النص المفهرس

صفحات 661-680

- الأنعام -
قوله: ((مِنْ ورقةٍ)) فاعل ((تَسْقُطُ)) و(مِنْ)) زائدة لاستغراق الجنس،
وقوله: ((إلَّ يعلمُها)) حالٌ من ((ورقة))، وجاءت الحال من النكرة لاعتمادِها على
النفي، والتقدير: وما تسقط من ورقة إلا عالماً هو بها كقولك: ((ما أكرمْتُ
أحداً إلا صالحاً)) ويجوز عندي أن تكونَ الجملة نعتاً لـ ((ورقة)) وإذا كانوا
أجازوا في قوله ((إلا ولها كتابٌ معلوم))(١) أن تكون نعتاً لقرية في قوله:
((وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتابٌ معلوم)» مع كونها بالواو ويعتذرون عن زيادة
الواو، فَأَنْ يجيزوا ذلك هنا أولى، وحينئذ فيجوز أن تكون في موضع جر على
اللفظ أو رفع على المَحَلِّ.
قوله: (ولا حبَّةٍ) عطفٌ على لفظ ((ورقةٍ))، ولو قُرِىء بالرفع لكان على
الموضع. و((في ظلمات)) صفة لحبة. وقوله: ((ولا رطبٍ ولا يابسٍ)) معطوفان
أيضاً على لفظ ((ورقة)). وقرأهما (٢) ابن السميفع والحسن وابن أبي إسحاق
بالرفع على المحل، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن يكونا مبتدأين، والخبر قوله
((إلا في كتاب مبين)). ونقل الزمخشري(٣) أن (٤) الرفع في الثلاثة أعني قوله:
((ولا حبةٍ ولا رطبٍ ولا يابسٍ)) وذكر وجهي الرفع المتقدِّمين، ونظّر الوجه
الثاني بقولك: ((لا رجلٌ منهم ولا امرأة إلا في الدار)).
قله: ((إلا في كتابٍ مبين)) في هذا الاستثناء غموض، فقال
الزمخشري(٥): ((وقوله: ((إلا في كتاب مبين)) كالتكرير لقوله: ((إلا يعلمها)) لأن
معنى ((إلَّ يعلمها)) ومعنى ((إلا في كتاب مبين)) واحد، والكتاب علم الله
(١) الآية ٤ من الحجر.
(٢) انظر: البحر ١٤٦/٤.
(٣) الكشاف ٢٤/٢ - ٢٥.
(٤) ((أن)) هنا مقحمة.
(٥) الكشاف ٢٥/٢.
٦٦١

- الأنعام -
أو اللوح)) وأبرزه الشيخ(١) في عبارة قريبة من هذه فقال: ((وهذا الاستثناء جارٍ
مجرى التوكيد لأن قوله: ((ولا حبةٍ ولا رطب ولا يابس)» معطوف على ((مِنْ
ورقة)) والاستثناءُ الأولُ منسحبٌ عليها كما تقول: ((ما جاءني من رجلٍ إلا
أكرمته ولا امرأةٍ» فالمعنى: إلا أكرمتها، ولكنه لَّمَّا طال الكلام أعيد الاستثناء
على سبيل التوكيد، وحَسَّنه كونُه فاصلة)) انتهى. وجعل صاحب ((النظم))(٢)
الكلامَ تاماً عند قوله: ((ولا يابس)) ثم استأنف خبراً آخر بقوله ((إلا في كتاب
مبين)) بمعنى: وهو في كتاب مبين أيضاً. قال: ((لأنك لو جَعَلْتَ قوله ((إلا في
کتاب» متصلاً بالكلام الأول لفسد المعنى، وبيان فساده في فصل طویل ذكرناه
في سورة يونس في قوله: ((ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب
مبين))(٣) انتهى. قلت: إنما كان فاسدَ المعنى من حيث اعتقد أنه استثناءٌ آخرُ
مستقلٌّ، وسيأتي كيف فسادُه، أمَّا لوجعله استثناء مؤكداً للأول كما قاله
أبو القاسم (٤) لم يفسد المعنى، وكيف يُتْصَوَّرُ تمام الكلام على قوله تعالى:
((ولا يابسٍ)) ويُبْتَدَأَ بـ ((إلا)) وكيف تقع ((إلا)» هكذا؟
وقد نحا أبو البقاء(٥) لشيءٍ مِمَّا قاله الجرجاني فقال: ((إلا في كتاب
مبين)) أي: إلا هو في كتاب مبين، ولا يجوز أن يكون استثناء يعمل فيه
(يَعْلَمها))؛ لأنَّ المعنى يصير: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلا في كتاب،
فينقلب معناه إلى الإِثبات أي: لا يعلمها في كتاب، وإذا لم يكن إلا في كتاب
وجب أن يعلمها في الكتاب، فإذن يكون الاستثناءُ الثاني بدلاً من الأول أي :
وما تسقط من ورقة إلا هي في كتاب وما يَعْلَمُها)) انتهى. وجوابه ما تقدم من
(١) البحر ١٤٦/٤.
(٢) وهو الجرجاني.
(٣) الآية ٦١.
(٤) أي الزمخشري في الكشاف ٢٤/٢.
(٥) الإملاء ٢٤٥/١.
٦٦٢

