النص المفهرس
صفحات 541-560
- الأنعام - عباس. وقيل: سبعون قاله الفراء(١). وقيل: ستون لقوله عليه السلام: ((معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين)) (٢) وقيل: أربعون، حكاه محمد بن سيرين، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الزهراوي أيضاً يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ثلاثون حكان النقاش عن أبي عبيدة(٣)، كانوا يرون أن ما بين القرنين ثلاثون سنة. وقيل: عشرون، وهو رأي الحسن البصري. وقيل: ثمانية عشر عاماً. وقيل: هو المقدار الوسط من أعمار أهل ذلك الزمان، واستحسن هذا بأنَّ أهل الزمن القديم كانوا يعيشون أربعمئة سنة وثلثمئة وألفاً وأكثر وأقل. وقدَّر بعض الناس في قوله تعالى: ((كم أهلكنا مِنْ قبلِهم من قّرْن)» أهلًا، أي: أهل قرن؛ لأنَّ القرنَ الزمانُ، ولا حاجة إلى ذلك إلا على اعتقاد أنه حقيقةٌ فيه، مجاز في الناس، وقد قدَّمْتُ أن الراجحَ خلافُه. قوله: ((مِدْراراً)) حال من ((السماء)) إن أريد بها السحابُ، فإنَّ السحابَ يوصفُ بكثرة التتابع أيضاً، وإن أريد به الماء فكذلك. ويدلُّ على أنه يراد به الماءُ قولُه في الحديث ((في أثر سماء كانت من الليل)) (٤) ويقولون: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، ومنه(٥): ١٨٦٨- إذا نَزَل السماءُ بأرضٍ قوم. رَعَيْناه وإن كانوا غضابا أي: رَعَيْنا ما ينشأ عنه. وإن أريد بها هذه المِظَلَّةُ فلا بد من حذف مضافٍ حينئذ أي: مطر السماء، ويكون («مدراراً)) حالاً منه. ومدرار مِفْعال (١) معاني القرآن ٣٢٨/١. (٢) رواه ابن ماجه بلفظ قريب في الزهد ١٤١٥/٢. (٣) مجاز القرآن ١٨٥/١. (٤) أبو داود: الطب ٢٢٧/٤؛ الموطأ: الاستسقاء ١٩٢/١. (٥) البيت لُمُعَوِّد الحكماء معاوية بن مالك، وهو في اللسان: سمو؛ والقرطبي ٣٩٢/٦. ٥٤١ - الأنعام - وهو للمبالغة كامرأة مِذْكار ومِثْناث. قالوا: وأصله مِن ((دَرِّ اللبن)) وهو كثرةٌ ورودِه على الحالِب ومنه: ((لا درَّ دُّه)» في الدعاء عليه بقلة الخير. وفي المثل: ((سبقَتْ دِرَّتُه غِرارَه))(١) وهي مثلُ قولهم: ((سبَقَ سيلُه مَطَرَه))(٢). واستدَّرت المِعْزى كناية عن طلبها الفحل، قالوا: لأنَّها إذا طَلَبْهِ حَمَلَتْ فَوَلَدَتْ فَدَرَّتِ. قوله: ((تجري)) إنْ جعلنا ((جَعَلَ)) تصييرية كان (تجري)) مفعولاً ثانياً، وإن جعلناها إيجادية كان حالاً. و((من تحتهم)) يجوز فيه أوجه: أن يكون متعلقاً بـ ((تجري))، وهذا هو الذي ينبغي أن لا يُعْدَلَ عنه، وأن يكون حالاً: إمَّا من فاعل ((تجري)) أو من ((الأنهار))، وأن يكون(٣) مفعولاً ثانياً لـ ((جعلنا))، و ((تجري)) على هذا حال من الضمير في الجار، وفيه ضعف لتقدُّمها على العامل المعنوي، ويجوز أن يكون ((من تحتهم)) حالاً من ((الأنهار)) كما تقدَّم، و ((تجري)) حال من الضمير المستكنّ فيه، وفيه الضعف المتقدم. قوله: ((من بعدهم)) متعلق بـ ((أنشأنا)) قال أبو البقاء(٤): ((ولا يجوز أن [٢٩٩/أ] يكون حالاً من «قرن))؛ لأنه ظرف زمان))، يعني أنه لو تأخر عن قرن / لكان يُتَهَّم جواز كونه صفةً له، فلما قُدِّم عليه قد(٥) يوهم أن يكون حالاً منه، لكنه منع ذلك كونُه ظرفَ زمان، والزمان لا يُخبر به عن الجثث ولا يوصف به، وقد تقدم لك أنه يصِحُّ ذلك بتأويلٍ ذكرته في البقرة عند قوله ((والذين من قبلكم))(٦). و((آخرين)) صفة لـ ((قَرْن)) لأنه اسم جمعٍ كقوم ورهط، فلذلك (١) كذا أورده المؤلف، والذي في مجمع الأمثال ٣٣٦/١: «سبقَ درَّتَه غِرارُه)). والغرار: قلة اللبن، والدرة: كثرته، أي: سبق شرُّه خيرَه. (٢) مجمع الأمثال ٣٣٦/١ يُضْرَبُ لمن يسبق تهديدُه فعله. (٣) أي: ((من تحتهم)). (٤) الإملاء ٢٣٦/١. .(٥) لعل الأفصح: فقد. أو: ((أَوْهَمْ)). (٦)) الآية ٢١، الورقة ١٢٣. ٥٤٢ - الأنعام - اعتبر معناه، ومن قال: إنه الزمان قَدَّر مضافاً أي: أهل قرن آخرين، وقد قَدَّمْتُ أَنَّه مرجوح. آ. (٧) قوله تعالى: ﴿في قِرْطاس﴾: يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لكتاب، سواء أريد بكتاب المصدرُ أم الشيء المكتوب. ويجوز أن يتعلَّق بنفس ((كتاباً)) سواء أريد به المصدر أم الشيء المكتوب. ومن مجيء الكتاب بمعنى مكتوب قوله(١): . صحيفةً أَنْتْكَ من الحَجَّاجِ يُتْلِى كتابُها ١٨٦٩- وفي النفس مِنْ جَعْلِ ((كتاباً) في الآية الكريمة مصدراً شيء؛ لأن نفس الكتب لا تُوصف بالإِنزال إلا بتجوُّز بعيد، ولكنهم قد قالوه هنا، ويجوز أن يتعلَّق ((في قرطاس)» بـ ((نَزَّلْنا)). والقِرْطاس: الصحيفة يُكتب فيها تكون من رَقَّ وكاغد، بكسر القاف وضمها، والفصيح