النص المفهرس

صفحات 521-540

- المائدة -
هل هو منصوبٌ نصبَ المفعول به أو نصبَ المصادر؟ لأنه متى وقع بعد القول
ما يُفْهم كلاماً نحو: ((قلت شعراً وخطبة)) جَرَى فيه هذا الخلاف، وعلى كلُّ
تقدير فـ ((يوم)) منصوبٌ على الظرف بـ ((قال)) أي: قال الله هذا القولَ أو هذه
الأخبارَ في وقتٍ نفع الصادقين، و«ينفع))» في محلِّ خفضٍ بالإِضافة، وقد
تقدَّم ما يجوزُ إضافته إلى الجمل وأنه أحد ثلاثة أشياء. وأمَّا قراءةُ التنوين
فرفعُه على الخبريةِ كقراءة الجماعة، ونصبُه على الظرفِ كقراءة نافع، إلا أنَّ
الجملةَ بعده في القراءتين في محل الوصفِ لِما قبلها، والعائدُ محذوفٌ، وهي
نظيرَةُ قولِه تعالى: ((يوماً لا تَجْزي نفس عن نفس شيئا))(١)، فيكونُ محلُّ هذه
الجملة إما رفعاً أو نصباً.
قوله: ((صِدْقُهم)) مرفوع بالفاعلية، وهذه قراءة العامة، وقُرِىءٍ(٢) شاذاً
بنصبه وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول من أجله أي:
ينفعهم لأجلِ صِدْقِهم، ذكر ذلك أبو البقاء(٣)، وتبعه الشيخ (٤) وهذا لا يجوزُ
لأنه فاتَ شرطٌ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ النفعِ غيرُ
فاعلِ الصدقِ، وليس لقائلٍ أن يقولَ: ((يُنصب بالصادقين فكأنه قيل: الذين
يَصْدُقون لأجل صدقهم فيلزمُ اتحادُ الفاعل)) لأنه يؤدي إلى أنَّ الشيء علة
لنفسِه، وللقولِ فيه مجال. الثاني: على إسقاطِ حرف الجر أي: بصدقِهم،
وهذا قد عَرَفْتَ ما فيه أيضاً من أنّ حَذْف الحرفَ لا يطُرد. الثالث: أنه
منصوب على المفعول به، والناصب له اسم الفاعل في ((الصادقين)) أي:
الذين صَدَقوا صدقهم، مبالغةً نحو: ((صَدَقْت القتال)) كأنك وَعَدْتَ القتالَ
(١) الآية ٤٨ من البقرة.
(٢) البحر ٦٣/٤.
(٣) الإملاء ٢٣٤/١.
(٤) البحر ٦٣/٤.
٥٢١

فلم تَكْذِبْه، وقد يُقَوِّي هذا نصبُه على المفعول له، والعامل فيه اسم الفاعل
[٢٩٥/ب] قبله. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكد كأنه قيل: الذين / يَصْدُقون الصدقَ كما تقول:
((صَدَق الصدقَ))، وعلى هذه الأوجه كلَّها ففاعلُ ((ينفع)) ضميرٌ يعود على الله
تعالى. وقولُه تعالى: (رَضِي اللَّهُ عنهم)) معناه الدعاءُ. وباقي السورة ظاهرُ
الإِعراب مِمَّا تقدَّم مِنْ نظائرِه ولله الحمدُ.
٥٢٢

سورة الأنعام
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظلماتِ﴾: ((جعل)) هنا تتعدى
المفعول واحد لأنها بمعنى خلق، هكذا عبارة النحويين، ظاهرها أنهما
مترادفان. إلا أن الزمخشري(١) فرّق بينهما فقال: ((والفرق بين الخَلْق والجَعْل
أنَّ الخَلْقِ فيه معنى التقدير و[في](٢) الجعل معنى التصيير(٣) كإنشاء شيء من
شيء، أو تصييرِ شيءٍ شيئاً، أو نقلِه من مكان إلى مكان، ومن ذلك: ((وَجَعَلّ
منها زَوْجَها))(٤) ((وجَعَل الظلماتِ والنور))(٥)؛ لأنَّ الظلمات من الأجرام
المتكاثفة والنور من النار)). انتهى. وقال الطبري(٦): ((جَعَلَ)) هنا هي التي
تتصرف في طَرَف الكلام كما تقول: جعلت أفعل كذا، فكأنه: ((وجعل
إظلامَها وإنارتّها)). وهذا لا يشبه كلام أهل اللسان(٧). ولكونها عند
(١) الكشاف ٣/٢.
(٢) زيادة من الكشاف.
(٣) الكشاف: التضمين.
(٤) الآية ١٨٩ من الأعراف.
(٥) الآية ١ من الأنعام.
(٦) تفسير الطبري ٢٥٠/١١.
(٧) مثّل الطبري لجعل التي هي من أفعال الشروع، وأما التي في الآية فهي التي تتعدى إلى مفعول
واحد .
٥٢٣