- الأنعام -
جَعْلِ الاستثناء تأكيداً، وسيأتي هذا مقرَّراً إن شاء الله في سورة يونس لأنَّ له
بحثاً يخصُّه.
آ. (٦٠) قوله تعالى: ﴿بالليل﴾: متعلق بما قبله على أنه ظرف له،
والباء تأتي بمعنى ((في))، وقد قدَّمْتُ منه جملةُ صالحة. وقال أبو البقاء(١)
هنا: ((وجاز ذلك لأنَّ الباء للإلصاق، والملاصِقُ للزمان والمكان حاصل فيهما»
يعني فهذه العلاقةُ المجوِّزةُ للتجوُّز، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن ينوبَ حرفٌ
مكان آخر، بل نقول: هي هنا للإلصاق مجازاً نحو ما قالوه في ((مررت بزيد)).
وأسند التوفِّيَ هنا إلى ذاته المقدسة لأنه لا يُنْفَرُ منه هنا، إذ المرادُ به الدَّعة
والراحة، وأسنده إلى غيره في قوله تعالى: ((توفّتْهُ رسلُنا))(٢) ((يتوفَّاكم مَلَكُ
الموت)»(٣) لأنه يُنْفَرُ منه، إذ المرادُ به الموت.
وقوله: ((ما جَرَحْتُم)) الظاهر أنها مصدريةٌ، وإن كان كونُها موصولةً اسميةً
أكثرَ، ويجوز أن تكونَ نكرةً موصوفةً بما بعدها، والعائد على كلا التقديرين
الآخرين محذوف، وكذا عند الأخفش وابن السراج (٤) على القول الأول.
و ((بالنهار)) كقوله: ((بالليل))، والضمير في ((فيه)) عائد على النهار. هذا
هو الظاهر. قال الشيخ(٥): ((عاد عليه لفظاً، والمعنى: في يوم آخر، كما
تقول: عندي درهم ونصفه)). قلت: ولا حاجةً في الظاهر إلى عوده على نظير
المذكور، إذ عَوْدُه على المذكور لا محذورَ فيه، وأمَّا ما ذكر من نحو: ((درهم
ونصفه)) فلضرورة انتفاء العيٍّ من الكلام، قالوا: لأنك إذا قلت: ((عندي
درهم)) عُلِمَ أن عندك نصفَه ضرورةً، فقولك بعد ذلك: ((ونصفه)) تضطر إلى
(١) الإملاء ٢٤٥/١.
(٢) الآية ٦١ من الأنعام.
(٣) الآية ١١ من السجدة.
(٤) الأصول ١٦١/١.
(٥) البحر ١٤٧/٤.
٦٦٣

- الأنعام -
[٣٢١/أ] عَوْدِه / إلى نظير ما عندك بخلاف ما نحن فيه. وقيل: يعود على الليل.
وقيل: يعود على التوفّي وهو النوم أي: يُوقظكم في خلال النوم. وقال
الزمخشري(١): ((ثم يُبعثكم مِن القبور في شأن الذي قطعتم به أعماركم من
النوم بالليل وحْبٍ الآثام بالنهار» انتھی. وهو حسن.
وخصَّ الليل بالتوفي والنهار بالكسب وإن كان قد يُنام في هذا،
ويُكسَبُ في الآخر اعتباراً بالحال الأغلب. وقَدَّم التوفِّيَ بالليل لأنه أبلغ في
المِنَّة عليهم، ولا سيماً عند مَنْ يَخُصُّ الجَرْحَ بِكَسْب الشر دون الخير.
قوله: ((لُيُقْضَى أَجلٌ)) الجمهور على ((لِيُقْضَى)) مبنياً للمفعول و («أجلٌ))
رفع به، وفي الفاعل المحذوف احتمالان، أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى.
والثاني: أنه ضمير المخاطبين، أي: لتقضوا أي: لتستوفوا آجالكم. وقرأ
أبو رجاء(٢) وطلحة: ((ليقضي)) مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، ((أجلاً)) مفعول به،
و ((مُسَمَّى)) صفة، فهو مرفوع على الأول ومنصوب على الثاني، ويترتب على
ذلك خلافٌ للقراء في إمالة ألفِه قد أوضحته في ((شرح القصيد)). واللام في
(لِيُقْضَى)) متعلقةٌ بما قبلها من مجموعِ الفعلين أي: يتوفّكم ثم يبعثكم لأجل
ذلك.
آ. (٦١) قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ﴾: فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه
عطفُ على اسم الفاعل الواقع صلة لأل، لأنه في معنى يفعل، والتقدير:
وهو الذي يقهر عباده ويرسل، فعطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله، ومثلُه
عند بعضهم: ((إن المُصَّدِّقين والمُصَّدِّقات وأقرضوا))(٣) قالوا: فأقرضوا عطف
على ((مصدقين)) الواقع صلةً لأل، لأنه في معنى: إنَّ الذين صدَّقوا وأقرضوا،
(١) الكشاف ٢٥/٢.
(٢) انظر: البحر ١٤٧/٤ .
(٣) الآية ١٨ من الحديد.
٦٦٤

- الأنعام -
وهذا ليس بشيء، لأنه يلزم من ذلك الفصلُ بين أبعاض الصلة بأجنبيّ وذلك
أن ((وأقرضوا)) من تمام صلة أل في ((المصَّدِّقين))، وقد عطف على الموصول
قوله ((المصدقات)) وهو أجنبي، وقد تقرر غير مرة أنه لا يُتْبَعُ الموصول إلا بعد
تمام صلته. وأمَّا قوله تعالى: ((فوقهم صافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ))(١) فيقبضن في تأويل
اسم أي: وقابضات. ومن عطف الاسم على الفعل لكونه في تأويل الاسم
قوله تعالى: ((يُخْرج الحيَّ من الميت ومُخْرِجُ المَيِّتِ))(٢) وقوله(٣):
١٩٤٠ - فأَلْفَيْتُه يوماً يُبيرُ عدوَّهُ ومُجْرِ عطاءً يستخفُّ المعابِرا
والثاني: أنها جملة فعلية عُطِفَتْ على جملة اسمية وهي قوله:
((وهو القاهر))، والثالث: أنها معطوفة على الصلة وما عُطِف عليها وهو قوله:
يتوقَّاكم ويعلم، وما بعده، أي: وهو الذي يتوفّكم ويرسل. الرابع: أنه خبر
مبتدأ محذوف، والجملة في محل نصب على الحال. وفي صاحبها وجهان،
أظهرهما: أنه الضميرُ المستكنُّ في ((القاهر))، والثاني: أنها حال من الضمير
المستكنِّ في الظرف، كذا قال أبو البقاء(٤)، ونقله عنه الشيخ(٥) وقال: ((وهذا
الوجهُ أضعفُ الأعاريب)» وقولهما ((الضمير الذي في الظرف)) ليس هنا ظرفٌ
يُتَوهَّم كونُ هذه الحالِ من ضميرٍ فيه إلا قولَه ((فوق عباده)»، ولكن بأي طريق
يَتَحَمَّل هذا الظرفُ ضميراً؟
والجواب أنه قد تقدم في الآية المشبهة لهذه (٦) أن ((فوق عباده)) فيه
خمسة أوجه، ثلاثة منها تَتَحَمَّلُ فيها ضميراً وهي: كونه خبراً ثانياً أو بدلاً من
(١) الآية ١٩ من الملك.
(٢) الآية ٩٥ من الأنعام.
(٣) تقدم برقم ١٢٨٨ .
(٤) الإملاء ٢٤٥/١.
(٥) البحر ١٤٧/٤.
(٦) الآية ١٨ من الأنعام.
٦٦٥