الكسر، وقرىء بالضم شاذاً نقله أبو البقاء (٢). والقِرْطاس: اسم أعجمي معرَّب، ولا يقال قرطاس إلا إذا كان مكتوباً وإلا فهو طِرْس وكاغَد، وقال زهير(٣): ١٨٧٠- لها أخاديدُ مِنْ آثارِ ساكنها كما تردَّدَ في قِرْطاسِه القلمُ قوله: ((فلمسوه)) الضمير المنصوب يجوز أن يعود على القِرْطاس، وأن يعود على ((كتاب)) بمعنى مكتوب. و((بأيديهم)) متعلق بـ (((لَمَسَ)). والباء للاستعانة كعملت بالقَدُوم. و((لقال)) جواب لو، جاء على الأفصح من اقتران جوابها المثبت باللام. قوله: ((إنْ هذا)) ((إنْ)) نافية، و((هذا)) مبتدأ، و((إلا سحرٌ)) خبره (١) تقدم برقم ١٠٠. (٢) الإملاء ٢٣٦/١. (٣) ليس في ديوانه، وهو في البحر ٦٦/٤. ٥٤٣ - الأنعام - فهو استثناء مفرغ، والجملةُ المنفيَّةُ في محل نصب بالقول، وأوقع الظاهرَ موقع المضمر في قوله ((لقال الذين كفروا)) شهادةً عليهم بالكفر. والجملة الامتناعية لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها. آ. (٨) قوله تعالى: ﴿وقالوا: لولا﴾: الظاهر أن هذه الجملة مستأنفة سِيْقَتْ للإِخبار عنهم بفرط تعنَّتِهم وتصلَّبهم في كفرهم. قيل: ويجوز أن تكون معطوفةً على جواب ((لو)» أي: لو نَزَّلْنا عليك كتاباً لقالوا كذا، ولقالوا: لولا أُنْزِل عليه مَلَك. وجيء بالجواب على أحد الجائزين، أعني حذف اللام من المثبت. وفيه بُعْدٌ؛ لأن قولهم ((لولا أنْزل)) ليس مترتباً على قوله: ((ولو نَزَّلْن)). و((لولا)) هنا تحضيضية. والضمير في ((عليه)) الظاهر عودُه على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: يجوز أن يعود على الكتاب أو القرطاس، والمعنى: لولا أنْزل على الكتاب مَلَك لشهد بصحته، كما يُرْوى في القصة أنه قيل له: لن نؤمن حتى تعرجَ فتأتي بكتاب، ومعه أربعة ملائكة يشهدون، وهذا يَظْهر على رأي مَنْ يقول: إن الجملة من قوله: ((وقالوا: لولا أُنْزِل)) معطوفةٌ على جواب لو، فإنه يتعلق به من حيث المعنى حينئذ. آ. (٩) قوله تعالى: ﴿ما يَلْبِسُون﴾: في ((ما)) قولان، أحدهما: أنها موصولة بمعنى الذي أي: ولَخَلَطْنَا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم، قاله أبو البقاء(١)، وتكون ((ما)) حينئذ مفعولاً بها. الثاني: أنها مصدرية أي: ولَلَبَسْنا عليهم مثل ما يلبسون على غيرهم ويسلكونهم. وقرأ ابن محيصن(٢): ((وَلَبَسْنَا)) بلام واحدة هي فاء الفعل، ولم يأت بلام في الجواب اكتفاءً بها في المعطوف عليه. وقرأ الزّهري ((ولَلَبُّسْنا)) بلامين وتشديد الفعل على التكثير. (١) الإملاء ٢٣٦/١. (٢). انظر في قراءاتها: الكشاف ٧/٢؛ البحر ٧٩/٤؛ الشواذ ٣٦. ٥٤٤ - الأنعام - آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿ولقد اسْتَهْزِىءَ﴾: قرأ(١) حمزة وعاصم وأبو عمرو بكسر الذال على أصل التقاء الساكنين، والباقون بالضم على الإِتباع (٢)، ولم يبالَ بالساكن لأنه حاجزٌ غيرُ حصين، وقد قرَّرْتُ هذه القاعدة بدلائلها في البقرة / عند قوله: ((فمن اضْطُرَّ)(٣). و((برسلٍ)) متعلق [٢٩٩/ب] بـ «استهزىء)). و((مِنْ قبلك)) صفة الرسل، وتأويلُه ما تقدَّم في وقوع ((من قبل)) صلة(٤). قوله: ((فحاقَ بالذين سَخِروا)) فاعل حاق: ((ما كانوا))، و ((ما)) يجوز أن تكون موصولةً اسمية، والعائد الهاء في ((به))، و ((به)) يتعلق بـ ((يستهزئون))، و((يستهزئون)) خبر لـ ((كان))، و((منهم)) متعلق بسخروا، على أنَّ الضمير يعود على الرسل، قال تعالى: ((إنْ تَسْخَروا منا فإنَّا نَسْخر منكم))(٥)، ويجوز أن يتعدَّى بالباء نحو: سَخِرْت به، ويجوز أن يتعلَّق ((منهم)) بمحذوف على أنَّه حال من فاعل ((سَخِروا))، والضمير في ((منهم)) يعود على الساخرين. وقال أبو البقاء(٦): ((على المستهزئين)). وقال الحوفي: ((على أُمَمِ الرسلِ)). وقد رَدَّ الشيخ(٧) على الحوفي بأنه يلزم إعادته على غير مذكور. وجوابُه أنه في قوة المذكور، وردًّ على أبي البقاء بأنه يصير المعنى: فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين، فلا حاجةً إلى هذه الحال لأنها مفهومةٌ من (١) السبعة ١٧٤؛ الكشف لمكي ٢٧٤/١؛ النشر ٢٤٧/٢. وانظر: الدر المصون الورقة ٦٥أ. (٢) أي ضم دال ((قد)) إتباعاً لضمة التاء في ((استهزىء)) ولم يبال بسكون السين. (٣) الآية ١٧٣ . (٤) انظر: الورقة ٢٣ أ في إعرابه للآية ٢١ من البقرة. (٥) الآية ٣٨ من هود. (٦) الإملاء ٢٣٦/١. (٧) البحر ٤ /٨٠. ٥٤٥ - الأنعام - قوله ((سخروا)). وجوَّزوا أن تكون ((ما)) مصدرية، ذكره الشيخ(١)، ولم يتعرَّض للضمير في ((به)) والذي يظهر أنه يعود على الرسول الذي يتضمَّنه الجمع، فكأنه