النص المفهرس
صفحات 1-20
الدُّمُ المصور في عُلُمُ الْكِتَابِالمَكْتُون تأليف أَحْمَدِ بْن يُوسُفْ المَعْرُوفِّ بِالسَّمِيْنِ الجَلَتِيّ المتوفى سنة ٧٥٦هـ تحقیق الدّكتور أحمد محمّد الخراط الأستَاذُ المُشَارُكِ تَجَامِعَةِ الإِمَامْ مَّد بْن سُعُود الإِسِلَامَّة المعْهَد العَالِيُ الدّعَوَة الإسلاميَّة - المَدِيْنَة المُنَوْرَة اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف الجزء الخامس دار القلم دمشق - الأنعام - آ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿وكذلك﴾: في هذه الكاف ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها للتشبيه، وهي في محل نصب نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، فقَدَّره الزمخشري (١): ((ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرِّفُ إبراهيم ونبصره ملكوت)) وقدَّره المهدوي: ((وكما هديناك يا محمد أرينا إبراهيم)). قال الشيخ (٢): ((وهذا بعيد من دلالة اللفظ» قلت: إنما كان بعيداً لأن المحذوف من غير الملفوظ به ولو قدَّره بقوله: ((وكما أَرَيْناك يا محمد الهداية)» لكان قريباً لدلالة اللفظ والمعنى معاً عليه. وقدَّره أبو البقاء(٣) بوجهين، أحدهما: قال ((هو نصب على إضمار أريناه، تقديرُه: وكما رأى أباه وقومه في ضلال مبين أريناه ذلك، أي: ما رآه صواباً(٤) بإطلاعنا إياه عليه. والثاني قال: ((ويجوز أن يكون منصوباً بـ ((نُري)) التي بعده على أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوف تقديره: نريه ملكوت السموات والأرض رؤية كرؤية ضلال أبيه)) انتهى. قلت: فقوله ((على إضمار أريناه) لا حاجةً إليه البتة ولأنَّه يقتضي عدم ارتباط قوله ((نُري إبراهيم ملكوت)) بما قبله. الثاني: أنها للتعليل بمعنى اللام أي: ولذلك الإِنكارِ الصادرِ منه عليهم، والدعاءِ إلى الله في زمن كان يُدْعَى فيه غير الله آلهة نريه ملكوت . الثالث: أن الكاف في محل رفع على خبر ابتداء مضمر أي: والأمر كذلك أي: كما رآه من ضلالتهم، نقل الوجهين الأخيرين أبو البقاء(٥) وغيره. ((ونُري)) هذا مضارعٌ، والمراد به حكاية حال ماضية، ونري يحتمل أن تكون المتعدِّية لاثنين، لأنها في الأصل بَصَرِيَّة، فأكسَبَتْها همزةُ النقل مفعولاً ثانياً، وجعلها ابن(٦) عطية منقولة مِنْ رأى بمعنى عرف، وكذلك (١) الكشاف ٣٠/٢. (٢) البحر ٤ /١٦٥. (٣) الإملاء ٢٤٨/١ . (٤) الأصل: صواب وهو سهو. (٥) الإِملاء ٢٤٩/١. (٦) المحرر ٨٧/٦. ٥ - الأنعام - [٣٢٧/ب] الزمخشري(١) فإنه قال فيما قدَّمت / حكايته عنه ((ومثل ذلك التعريف نعرُّف)). قال الشيخ(٢) بعد حكايته كلام ابن عطية: ((ويَحْتَاج كونُ ((رأى)) بمعنى عرف ثم يتعدى بالهمزة إلى مفعولين إلى نَقْلِ ذلك عن العرب، والذي نقل النحويون أن ((رأى)) إذا كانت بصرية تعدَّتْ لمفعول، وإذا كانت بمعنى ((علم)). الناصبة لمفعولين تَعَدَّتْ إلى مفعولين)» قلت: العجبُ کیف خَصَّ بالاعتراضِ ابنَ عطية دون أبي القاسم. وهذه الجملةُ المشتملةُ على التشبيه أو التعليل معترضة بين قوله ((وإذ قال إبراهيم)» مُنْكِراً على أبيه وقومه عبادة الأصنام وبين الاستدلال عليهم بوحدانية الله تعالى، ويجوز أن لا تكون معترضة إن قلنا إنَّ قولَه ((فلمَّا)) عطف على ما قبله وسيأتي . والمَلَكوت مصدر على فَعَلوت بمعنى الملك، وبُني على هذه الزنة، والزيادة للمبالغة وقد تقدَّم ذلك عند ذكر الطاغوت(٣). والجمهور على مَلَّكوت بفتح اللام، وقرأ(٤) أبو السَّمَّال بسكونها وهي لغةٌ. والجمهور أيضاً على (مَلَكوت)) بتاء مثناة، وعكرمة قرأها مثلَّثة وقال: ((أصلها ملكوثا باليونانية أو بالنبطيَّة)) وعن النخعي هي ملكوثا بالعبرانية، قلت: وعلى هذا قراءة الجمهور بحتمل أن تكون من هذا، وإنما عُرِّبَتِ الكلمة فتلاعبوا بها، وهذا كما قالوا في اليهود: إنهم سُمُّوا بذلك لأجل يهوذا بن يعقوب بذال معجمة، ولكن لمَّا عَرَّبَتْه العرب أتوا بالدال المهملة، إلا أنَّ الأحسنَ أن يكون مشتقاً من المِلْك، لأنَّ هذه الزِّنَةَ وَرَدَت في المصادر كالرَغَبوت والرهبوت والجبروت والطاغوت. وهل يختصُّ ذلك بمِلْك الله تعالى أم يُقال له ولغيره؟ فقال الراغب(٥): ((والملكوت مختص بملك الله تعالى، وهذا الذي ينبغي)). وقال (١) الكشاف ٣٠/٢. (٢) البحر ٤ /١٦٥. (٣) انظر إعرابه للآية ٢٥٦ من البقرة. (٤) البحر ٠.١٦٥/٤ (٥) المفردات ٤٧٣. ٦ - الأنعام - الشيخ(١): ((ومن كلامهم: له ملكوت اليمن وملكوت العراق)) فعلى هذا لا یختصُّ». والجمهور أيضاً على ((نُرِي)) بنون العظمة، وقرىء(٢): ((تُري)) بتاء من فوق، ((إبراهيم)) نصباً، ((ملكوت)) رفعاً أي: تريه دلائل الربوبية فأسند الفعلَ إلى المَلَكوت مُؤولًا بمؤنث فلذلك أَنَّث فعله. قوله: ((وليكونَ)) فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن الواو زائدة أي: نُريه ليكون من الموقنين بالله، فاللامُ متعلقةٌ بالفعل قبلها، إلا أن زيادةً الواو ضعيفةٌ، ولم يَقُلْ بها إلا الأخفش (٣) وفرقةٌ تبعته. الثاني: أنها علةٌ لمحذوف أي: وليكون أَرَيْناه ذلك. الثالث: أنها عطف على علة محذوفة أي: ليَسْتَدِلَّ وليكون أو ليقيم الحجة على قومه. والصنم لغةً: كل جثة صُوِّرَتْ من نحاس أو فضة وعُبِدَتْ متقرَّباً بها إلى الله. وقيل: ما اتخذ من صُفْرِ(٤) ورِمْثٍ(٥) وحَجَر ونحوها فصنمٌ، وما اتخذ من خشب فوثن، وقيل: بل هما بمعنى واحد. وقيل: الصنم معرَّب من شَمَن. والصنم أيضاً العبد الغويُّ، وهو أيضاً خُبْتُ الرائحة . ويقال: صَنَمَ أي: صَوَّر ويُضْرَبُ به المثل في الحسن قال(٦): أو ظَلْيَةٌ فِي خَمَرٍ عاطفُ ١٩٦٠- ما دميةٌ من مرمرٍ صُوَّرَتْ والدمعُ من مُقْلتها واكفُ أحسنَ منها يومَ قالَتْ لنا (١) البحر ١٦٥/٤. (٢) البحر ١٦٥/٤. (٣) انظر أمثلة على ذلك في معاني القرآن ١٢٥. (٤) الصفر: النحاس. (٥) الرمث: شجر يشبه الغضى. (٦) لم أقف عليه، وظبية عاطف: إذا كانت تعطف جيدها فتربض. والخمر: ما واراك من شجر وغيره. ٧ - الأنعام - لأنتَ أَحْلَى مِن لذيذ الكرىْ ومن أمانٍ ناله خائفُ آ. (٧٦) قوله تعالى: ﴿فلمّا جَنَّ﴾: يجوز أن تكون هذه الجملة نسقاً على قوله ((وإذ قال إبراهيم)) عطفاً للتدليل على مدلوله، فيكون ((وكذلك نُري إبراهيم)) معترضاً كما تقدم، ويجوز أن تكونَ معطوفةً على الجملة من قوله ((وكذلك نري إبراهيم)) قال ابن عطية (١): ((الفاءُ في قوله: ((فلمَّا)) رابطةٌ جملةَ ما بعدها بما قبلها، وهي ترجِّحُ أن المرادَ بالملكوت التفصيل المذكور في هذه الآية)» والأولُ أحسنُ وإليه نحا الزمخشري(٢). وجَنَّ: سَتَر، وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادةِ عند ذِكْر ((الجنة))(٣). وهنا خصوصيةٌ لِذِكْر الفعل المسند إلى الليل يقال: جَنَّ عليه الليل وأجنّ عليه، بمعنى أظلم، فيُستعمل قاصراً، وجنَّه وأجنّه فيُستعمل متعدياً فهذا مما اتَّفق فيه فَعَل وأَفْعَل لزوماً وتعدِّياً، إلا أن الأجود في الاستعمال: جنَّ عليه الليل وأجنَّه الليل فيكون الثلاثي لازماً، وأفعل متعدياً، ومن مجيء الثلاثي متعدياً قوله(٤): ١٩٦١ - وماءٍ وَرَدْتُ قُبْلَ الكَرَى وقد جَنَّه السَّدَفُ الأدَهَمُ ومصدره جَنٌّ وَجَنان وجُنون، وفرَّق الراغب(٥) بين جَنَّه وأَجَنَّه، فقال : . ((جنَّه إذا ستره، وأجنَّه جعل له ما يَجُنُّ كقولك: قَبَرْتُه وأقبرته وسَقَيْتُه وأَسْقَيْتُه)) وقد