- الأنعام -
الخبر أو حالاً، وإنما اضطررنا إلى تقدير مبتدأ قبل ((يُرْسِلُ)) لأن المضارع
المثبتَ إذا وقع حالاً لم يقترنْ بالواو، وقد تقدَّم إيضاحُ هذا غيرَ مرة.
والخامس: أنها مستأنفةٌ سِيقت للإِخبار بذلك، وهذا الوجهُ هو في المعنى
كالثاني .
وقوله: ((عليكم)) يحتمل ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه متعلق بيرسل، ومنه :
(يُرْسَلُ عليكما))(١) ((فَأَرْسَلْنا عليهم)) (٢) ((وأرسل عليهم طيراً))(٣) إلى غير ذلك.
والثاني: أنه متعلق بـ ((حَفَظَة)). يقال: حَفِظْتُ عليه عمله، فالتقدير: ويُرْسل
حَفَظَة عليكم. قال الشيخ (٤): ((أي يحفظون عليكم أعمالهم كما قال: ((وإنَّ
عليكم لحافظين))(٥) كما تقول: حَفِظْتُ عليك ما تعمل)). فقوله ((كما قال:
وإن عليكم لحافظين)) تشبيه من حيث المعنى لا أن ((عليكم)) تعلق بحافظين؛
لأن ((عليكم)) هو الخبر لـ ((إن)) فيتعلق بمحذوف. والثالث: أنه متعلَّقٌ
[٣٢١/ب] بمحذوف على أنه حال من ((حفظة)) / إذ لو تأخّر لجاز أن يكون صفةٌ لها.
قال أبو البقاء(٦): ((علیکم) فيه وجهان أحدهما: هو متعلّق بيرسل،
والثاني: أن يكون في نية التأخير وفيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّقَ بنفس
(حَفَظة)) والمفعول محذوف أي: يرسل عليكم مَنْ يحفظ أعمالكم. والثاني:
أن يكون صفةً لـ ((حَفَظة)) قُدِّمَتْ فصارت حالاً)) انتهى. قوله: ((والمفعول
محذوف)) يعني مفعول ((حفظة)) إلا أنه يُوهم أنَّ تقديرَ المفعول خاصَّ بالوجه
الذي ذكره، وليس كذلك بل لا بد من تقديره على كل وجه، و((حَفَظَة)) إنما
(١) الآية ٣٥ من الرحمن.
(٢) الآية ١٣٣ من الأعراف.
(٣) الآية ٣ من الفيل.
(٤) البحر ٤ /١٤٧ .
(٥) الآية ١٠ من الانفطار.
(٦) الإملاء ٢٤٥/١.
٦٦٦

- الأنعام -
عمل في ذلك المقدَّر لكونه صفةً لمحذوف، تقديره: ويرسل عليكم ملائكة
حفظة، لأنه لا يعمل إلا بشروطٍ هذا منها، أعني كونه معتمداً على موصوف.
و((حَفَظَة)) جمع حافظ، وهو منقاسٌ في كل وصف على فاعِل صحيح
اللام، العاقل مذكر كـ ((بارّ)) و((بَرَرة)) و((فَاجِر)) و((فَجَرة)) و((كامل)) و((كَمْلة))،
ويَقِلُّ في غير العاقل كقولهم: غراب ناعق وغربان نَعَقَة. وتقدَّم مثل قوله:
((حتى إذا جاء))(١).
قوله: ((توفّتْه)) قرأ الجمهور: ((توفّتْه)) ماضياً بتاء التأنيث لتأنيث الجمع.
وقرأ حمزة(٢): ((توفَّاه)) من غير تاء تأنيث، وهي تحتمل وجهين أظهرهما: أنه
ماضٍ وإنما حَذَفَ تاء التأنيث لوجهين، أحدهما: كونه تأنيئاً مجازياً،
والثاني: الفصلُ بين الفعل وفاعله بالمفعول. والثاني: أنه مضارع، وأصله:
تتوفاه بتاءين، فحذفت إحداهما على خلاف في أيتهما كـ ((تَنَزَّلُ)) وبابه.
وحمزةُ على بابه في إمالة مثل هذه الألف. وقرأ الأعمش: ((يتوفّه)) مضارعاً
بياء الغيْية، اعتباراً بكونه مؤنثاً مجازياً أو للفصل، فهي كقراءة حمزة في الوجه
الأول من حيث تذكيرُ الفعل، وكقراءته في الوجه الثاني من حيث إنه أتى به
مضارعاً. وقال أبو البقاء(٣): ((وقرىء شاذاً: ((تتوفّه)) على الاستقبال ولم يذكر
بياء ولا تاء.
قوله: ((وهم لا يُفَرِّطون)) هذه الجملة تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها
حال من ((رسلنا)). والثاني: أنها استئنافية سيقت للإِخبار عنهم بهذه الصفة،
والجمهور على التشديد في ((يُفَرِّطون)) ومعناه لا يُقَصِّرون. وقرأ(٤) عمرو بن
(١) في الآية ٣٢ من المائدة.
(٢) انظر: السبعة ٢٥٩؛ والحجة ٢٥٤؛ والكشف ٤٣٥/١؛ والنشر ٢٤٩/٢؛ والبحر
٠١٢٨/٤
(٣) الإملاء ٢٤٥/١ .
(٤) انظر: المحتسب ٢٢٣/١؛ البحر ١٤٨/٤.
٦٦٧

