكون نعتاً لله على أن تكون إضافةُ ((بديع)) محضةً.
كما ستعرفه، وأما تبعيّتُه للهاءِ فيتعيّنُ أن يكونَ بدلاً، ويمتنعُ أن يكون نعتاً وإن
اعتقَدْنا تعريفَه بالإِضافة لمعارِضٍ آخر: وهو أن الضميرَ لا يُنعت، إلا ضميرٌ
الغائب على رأي الكسائي، فعلى رأيه قد يجوز ذلك.
وقرأ أبو صالح الشامي (٤) ((بديعَ)) نصباً، ونصبه على المدح وهي تؤيد
قراءةَ الجر، وقراءةُ الرفع المتقدمة يحتمل أن يكون أصلها الإِتباعُ بالجرِّ على
البدل ثم قطع التابع رفعاً. وبديع يجوز أن يكونَ بمعنى مُبْدِع، وقد سَبَقَ.
معناه، أو يكونَ صفةٌ مشبهة أضيفت لمرفوعها كقولك: فلان بديع الشعر أي:
بديعٌ شعرُهُ، وعلى هذين القولين فإضافته لفظية لأنه في الأول من بابِ إضافة
اسم الفاعل لمنصوبه، وفي الثاني من بابِ إضافةِ الصفة المشبهة المرفوعها،
ويجوز أن يكونَ بمعنى عديم النظير والمِثْل فيهما، كأنه قيل: البديع في السموات
(١) البحر ١٩٥/٤؛ الشواذ ٣٩.
(٢) الكشاف ٤١/٢.
(٣) البحر ٤ /١٩٥.
(٤) لم أقف على ترجمة له، وفي ((شواذ القراءات)) صالح الشامي.
٨٨

- الأنعام -
والأرض، فالإِضافةُ على هذا إضافةً مَحْضَةٌ.
قوله: ((أَنَّى يكون له ولد)) أنَّى بمعنى كيف أو مِنْ أين، وفيها وجهان
أحدهما: أنها خبر كان الناقصة و((له)) في محل نصب على الحال، و ((ولد))
اسمُها، ويجوز أن تكون منصوبةً على التشبيه بالحالِ أو الظرفِ كقوله ((کیف
تكفرون بالله))(١) والعاملُ فيها قال أبو البقاء(٢): ((يكون)»، وهذا على رأي مَنْ
يُجيز في ((كان)) أن تعمل في الأحوال والظروف وشبههما، و((له)) خبر يكون
و ((ولد)» اسمها. ويجوز في ((يكون)» أن تكونَ تامةً، وهذا أحسنُ، أي: كيف
يُؤْجَدُ له ولدٌ وأسباب الوَلَدِيَّةِ منتفيةٌ؟
قوله: ((ولم تكنْ له صاحبةً)) هذه الواو للحال، والجملةُ بعدها في محل
نصب على الحال من مضمون الجملة المتقدمة أي : كيف يوجد له ولد والحال
أنه لم يكن له زوج، وقد عُلِمَ أن الولد إنما يكون من بين ذكر وأثنى وهو مُنَزَّهُ
عن ذلك.
والجمهور على ((تكن)) بالتاء من فوق. وقرأ(١) النخعي بالياء من تحت
وفيه أربعة أوجه، أحدها: أن الفعل مسند إلى ((صاحبة)) أيضاً كالقراءة
المشهورة، وإنما جاز التذكير للفصل كقوله(٢):
٢٠٢٤ - لقد وَلَّدَ الأخيطِلَ أمُّ سوء
(١) الآية ٢٨ من البقرة.
(٢) الإملاء ٢٥٦/١.
(٣) المحتسب ٢٢٤/١؛ البحر ١٩٤/٤.
(٤) عجزه :
على باب اسْتِهَا مُلُبّ وشامُ
وهو لجرير، ديوانه ٥١٥؛ والمقتضب ١٤٨/٢؛ والخصائص ٤١٤/٢؛ والإنصاف
١٧٥/١؛ وابن يعيش ٩٢/٥. والشام: العلامة.
٨٩

- الأنعام -
وقوله(١):
٢٠٢٥ - إنَّ امرَأَ: غَرَّه في الدنيا واحدةٌ .
بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
وقال ابن عطية(٢): ((وتذكيرُ كان وأخواتها مع تأنيث اسمِها أسهلُ من
ذلك في سائر الأفعال)). قال الشيخ(٣): (ولا أعرفُ هذا عن النحويين
ولم يُفَرِّقوا بين كان وغيرها)). قلت: هذا كلام صحيح، ويؤيده أن الفارسي وإن
كان يقول بحرفية بعضها ك ليس فإنه لا يُجيز حَذْفَ التاء منها، لو قلت: ((ليس
هند قائمة)) لم يجز. الثاني: أن في ((يكون)) ضميراً يعود على الله تعالى، و (له))
خبر مقدم، و((صاحبة)) مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ((يكون)). الثالث أن يكون ((له))
[٣٤٢/أ] وحدَه هو الخبر، و((صاحبةٌ)) فاعل به لاعتماده / وهذا أَوْلَى ممَّ قبله؛ لأنَّ
الجارَّ أقربُ إلى المفرد، والأصل في الأخبار الإِفراد. الرابع: أنَّ في ((يكون))
ضميرَ الأمر والشأن و ((له)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((صاحبةٌ)) مبتدأ مؤخر، والجملة خبر:
(يكون)) مفسِّرة لضمير الشأن، ولا يجوزُ في هذا أن يكون ((له)) هو الخبر وحده
و((صاحبةٌ)) فاعلٌ به كما جاز في الوجه قبله. والفرق أنَّ ضمير الشأنٍ لا يُفَسَّر
إلا بجملةٍ صريحة، وقد تقدَّم أنَّ هذا النوع من قبيل المفردات. و (تکن)).
يجوز أن تكونَ الناقصة أو التامة حسبما تقدَّم فيما قبلها.
وقوله: ((وَخَلَقَ كلَّ شيء)) هذه جملة إخبارية مستأنفة، ويجوز أن تكون
حالاً، وهي حال لازمة .
آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿ذلكم﴾: أي: ذلكم الموصوفُ بتلك
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الخصائص ٤١٤/٢؛ وابن يعيش ٥٣/٥؛ والعيني ٤٧٦/٢؛
والهمع ١٧١/٢؛ والدرر ٢٢٥/٢.
(٢) المحرر ١٢١/٦.
(٣) البحر ١٩٤/٤.
٩٠

- الأنعام -
الصفاتِ المتقدمةِ اللَّهُ، فاسم الإِشارة مبتدأ و ((الله)) خبره، وكذا ((ربكم)) وكذا
الجملةُ من قوله ((لا إله إلا هو)»، وكذا ((خالق)). قال الزمخشري(١):
((وهو (٢) مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة)). قلت: هذا عند مَنْ يجيز تَعَدُّد الخبرِ
مطلقاً، ويجوز أن يكون ((الله)) وحده هو الخبر ما بعده أبدال، كذا قال
أبو البقاء(٣)، وفيه نظر من حيث إنَّ بعضها مشتقُّ والبدلُ يَقِلُّ بالمشتقات، وقد
يقال إن هذه، وإن كانت مشتقة، ولكنها بالنسبة إلى الله تعالى من حيث
اختصاصُها به صارت كالجوامد، ويجوز أن يكون ((الله)) هو البدل، وما بعده
أخبارٌ أيضاً، ومَنْ منع تعدُّدَ الخبرِ قَدَّر قبلَ كل خبرٍ مبتدأ، أو يجعلها كلَّها بمنزلة
اسم واحد كأنه قيل: ذلكم الموصوفُ هو الجامعُ بين هذه الصفات.
آ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿قد جاءكم بصائر﴾: إنما ذَكَّر الفعلَ
الشيئين: أحدهما الفصلُ بالمفعول، والثاني كون التأنيث مجازياً. والبصائر جمع
البصيرة، وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء، ومنه قيل للدم الدالَ
على القتيل بصرة (٤). والبصيرة مختصة بالقلب كالبصر للعين، هذا قول
بعضهم. وقال الراغب(٥): «ويقال لقوة القلب المُدْرِكة بَصيرة وبَصَر، قال
تعالى: ((ما زاغ البصرُ وما طَغَى))(٦) وقد تقدَّم تحقيق هذا في أوائل البقرة.
و((مِنْ ربكم)) يجوز أن يتعلَّق بالفعل قبله، وأن يتعلق بمحذوفٍ على
(١) الكشاف ٤١/٢.