تقدَّم لك شيء من هذا عند ذِكْرٍ حزن وأحزن(٦). ويُحتمل أن يكون («جنَّ)» (١) المحرر ٨٩/٦. (٢) الكشاف ٣٠/٢. (٣) من الآية ٢٥ من البقرة. (٤) البيت لعامر بن سدوس أو للبريق الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٥٦/٣؛ واللسان: سدف؛ والطبري: ٤٧٩/١١؛ والبحر ١٦٢/٤. والسدف: الظلمة، والأدهم: الضارب إلى السواد. (٥) المفردات ٩٨. (٦) انظر إعرابه للآية ٣٨ من البقرة. ٨ - الأنعام - في الآية الكريمة متعدياً حذف المفعول منه تقديره: جنَّ عليه الأشياء والمبصرات. قوله: ((رأى كوكباً)) هذا جواب ((لمَّا))، وللقراء فيه وفيما بعده من الفعلين خلاف كبير بالنسبة إلى الإِمالة وعدمها فلأذكرْ ذلك ملخّصاً له وذاكراً لعلله فأقول: أَمَّا ((رأى)) الثابت الألف فأمال(١) راءه وهمزته إمالةً محضة الأخوان وأبوبكر عن عاصم وابن ذكوان عن ابن عامر، وأمال الهمزةَ منه فقط دون الراءِ أبو عمرو بكماله، وأمال السُّوسي - بخلاف عنه - عن أبي عمرو الراء أيضاً، فالسوسي في أحد وجهيه يوافق الجماعة المتقدمين، وأمال ورش الراء والهمزة بين بين من هذا الحرفِ حيث وقع هذا كلَّه ما لم يتصل به ضمير نحو ما تقدم، فأمَّا إذا / اتصل به ضمير نحو ((فرآه في سواء))(٢) ((فلمَّا رآها))(٣) ((وإذا [٣٢٨/أ] رآك الذين»(٤) فابن ذكوان عنه وجهان، والباقون على أصولهم المتقدمة . وأما ((رأى)) إذا حذفت ألفه فهو على قسمين: قسمٍ لا تعود فيه البتةَ لا وَضْلاً ولا وقفاً نحو: ((رَأَتْهم من مكان))(٥) ((رَأَوا العذاب))(٦) فلا إمالة في شيء منه، وكذا ما انقلبت ألفه ياءً نحو: ((رأيت ثَمَّ رأيت))(٧)، وقسمٍ حُذِفَتْ ألفُه لالتقاء السَّاكنين وَصْلاً، وتعود وقفاً نحو: ((رأى القمر))(٨) ((رأى الشمس))(٩) ((ورأى المجرمون النار))(١٠) (وإذا رأى الذين ظلموا)) (١١) فهذا فيه (١) انظر: السبعة ٢٦٠؛ والحجة ٢٥٦؛ والنشر ٤٤/٢. (٢) الآية ٥٥ من الصافات. (٣) الآية ١٠ من النمل. (٤) الآية ٣٦ من الأنبياء. (٥) الآية ١٢ من الفرقان. (٦) الآية ٥٤ من يونس. (٧) الآية ٢٠ من الإِنسان. (٨) الآية ٧٧ من الأنعام. (٩) الآية ٧٨ من الأنعام. (١٠) الآية ٥٣ من الكهف. (١١) الآية ٨٥ من النحل. ٩ - الأنعام - خلافٌ أيضاً بين أهل الإِمالة اعتباراً باللفظ تارةً وبالأصل أخرى، فأمال الراء وحدها من غير خلاف حمزة وأبو بكر عن عاصم والسوسي بخلافٍ عنه وحده. وأمَّا الهمزة فأمالها مع الراء أبو بكر والسوسي بخلافٍ عنهما. هذا كله إذا وصلْتَ، أمَّا إذا وَقَقْتَ فإنَّ الألفَ ترجع لعدم المقتضي لحَذْفِها، وحكمُ هذا الفعلِ حينئذٍ حكمُ ما لم يتصل به ساكن فيعود فيه التفصيل المتقدم، كما إذا وقفت على رأى مِنْ نحو: ((رأى القمر))(١). فأمّا إمالة الراء من ((رأى)) فالإتباعها الإمالةِ الهمزة، هكذا عبارتهم، وفي الحقيقة الإِمالة إنما هي للألف لانقلابها عن الياء، والإِمالة كما عَرَفْتَ أن تنحى (٢) بالألف نحو الياء، وبالفتحة قبلها نحو الكسرة، فمن ثَمَّ صَحَّ أن يقال: أُميلَتْ الراءُ لإِمالة الهمزة. وأمّا تفصيل ابنٍ ذكوان بالنسبة إلى اتصاله بالضمير وعدمه فوجهُه أنَّ الفعلَ لمَّا اتصل بالضمير بَعُدَتْ ألفُه مِنَ الطرف فلم تُمَلْ، ووجهُ مَنْ أمال الهمزةَ في ((رأىْ القمرُ)) مراعاةُ الألف وإن كانت محذوفةٌ إذ حَذْفُها عارضٌ، ثم منهم مَنْ اقتصر على إمالة الهمزة لأنَّ اعتبارَ وجودِها ضعيف، ومنهم مَنْ لم يَقْتصر إعطاءً لها حِكمَ الموجودةِ حقيقةً فأتبع الراء للهمزة في ذلك. والگْگبُ: النجم، ويقال فيه گوْكبة، وقال الراغب(٣): ((لا يقال فيه - أي في النجم ــ كوكب إلا عند ظهوره)). وفي اشتقاقه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه من مادة ((وكب)) فتكون الكافُ زائدة، وهذا القول قاله الشيخ رضي الدين الصَّغاني (٤)، قال رحمه الله: ((حَقُّ كوكب أن يُذكر في مادة ((وَكب)» عند حُذَّاق (١) الآية ٧٧ من الأنعام. (٢) كذا في الأصل. والصحيح تُنْحُوَ. (٣) المفردات ٤٢٠. (٤) التكملة والذيل ٢٦١/١. والصغاني - ويقال له أيضاً الصاغاني - الحسن بن محمد له ((التكملة)) و((العباب))، توفي سنة ٦٥٠هـ. انظر: البغية ٥١٩/١؛ الأعلام ٢١٤/٢. ١٠ - الأنعام- النحويين فإنها وَرَدَتْ بكافٍ زائدة عندهم، إلا أنَّ الجوهريَّ(١) أوردها في تركيب ك وك ب، ولعله تبع في ذلك الليثَ فإنه ذكره في الرباعي، ذاهباً إلى أن الواو أصلية، فهذا تصريحٌ من الصَّغاني بزيادة الكاف، وزيادةُ الكاف عند النحويين لا تجوز، وحروفُ الزيادة محصورةٌ في تلك العشرة. فأمّا قولُهم (هِنْدِيٍّ وهِنْدِكيّ)) بمعنى واحد وهو المنسوبُ إلى الهند، وقول الشاعر(٢): طَماطِمُ من فوق الوفازِ هَنادِكُ ١٩٦٢- ومُقْرَبٍ دُهْمٍ وكُمْتٍ كأنَّها فظاهره زيادة الكاف، ولكن خَرَّجها النحويون على أنه من باب سَبْط(٣) ويسبَطْر أي مما جاء فيه لفظان أحدهما أطول من الآخر وليس بأصلٍ له، فكما لا يقال الراء زائدة باتفاق، كذلك هذه الكاف، ولذلك قال الشيخ(٤)، ((وليت شعري: مِنْ حُذَّاق النحويين الذين يرون زيادتها لا سيما أول الكلمة)) والثاني: أن الكلمة كلها أصول رباعية، مما كُرِّرَتْ فيها الفاء فوزنها فَعْفَل كـ ((فَوْفَل))(٥) وهو بناء قليل. والثالث: ساق الراغب(٦) أنه من مادة: كبَّ وكَبْكب فإنه قال: ((والكَبْكَبَةُ تدهور الشيء في هُوَّة يقال: كَبُّ وكَبْكَبَ نحو: كفَّ وَكَفْكَفَ، وصَرَّ الريحُ وصرصر(٧)، والكواكب النجوم البادية)) فظاهر هذا السياق أن الواو زائدة والكاف بدل من إحدى الياءين وهذا غريبٌ جداً. قوله: ((قال هذا ربِّي)) في ((قال)) ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه استئنافٌ (١) الصحاح ٢١٣/١. (٢) البيت لكثير وهو في البحر ١٦٢/٤؛ واللسان (هند) منسوباً إلى كثير، والمقربة: الفرس التي تقرب وتكرم، والدهمة: السواد، والكمت: شدة الاحمرار، الطماطم: الأعجم الذي لا يفصح، والوفز: المكان المرتفع. (٣) السبط والسبطر: الطويل. (٤) البحر ١٦٢/٤. (٥) الفوفل: نوع من النخل. (٦) المفردات ٤٢٠. (٧) ربح صر، وصرصر: شديدة الصوت، ولا مسوغ لترك تأنيث الفعل الثاني. ١١ - الأنعام - أخبر بذلك القول أو استفهم عنه على حسب الخلاف. والثاني: أنه نعت لـ ((كوكباً)) فيكون في محل نصب، وكيف يكون نعتاً لـ ((كوكباً)) ولا يساعد من حيث الصناعةُ ولا من حيث المعنى؟ أمَّا الصناعةُ فلعدمِ الضميرِ العائد من الجملة الواقعة صفةً إلى موصوفها، ولا يقال: إن الرابطَ حصل باسم الإِشارة لأنَّ ذلك خاص بباب المبتدأ والخبر، ولذلك يكثر حذف العائد من الصفة ويقلُّ من الخبر، فلا يلزمُ مِنْ جواز شيء في هذا جوازُه في ذلك، وادِّعاء حذفِ ضميرٍ بعيدٌ، أي: قال فيه: هذا ربي. وأمَّا المعنى فلا يؤدي إلى أن التقدير: رأى كوكباً متصفاً بهذا القول، وذلك غير مراد قطعاً. والثالث: أنه جواب «فلما جَنَّ»، وعلى هذا فيكون قوله ((رأى كوكباً) في محلِّ نصب على الحال أي: فلمَّا جَنَّ عليه الليل رائياً كوكباً. و «هذا ربي)» محكيُّ بالقول، فقيل: هو خبرٌ مَحْضّ بتأويلٍ ذكره [٣٢٨/ب] / أهل التفسير، وقيل: بل هو على حذف همزة الاستفهام أي: أهذا ربي، وأنشدوا(١): ١٩٦٣ - لَعَمْرَك ما أدري وإن كنتُ داريا بسبعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بثمان وقوله(٢): ١٩٦٤ - أفرحُ أن أُرْزَأ الكرامَ وأَنْ أُوْرَثَ ذَوْداً شصائِصاً نَبْلا وقوله(٣): ١٩٦٥ - طَرِبْتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ ولا لَعِباً مني وذو الشيب يلعبُ. (١) تقدم برقم ٣٤١. (٢) تقدم برقم ٣٤٠. (٣) تقدم برقم ٣٣٩. ١٢ - الأنعام - وقوله تعالى: ((وتلك نِعْمةٌ تَمُنُّها عليَّ))(١) قالوا: تقديره: أبسبع، وأأفرح، وأذو، وأتلك. قال ابن الأنباري: ((وهذا لا يجوز إلا حيث يكون ثَمَّ · فاصلٌ بين الخبر والاستفهام، يعني إنْ دلَّ دليل لفظي كوجود ((أم)) في البيت الأول بخلاف ما بعده. والْأُفول: الغَيْبَةُ والذهاب، يقال: أَفَلَ يأْقُل أُفولاً، قال ذو الرمَّة (٢): ١٩٦٦- مصابيحُ ليسَتْ باللواتي تقودُها نجومٌ ولا بالآفلاتِ شُموسُها والإِفَالُ: صغارُ الغنم، والأفيل: الفصيل الضئيل. آ. (٧٧) قوله تعالى: ﴿بازغاً﴾: حال من القمر. والبزوغ: الطلوع، يقال: بَزَغَ بفتح الزاي يبزُغْ بضمِّها بُزوغاً، ويستعمل قاصراً ومتعدياً، يقال: بَزَغْ البَيْطار الدابَّة أي: أسال دَمَهَا فَزَّغْ هو أي: سال، هذا هو الأصل، ثم قيل لكل طُلوع: بُزوغ، ومنه: بَزَغَ ناب الصبي والبعير تشبيهاً بذلك، والقمرُ معروفٌ، سُمِّ بذلك(٣) لبياضه وانتشار ضوئه، والأقمر: الحمار الذي على لون الليلة القمراء، والقَمْراء ضوء القمر، وقيل: سُمِّي قمراً لأنه يَقْمُر ضوء الكواكب ويفوز به، والليالي القُمْر: ليالي تَدَوُّرِ القمر وهي الليالي البيض، لأن ضوء القمر يستمرُّ فيها إلى الصباح، قيل: ولا يُقال له قمر إلا بعد امتلائه في ثالث ليلة وقبلها هلال، على خلاف بين أهل اللغة قَدَّمُتْه في البقرة عند قوله ((عن الأهِلَّة))(٤)، فإذا بلغ بعد العشر ثالثَ ليلةٍ قيل له ((بدر)) إلى خامسَ عشر، ويقال: قَمِرْتُ فلاناً كذا أي خَدَعته عنه، وكأنه مأخوذ من قَمِرَتْ القِرْبَةُ فَسَدَت بِالقَمْراء. (١) الآية ٢٢ من الشعراء. (٢) ديوانه ١٧٣٤/٣، وهو برواية ((بالآفلات الدوالك))؛ واللسان والتاج: ذلك؛ والبحر ٠١٦٣/٤ (٣) انظر: المفردات ٤١٢. (٤) الآية ١٨٩ من البقرة. ١٣ - الأنعام - آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿هذا ربي﴾: إنما ذكّر اسم الإِشارة والمشار إليه مؤنث لأحد وجوه: إمَّا ذهاباً بها مذهب الكوكب، وإمَّا ذهابها مذهب الضوء والنور، وإمَّا بتأويل الطالع أو الشخص أو الشيء، أو لأنه لمًّا أخبر عنها بمذكر أُعْطِيَتْ حكمه، تقول: هند ذاك الإِنسان وتِيْكَ الإِنسانِ، قال(١). ١٩٦٧- تبيت نُعْمَى على الهِجْران غائبةً سُقْياً ورُعْياً لذاك الغائبِ الزاري فأشار إلى ((نُعمى)) وهي مؤنث إشارةً المذكر لوَصْفِها بَوَصْف الذكور أو لأن فيها(٢) لغتين التذكير والتأنيث، وإنْ كان الأكثرُ التأنيثَ فقد جمع بينهما في الآية الكريمة فأَنَّثَ في قوله ((بازغة)) وذكَّر في قوله ((هذا)). وقال: الزمخشري (٣): ((جَعَل المبتدأَ مثلَ الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومَنْ كانت أمك، و ((لم تكن فتنتُهم إلا أنْ قالوا))(٤) وكان اختيارٌ هذه الطريقة واجباً لصيانة الربّ عن شبهة التأنيث، ألا تراهم قالوا في صفة الله: عَلَّم، ولم يقولوا عَلَّمة، وإن كان أبلغَ، احترازاً من علامة التأنيث)). قلت: هذا قريبٌ مما تقدَّم في قولي: إن المؤنث إذا أُخبر عنه بمذكر عومل معاملة المذكر نحو: ((هند ذاك الإِنسان)). وقيل: لأنها بمعنى هذا النَيِّر أو المرئيُّ. قال الشيخ(٥): ((ويمكن أن يُقال: إن أكثر لغةِ الأعاجم لا يُفَرِّقون في (١) لم أقف عليه، وزرى: عاتَبَ. (٢) أي في الشمس. (٣) الكشاف ٣٢/٢. (٤) الآية ٢٣ من الأنعام. (٥) البحر ١٦٧/٤. ١٤ - الأنعام - الضمائر ولا في الإِشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث، بل المذكر والمؤنث سواء، فلذلك أشار إلى المؤنث