٠
- الأنعام -
عبيد والأعرج: ((يُفْرِطون)) مخففاً من أفرط، وفيها تأويلان أحدهما: أنها
بمعنى لا يجاوزون الحدَّ فيما أُمِروا به. قال الزمخشري (١): ((فالتفريط:
التواني والتأخير عن الحدِّ، والإِفراط: مجاوزة الحدِّ أي: لا يُنْقصون ممَّا أمروا
به ولا يَزيدون». والثاني: أن معناه لا يتقدمون على أمر الله، وهذا يحتاج إلى
نَقْلِ أنَّ أفرط بمعنى فَرَّط أي تَقَدَّم. وقال الجاحظ قريباً من هذا فإنه قال:
(معنى لا يُفْرِطون: لا يَدَعون أحداً يفرُط عنهم أي: يَسْبقهم ويفوتهم)). وقال
أبو البقاء (٢): ((ويُقرأ بالتخفيف أي: لا يزيدون على ما أُمِروا به))، وهو قريب
مِمَّا تقدم.
آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿مولاهم الحقُّ﴾: صفتان لله. وقرأ (٣)
الحسن والأعمش: ((الحقَّ)» نصباً، وفيه تأويلان، أظهرهما: أنه نعت مقطوع
والثاني: أنه نعتُ مصدرٍ محذوف أي: رَدُّوا الردّ الحقَّ لا الباطل. وقرىء:
(رِدُّوا)) بكسر الراء، وتقدَّم تخريجها مستوفى (٤). والضمير في ((مولاهم)) فيه
ثلاثة أوجه، أظهرهما: أنه للعباد في قوله ((فوق عباده)) فقوله: ((ويرسل
عليكم)) التفاتٌ، إذ الأصل: ويرسل عليهم. وفائدة هذا الالتفات التنبيهُ
والإِيقاظ. والثاني: أنه يعود على الملائكة المعنيّين بقوله: ((رسلنا))، يعني أنهم
يموتون كما يموت بنوآدم ويُرَدُّون إلى ربهم. والثالث: أنه يعود على
(أحد)) في قوله: ((جاء أحدكم الموتُ)) إذ المراد به الجمع لا الإِفراد.
آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿قل مَنْ يُنَجِّيكم﴾: قرأ السبعة هذه مشددة،
((قل الله ينجيكم))(٥): قرأها الكوفيون وهشام بن عمار عن ابن عامر مشددة
(١) الكشاف ٢ /٢٥.
(٢) الإملاء ٢٤٥/١.
(٣) البحر ١٤٩/٤؛ الشواذ ٣٧ - ٣٨.
(٤) انظر إعرابه للآية ٩١ من النساء.
(٥) الآية ٦٤ من الأنعام.
٦٦٨

- الأنعام -
كالأولى، وقرأ الثِّنتين بالتخفيف من ((أنجى)) حميدُ بن قيس ويعقوب وعلي بن
نصر عن أبي عمرو، وتحصَّل من ذلك أن الكوفيين وهشاماً يثقِّلون في
الموضعين وأن حميداً ومَنْ معه يُخَففون فيهما، وأن نافعاً وابن كثير وأبا عمرو
وابن ذكوان عن ابن عامر يُثْقِّلون الأولى ويُخَفِّفون الثانية، والقراءاتُ واضحة
فإنها من نجَّى وأَنْجى، فالتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية، فالكوفيون وهشام
التزموا التعدية بالتضعيف، وحميد وجماعته التزموها بالهمزة، والباقون جمعوا
بين التعديتين جمعاً بين اللغتين كقوله تعالى: ((فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ
رويداً)(١). والاستفهام للتقرير والتوبيخ، وفي الكلام حذف مضاف أي: مِنْ
مَهالِك ظلمات أو من مخاوفها، والظلمات كناية عن الشدائد / .
[١/٣٢٢]
قوله: ((تَدْعُونه)) في محل نصب على الحال: إمَّا من مفعول ((ينجيكم))
وهو الظاهر، أي: يُنَجيكم داعين إياه، وإمّا من فاعله أي: مَدْعُوَّاً مِنْ
جهتکم .
قوله: ((تَضَرُّعاً وخُفْيَة)) يجوز فيهما وجهان، أحدهما: أنهما مصدران في
موضع الحال أي: تَدْعُونه متضرِّعين ومُخْفِين. والثاني: أنهما مصدران من
معنى العامل لا من لفظه كقوله: قَعَدْتُ جلوساً. وقرأ الجمهور (٢): ((خُفْية))
بضم الخاء. وقرأ أبو بكر بكسرها وهما لغتان كالعُدوة والعِدوة (٣)، والأسوة
والإِسوة. وقرأ الأعمش: ((وخيفة)) كالتي في الأعراف (٤) وهي من الخوف،
قُلِبَتْ الواو ياء لانكسار ما قبلها وسكونها، ويظهر على هذه القراءة أن يكون
مفعولاً من أجله لولا ما يأباه ((تضرُّعاً)) من المعنى.
(١) الآية ١٧ من الطارق.
(٢) انظر: السبعة ٢٥٩؛ النشر ٢٥٠/٢؛ الكشف ٤٣٥/١؛ والحجة ٢٥٥؛ والبحر
٤ / ١٥٠.
(٣) العدوة: المكان المرتفع.
(٤) الآية ٢٠٥: ((واذكر ربك في نفسك تَضَرُّعاً وخيفة)).
٦٦٩

- الأنعام -
قوله: ((لَئِنْ أَنْجَيْتنا)) الظاهر أن هذه الجملةَ القسمية تفسير للدعاء قبلها،
ويجوز أن تكون منصوبةً المحلُّ على إضمار القول، ويكون ذلك القول في
محل نصب على الحال من فاعل ((تَدْعُونه)) أي: تدعونه قائلين ذلك، وقد
عرفت ممَّا تقدَّم غيرَ مرة كيفيةَ اجتماع الشرط والقسم. وقرأ الكوفيون(١):
(أَنْجانا)) بلفظ الغيبة مراعاةً لقوله: ((تَدْعونه))، والباقون: (أَنْجَيْتنا)) بالخطاب
حكايةً لخطابهم في حالة الدعاء، وقد قرأ كلٍّ بما رُسِم في مصحفه، فإنَّ في
مصاحف الكوفة: ((أنجانا))، وفي غيرِها: ((أَنْجَيْتنا)).
قوله: ((مِنْ هذهِ) متعلَّقٌ بالفعل قبله، و((مِنْ)) لابتداء الغاية، و ((هذه))
إشارةٌ إلى الظلمات؛ لأنها تجري مَجْرى المؤنثة الواحدة، وكذلك في ((منها))
تعود على الظلمات لما تقدم.
آ. (٦٤) وقوله: ﴿ومن كل كَرْب﴾: عطف على الضمير المجرور
بإعادة حرف الجر وهو واجبٌ عند البصريين وقد تقدم.
آ. (٦٥) قوله: ((عذاباً مِنْ فوقكم)»: يجوز أن يكون الظرف متعلقاً
بـ (نبعث))، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة لـ ((عذاباً)) أي: عذاباً
كائناً من هاتين الجهتين.
قوله: ((أويَلْسَكم)) عطف على ((يَبْعَث)). والجمهور على فتح الياء من
((يَلْبسكم)) وفيه وجهان، أحدهما: أنه بمعنى يخلطكم فِرَقاً مختلفين على
أهواء شتى، كل فرقة مشايعة لإِمام، ومعنى خَلْطِهم إنشابُ القتال بينهم
فيختلطوا(٢) في ملاحم القتال، كقول الحماسي (٣):
(١) انظر: السبعة ٢٥٩؛ والنشر ٢٥٠/٢؛ البحر ١٥٠/٤؛ والكوفيون هم عاضم وحمزة
والكسائي .
(٢) كذا بتقدير أَنْ مضمرة، فيعطف على ((إنشاب)) لأنه خالص من تأويل الفعل.
(٣) تقدم الأول برقم ٤١٦.
٦٧٠