(٢) الكشاف: ((ذلكم)).
(٣) الإملاء ٢٥٦/١.
(٤) كذا في الأصل، وفي القاموس: المَبْصَرَة: شيء من الدم يُسْتدل به. انظر: القاموس:
بصر.
(٥) المفردات ٤٩.
(٦) الآية ١٧ من النجم.
٩١

- الأنعام -
أنه صفة لما قبله، أي: بصائر كائنة من ربكم، و ((مِنْ)) في الوجهين لابتداء
الغاية مجازاً .
قوله: ((فَمَنْ أَبْصَرَ» يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، فالفاء
جواب الشرط على الأول، ومزيدة في الخبر لشبه الموصول باسم الشرط على:
الثاني، ولا بد قبل لام الجر مِنْ محذوف يَصِحُ به الكلامُ، والتقدير: فالإِبصار
لنفسه ومَنْ عَمِي فالْعَمَى عليها. والإِبصار والعَمَى مبتدآن، والجارّ بعدهما
هو الخبر، والفاء داخلة على هذه الجملةِ الواقعة جواباً أو خبراً، وإنما حُذِف
مُبْتَدَؤُها للعلم به، وقَدَّر الزجاج قريباً من هذا فقال(١): ((فلنفسه نَفْع ذلك،
ومَنْ عمي فعليها ضررُ ذلك)). وقال الزمخشري (٢): ((فَمَنْ أبصر الحقَّ وآمن
فلنفسه أبصر وإياها نَفَعَ، ومَنْ عمي فعليها أي: فعلى نفسه عَمِي، وإياها
ضَرَّ)). قال الشيخ(٣): ((وما قَدَّرناه من المصدر أَوْلى، وهو فالإِبصار
والعمى، لوجهين، أحدهما: أن المحذوف يكون مفرداً لا جملة، والجار
يكون عمدةٌ لا فَضْلة، وفي تقديره هو المحذوفُ جملةٌ والجارُّ والمجرورُ
فضلةٌ. والثاني : - وهو أقوى - وذلك أنه لو كان التقدير فعلاً لم تدخل الفاء
سواء كانت ((مَنْ)) شرطيةً أم موصولة مشبهة بالشرط؛ لأن الفعل الماضي
إذا لم يكن دعاءً ولا جامداً، ووقع جوابَ شرط أو خبرَ مبتدأ مشبه بالشرط
لم تدخل الفاء في جواب الشرط ولا في خبر المبتدأ، لو قلت: ((مَنْ جاءني
فأكرمتُه)) لم يَجُزْ بخلافٍ تقديرنا فإنه لا بد فيه من الفاء، ولا يجوز حَذْفُها إلا في
الشعر)). قلت: هذا التقدير الذي قدَّره الزمخشري مسبوقٌ إليه سبقه إليه
الكلبي (٤) فإنه قال: ((فَمَنْ أبصر صَدَّق وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم
(١) معاني القرآن ٣٠٦/٢.
(٢) الكشاف ٤٢/٢.
(٣) البحر ١٩٦/٤.
(٤) لعله أبو أحمد بن ◌ُجُزَيّ الكلبي له ((تفسير القرآن العزيز)) توفي سنة ٦٢٠. انظر:
طبقات المفسرين ١٠١/١ .
٩٢

- الأنعام -
فلنفسه عمل ومَنْ عمي فلم يُصَدِّق فعلى نفسه جَنَى العذاب)). وقوله ((إن الفاء
لا تدخل فيما ذكره قد يُنَازَعُ فيه، وإذا كانوا فيما يَصْلُحُ أن يكون جواباً صريحاً
ويظهر / فيه أثر الجازم كالمضارع يجوز فيه دخول الفاء نحو: ((ومَنْ عاد [٣٤٢/ب]
فينتقمُ الله منه))(١) فالماضي بدخولها أَوْلَى وأُحْرى.
آ. (١٠٥) قوله تعالى: ﴿وكذلك﴾: الكاف في محل نصب نعتاً
المصدر محذوف، فقدَّره الزجاج(٢): ((ونُصَرِّفُ الآياتِ مثلَ ما صَرَّفناها فيما تُلي
عليكم))، وقدَّره غيرُه: نُصَرِّف الآيات في غير هذه السورة تصريفاً مثل التصريف
في هذه السورة.