قيل: فحاق بهم عاقبةُ استهزائهم بالرسول المندرج في جملة الرسل، وأمَّا على رأي الأخفش وابن السراج(٢) فتعود على ((ما)) المصدرية لأنها اسم عندهما . وحاق ألفه منقلبة عن ياء بدليل يَحِيق، كباع يبيع، والمصدر حَيْق وحُيُوق وحَيَقان كالغَلَيان والنَّزَوان. وزعم بعضهم أنه من الحَوْق، وهو المستدير بالشيء، وبعضهم أنه من الحقّ، فَأُبْدِلت إحدى القافين ياءً كتظنّنْتُ، وهذان ليسًا بشيء، أمَّا الأول فلاختلاف المادة إلا أن يريدوا الاشتقاق الأكبر، وأما الثاني فلأنها دعوى مجردة من غير دليل. ومعنى حاق أحاط، وقيل: عاد عليه وبالُ مَكْرِه، قاله الفراء. وقيل: دار، والمعنى يدور على الإِحاطة والشمول، ولا تستعمل إلا في الشر. قال الشاعر(٣): ١٨٧١- فأوطأَ جُرْدُ الخيلِ عُقْرَ ديارهمْ وحاقَ بهم من بأسٍ ضَبَّةَ حائقُ وقال الراغب(٤): ((قيل وأصله حَقَّ، فقلب نحو: زلَّ وزال، وقد قرىء(٥): ((فأزلَّهما وأزالَهما)) وعلى هذا ذمَّه وذامه)) وقال الأزهري(٦): ((جعل أبو إسحاق ((حاق)) بمعنى أحاط، وكأنَّ مأخذه من الحَوْق وهو ما استدار بالكَمَرَة))(٧) قال: ((وجائز أن يكون الحَوْق فعلاً من حاق يحيق، كأنه في (١) البحر ٤ /٨٠. (٢) الأصول ١٦١/١. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٦٦/٤. (٤) المفردات ١٣٧. (٥) قرأ حمزة ((فأزالهما)) والباقون: ((فأزَّهما)). انظر: السبعة ١٥٣. (٦) تهذيب اللغة ١٢٦/٥. (٧) الكمرة: رأس الذكر. ٥٤٦ - الأنعام - الأصل: حُيْق، فقلبت الياء واواً لانضمام ما قبلها)). وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل «ما كانوا)»؟ نقل الواحدي عن أكثر المفسرين ذلك أي: عقوبة ما كانوا، أو جزاء ما كانوا، ثم قال: ((وهذا إذا جعلت ((ما)) عبارة عن القرآن والشريعة وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن جعلْتَ ((ما)) عبارةً عن العذاب الذي كان صلى الله عليه وسلم يُوعدهم به إن لم يؤمنوا اسْتَغْنَيْتَ عن تقدير المضاف، والمعنى: فحاق بهم العذابُ الذي يستهزئون به وينكرونه. والسُّخْرِيَّة: الاستهزاء والتهكم، يقال: سَخِر منه وبه، ولا يقال إلا استهزاءً به فلا يتعدَّى بـ ((مِنْ))، وقال الراغب(١): ((سَخَرْتُهُ إذا سَخَّرْتَه للهُزْءِ منه(٢)، يقال: رجل سُخَرَة بفتح الخاء إذا كان يَسْخَر من غيره، وسُخْرة بسكونها إذا كان يُسْخر منه، ومثله: ضُحَكة وضُحْكة، ولا ينقاس. وقوله: ((فاتَّخَذْتُموهم سخريًّا)(٣) يحتمل أن يكون من التسخير، وأن يكون من السُّخْرية)). وقد قرىء (٤) سُخرياً وسخرياً بضمِّ السين وكسرها. وسيأتي له مزيد بيان في موضعه إن شاء الله تعالى. آ. (١١) قوله تعالى: ﴿ثم انظروا﴾: عطف على ((سيروا)) ولم يجىء في القرآن العطفُ في مثل هذا الموضع إلا بالفاء، وهنا جاء بـ ((ثم)) فيحتاج إلى فرق، فذكر الزمخشري(٥) الفرق وهو: أَنْ جَعَل النظر مسبَّباً عن السير في قوله: ((فانظروا)) كأنه قيل: ((سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سيرَ الغافلين)) وهنا معناه إباحةُ السَّيْر في الأرض / للتجارة وغيرها من المنافع [٣٠٠/أ] وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبّه على ذلك بـ ((ثم)) لتباعد ما بين الواجب والمباح)». (١) المفردات ٢٢٧ . (٢) في مطبوعة الراغب: ((سخرت منه واستسخرتُه للمهزء منه)». (٣) الآية ١١٠ من المؤمنون. (٤) قرأ بالضم نافع وحمزة والكسائي، والباقون بالكسر. انظر: القرطبي ١٢/ ١٥٤. (٥) الكشاف ٧/٢. ٥٤٧ - الأنعام - قال الشيخ(١): ((وما ذكره أولاً متناقض لأنه جعل النظر مُتَسَيِّباً عن السير، فكان السير سبباً للنظر، ثم قال: فكأنه قيل: سيروا لأجلِ النظر، فجعل السير معلولاً بالنظر، والنظرُ سببٌ له فتناقضا، ودعوى أن الفاء سببية دعوى لا دليلَ عليها، وإنما معناها التعقيب فقط، وأمَّا: ((زنَى ماعِزْ فَرُجِم)) فَفَهْمُ السببية من قرينةٍ غيرِها)) قال: ((وعلى تقدير تسليم إفادتها السببَ فلِمَ كان السيرُ هنا سِيرَ إباحة وفي غيره سيرَ إيجاب))؟ قلت: هذا اعتراضٌ صحيح إلا قوله: ((إن الفاء لا تفيد السببية)) فإنه غير مُرْضٍ، ودليلُه في غير هذا الموضوع .. ومثل هذا المكان في كون الزمخشري جعل شيئاً علة ثم جعله معلولاً ما سيأتي إن شاء الله في أول الفتح ويأتي هناك جوابه . قوله: ((كيف كان عاقبة)) ((كيف)) خبر مقدَّم و((عاقبة)) اسمها، ولم يُؤَنَّثْ فعلُها لأن تأنيثها غير حقيقي، ولأنها بتأويل المآل والمنتهى، فإنَّ العاقبة مصدرٌ على وزن فاعِلة، وهو محفوظ في ألفاظ تقدَّم ذِكْرُها وهي منتهى الشيء وما يصير إليه. والعاقبة إذا أُطْلِقَتْ اختصت بالثواب. قال تعالى: (( والعاقبةُ للمتقين))(٢)، وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة كقوله تعالى: ثم كان عاقبةً الذين أساؤوا السوْءَى))(٣)، ((فكان عاقبتهما أنهما في النار))(٤) فصَحَّ أن تكون استعارة مِنْ ضدّه كقوله تعالى: ((فبشِّرْهم بعذاب أليم))(٥). و«كيف)» معلّقة للنظر فهي في محل نصب على إسقاط الخافض؛ لأنَّ معناه هنا التفكّر والتدبّر. (١) البحر ٨١/٤. (٢) الآية ١٢٨ من الأعراف. (٣) الآية ١٠ من الروم .: (٤) الآية ١٧ من الحشر. (٥) الآية ٢١ من آل عمران. ٠٠٠ ٥٤٨ - الأنعام - آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿لمن ما في السموات): ((مَنْ)) خبرٌ مقدَّمٌ واجبُ التقديم؛ لاشتماله على ما له صدرُ الكلام فإنَّ ((مَنْ)) استفهامية والمبتدأ ((ما)) وهي بمعنى الذي، والمعنى: لمن استقر الذي في السموات. وقوله: ((قل الله)) قيل: إنما أمَرَه أن يجيب وإن كان المقصود أن يُجيب غيرُه؛ ليكون أولَ مَنْ بادر إلى الاعتراف بذلك، وقيل: لمَّا سألهم كأنهم قالوا: لمن هو؟ فقال الله: قل الله، ذكره الجرجاني. فعلى هذا قوله: ((قل لله)) جواب للسؤال المضمر الصادر من جهة الكفار، وهذا بعيدٌ، لأنهم لم يكونوا يشكُّون في أنه لله، وإنما هذا سؤال تبكيت(١) وتوبيخ، ولو أجابوا لم يَسَعْهم أن يُجيبوا إلا بذلك. وقوله (لله)» خبر مبتدأ محذوف، أي هو أو ذلك لله. قوله: ((كَتَبَ على نفسه)» أي: قضى وأوجب إيجابَ تَفَضُّلِ لا أنه مستحق عليه تعالى. وقيل: معناه القسم، وعلى هذا فقوله: ((ليجمعنِّكم)) جوابُه؛ لِما تضمن من معنى القسم، وعلى هذا فلا توقُّفَ على قوله: ((الرحمة)). وقال الزجاج(٢): ((إن الجملة من قوله: ((ليجمعنّكم)) في محل النصب على أنها بدل من ((الرحمة))، لأنه فَسَّر قوله ((ليجمعنُّكم)) بأنه أمهلكم وأمدَّ لكم في العمر والرزق مع كفركم، فهو تفسير للرحمة. وقد ذكر الفراء(٣) هذين الوجهين: أعني أن الجملة تَمَّتْ عند قوله ((الرحمة))، أو أن (يجمعنكم)) بدلٌ منها فقال: ((إن شئت جعلت الرحمة غايةَ الكلام ثم استأنفت بعدها «ليجمعنكم))، وإن شِئْتَ جَعَلْتَها في موضع نصب كما قال: (كتب ربكم على نفسه الرحمةَ أنه مَنْ عمل منكم)) (٤). قلت: واستشهاده بهذه الآية حسن جداً. (١) سؤال التبكيت هو سؤال التقريع والغلبة بالحجة . (٢) معاني القرآن ٢٥٥/٢. (٣) معاني القرآن ٣٢٨/١. (٤) الآية ٥٤ من الأنعام. ٥٤٩ - الأنعام - ورَدَّ ابن عطية(١) هذا بأنه يلزم دخولُ نون التوكيد في الإِيجاب قال: ((وإنما تدخل على الأمر والنهي وجواب القسم)). ورَدَّ الشيخ (٢) حصر ابن عطية ورودَ نون التوكيد فيماذكر، وهو صحيح، وردَّ كونَ («ليجمعنّكم)» بدلاً من الرحمة بوجه آخر، وهو أنَّ ((ليجمعنَّكم)) جوابُ قسمٍ، وجملة الجواب وحدها لا موضع لها من الإعراب، إنما يُحْكُمُ على موضع جملتي القسم والجواب بمحلّ الإِعراب)). قلت: وقد خلط مكي المذهبين وجعلهما مذهباً واحداً فقال(٣): ((ليجمعنّكم)) في موضع نصبٍ على البدل من ((الرحمة)) واللام لام القسم. فهي جواب ((كتب)) لأنه بمعنى: أوجب ذلك على نفسه، ففيه معنى القسم، وقد يظهر جوابٌ عما أورده الشيخ على غير مكي، وذلك أنهم جعلوا ((ليجمعنَّكم)) بدلاً من ((الرحمة))، يعني هي وقسيمها المحذوف، واستغنوا عن ذكر القسم بها؛ لأنها مذكورةٌ في اللفظ، فكأنهم قالوا: وجملة القسم في محل نصب بدلاً من الرحمة، وكما يقولون جملة القسم ويستغنون به عن ذِكْرِهم جملةً الجواب كذلك يستغنون بالجواب عن ذكر القسم لا سيما [٣٠٠/ب] وهو غير مذكور. وأمَّا مكي فلا يظهر هذا جواباً له؛لأنه نصَّ / على أنه جوابٌ لـ ((كَتَبَ)) فَمِنْ حيث جعله جواباً لكَتَبَ لا محلَّ له، ومن حيث جَعَلَه بدلاً كان مَحَلُّه النصب فتنافيا. والذي ينبغي في هذه الآية أن يكون الوقفُ عند قوله ((الرحمة))، وقوله ((ليجمعنُكم)) جواب قسم محذوف، أي: والله ليجمعنكم، والجملة القسمية لا تعلَّق لها بما قبلها من حيث الإِعراب، وإن تعلّقَتْ به من حيث المعنى . و ((إلى)) على بابها أي: ليجمعنّكم منتهين إلى يوم القيامة. وقيل: هي (١) المحرر ١٣/٦. (٢) البحر ٨٢/٤. (٣) المشكل ٢٥٨/١. وانظر: المغني ٢ /٤٠٧. ٥٥٠ - الأنعام - بمعنى اللام كقوله: ((إنك جامعُ الناس ليوم))(١) وقيل: بمعنى ((في)) أي: ليجمعنَّكم في يوم القيامة. وقيل: هي زائدة أي: ليجمعنكم يوم القيامة، وقد يشهد له قراءة من قرأ ((تهوى إليهم))(٢) بفتح الواو إلا أنه لا ضرورةَ هنا إلى ذلك. قوله: ((لا ريب فيه)) تقدم نظيره أول البقرة(٣). والجملة حال من ((يوم))، والضمير في ((فيه)) يعود على اليوم، وقيل: يعود على الجمع المدلول عليه بالفعل لأنه رَدٌّ على منكري الحشر. قوله: ((الذين خسروا)) فيه ستة أوجه، أحدها: أنه منصوبٌ بإضمار (أذُ))، وقدَّره الزمخشري(٤) بـ أريد، وليس بظاهر. الثاني: أنه مبتدأ أخبر عنه بقوله ((فهم لا يؤمنون)) وزيدت الفاءُ في خبره لِما تضمَّن من معنى الشرط، قاله الزجاج(٥) كأنه قيل: مَنْ يخسرْ نفسه فهو لا يؤمن. الثالث: أنه مجرور على أنه نعت للمكذبين. الرابع: أنه بدل منهم، وهذان الوجهان بعيدان. الخامس: أنه منصوبٌ على البدل من ضمير المخاطب، وهذا قد عَرَفْتَ ما فيه غيرَ مَرَّةٍ، وهو أنه هل يُبْدَل من ضمير الحاضر بدلُ كل من كل في غير إحاطة ولا شمول أم لا؟ ومذهب الأخفش جوازه، وقد ذكرنا دليل الجمهور ودلائله وما أُجيب عنها فأغنى عن إعادتها. وردًّ المبرد عليه مذهبه بأن البدل من ضمير الخطاب لا يجوز، كما لا يجوز: ((مررت بك زيدٍ)). وهذا عجيب؛ لأنه استشهد بمحل النزاع وهو: مررت بك زيدٍ. وَرَدَّ ابنُ عطية (٦) ردَّه فقال: (١) الآية ٩ من آل عمران. (٢) الآية ٣٧ من آل إبراهيم وهي قراءة مجاهد، انظر: القرطبي ٢٧٣/٩ . (٣) الآية ٢ من البقرة. (٤) الكشاف ٨/٢. (٥) معاني القرآن ٢٥٥/٢. (٦) المحرر ١٤/٦. ٥٥١ - الأنعام - («ما في الآية مخالفٌ للمثال؛ لأن الفائدة في البدل مترتبة(١) من الثاني، فإذا قلت: ((مررت بك زيدٍ)) فلا فائدة في الثاني، وقوله ((ليجمعنّكم)) يصلح لمخاطبة الناس كافةً فيفيدنا إبدال ((الذين)) من الضمير أنهم هم المختصُّون بالخطاب، وخُصُّوا على جهة الوعيد، ويجيء هذا إبدالَ البعض من الكل)). قال الشيخ (٢): ((هذا الردُّ ليس بجيد لأنه إذا جَعَلْنا ((ليجمعنَّكم)) صالحاً لخطاب جميع الناس كان ((الذين)) بدل بعض، ويحتاج إذ ذاك إلى ضميرٍ، تقديره: خسروا أنفسهم منهم. وقوله ((فيفيدنا إبدال الذين من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب وخُصُّوا على جهة الوعيد)» وهذا يقتضي أن يكون بدل كل من كل، فتناقض أول كلامه مع آخره؛ لأنه من حيث الصلاحيةُ بدل بعض، ومن حيث اختصاص الخطاب بهم يكون بدلَ كل فتناقض)». قلتُ: ما أبعدَه عن التناقض، لأن بدل البعض من الكل من جملة المخصِّصات كالتخصُّص بالصفة والغاية والشرط، نصَّ أهل العلم على ذلك، فإذا تقرر هذا فالمبدل منه بالنسبة إلى اللفظ في الظاهر عام، وفي المعنى ليس المراد به إلا ما أراده المتكلم فإذا ورد: ((اقتلوا المشركين بني فلان)) مثلاً فالمشركون صالح لكل مشرك من حيث اللفظ، ولكنَّ المراد به بنوفلان، فالعموم في اللفظ والخصوص في المعنى، فكذا قول أبي محمد (٣) يَصْلُح لمخاطبة الناس، معناه أنه يَعُمُّهم لفظاً. وقوله ((فيفيدنا إبدال الضمير إلى آخره)) هذا هو المخصِّص فلا يجيء تناقضٌ البتةَ، وهذا مقرر في علم أصول الفقه. السادس: أنه مرفوع على الذمِّ، قاله الزمخشري(٤)، وعبارته فيه وفي الوجه الأول: ((نصبُ على الذمّ أو رفعٌ، أي: أريد الذين خسروا أنفسهم، (١) المحرر: مترقبة. (٢) البحر ٨٣/٤. (٣) أي ابن عطية . (٤) الكشاف ٨/٢. ٥٥٢ - الأنعام - أو أنتم الذين خسروا أنفسهم)) انتهى. قلت: إنما قَدَّر المبتدأ ((أنتم)) ليرتبط مع قوله ((ليجمعنَّكم)). وقوله ((خسروا أنفسهم)) من مراعاة الموصول، ولو قال: ((أنتم الذين خسروا أنفسكم)) مراعاةً للخطاب لجاز، تقول: أنت الذي قعد، وإن شئت: قَعَدْت. آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿وله ما سكن﴾: جملة من مبتدأ وخبر، وفيها قولان، أظهرهما: أنها استئناف إخبار بذلك. والثاني: أنها في محل نصب نسقاً على قوله (لله)) أي على الجملة المحكية بـ قل أي: قل: هو لله وقل: له ما سكن. و ((ما)) موصولة بمعنى الذي، ولا يجوز غيرُ / ذلك. [٣٠١/أ] و ((سَكَن)) قيل: معناه ثبت واستقر، ولم يذكر الزمخشري(١) غيره. وقيل: هو مِنْ سَكَن مقابل تَحَرَّك، فعلى الأول لا حَذْفَ في الآية الكريمة، قال الزمخشري (٢): ((وَتَعَدِّيه ب في كما في قوله: ((وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم))(٣). ورجّح هذا التفسيرَ ابن عطية(٤). وعلى الثاني اختلفوا، فمنهم مَنْ قال: لا بد من محذوفٍ لفهم المعنى، وقدَّر ذلك المحذوفَ معطوفاً فقال: تقديره: وله ما سكن وما تحرك، كقوله في موضع آخر: ((تقيكم الحرَّ»(٥) أي: والبرد، وحَذْفُ المعطوف فاشٍ في كلامهم، وأنشد(٦): إِذا نَجَلَتْهُ رِجْلُها خَذْفُ أَعْسَرا ١٨٧٢- كأنَّ الحصى مِنْ خلفِها وأمامِها أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قلائلُ(٧) ١٨٧٣- فما كان بين