- الأنعام -
حتى إذا التبسَتْ نَفَضْتُ لها يدي
١٩٤١- وكتيبةٍ لَبَّسْتُها بكتيبةٍ
ما بين مُنْعَفِرٍ وآخرَ مُسْنَدٍ
فَتَرَكْتُهُمْ تَقِصُ الرماحُ ظهورهم
وهذه عبارة الزمخشري(١)، فجعله من اللَّبس الذي هو الخلط، وبهذا
التفسير الحسن ظهر تعدُّي ((يلبس)) إلى المفعول. و((شيعاً)) نصب على
الحال. وهي جمع شِيْعة كسِذْرة(٢) وسِدَر. وقيل: ((شيعاً)) منصوب على
المصدر من معنى الفعل الأول أي: إنه مصدر على غير الصدر كقعدت
جلوساً. قال الشيخ(٣): ((ويحتاج في جعله مصدراً إلى نَقْلٍ من اللغة))، ويجوز
على هذا أيضاً أن يكونَ حالاً كأتيته ركضاً أي: راكضاً أوذا ركض. وقال
أبو البقاء(٤): ((والجمهور على فتح الياء أي: يلبس عليكم أموركم، فحذف
حرف الجر والمفعول، والأجودُ أن يكون التقدير: أو يلبس أموركم، فحُذِف
المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه))، وهذا كلُّه لا حاجةَ إليه لِما عَرَفْتَ من كلام
الزمخشري .
وقرأ(٥) أبو عبدالله المدني: (يُلبسكم)) بضم الياء من ((ألبس)) رباعياً،
وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره: أويلبسكم
الفتنة. و((شيعاً)) على هذا حال أي: يُلْبِسكم الفتنة في حال تفرُّقكم
وشتاتكم. والثاني: أن يكون ((شِيعاً)) هو المفعولُ الثاني كأنه جعل الناسَ
يلبسون بعضَهم مجازاً كقوله(٦):
١٩٤٢- لَبِسْتُ أناساً فَأَقْنَيْتُهِمْ
وأَقْنَيْتُ بعد أُناسٍ أُناسا
(١) الكشاف ٢٦/٢ .
(٢) السدرة: ضرب من الشجر.
(٣) البحر ٤ /١٥١.
(٤) الإملاء ٢٤٦/١.
(٥) انظر: البحر ١٥١/٤ وهو أبان بن عثمان، وتقدمت ترجمته.
(٦) تقدم برقم ٨٦١.
٦٧١

- الأنعام -
والشيعة: مَنْ يتقوَّى بهم الإِنسان، والجمع: ((شَيْع)» كما تقدم، وأشياع
كذا قاله الراغب(١)، والظاهر أن أشياعاً جمع شِيَع كعِنَب وأعناب وضِلَع
وأضلاع، وشِيَع جمع شِيْعة، فهو جمع الجمع.
قوله: ((ويُذِيْقَ)) نسق على ((يَبْعَث)) والإِذاقة: استعارة، وهي فاشية:
((ذوقوا مَسَّ سقر))(٢) ((ذَق إنك))(٣) ((فذوقوا العذاب))(٤)، وقال(٥):
وذاقوا من أَسِنَّتنا كؤوسا
١٩٤٣- أَذَقْنَاهُمْ كؤوسَ الموت صِرْفاً
وقرأ الأعمش: (ونذيق)) بنون العظمة، وهو التفاتُ فائدتُه تعظيم الأمر
والتحذير من سطوته.
آ. (٦٦) قوله: ﴿وكذّب به﴾: الهاء في ((به)) تعود على العذاب
المتقدم في قوله ((عذاباً مِنْ فوقكم)) قاله الزمخشري(٦)، وقيل: تعود على
القرآن، وقيل: تعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة. وقيل:
[٣٢٢/ب] على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بعيدٌ / لأنه خوطب بالكاف عَقِيبَه،
فلو كان كذلك لقال: وكذَّب به قومك، وادِّعاء الالتفات فيه أبعدُ. وقيل:
لا بد من حذف صفة هنا أي: وكذَّب به قومك المعاندون، أو الكافرون،لأن
قومه كلهم لم يكذّبوه كقوله: ((إنه ليس مِنْ أهلك))(٧)، أي: الناجين. وحَذْفُ
الصفة وبقاءُ الموصوف قليل جداً بخلاف العكس. وقرأ ابن أبي عبلة (٨):
(١) المفردات ٢٧١ .
(٢) الآية ٤٨ من الذاريات.
(٣) الآية ٤٩ من الدخان.
(٤) الآية ٣٠ من الأنعام.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٥١/٤.
(٦) الكشاف ٢٦/٢.
(٧) الآية ٤٦ من هود.
(٨) انظر: البحر ١٥٢/٤
٦٧٢

- الأنعام -
(وكذَّبَتْ)) بتاء التأنيث، كقوله تعالى: ((كذبَتْ قومُ نوح))(١) ((كذَّبَتْ قوم
لوط)»(٢) باعتبار الجماعة.
قوله: ((وهو الحقُّ)) في هذه الجملةِ وجهان، الظاهر منهما: أنها
استئناف، والثاني: أنها حال من الهاء في («به)) أي: كذّبوا به في حال كونه
حقاً، وهو أعظم في القبح.
قوله: ((عليكم)) متعلق بما بعده وهو توكيد، وقدَّم لأجل الفواصل،
ويجوز أن يكون حالاً من قوله ((بوكيل))؛ لأنه لو تأخر لجاز أن يكون صفةً له،
وهذا عند مَنْ يُجيز تقديمَ الحال على صاحبها المجرور بالحرف وهو اختيار
جماعة، وأنشدوا عليه(٣):
١٩٤٤- غافلاً تُعْرَضُ المَنِيَّةُ للمَرْ ءِ فُيُدْعَى ولات حين إباءُ
فقدَّم ((غافلاً)) على صاحبها وهو ((المرء)) وعلى عاملها وهو (تُعرض)) فهذا
أَوْلی .ومنه(٤):
١٩٤٥ - لَئِنْ كان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صادياً إليَّ حبيباً إنها لحبيبُ
أي: إليَّ هيمان صادِياً،، ومثله(٥):
١٩٤٦ - فإن يك أذوادٌ أُصِبْنَ ونسوةٌ
فَلَنْ يسذهبوا فَرْغاً بقتل حبالٍ
(١) الآية ١٠٥ من الشعراء.
(٢) الآية ٣٣ من القمر.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في العيني ١٦١/٣؛ والأشموني ١٧٧/٢.
(٤) البيت لعروة بن حزام وهو في ديوانه ٥؛ والعيني ١٥٦/٣؛ والخزانة ٥٣٣/١؛ ونسبه
العيني إلى كثير عزة .
(٥) تقدم برقم ٤٠٦.
٦٧٣