قوله: ((وليقولوا)) الجمهور على كسرِ اللام، وهي لام كي، والفعلُ
بعدها منصوب بإضمار ((أَنْ)) فهو في تأويل مصدر مجرور بها على ما عُرِف غيرٌ
مرة، وسمّاها أبو البقاء(٣) وابن عطية (٤) لام الصيرورة كقوله تعالى: ((فالتقطه آلُ
فرعون ليكون لهم عَدُوَّاً وحَزَناً)(٥) وكقوله(٦):
٢٠٢٦ - لِدُوا للموتِ وابنُوا للخَراب
أي: لمَّا صار أمرُهم إلى ذلك عبَّر بهذه العبارة، والعلة غير مرادة في
هذه الأمثلة، والمحققون يأبُوْن جَعْلَها للعاقبة والصيرورة، ويُؤْوِّلون ما وَرَدّ من
ذلك على المجاز. وجَوَّز أبو البقاء (٧) فيها الوجهين: أعني كونَها لامَ العاقبة
أو العلة حقيقةً فإنه قال: ((واللام لام العاقبة أي: إن أمرّهم يَصير إلى هذا))
(١) الآية ٩٥ من المائدة.
(٢) معاني القرآن ٣٠٧/٢.
(٣) الإملاء ٢٥٦/١، وفي المطبوعة ((لام العاقبة)).
(٤) المحرر ١٢٤/٦ .
(٥) الآية ٨ من القصص.
(٦) تقدم برقم ١٩٣٢.
(٧) الإملاء ٢٥٦/١.
٩٣

- الأنعام-
وقيل: إنه قصد بالتصريف أن يقولوا دَرَسَتْ عقوبةً لهم)) يعني فهذه علة
صريحة وقد أوضح بعضهم هذا فقال(١): ((المعنى: يُصَرِّف هذه الدلائل حالاً
بعد حال ليقولَ بعضُهم دارَسَتْ فيزدادوا كفراً، وتنبيهٌ لبعضهم فيزدادوا إيماناً،
ونحو: ((يُضِلُّ به كثيراً ويَهدي به كثيراً))(٢). وأبو علي جعلها في بعض
القراءات لام الصيرورة، وفي بعضها لام العلة فقال: ((واللام في ليقولوا في
قراءة ابن عامر ومَنْ وافقه بمعنى: لئلا يقولوا أي: صُرِفَت الآيات وأُحْكِمَتْ
لئلا يقولوا هذه أساطير الأولين قديمة قد بَلِيَتْ وتكرَّرَتْ على الأسماع، ،
واللام على سائر القراءات لام الصيرورة)). قلت: قراءة ابن عامر دَرَسَتْ بوزن
أَكَلَتْ وسَرَقتْ فعلاً ماضياً مسنداً لضمير الآيات، وسيأتي تحقيق القراءات في
هذه الكلمة متواترِها وشاذِّها. قال الشيخ(٣) ((وما أجازه من إضمارِ ((لا)) بعد
اللام المضمر بعدها (أَنْ)) هو مذهب لبعض الكوفيين كما أضمروها بعد ((أَنْ))
المظهرة في ((أَنْ تَضِلُّوا))(٤)، ولا يجيز البصريون إضمار ((لا)) إلا في القسم على
ما تبیّن فیه».
ثم هذه اللام لا بدَّ لها من مُتَعَلَّق، فقدَّره الزمخشري(٥) وغيره متأخراً.
قال الزمخشري: ((وليقولوا جوابه محذوف تقديره: وليقولوا دَرَسَتْ نُصَرِّفها.
فإن قلت: أيُّ فرق بين اللامين في لِيَقُولوا ولنبيِّنه؟ قلت: الفرق بينهما أن
الأولى مجاز والثانية حقيقة، وذلك أن الآيات صُرِفَت للتبيين، ولم تُصْرَفْ
ليقولوا دارست، ولكن لأنه لمَّا حصل هذا القولُ بتصريف الآيات كما حصل
للتبين شَبَّهَ به فَسِيْق مُساقَه، وقيل: ليقولوا كما قيل لنبيِّه)). قلت: فقد نص هنا
(١) انظر: البحر ١٩٨/٤.