عندنا حين حكى كلام إبراهيم بما يُشار به إلى المذكر، بل لوكان المؤنث بفَرْجٍ لم يكن له عَلامَةٌ تَدُلُّ عليه في كلامهم، وحين أخبر تعالى عنهم بقوله ((بازغة)) و((أَفَلتْ)) أَتَتْ على مقتضى العربية إذليس ذلك بحكاية)) انتهى. وهذا إنما يظهر أن (١) لوحكى كلامهم بعينه في لغتهم، أمَّا شيءٌ يُعَبَّر عنه بلغة العرب ويُعطَى حكمه في لغة العجم فهو محلُّ نظر(٢). قوله: ((مِمَّا يُشْرِكون)) ((ما)» مصدرية أي: بريء من إشراككم أو موصولةٌ أي: من الذين يشركونه مع الله في عبادته، فحذف العائد، ويجوز أن تكونَ الموصوفة، والعائدُ أيضاً محذوف، إلا أنَّ حذف عائد الصفة أقلُّ من حذف عائد الصلة، فالجملةُ بعدها لا محلَّ لها على القولين الأوَّلَيْن، ومحلُّها الجر على الثالث. آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿للذي فَطَرَ﴾: قدَّروا قبله مضافاً أي: وجَّهْتُ وجهي لعبادته ولرضاه، كأنهم نَفَوْا بذلك وَهْمَ مَنْ يَتَوَهَّم الجهة. و ((حنيفاً)) حال من فاعل ((وَجَّهْتُ))، وقد تقدَّم تفسيرُ هذه الألفاظِ، و((ما)) يُحتمل أن تكون الحجازيةَ، وأن تكون التميمية. آ. (٨٠) قوله تعالى: ﴿أُحاجوني): قرأ(٣) نافع وابن ذكوان وهشام بخلافٍ عنه بنون خفيفة، والباقون بنون ثقيلة، والتثقيلُ هو الأصل؛ لأن النون الأولى نون الرفع في الأمثلة الخمسة، والثانية نون الوقاية، فاستثْقِل اجتماعهما، (١) ((أن)) هنا مقحمة. (٢) لا يكفي مثل هذا الرد على الشيخ، ويبقى الإنسان إنساناً ولو كان أبا حيان زمانه. (٣) انظر: السبعة ٢٦١؛ والنشر ٢٥٠/٢؛ والحجة ٢١٥٧؛ والكشف ٤٣٦/١؛ والبحر ٤/ ١٦٩. ١٥ - الأنعام- وفيها لغات ثلاث: الفكُّ وتركهما على حالهما، والإِدغام، والحذف، وقد قرىء بهذه اللغات كلها في قوله تعالى: ((أفغيرَ الله تأمرونِّي أعبدُ))(١)، وهنا لم تقرأ إلا بالحذف أو الإِدغام، وفي سورة الحجر: ((فَبِمَ تُبَشِّرون))(٢)، كذلك، فقراءة ابن كثير بالإِدغام ونافع بالحذف، والباقون يفتحون النون لأنها عندهم نون رفع، وفي سورة النحل: ((تشاقُون فيهم))(٣)، يُقرأ بفتح النون عند الجمهور لأنها نونُ رفع، ويقرؤه نافع بنونٍ خفيفة مكسورةٍ على الحذف، فنافعٌ [٣٢٩/أ] حَذَفَ إحدى النونين في جميع هذه المواضع التي ذكرتها لك، فإنه / يقرأ في الزمر أيضاً بحذف إحداهما، وقوله تعالى: ((أَتَعِدانني)) في الأحقاف(٤)، قرأه هشام بالإِدغام، والباقون بالإِظهار دون الحذف. واختلف النحاةُ في أيَّتهما المحذوفة: فمذهب سيبويه(٥) ومَنْ تبعه أن المحذوفةَ هي الأولى، ومذهب الأخفش ومَنْ تبعه أن المحذوفة هي الثانية، استدلَّ سيبويه على ذلك بأنَّ نونَ الرفع قد عُهِد حَذْفُها دون ملاقاة مِثْلٍ رفعاً، وأُنْشِد(٦): ١٩٦٨- فإنْ يكُ قومٌ سَرَّهمْ ما صنعتُمُ سَتَحْتَلِبوها لاقِحاً غير باهِلٍ أي: فستحتلبونها، لا يقال إن النون حُذِفَتْ جزماً في جواب الشرط؛ لأنَّ الفاء هنا واجبة الدخول لعدم صلاحية الجملة الجزائية شرطاً، وإذا تقرَّر وجوبُ الفاء، وإنما حُذِفت ضرورةً ثبت أن نون الرفع كان مِنْ حقها الثبوت (١) الآية ٦٤ من الزمر، قرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون، ((تأمروني))، وابن عامر بنونين، والباقون مشددة النون. السبعة ٥٦٣؛ معجم القراءات ٢٧. (٢) الآية ٥٤ من الحجر. (٣) الآية ٧٧ من النحل: (٤) الآية ١٧ من الأحقاف. (٥) الكتاب ١٥٤/٢. (٦) تقدم برقم ١٣٣٠. ١٦ .. - الأنعام - إلا أنها حُذِفَتْ ضرورة، وأنشدوا أيضاً قوله(١): وجهكِ بالعنبرِ والمِسْك الذكي ١٩٦٩- أبيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَذْلُكي أي: تبیتین وتَذْلُكين، وفي الحديث: ((والذي نفسي بيده لا تَدْخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا))(٢) فـ((لا)) الداخلة على ((«تدخلوا)) و ((تؤمنوا)) نافية لا ناهية، لفساد المعنى عليه، وإذا ثَبَتَ حَذْفُها دون ملاقاةٍ ((مثل)) رَفْعاً فلأنْ تُحْذَفَ مع ملاقاة ((مثل)) استثقالا بطريق الْأُوْلى والأحرى، وأيضاً فإن النون نائبة عن الضمة، والضمةُ قد عُهِد حَذْفُها في فصيح الكلام كقراءةِ أبي عمرو: ((يُنْصُرْكم))(٣) و((يُشْعِرْكم))(٤) و ((يأمرْكم)»(٥) وبابِه بسكون آخر الفعل، وقوله(٦): إثماً من اللَّهِ ولا واغِلِ ١٩٧٠ - فاليومَ أشربْ غیرَ مُسْتَحِقِبٍ وإذا ثبت حَذْفُ الأصلِ فَلْيَثْبُتْ حَذْفُ الفرع لئلا يلزمَ تفضيل فرع على أصله، وأيضاً فإنَّ ادَّعاء حذف نون الرفع لا يُحْوِج إلى حذف آخر، وحذف نون الوقاية قد يحوج إلى ذلك، وبيانه أنه إذا دخل جازم أو ناصب على أحد هذه الأمثلة فلو كان المحذوف نون الوقاية لكان ينبغي أن تُحْذَفَ هذه النونُ لأنها نون رفع وهي تسقط للناصب والجازم، بخلاف ادِّعاءِ حَذْفِ نون الرفع، فإنه لا يحوج إلى ذلك لأنه لا عملَ له في التي للوقاية . ولقائلٍ أن يقول: لا يلزم من جواز حَذْفَ الأصل حَذْفُ الفرع، لأنَّ في (١) تقدم برقم ١٣٢٩. (٢) رواه أبو داود: الأدب ٣٧٨/٥؛ وابن ماجه: المقدمة ٢٦/١؛ وابن حنبل ١٦٥/١. (٣) الآية ١٦٠ من آل عمران ((فمن ذا الذي ينصركم من بعده)). (٤) الآية ١٠٩ من الأنعام ((وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)). (٥) الآية ٦٧ من البقرة ((إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)). (٦) تقدم برقم ٤٧٠. ١٧ ٠ - الأنعام- الأصل قوةً تقتضي جواز حذفه بخلاف الفرع، وعلى الآخر له أن يقول: هذا مُعارَضٌ بإلغاء العامل: وذلك أنه لو كان المحذوفُ نونَ الرفع لأجل نون الوقاية ودخل الجازم والناصب لم يجد له شيئاً يحذفه؛ لأن النون حُذِفت العارض آخر. واستدلوا لسيبويه أيضاً بأن نون الوقاية مكسورة، فبقاؤها على حالها لا يلزم منه تغييرٌ بخلاف ما لو ادَّعَيْنا حَذْفها فإِنَّا يلزمنا تغييرُ نون الرفع من فتح إلى كسر، وتقليلُ العمل أولى، واستدلوا أيضاً بأنها قد حذفت مع مثلها وإن لم يكن نون وقاية كقوله(١): ١٩٧١ - كل له نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحبِهِ بنعمةِ اللهِ نَقْلِيْكُمْ وَتَقْلُونا أي: وتَقْلُوننا، فالمحذوفُ نونُ الرفع لا نونُ ((نا)» لأنها بعض ضميرٍ، وعُورض هذا بأن نون الرفع أيضاً لها قوةٌ لدلالتها على الإِعراب، فَحَذْفُها أيضاً لا يجوز، وجعل سيبويه المحذوفةً من قول الشاعر(٢): ١٩٧٢ - تراه كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً يَسُوءُ الفالِياتِ إِذا فَلَيْنِي نونَ الفاعل لا نونَ الوقاية، واستدلَّ الأخفش بأنَّ الثقل إنما حصل بالثانية، ولأنه قد اسْتُغْنِي عنها، فإنه إنما أُتِيَ بها لتقِيَ الفعلَ من الكسر، وهو مأمونٌ لوقوع الكسر علی نون الرفع، ولأنها لا تدلّ على معنی بخلاف نون الرفع، وأيضاً فإنها تُحْذَفُ في نحو: ليتني فيقال: ليتي، كقوله(٣): ١٩٧٣- كُمُنْيَةٍ جابر إذ قال ليتي أُصادِفُه وأُتْلِفُ بعضَ مالي واعلم أن حذف النون في هذا النحو جائز فصيح، ولا يُلتفت إلى قول: (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في الإملاء ٢٤٩/١. (٢) تقدم برقم ٧٥٠. وانظر: الكتاب ١٥٤/٢. (٣) البيت لزيد الخير، وهو في الكتاب ٣٨٦/١؛ ونوادر أبي زيد ٦٨؛ والمقتضب ٢٥٠/١؛ وابن يعيش ٩٠/٣؛ ورصف المباني ٣٠٠؛ والمقرب ١٠٨/١؛ واللسان: ليت؛ والهمع ٦٤/١؛ والدرر ٤١/١. ١٨ - الأنعام - مَنْ مَنَع ذلك إلا في ضرورةٍ أو قليلٍ من الكلام، ولهذا عِيْبَ على مكي ابن أبي طالب حيث