الخيرِ لو جاء سالماً (١) لم يذكر الزمخشري في ((كشافه)) غير قوله: ((له ما سكن من السكنى)) ٨/٢. (٢) الكشاف ٨/٢. (٣) الآية ٤٥ من إبراهيم. (٤) المحرر ١٤/٦. (٥) الآية ٨١ من النحل. (٦) تقدم برقم ٦٨٨. (٧) تقدم برقم ٧٤٦ . ٥٥٣ - الأنعام - يريد: رجلها ويدها، وبين الخير وبيني. ومنهم مَنْ قال: لا حَذْفَ؛ لأنَّ كل متحرك قد يُسَكَّن .. وقيل: لأن المتحرك أقلُّ والساكن أكثر، فلذلك أوثر بالذكر. آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿أَغيرَ الله﴾: مفعول أول لـ ((أُتَّخِذُ)) و ((وليًّا) مفعولٌ ثان، وإنما قَدَّم المفعول الأول على فعله لمعنى: وهو إنكار أن يُتَّخَذّ غيرُ اللَّهِ ولياً لا اتخاذِ الوليّ، ونحوُه قولك لمن يهين زيداً وهو مستحقٌّ للإكرام: ((أزيداً أهنت))، أَنْكَرْتَ أن يكون مثله مُهاناً. وقد تقدَّم هذا موضحاً في قوله: ((أأنت قلت للناس)(١) ومثله: ((أغيرَ الله أبغي رباً)(٢) ((أفغيرَ الله تأمرونِّي أعبد))(٣) ((آلله أَذِن لكم))(٤) ((الذَّكَرَيْنِ حرَّم))(٥) وهو كثير. ويجوز أن يكون ((أتخذ)) متعدياً لواحد فيكون ((غير)) منصوباً على الحال من ((وليًّ)) لأنه في الأصل صفة له، ولا يجوز أن يكون استثناءً البتة، كذا منعه أبو البقاء(٦)؛ ولم يُبَيِّنْ وجهَه. والذي يظهر أنَّ المانع تقدُّمه على المستثنى منه في المعنى وهو ((وليًّا))، وأما المعنى فلا يأبى الاستثناء، لأن الاستفهام لا يُراد به حقيقته، بل يُراد به الإِنكار، فكأنه قيل: لا أَتَّخذ ولياً غير الله، ولو قيل كذا لكان صحيحاً، فظهر أن المانع عنده إنما هو التقديم على المستثنى منه، لكن ذلك جائز، وإن كان قليلاً ومنه(٧): ١٨٧٤ - وما ليَ إلَّ آل أحمدَ شيعةٌ ومالي إلا مَشْعبَ الحقِّ مَشْعَبُ (١) الآية ١١٦ من المائدة. (٢) الآية ١٦٤ من الأنعام (٣) الآية ٦٤ من الزمر. (٤) الآية ٥٩ من يونس. (٥) الآية ١٤٣ من الأنعام (٦) الإملاء ٢٣٦/١. (٧) البيت للكميت بن زيد وهو في المقتضب ٣٩٨/٤؛ وابن يعيش ٧٩/٢؛ والخزانة ٢٠٧/٢. ٥٥٤ - الأنعام - وقرأ الجمهور ((فاطرِ» بالجر، وفيها تخريجان، أحدهما - وبه قال الزمخشري(١) والحوفي وابن عطية ــ(٢) صفة للجلالة المجرورة بـ ((غير))، ولا يَضُرُّ الفصل بين الصفة والموصوف بهذه الجملة الفعلية ومفعولها؛ لأنها ليست بأجنبية، إذ هي عاملة في عامل الموصوف. والثاني - وإليه نحا أبو البقاء _(٣) أنه بدلٌ من اسمِ الله، وكأنه فرَّ من الفصل بين الصفة وموصوفها، فإن قيل: هذا لازمٌ له في البدل، فإنه فَصَل بين التابع ومتبوعِه أيضاً. فيقال: إن الفصل بين البدلِ والمبدلِ أسهلُ؛ لأنَّ البدل على نية تكرار العامل فهو أقرب إلى الفصل، وقد ترجّح تخريجُه بوجهٍ آخرَ: وهو أنَّ ((فاطر)) اسم فاعل، والمعنى ليس على المضيٍّ حتى تكون إضافته غيرَ محضة فيلزم وَصْفُ المعرفة بالنكرة لأنه في نية الانفصال من الإضافة، ولا يقال: الله فاطر السموات والأرض فيما مضى، فلا يُراد حال ولا استقبال؛ لأن كلام الله تعالى قديم متقدِّمٌ على خلق السموات، فيكون المراد به الاستقبال قطعاً، ويدلَّ على جواز كونه في نية التنوين ما سأذكره عن أبي البقاء قريباً. وقرأ ابن أبي عبلة (٤) برفعه، وتخريجه سهل، وهو أنه خبر مبتدأ محذوف. وخَرَّجه ابن عطية(٥) على أنه مبتدأ فيحتاج إلى تقدير خبر، الدلالةُ عليه خفيةٌ بخلاف تقدير المبتدأ فإنه ضمير الأول أي: هو فاطر: وقرىء شاذاً بنصبه، وخرَّجه أبو البقاء(٦) على وجهين، أحدهما: أنه بدل من ((وليًّا)) قال: ((والمعنى على هذا أجعلُ فاطر السموات والأرض غيرَ الله)) كذا قدَّر وفيه نظر؛ فإنه جعل المفعول الأول وهو ((غير الله)) مفعولاً ثانياً، وجعل البدل من المفعول الثاني مفعولاً أول، فالتقدير عكسُ التركيب الأصلي. والثاني: أنه صفةٌ لـ ((وليًّا)) قال: (١) الكشاف ٨/٢. (٢) المحرر ١٥/٦. (٣) الإملاء ٢٣٦/١. (٤) انظر في قراءات فاطر: الكشاف ٨/٢؛ الشواذ ٣٦. (٥) المحرر ٦٥/٦. (٦) الإملاء ٢٣٦/١. ٥٥٥ - الأنعام - ((ويجوز أن يكون صفة لـ ((وليًّا)) والتنوينُ مرادٌ)). قلت: يعني بقوله: ((التنوين [٣٠١/ب] مراد)) أن اسم الفاعل عامل تقديراً / فهو في نية الانفصال، ولذلك وقع وصفاً للنكرة كقوله: ((هذا عارِضٌ مُخْطِرُنا))(١). وهذا الوجه لا يكاد يَصِحُ إذ يصير المعنى: أأتخذ غيرَ الله وليّاً فاطر السموات إلى آخره، فيصفُ ذلك الولي بأنه فاطر السموات. وقرأ الزهري: ((فَطَر)) على أنه فعل ماضٍ وهي جملة في محل نصب على الحال من الجلالة كما كان ((فاطر)) صفتها في قراءة الجمهور. ويجوز على رأي أبي البقاء أن تكون صفة لـ ولياً. ولا يجوز أن تكون صفةً للجلالة، لأن الجملة نكرة. والفَطْر: الشَّقُّ مطلقاً، وقَيَّده الراغب(٢) بالشق طولاً، وقيَّده الواحدي بشَقِّ الشيء عند ابتدائه. والفَطْر: الإِبداع والاتخاذ على غير مثال، ومنه ((فاطر السموات)) أي أوجدها على غير مثالٍ يُحتذى. وعن ابن عباس(٣): ((ما كنت أدري ما معنى فَطَر وفاطِر، حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: ((أنّا فَطَرْتُها)) أي: أنشأتها وابتدأتها. ويقال (٤): فَطَرْتُ كذا فَطْراً وفَطَر هو فُطوراً، وانفطر انفطاراً وفَطَرْتُ الشاة: حَلَبْتُها بأصبعين، وفَطَرْت العجين: خبزته مِنْ وقته، وقوله تعالى: ((فطرةَ الله التي فَطَر الناس عليها))(٥) إشارةً منه إلى ما فَطَر أي أبدع وركّز في الناس من معرفته، ففطرةُ الله ما رُكِّز من القوة المُدْرِكة لمعرفته، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ((ولئن سَأَلْتَهم مَنْ خلقهم ليقولُنَّ الله))(٦)، وعليه: ((كلَّ مولودٍ يُؤْلَدُ على الفطرة ... ))(٧) الحديث، وهذا أحسنُ ما سمعت في تفسير ((فطرة الله)) في الكتاب والسنة. (١) الآية ٢٤ من الأحقاف. (٢) المفردات ٣٨٢. (٣) انظر في هذا الأثر: الكشاف ٨/٢. (٤) انظر: مفردات الراغب ٣٨٢. (٥) الآية ٣٠ من الروم. (٦) الآية ٨٧ من الزخرف. (٧) رواه البخاري (الفتح) في الجنائز ٢٤٦/٣؛ الموطأ: الجنائز ٢٤١/١؛ ابن حنبل ٢٣٣/٢. ٥٥٦ : - الأنعام - قوله: ((وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَم)) القراءة المشهورة(١) ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول، والضمير لله تعالى، والمعنى: وهو يَرْزق ولا يُرْزَق، وهو موافقٌ لقوله تعالى: ((ما أُريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يُطْعِمُون))(٢). وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه: ((ولا يَطْعَمُ)) بفتح الياء والعين بمعنى ولا يأكل، والضمير لله تعالى. وقرأ ابن أبي عبلة ويمان العماني(٣): ولا يُطْعِم، بضم الياء وكسر العين كالأول، فالضميران - أعني هو والمستكنُّ في ((يطعم)) - عائدان على الله تعالى، والضمير في ولا يُطْعِم للوليّ. وقرأ يعقوب في رواية ابن المأمون: ((وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِم)) ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على عكس القراءة المشهورة، والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترَيْنِ في الفعلين للولي فقط أي: وذلك الوليُّ يُطْعمه غيره ولا يُطْعِمُ هو أحداً لعَجْزِهِ. وقرأ الأشهب: ((وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِم)) ببنائهما للفاعل. وذكر الزمخشري(٤) فيها تخريجين ثانيهما لنفسه، فإنه قال - بعد أن حكى القراءة -: ((وفُسِّر بأن معناه وهو يُطْعِم ولا يَسْتَطْعِم)). وحكى الأزهري(٥): أطعمت بمعنى استطعمت، ونحوه: أَفَدْت، ويجوز أن يكون المعنى: وهو يُطْعِمُ تارة ولا يُطْعم أخرى على حسب المصالح كقولك: هو يعطي ويمنع ويَقْدِر ويبسط ويغني ويفقر)). قلت: [هكذا ذكر الشيخ هذه القراءة، وقراءةُ الأشهب هي](٦) كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء، لا تخالُفَ بينهما، (١) انظر في قراءاتها: البحر ٨٥/٤؛ الكشاف ٨/٢؛ الشواذ ٣٦. (٢) الآية ٥٧ من الذاريات. (٣) لم أعثر على ترجمة له. (٤) الكشاف ٨/٢. (٥) لم يورد الأزهري في ((تهذيب اللغة) مادة ((طعم)) هذا المعنى. (٦) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من ص ولم تثبته ي. ٥٥٧ - الأنعام- فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كلُّهم، وإلّ يوهمْ هذا أنهما قراءتان متغایرتان ولیس کذلك. وقرىء شاذاً: ((يُطْعَم)) بفتح الياء والعين، ولا يُطْعِم بضم الياء وكسر العين أي: وهو يأكل ولا يُطْعِم غيره، ذكر هذه القراءةَ أبو البقاء(١) وقال: (والضمير راجع على الولي الذي هو غير الله)). فهذه ست قراءات وفي بعضها - وهي تَخَالُفُ الفعلين - من صناعة البديع تجنيس التشكيل: وهو أن يكون الشكل فارقاً بين الكلمتين، وسمَّاه أسامة(٢) بن منقذ تجنيس التحريف، وهو تسمية فظيعة، فتسميتُه بتجنيس التشكيل أوْلى. قوله: (مَنْ أَسْلَمَّ)) ((مَنْ)) يجوز أن تكون نكرةً موصوفة واقعةً موقع اسمِ جمع، أي: أول فريق أسلم، وأن تكون موصولة أي: أول الفريق الذي أسلم. وأفرد الضمير في ((أسلم)): إمَّا باعتبار لفظ ((فريق)) المقدَّر، وإمَّا باعتبار لفظ ((مَنْ)). وقد تقدَّم الكلام على ((أول)) وكيف يُضاف إلى مفرد بالتأويل المذكور في البقرة(٣) قوله: ((ولا تكونَنَّ) فيه