(٢) الآية ٢٦ من البقرة :
(٣) البحر ١٩٨/٤.
(٤) الآية ١٧٦ من النساء: ((يبين الله لكم أن تضلوا)).
(٥) الكشاف ٤٢/٢.
٩٤

- الأنعام -
على أن لام ((ليقولوا)) علة مجازية. وجَوَّز بعضهم أن تكون هذه اللام نسقاً
على علٍ محذوفة. قال ابن الأنباري: ((دخلت الواو في ((وليقولوا)) عطفاً على
مضمر، التقدير : وكذلك نصرف الآيات لنُلْزِمَهم الحجةَ وليقولوا)). قلت:
وعلى هذا فاللامُ متعلقةٌ بفعلِ التصريف من حيث المعنى ولذلك قَدَّره مَنْ قدَّره
متأخراً بـ ((نُصَرِّف)). وقال الشيخ(١): ((ولا يتعيَّن ما ذكره المُعْرِبون والمفسِّرون
من أن اللامَ لامُ كي أو لامُ الصيرورة، بل الظاهر أنها لام الأمر والفعل مجزوم
بها، ويؤيده قراءة مَنْ سكن اللام، والمعنى عليه يتمكن، كأنه قيل: وكذلك
نُصَرِّف الآياتِ وليقولوا هم ما يقولون مِنْ كونها دَرَسْتَها وَتَعَلَّمتها أو دَرَسَت هي
أي: بَلِيَتْ وقَدُمَتْ، فإنه لا يُحْتَفَلُ بهم ولا يُلْتفت إلى قولهم، وهو أمرٌ معناه
الوعيدُ والتهديدُ وعدمُ الاكتراث بقولهم أي: نُصَرِّفها وليدَعُوا فيها ما شاؤوا،
فإنه لا اكتراث بدعواهم».
وفيه نظر من حيث إن المعنى على ما قاله الناس وفهموه، وأيضاً فإِنَّ
بعده / ولنبيِّنَه وهو نصٌّ في لام كي، وأمَّا تسكين اللام في القراءة الشاذة [٣٤٣/أ]
فلا يدلُّ لاحتمال أن تكون لام كي سُكَّنت إجراءً للكلمة مُجْری کَتِف وكَبِد.
وقد ردّ الشيخ(٢) على الزمخشري حيث قال(٣): ((وليقولوا جوابه محذوف))
فقال: ((وتسميته ما يتعلَّق به قوله ((وليقولوا)) جواباً اصطلاحٌ غريب، لا يقال في
((جئتَ)) من قولك ((جئت لتقوم)) إنه جواب)). قلت: هذه العبارة قد تكررت
للزمخشري وسيأتي ذلك في قوله ((ولِتَصْغَى))(٤) أيضاً. وقال الشيخ هناك:
(وهذا اصطلاحٌ غريب))، والذي يظهر أنه إنما يُسَمِّي هذا النحوَ جواباً لأنه يقع
جواباً لسائل. تقول: أين الذي يتعلَّق به هذا الجارُّ؟ فُيُجاب به، فسُمِّي جواباً
(١) البحر ١٩٨/٤.
(٢) البحر ١٩٨/٤.
(٣) أي الزمخشري في الكشاف ٤٢/٢.
(٤) في الآية ١١٣ من الأنعام.
٩٥

- الأنعام -
بهذا الاعتبار، وأضيف إلى الجارِّ في قوله ((وليقولوا)) جوابه، لأن الإِضافة
[تقع](١) بأدنى ملابسة وإلا فكلامُ إمامٍ يتكرَّر لا يُحمل على فساد.
وأمَّا القراءات التي في ((دَرَسَتْ)) فثلاث في المتواتر: فقرأ (٢) ابن عامر
((دَرَسَتْ)) بزنة ضَرَبَتْ، وابن كثير وأبو عمرو ((دارَسْتَ)) بزنة قابلْتَ أَنْت،
والباقون ((درسْتَ)) بزنة ضربْت أنت. فأمَّا قراءة ابن عامر فمعناها بَلِيَتْ وقَدُمَتْ
وتكرَّرَتْ على الأسماع يُشيرون إلى أنها من أحاديث الأولين كما قالوا أساطير.
الأولین .