- الأنعام -
(فرغاً)) حال من ((بقتل)) و((حبال)) بالمهملة اسم رجل، مع أن حرف
الجر هنا زائد فجوازه أولى من ما ذكرنا.
أ. (٦٧) قوله تعالى: ﴿لكلِّ نبأ مستقرُّ﴾: يجوز رفع (نبأ)»
بالابتدائية وخبرُه الجارُّ قبله، وبالفاعلية عند الأخفش بالجار قبله، ويجوز أن:
يكونَ ((مستقر)) اسمَ مصدرٍ أي استقرار، أو مكان أو زمان.
آ. (٦٨) قوله تعالى: ﴿وإذا رأيْتَ)): ((إذا)) منصوب بجوابها
وهو ((فأعرض)) أي: أعرضْ عنهم في هذا الوقت، و((رأيت)) هنا تحتمل أن
تكون البصرية وهو الظاهر ولذلك تعدَّت لواحد. قال الشيخ(١): ((ولا بد من
تقدير حالٍ محذوفة أي: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا وهم خائضون
فيها، أي: وإذا رأيتهم ملتبسين بالخوض فيها)) انتهى. قلت: ولا حاجةً إلى
ذلك لأنَّ قوله ((يخوضون)) مضارع والراجح حاليَّتُه، وأيضاً فإن ((الذين
يخوضون)» في قوة الخائضين، واسم الفاعل حقيقةٌ في الحال بلا خلاف،
فُيُحمل هذا على حقيقته، فُيُستغنى عن حذف هذه الحال التي قَدَّرها وهي
حال مؤكدة. ويحتمل أن تكون عِلْميَّة، وضعَّفه الشيخ(٢) بأنه يلزم منه حَذْفُ
المفعول الثاني، وحذفه: إمَّا اقتصارٌ وإمَّ اختصار، فإن كان الأول فممنوعٌ
اتفاقاً، وإن كان الثاني فالصحيح المنع حتى منع ذلك بعض النحويين.
قوله: ((غيره)) الهاء فيها وجهان، أحدهما: أنه تعود على الآيات، وعاد
مفرداً مذكراً؛ لأن الآيات في معنى الحديث والقرآن. وقيل: إنها تعود على
الخوض أي: المدلول عليه بالفعل كقوله (٣).
١٩٤٧- إذا نُهِي السَّفيهُ جرى إليه وخالف والسفيهُ إلى خلافٍ
أي: جرى إلى السَّفه، دل عليه الصفة كما دل الفعل على مصدره أي:
(١) البحر ١٥٢/٤.
(٢) البحر ١٥٢/٤. (٣) تقدم برقم ١٣٨٧.
٦٧٤

- الأنعام -
حتى يخوضوا في حديث غيرِ الخوض.
قوله: ((يُنْسِيَنَّكَ)) قراءة العامة: ((يُنْسِيَنَّك)) بتخفيف السين من ((أنساه)
كقوله: ((وما أنسانيه إلا الشيطان))(١) ((فأنساه الشيطان))(٢). وقرأ ابن عامر(٣)
بتشديدها مِنْ ((نَسَّاه)) والتعدّي جاء في هذا الفعلِ بالهمزة مرةً
وبالتضعيف أخرى كما تقدم في أنجى ونجَّى، وأمهل ومهَّل. والمفعول
الثاني محذوف في القراءتين، تقديره: وإمَّا يُنْسِيَّنَّك الشيطان الذكرَ أو الحق.
والأحسنُ أن تقدِّر ما يليق بالمعنى أي: وإمَّا يُنْسِيَّنَّك الشيطان ما أُمِرْت به من
تَّرْك مجالسة الخائضين بعد تذكيرك فلا تقعد بعد ذلك معهم، وإنما أبرزهم
ظاهرين تسجيلاً عليهم بصفة الظلم، وجاء الشرط الأول بـ ((إذا))؛ لأنَّ
خوضهم في الآيات محقق، وفي الشرط الثاني بـ ((إنْ))؛ لأنَّ إنساءَ الشيطان له
ليس أمراً محققاً بل قد يقع وقد لا يقع وهو معصومٌ منه.
ولم يَجِىءٌ مصدرٌ على فِعْلَى غيرُ ((ذكرى)). وقال ابن عطية (٤): ((وإمَّا))
شرط، ويلزمُها في الأغلب النون الثقيلة، وقد لا تلزم، كقوله(٥):
١٩٤٨- إمَّا يُصِبْكَ عدوٌّ في مُنَاوَأَةٍ
وهذا الذي ذكره مِنْ لزوم التوكيد هو مذهب الزجاج، والناس على
خلافه وأنشدوا ما أنشده ابن عطية وأبياتاً أُخَرَ ذكرتها في ((شرح التسهيل)) كقوله(٦):
(١) الآية ٦٣ من الكهف.
(٢) الآية ٤٢ من يوسف.
(٣) انظر: السبعة ٢٦٠؛ الكشف ٤٣٦/١؛ والنشر ٢٥٠/٢؛ والحجة ٢٥٦؛ والبحر
٠١٥٣/٤
(٤) المحرر ٧٣/٦.
(٥) لم أهتد إلى قائله وعجزه: يوماً فقد كنت تستعلي وتنتصر
وهو في القرطبي ١٣/٧؛ والبحر ١٥٣/٤.
(٦) تقدم برقم ٣٩٢.
٦٧٥