قال(١): ((الحَذْفُ بعيدٌ في العربية قبيح مكروه، وإنما يجوز في الشعر للوزن، والقرآن لا يُحتمل ذلك فيه إذ لا ضرورة تدعو إليه)). وتجاسر بعضهم فقال: ((هذه القراءة - أعني تخفيف النون - لحنٌ)) وهذان القولان مردودان عليهما لتواتر ذلك، وقد قَدَّمْتُ الدليل على صحته لغةً، وأيضاً فإن الثقاتِ نقلوا أنها لغةٌ ثابتةٌ للعرب وهم غطفان فلا معنى لإِنكارها. و((في الله)) متعلَّقٌ بـ((أتحاجُّوني)) لا بـ ((حاجَّه))، والمسألةُ من باب التنازع، وأعمل الثاني لأنه لما أضمر في الأول حذف، ولو أَعْمل الأول لأضْمر في الثاني من غير حذفٍ، ومثله: ((يَسْتَفْتونك قل الله يُفْتيكم في الكلالةِ))(٢)، كذا قال الشيخ(٣)، وفيه نظر، من حيث / إن المعنى ليس على [٣٢٩/ب] تَسَلُّط ((وحَاجَّه)) على قوله ((في الله))؛ إذ الظاهر انقطاعُ الجملة القولية ممَّا قبلها. وقوله «في الله)) أي في شأنه ووحدانيته. قوله: ((وقد هَداني)) في محلّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان أظهرهما: أنه التاء في ((أتحاجونني)) أي: أتجادلونني فيه حال كوني مَهْدِيَّاً مِنْ عنده. والثاني: أنه حال من ((الله)) أي: أتخاصمونني فيه حال كونه هادياً لي، فحجَّتكم لا تُجْدي شيئاً لأنها داحضة. قوله: ((وَلَا أَخَافُ ما تُشْركون به)» هذه الجملة يجوز أن تكونَ مستأنفة، أخبر عليه السلام بأنه لا يخاف ما تشركون به ربَّه ثقةً به، وكانوا قد خوَّفوه مِنْ ضررٍ يحصُل له بسبب سَبِّ آلهتهم، ويحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصبٍ على الحال باعتبارين أحدهما: أن تكون ثانيةً عطفاً على الأولى، فتكون الحالان (١) المشكل ٢٧٤/١؛ وعبارة مكي الواردة قريبة مما ذكر السمين وليست نصاً. (٢) الآية ١٧٦ من النساء. (٣) البحر ١٦٩/٤. ١٩ - الأنعام - من الياء في ((أتحاجوني)) .. والثاني: أنها حال من الياء في ((هداني)) فتكون جملةً حالية من بعض جملة حالية فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من إضمار مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدَّم من أن الفعل المضارع بـ ((لا)) حكمه حكمُ المثبت من حيث إنه لا تباشره الواو. و «ما)) يجوز فيها الأوجه الثلاثة: أن تكونَ مصدريةً، وعلى هذا فالهاء في ((به)) لا تعود على ((ما)) عند الجمهور، بل تعود على الله تعالی، والتقدير: ولا أخاف إشراککم بالله، والمفعول محذوف أي: ما تشركون غیر الله به، وأن تكون بمعنى الذي، وأن تكون نكرةً موصوفة، والهاء في ((به)) على هذين الوجهين تعود على ((ما))، والمعنى: ولا أخاف الذي تشركون الله به، فحذف المفعول أيضاً كما حذفه في الوجه الأول، وقدَّر أبو البقاء (١) قبل الضمير مضافاً فقال: ((ويجوز أن تكون الهاءُ عائدة على ((ما)) أي: ولا أخاف الذي: تشرکون بسببه))، ولا حاجةً إلی ذلك. قوله: ((إلا أَنْ يشاء)) في هذا الاستثناء قَوْلان، أظهرهما: أنه متصل، والثاني: أنه منقطع، والقائلون بالاتصال: اختلفوا في المستثنى منه، فجعله الزمخشري (٢) زماناً فقال: ((إلا وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني: لا أخاف معبوداتِكم في وقتٍ قط؛ لأنها لا تقدر على منفعةٍ ولا مَضَرَّة إلا إذا شاء ربي)). وجَعَلَه أبو البقاء(٣) حالاً فقال: تقديره إلا في حال مشيئة ربي أي: لا أخافها في كل حال إلا في هذه الحال. وممَّن ذهب إلى انقطاعه ابن عطية (٤) والحوفي وأبو البقاء في أحد الوجهين، فقال الحوفي: («تقدیره: لكن مشيئة الله إياي بضرّ أخاف))، وقال ابن عطية: ((استثناء ليس من الأول (١) الإِملاء ٢٥٠/١. (٢) الكشاف ٣٢/٢. (٣) الإملاء ٢٥٠/١، وعبارته: ((استثناء من غير الأول)). (٤) المحرر ٩٤/٦. ٢٠