وأمَّا قراءة ابن كثير أبي عمرو فمعناها دارسْتَ يا محمدُ غيرَك من أهل
الأخبار الماضية والقرون الخالية حتى حفظتها فقلتَها، كما حكى عنهم فقال:
(إنما يُعَلِّمه بشرٌ، لسان الذي يُلْحِدون إليه أعجميٌ))(٣) وفي التفسير: أنهم
كانوا يقولون: هو يدارس سَلْمَان وعَدَّاساً. وأمَّا قراءة الباقين فمعناها حَفِظْتَ
وأَتْقْتَ بالدرس أخبارَ الأولين كما حكى عنهم ((وقالوا أساطيرُ الأولين اكتَبَها
فهي تُمْلى عليه بُكْرةٍ وأصيلا))(٤) أي تكرَّر عليها بالدَّرْس ليحفظها. وقرىء
هذا الحرف في الشاذ عشر قراءاتٍ أُخَرَ فاجتمع فيه ثلاثَ عشرةَ قراءة: فقرأ:
ابن عباس بخلاف عنه وزيد بن علي والحسن البصري وقتادة ((دُرِسَتْ)) فعلًا
ماضياً مبنياً للمفعول مسنداً لضمير الآيات، وفَسَّرها ابن جني(٥)
والزمخشري(٦) بمعنيين، في أحدهما إشكال. قال أبو الفتح(٧): ((يُحتمل أن
(١) سقطت من الأصل وثبتت في ص.
(٢) انظر: السبعة ٢٦٤؛ الكشف ٤٤٣/١؛ والنشر ٢٥١/٢؛ والحجة ٢٦٤؛ والمحتسب
٢٢٥/١؛ والبحر ١٩٧/٤.
(٣) الآية ١٠٣ من النخل.
(٤) الآية ٥ من الفرقان.
(٥) المحتسب ٢٢٦/١
(٦) الكشاف ٤٢/٢.
(٧) أي ابن جني.
٩٦

- الأنعام -
يراد عَفَتْ أو بَلِيَتْ)). وقال أبو القاسم(١): ((بمعنى قُرِئت أو عُفِيَتْ)). قال
الشيخ(٢): ((أما معنى قُرِئَتْ وبَلِيَتْ فظاهرٌ؛ لأن دَرَسَ بمعنى كَرَّر القراءة
متعدٍّ، وأمَّا (دَرَس)) بمعنى بَلِي وانمحى فلا أحفظه متعدياً ولا وَجَدْنا فيمن
وَقَفْنا على شعره من العرب إلا لازمً». قلت: لا يحتاج هذا إلى استقراء فإن
معناه [لا] يحتمل أن يكون متعدِّياً إذ حَدَثُه لا يتعدَّى فاعلُه فهو كقام وقعد، فكما أنَّا
لا نحتاج في معرفة قصور قام وقعد إلى استقراء بل نَعْرِفُه بالمعنى فكذا هذا.
وقرىء ((دَرَّسْتَ)) فعلاً ماضياً مشدداً مبنياً للفاعل المخاطب، فيحتمل أن
يكون للتكثير أي: دَرَّسْتَ الكتب الكثيرة كذبَّحْتُ الغنم وقَطَّعْتُ الأثواب، وأن
تكون للتعدية، والمفعولان محذوفان أي: دَرَّسْتَ غيرَك الكتب وليس بظاهر،
إذ التفسير على خلافه. وقُرِىء دُرِّسْتَ كالذي قبله إلا أنه مبني للمفعول أي:
دَرَّسك غيرُك الكتبَ، فالتضعيف للتعدية لا غير. وقرىء ((دُوْرِسْتَ)) مسنداً لتّاء
المخاطب مِنْ دارَسَ كقاتل، إلا أنه بني للمفعول فقلبت ألفه الزائدة واواً،
والمعنى : دارَسَكَ غيرك.
وقرىء ((دارسَتْ)) بتاء ساكنة للتأنيث لحقت آخر الفعل، وفي فاعله
احتمالان، أحدهما: أنه ضمير الجماعة أُضْمِرَتْ وإن لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ لدلالة
السياق عليها أي: دارستك الجماعة، يُشيرون لأبي فكيهة وسلمان، وقد تقدم
ذلك في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، والثاني: ضمير الإناث على سبيل المبالغة
أي: إن الآيات نفسها دارَسَتْكَ وإن كان المراد أهلها.
وقرىء (دَرُسَتْ)) بفتح الدال وضم الراء مسنداً إلى ضمير الآيات
وهو مبالغة في دَرَسَتْ بمعنى بَلِيَتْ وقَدُمَتْ وانمحت أي اشتد دُروسُها وبِلاها.
وقرأ أُبَيّ / ((دَرَسَ)) وفاعله ضمير النبي صلى الله عليه وسلم أو ضمير الكتاب [٣٤٣/ب]
(١) أي الزمخشري .
(٢) البحر ١٩٧/٤.
٩٧

ــ الأنعام-
بمعنى قرأه النبي وتلاه وكُرِّرَ عليه، أو بمعنى بلي الكتاب وامُّحى، وهكذا في
مصحف عبدالله درس.
وقرأ الحسن في رواية ((دَرَسْنَ)) فعلًا ماضياً مسنداً لنون الإِناث هي
ضمير الآيات، وكذا هي في بعض مصاحف ابن مسعود. وقرىء ((دَرَّسْنَ)) الذي
قبله إلا أنه بالتشديد بمعنى اشتد دُروسها وبِلاها كما تقدَّم. وقرىء ((دارسات))
جمع دارسة بمعنى قديمات، أو بمعنى ذات دُروس نحو: عيشة راضية، وماء
دافق، وارتفاعُها على خبر ابتداء مضمر أي: هنَّ دارسات، والجملة في محلّ
نصب بالقول قبلها .
وقوله ((ولنبِّنه)) تقدَّم أن هذا عطفٌ على ما قبله فحكمه حكمه. وفي
الضمير المنصوب أربعةُ احتمالات، أحدها: أنه يعود على الآيات، وجاز ذلك
وإن كانت مؤنثة لأنها بمعنى القرآن. الثاني: أنه يعود على الكتاب لدلالة
السياق عليه، ويُقَوِّي هذا أنه فاعل لدَرَسَ في قراءةٍ مَنْ قرأه كذلك. الثالث :.
أنه يعود على المصدر المفهوم مِنْ نُصَرِّف أي نبيِّن التصريف. الرابع: أن
يعود على المصدر المفهوم من ((لنبينه)) أي: نبيِّن التبيين نحو: ضَرَبْتُه زيداً أي
ضربت الضرب زيداً. و((لقوم)) متعلق بالفعلِ قبلَه. و((يَعْلَمُون)) في محل جر
صفة للنكرة قبلها.
آ. (١٠٦) وقوله تعالى: ﴿ما أُوْحي﴾: يجوز أن تكون اسمية،
والعائد هو القائم مقام الفاعل. و((إليك)) فضلةً، وأجازوا أن تكون مصدريةً
والقائمُ مقامَ الفاعل حينئذ الجار والمجرور أي: الإِيحاء الجائي مِنْ ربك،
و ((مِنْ)) لابتداء الغاية مجازاً فـ ((مِنْ ربك)) متعلّقٌ بأُوْحِي. وقيل: بل هو حال من
(ما)) نفسها. وقيل: بل هو حال من الضمير المستتر في ((أوحي)): وهو بمعنى
ما قبله .
قوله: ((لا إله إلا هو) جملة معترضة بين هاتين الجملتين الأمريتين، هذا
٩٨

- الأنعام -
هو الأحسن. وجَوِّز أبو البقاء (١) أن تكون حالاً من ((ربك)) وهي حال مؤكدة
تقديره: من ربك منفرداً.
آ. (١٠٧) وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله﴾: مفعولُ المشيئة محذوف
أي: لو شاء الله إيمانهم، وقد تقدَّم أنه لا يُذْكر إلا لغرابته. وقوله: ((جَعَلْناك))
هي بمعنى صيَّر، فالكاف مفعول أول و((حفيظاً)) هو الثاني، و((عليهم)) متعلق
به قُدِّم للاهتمام أو للفواصل. ومفعول («حفيظ» محذوف أي: حفيظاً عليهم
أعمالَهم. قال أبو البقاء(٢): ((هذا يؤيد قول سيبويه(٣) في إعمال فعيل» يعني
أنه مثالُ مبالغة، وللناس في إعماله وإعمال فَعِل خلاف أثبته سيبويه(٤) ونفاه
غيره، وكيف يؤيده وليس شيء في اللفظ يَشْهد له؟
وقوله: ((وما أنت)) يجوز أن تكون الحجازية، فيكون ((أنت)) اسمها
و((بوكيل)) خبرها في محل نصب، ويجوز أن تكون التميميةً فيكون ((أنت))
مبتدأ و((بوكيل)) خبره في محل رفع، والباء زائدة على كلا التقديرين،
و ((عليهم)) متعلُّقٌ بوكيل قُدِّم لِما تقدَّم فيما قبله. وهذه الجملة هي في معنى
الجملة قبلها؛ لأنَّ معنى ما أنت وكيل عليهم هو بمعنى ما جعلناك حفيظاً
عليهم أي: رقيباً.