- الأنعام -
١٩٤٩- إمَّا تَرَيْنِي اليومَ أَمَّ حَمْزٍ
[١/٣٢٣]
/ على أني قد ضممت كثيراً من أطراف هذه المسألة في أوائل البقرة،
إلا أن أحداً لم يقل يلزم توكيده بالثقيلة دون الخفيفة، وإن كان ظاهر عبارة
أبي محمد ذلك.
آ. (٦٩) قوله تعالى: ﴿وما على الذين﴾: يجوز أن تقدِّر ((ما))
حجازية فيكون ((من شيء)) اسمَها، و((من)) مزيدة فيه لتأكيد الاستغراق،
و ((على الذين يتقون)) خبرها عند مَنْ يُجيز إعمالَها مقدَّمَةَ الخبر مطلقاً أو يرى
ذلك في الظرف وعديله، و((مِنْ حسابهم)) حال من («شيء))؛ لأنه لو تأخر لكان
صفة له، ويجوز أن تكون مهملةً: إمّا على لغة تميم وإمَّا على لغة الحجاز
لفواتِ شرطٍ وهو تقديم خبرها وإن كان ظرفاً، وتحقيق ذلك ممَّا تقدم في
قوله: «ما عليك من حسابهم من شيء))(١).
قوله: ((ولكنْ ذكرى)) فيه أربعة أوجه، أحدها: أنها منصوبةٌ على
المصدر بفعلٍ مضمر، فقدَّره بعضهم أمراً أي: ولکن ذكّروهم ذكرى، وبعضهم
قدَّره خبراً أي: ولكن يذكرونهم ذكرى. الثاني: أنه مبتدأ خبره محذوف أي:
ولكن عليهم ذكرى، أو عليكم ذكرى أي: تذكيرهم. الثالث: أنه خبر لمبتدأ
محذوف أي: هو ذكرى أي: النهي عن مجالستهم والامتناع منها ذكرى.
الرابع: أنه عطف على موضع ((شيء)) المجرور بـ ((مِنْ)) أي: ما على المتَّقين
من حسابهم شيء ولكن عليهم ذكرى، فيكون من عطف المفردات، وأما على
الأوجه السابقة فمن عطف الجمل ، وقد رَدَّ الزمخشري هذا الوجه الرابعَ،
وردَّه عليه الشيخ، فلا بد من إيراد قولهما. قال أبو القاسم(٢): ((ولا يجوز أن
(١) الآية ٥٢ من الأنعام
(٢) الكشاف ٢٧/٢ .
٦٧٦

- الأنعام -
يكون عطفاً على محل ((من شيء)) كقولك: ((ما في الدار من أحد ولكن زيد)»
لأن قوله ((من حسابهم)) يأبى ذلك.
قال الشيخ(١): ((كأنه تخيَّل أن في العطف يلزم القيد الذي في
المعطوف عليه وهو ((من حسابهم)) فهو قيد في ((شيء))، فلا يجوز عنده أن يكون
من عطف المفردات عطفاً على ((من شيء)» على الموضع؛ لأنه يصير التقدير
عنده: ولكن ذكرى من حسابهم، وليس المعنى على هذا، وهذا الذي تخيَّله ليس
بشيء، لا يلزم في العطف بـ ((ولكن)) ما ذكر، تقول: ما عندنا رجل سوء ولكن
رجلُ صدق، وما عندنا رجل من تميم ولكن رجل من قريش، وما قام من رجل
عالم ولكن رجل جاهل، فعلى هذا الذي قَرَّرناه يجوز أن يكون من عطف
الجمل كما تقدَّم، وأن يكون من عطف المفردات، والعطف بالواو، و((لكن))
جيء بها للاستدراك)).
قلت: قوله ((تقول: ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق)) إلى آخر
الأمثلة التي ذكرَها لا يَرُدُّ على الزمخشري؛ لأنَّ الزمخشري وغيرَه من أهل
اللسان والأصوليين يقولون: إن العطف ظاهر في التشريك، فإن كان في
المعطوف عليه قيدٌ فالظاهر تقُّد المعطوف بذلك القيد، إلا أن تجيء قرينةٌ
صارفة فيحال الأمر عليها. فإذا قلت: ضربت زيداً يوم الجمعة. وعمراً،
فالظاهر اشتراك عمرو مع زيد في الضرب مقيداً بيوم الجمعة فإن قلت: ((وعمرا
يوم السبت)) لم يشاركه في قيده، والآية الكريمة من قبيل النوع الأول أي:
لم يؤت مع المعطوف بقرينةٍ تُخْرِجه؛ فالظاهر مشاركته للأول في قيده،
ولو شاركه في قيده لزم منه ما ذكر الزمخشري. وأمَّا الأمثلةُ التي أوردها
فالمعطوف مقيد بغير القيد الذي قُيِّد به الأول، وإنما كان ينبغي أن يأتي بأمثلةٍ
هكذا فيقول: ما عندنا رجل سوء ولكن امرأة، وما عندنا رجل من تميم ولكن
(١) البحر ٤/ ١٥٤.
٦٧٧

- الأنعام -
صبيٍّ، فالظاهر من هذا أن المعنى: ولكنْ امرأة سوء، ولكن صبي من
قريش، وقول الزمخشري ((عطفاً على محل ((من شيء))، ولم يقل عطفاً على
لفظه لفائدة حسنة يَعْسُر معرفتها: وهو أن ((لكن)) حرف إيجاب، فلو عطف
ما بعدها على المجرور بـ ((مِنْ)) لفظاً لزم زيادة ((من)) في الواجب، وجمهورُ
البصريين على عدم زيادتها فيه، ويدلُّ على اعتبار الإِيجاب في ((لكن)) أنهم
إذا عطفوا بعد خبر ما الحجازية، أبطلوا النصب؛ لأنها لا تعمل في المنتقض
النفي، و (بل) كـ ((لكن)» فيما ذكرت لك.
آ. (٧٠) قوله تعالى: ﴿اَّخَذُّوا دينهم لعباً ولهواً﴾: ((اتخذوا)) يجوز
فيها وجهان، أحدهما: أنها متعدية لواحد على أنها بمعنى اكتسبوا وعملوا،
و((لهواً ولعباً)) على هذا مفعول من أجله أي: اكتسبوه لأجل اللهو واللعب.
والثاني: أنها المتعدية إلى اثنين أوَّلُهما (دينهم)) وثانيهما ((لعباً ولهوا)). قال
الشيخ(١): ((ويظهر منُّ بعض كلام الزمخشري وكلام ابن عطية(٢) أن ((لعباً
ولهواً)) هو المفعول الأول، و((دينهم)) هو المفعول الثاني. قال الزمخشري (٣):
[٣٢٣/ب] ((أي: دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لعباً / ولهواً، وذلك أن عبادتهم
وما كانوا عليه من تبحير البحائر وتسويب السوائب من باب اللهو واللعب واتِّبَاع
هوى النفس وما هو من جنس الهَزْل لا الجد، أو اتخذوا ما هو لعبٌ ولهو من
عبادة الأصنام ديناً لهم، أو اتخذوا دينهم الذي كُلِّفوه وهو دين الإِسلام لَعِباً
ولهواً حيث سخروا به قال: ((فظاهرُ تقديرِه الثاني يدلُّ على ما ذكرنا)).
وقال ابن عطية (٤): ((وأضاف الدين إليهم على معنى أنهم جعلوا اللعب
واللهو ديناً، ويحتمل أن يكون المعنى: اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعباً
٠٠٠
(١) البحر ١٥٤/٤ - ١٥٥.
(٢) المحرر ٧٥/٦.
(٣) الكشاف ٢٧/٢ .
(٤) المحرر ٦/ ٧٥.
٦٧٨