تأويلان، أحدهما على إضمار القول أي: وقيل لي: لا تكونَنَّ، قال أبو البقاء(٤): ((ولو كان معطوفاً على ما قبله لفظاً لقال: [٣٠٢/أ] ((وأن لا أكون)) وإليه نحا أبو / القاسم الزمخشري(٥) فإنه قال: ((ولا تكونَنَّ: وقيل لي لا تكونَنَّ، ومعناه: وأُمرت بالإِسلام ونُهيت عن الشرك)). والثاني: أنه معطوف على معمول (قل)) حملاً على المعنى، والمعنى: قل إني قيل لي: (١) الإِملاء ٢٣٧/١. (٢) أسامة بن مرشد من العلماء الذين تميزوا بالأدب والشجاعة له: ((لباب الآداب؛ البديع)) توفي سنة ٥٨٤، قاد حملات ضد الصليبيين. الأعلام ٢٨٢/١. (٣) الآية ٤١ من البقرة. (٤) الآية ٢٣٧/١. (٥) الكشاف ٨/٢. ٥٥٨ - الأنعام- كن أولَ مَنْ أسلم ولا تكونن من المشركين، [فهما](١) جميعاً محمولان على القول، لكن أتى الأول بغير لفظ القول وفيه معناه، فحمل الثاني على المعنى. وقيل: هو عطف على ((قل)) أُمِرَ بأن يقول كذا ونهى عن كذا. آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿إِن عَصَيْتُ﴾: شرط حُذِفَ جوابه لدلالة ما قبله عليه، ولذلك جيء بفعل الشرط ماضياً، وهذه الجملة الشرطية فيها وجهان، أحدهما: أنه معترضُ بين الفعل وهو ((أخاف)) وبين مفعوله وهو ((عذاب)). والثاني: أنها في محلَّ نصب على الحال. قال الشيخ(٢): ((كأنه قيل: إني أخاف عاصياً ربِّي)) وفيه نظرٌ، إذ المعنى يأباه. و ((أخاف)» وما في حَيِّزه خبر لـ((إِنَّ))، وإنَّ وما في حيزها في محل نصب بـ ((قل)). آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَف﴾: (مَنْ)) شرطية، ومحلُّها يحتمل الرفع والنصب كما سيأتي بيانه بعد ذِكْر القراءتين فنقول: قرأ الأخوان(٣) وأبو بكر عن عاصم: ((يَصْرِف)) بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل. والباقون بضمِّ الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعله. فأمّا في القراءة الأولى فـ ((مَنْ)) فيها تحتمل الرفع والنصب: فالرفع من وجه واحد وهو الابتداء، وخبرها فعل الشرط أو الجواب أو هما، على حسب الخلاف، وفي مفعول ((يَصْرِف)» حينئذ احتمالان، أحدهما: أنه مذكور وهو ((يومئذ))، ولا بد من حذف مضاف أي: من يَصْرِفِ الله عنه هَوْل يومئذ - أو عذاب يومئذ ــ فقد رحمه، فالضمير في ((يَصْرِف)) يعود على الله تعالى، ويدلُّ عليه قراءة أُبَيّ بن كعب ((مَنْ يَصْرِف اللَّهُ) بالتصريح به. والضميران في ((عنه)) و((رَحِمَه)) لـ ((مَنْ)). والثاني: أنه محذوف لدلالة ما ذكر (١) قوله ((فهما)) محروم في الأصل. (٢) البحر ٤ /٨٦. (٣) الأخوان: حمزة والكسائي. وانظر في قراءات يصرف: حجة القراءات ٢٤٣؛ السبعة ٢٥٤؛ النشر ٢٤٨/٢؛ الكشف ٤٢٥/١؛ البحر ٨٦/٤. ٥٥٩ - الأنعام - عليه قبل ذلك أي: مَنْ يَصْرف اللَّهُ عنه العذابَ. و((يومئذ)) منصوبٌ على الظرف. وقال مكي (١). ((ولا يَحْسُن أن تقدِّرَ هاءً؛ لأن الهاء إنما تُخْذف من الصلات)). قلت: يعني أنه لا يُقَدَّرُ المفعولُ ضميراً عائداً على عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صفةٌ لـ((عذاب)) والعائد منها محذوف، لكنَّ الحذف إنما يكون من الصلة لا من الصفة، وهذا معنى قول الواحدي أيضاً، إلا أنَّ قولَ مكيّ ((إنما يُخْذف من الصلات)) يريد في الأحسن، وإلاّ فيحذف من الصفات والأخبار والأحوال، ولكنه دون الصلة. والنصب من وجهين(٢) أحدهما: أنه مفعول مقدَّمٌ لـ ((يَصْرِف)) والضمير في ((عنه)) على هذا يتعيَّن عَوْدُه على العذاب المتقدم، والتقدير: أيّ شخص يَصْرِفِ اللَّهُ عن العذاب. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مضمر لا يبرز، يفسره هذا الظاهر من معناه لا من لفظه، والتقدير: مَنْ نُكْرِمْ أَو مَنْ نُنَجِّ يَصْرِفِ الله. والضمير في ((عنه)) للشرطية. وأمَّا مفعول ((يَصْرِفْ)) على هذا فيحتمل الوجهين المتقدمين، أعني كونه مذكوراً وهو ((يومئذ)) على حذفٍ مضاف، أو محذوفاً اختصاراً. وأمَّا القراءة الثانية(٣) فـ((مَنْ)) تحتمل وجهين، أحدهما: أنها في محل رفعٍ بالابتداء، وخبره ما بعده على ما تقدَّم، والفاعل المحذوف هو الله تعالى، يدلُّ عليه قراءة أبيّ المتقدمة، وفي القائمِ مَقامَه أربعةُ أوجه، أحدهما: أنه ضمير العذاب، والضمير في ((عنه)) يعود على ((مَنْ)) فقط، والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب بـ ((يُصْرَف)). الثاني: أنه منصوب بالعذاب أي: الذي قام ضميره مقام الفاعل، قاله أبو البقاء(٤)، ويلزم (١) لم يرد هذا القول في مشكل مكي. (٢) أي تقدير ((مَنْ)) منصوبةٌ . (٣) أي يُصْرف بالبناء للمجهول. (٤) الإِملاء ٢٣٧/١. ٥٦٠