آ. (١٠٨) وقوله تعالى: ﴿مِنْ دون الله﴾: يجوز أن يتعلَّق
بـ ((يَدْعُون)) وأن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال: إمَّا من الموصول، وإمَّا مِنْ
عائده المحذوف أي: يَدْعُونهم حالَ كونهم مستقرِّين من دون الله.
(١) الإملاء ٢٥٧/١.
(٢) الإِملاء ٢٥٧/١.
(٣) الكتاب ٢٥٥/٢ .
(٤) الكتاب ٢٥٥/٢.
٩٩

- الأنعام -
قوله: ((فَيَسُبُّوا)) الظاهر أنه منصوب على جواب النهي بإضمار أن بعد
الفاء أي: لا تَسُبُّوا آلِهِتَهم؛ فقد يترتب عليه ما يكرهون مِنْ سَبِّ الله، ويجوز ..
أن يكون مجزوماً نسقاً على (١) فعل النهي قبله كقولهم ((لا تَمْدُدْها فتشقُّها))
وجاز وقوع ((الذين) وإن كان مختصًّاً بالعقلاء على الأصنامِ التي لا تَعْقِلُ
معاملةً لها معاملةَ العقلاء كما أوقع عليها (مَنْ)) في قوله: ((مَمَنْ لا يَخْلُقٍ))(٢)
ويجوز أن يكون ذلك للتغليب لأن المعبود من دون الله عقلاء كالمسيح وعُزَيْر
والملائكة وغيرهم، فغلّب العاقل، ويجوز أن يراد بالذين يَدْعون المشركون:
أي: لا تَسُبُّوا الكَفَرة الذين يَدْعون غير الله من دونه. وهو وجه واضح.
قوله ((عَدْوَا)) الجمهور على فتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو،
ونصبه من ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوب على المصدر لأنه نوعٌ من العامل
فيه، لأن السَّبَّ من جنس العَدْوِ. والثاني: أنه مفعول من أجله أي لأجل
العدو، وظاهر كلام الزجاج أنه خلط القولين فجعلهما قولاً واحداً، فإنه
[٣٤٤/أ] قال(٣): ((وعَدْواً منصوبٌ على المصدر لأن المعنى: فَتَعْدُوا / عَدْوا)) قال:
((ويكون بإرادة اللام والمعنى: فيسُبُّوا الله للظلم. والثالث: أنه منصوب على أنه
واقع موقع الحال المؤكدة لأن السَّبَّ لا يكون إلا عَدْواً. وقرأ(٤) الحسن
وأبو رجاء ويعقوب وقتادة وسلام(٥) وعبدالله بن زيد ((عُدُوًّا)) بضم العين والدال
وتشديد الواو، وهو مصدرٌ أيضاً لـ ((عدا)) وانتصابُه على ما تقدَّم من ثلاثة
الأوجه. وقرأ ابن كثير في رواية - وهي قراءة أهل مكة فيما نقله النحاس ـ(٦)
(١) تكررت ((على)) في الأصل سهواً.
(٢) الآية ١٧ من النحل.
(٣) معاني القرآن ٣٠٨/٢.
(٤) انظر: المحتسب ٢٢٦/١؛ والنشر ٢٥١/٢؛ والبحر ٢٠٠/٤.
(٥) سلام بن سليمان الطويل، ثقة جليل، أخذ عن عاصم وأبي عمرو، توفي سنة ١٧١
انظر: طبقات القراء ٣٠٩/١.
(٦) إعراب القرآن ٥٧٣/١.
١٠٠