- الأنعام -
ولهواً، فتفسيره الأول هو ما ذكرناه عنه)) انتهى. قلت: وهذا الذي ذكراه إنما
ذكراه تفسيرَ معنى لا إعراب، وكيف يَجْعلان النكرةَ مفعولاً أولَ والمعرفةَ
مفعولاً ثانياً من غير داعية إلى ذلك، مع أنهما من أكابر أهل هذا الشأن،
وانظر كيف أبرزا ما جعلاه مفعولاً أولَ معرفةً وما جعلاه ثانياً نكرة في تركيب
كلامهما لَيَخِدوا(١) على كلام العرب فكيف يُظَنُّ بهما أن يجعلا النكرة محدَّثاً
عنها والمعرفة حديثاً في كلام الله تعالى؟
وقوله: ((وذكِّرْ به)) أي بالقرآن، يدلُّ له قوله: فذكِّر بالقرآن مَنْ يخاف
وعيد))(٢) وقيل: يعود على حسابهم. وقيل: على الذين. وقيل: هذا ضميرٌ
يُفَسِّره ما بعده وسيأتي إيضاحُه.
وقوله: ((وغرَّتهم الحياة)) تحتمل وجهين، أحدهما: أنها مستأنفةٌ.
والثاني : أنها عطفٌ على صلةِ الذين أي: الذين اتخذوا وغَرَّتْهُم. وقد تقدم
معنى الغرور في آخر آل عمران(٣). وقيل هنا: غَرَّتهم من ((الغَّ)) بفتح العين
أي: ملأت أفواههم وأشبعتهم، وعليه قول الشاعر (٤):
١٩٥٠- ولمَّا التَّقَيْنا بالحُلَيْبَةِ غَرَّني
بمعروفِهِ حتى خرجْتُ أفوقُ
قوله: ((أن تُبْسَلَ)) في هذا وجهان، المشهور - بل الإِجماع - على أنه
مفعول من أجله وتقديره: مخافة أن تُبْسَل، أو كراهة أن تُبْسَلَ، أو أن
لا تبسل. والثاني: قال الشيخ(٥) : - بعد أن نقل الاتفاق على المفعول من
أجله ــ «ويجوز عندي أن يكون في موضعِ جرِّ على البدل من الضمير،
(١). الوخد: ضرب من المشي يتصف بسعة الخطو.
(٢) الآية ٤٥ من سورة ق.
(٣) الآية ١٨٥ من آل عمران.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٥٥/٤؛ والمحرر ٧٥/٦.
(٥) البحر ١٥٥/٤.
٦٧٩

٠٠
- الأنعام -
والضميرُ مفسَّرٌ بالبدل، ويُضْمر الإِبسالُ لما في الإضمار من التفخيم،
كما أضمروا ضمير الأمر والشأن، والتقدير: وذكِّرْ بارتهان النفوس وحبسها
بما كسبت كما قالوا: ((اللهم صلِّ عليه الرؤوفِ الرحیمِ))، وقد أجاز ذلك
سيبويه(١) قال: ((فإن قلت: ((ضربت وضربوني قومك)) نصبت، إلا في قول
مَنْ قال: أكلوني البراغيث، أو تحملُه على البدل من المضمر. وقال أيضاً:
((فإن قلتَ: ((ضربني وضربتُهم قومُك)) رَفَعْتَ على التقديم والتأخير، إلا أن
تَجْعَلَ ههنا البدل كما جعلته في الرفع)) انتهى. وقد روي قوله(٢):
..... فاستأكَتْ بهِ عُودِ إِسْحِلِ
١٩٥١-
بجر ((عُود)) على البدل من الضمير. قلت: أمَّا تفسيرُ الضميرِ غيرِ
المرفوع بالبدل فهو قول الأخفش وأنشد عليه هذا العجز وأوله:
إذا هي لم تَسْتَكْ بعودٍ أراكةٍ
تُنْخِّلَّ فاستاكَتْ به عودِ إِسجلِ
والبيت لطُفَيل الغَنَويّ، يُروىُ بَرَفْع ((عود))، وهذا هو المشهور عند
النحاة، ورفعُّهُ على إعمالِ الأولِ وهو ((تُنُخْل)) وإهمال الثاني وهو ((فاستاكَتْ))
فأعطاه ضميرَه، ولو أَعْمَلَه لقال: «فاستاكَتْ بعود إسحل))، ولا يمكن لانكسار
البيت، والروايةُ الأخرى التي استشهد بها ضعيفةٌ جداً لا يعرفها أكثر
المُعْربين، ولو استشهد بما لا خلاف فيه كقوله(٣).
١٩٥٢- على حالةٍ لو أن في القوم حاتِماً
على جوده لضَنَّ بالماء حاتمٍ
(١) الكتاب ٣٩/١.
(٢) هو لطفيل الغنوي، ديوانه ٣٧، وينسب أيضاً لعمر بن أبي ربيعة وهو في ملحق ديوانه
٤٩٠؛ والكتاب ٤٠/١؛ وابن يعيش ٧٨/١؛ والعيني ٢٢/٣؛ والجمع ٦٦/١؛ والدرر
٤٦/١.
(٣) تقدم برقم ٥٩٦.
٦٨٠