- الأنعام -
أبي القاسم(١) ليست بمعنى ((خلق)) فسَّرها هنا بمعنى أحدث وأنشأ. وكذا
الراغب(٢) جعلها بمعنى أوجد.
ثم إن الشيخ اعترض عليه(٣) هنا لمَّا استطرد، وذكر أنها تكون بمعنى
صَيَّر، ومثَّل بقوله: ((وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً)(٤)
فقال(٥): ((وما ذَكَرِه من أنَّ ((جَعَل)) بمعنى صَيِّر في قوله: ((وجعلوا الملائكة))
لا يَصِحُّ لأنهم لم يُصَيِّروهم إناثاً، وإنما ذكر بعض النحويين أنها هنا بمعنى
سمِّي)). قلت: ليس المرادُ بالتصيير التصيير بالفعل، بل المراد التصيير بالقول،
وقد نصَّ الزمخشري على ذلك، وسيأتي لهذا - إن شاء الله - مزيدُ بيان في
موضعه. وقد ظهر الفرق بين تخصيص السموات والأرض بالخَلْق والظلمات
والنور بالجَعْل بما ذكره الزمخشري. وإنما وَحَّد النور وجَمَع الظلمات لأن
النورَ مِنْ جنس واحد وهو النار، والظلمات كثيرة، فإنَّ ما من جِرْمٍ إلا وله
ظلَّ، وظلُّه هو الظلمة، وحَسَّن هذا أيضاً أن الصلةَ التي قبلها تقدَّم فيها جَمْعٌ
ثم مفردٌ فعطفْتَ هذه عليها كذلك؟(٦). وقد تقدَّم في البقرة الحكمة في جمع
السموات وإفراد الأرض (٧). وقُدِّمت ((الظلمات)) في الذِّكْر لأنه مُوافِقٌ في
الوجود؛ إذ الظلمة قبل النور عند الجمهور.
قوله: ((ثم الذين كفروا)) ((ثم)) هذه ليست للترتيب الزماني، وإنما هي
للتراخي بين الرتبتين، والمراد استبعادُ أن يَعْدِلوا به غيرَه مع ما أوضح من
(١) أي الزمخشري في الكشاف ٣/٢.
(٢) المفردات ٩٤.
(٣) أي: اعترض الشيخ أبو حيان على الزمخشري.
(٤) الآية ١٩ من الزحرف.
(٥) البحر المحيط ٦٨/٤.
(٦) أي حسِّن توحيد النور وجمع الظلمات أن الصلة التي قبلها وهي ((خلق))
تقدم فيها جمعٌ (السموات) ثم مفرد (الأرض) فعطفت هذه (الظلمات والنور) كذلك.
(٧) لم أجدها فيما تقدم.
٥٢٤

- الأنعام-
الدلالات. وهذه عطفٌ: إمَّا على قوله ((الحمد لله)) وإما على قوله ((خلق
السموات)). قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: فما معنى ((ثم))؟ قلت: استبعاد
أن يَمْتَرُوا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم)). وقال ابن عطية (٢):
((ثم)) دالة على قُبْح فِعْل الذين كفروا؛ فإنَّ خَلْقه السموات والأرض وغيرهما
قد تُقرَّر، وآياته قد سطعتْ، وإنعامه بذلك قد تبيّن، ثم مع هذا كله يَعْدِلون به
غيره)».
قال الشيخ(٣): «ما قالاه من أنها للتوبيخ والاستبعاد ليس بصحيح، لأنها
لم تُوضَعْ لذلك، والاستبعادُ والتوبيخُ مستفادٌ من السياق لا من ((ثم))،
ولم أعلم أحداً من النحويين ذكر ذلك، بل ((ثم)» هنا للمُهْلة في الزمان، وهي
عاطفةً جملةً اسمية على جملة اسمية)). يعني على (٤) ((الحمد لله)). ثم
اعترض على الزمخشري في تجويزه أن تكون معطوفةً على ((خَلَق)» بأنَّ ((خَلَق))
صلة، فالمعطوفُ عليها يُعطى حكمَها، ولكن ليس ثَمَّ رابطٌ يعود منها على
الموصول. ثم قال: ((إلا أن يكون على رأي / مَنْ يَرَى الرَّبْطَ بالظاهر [١/٢٩٦]
كقولهم: ((أبو سعيدٍ الذي رَوَيْتُ عن الخدري)) وهو قليلٌ جداً لا ينبغي أن
يُحمِلَ عليه كتابُ الله)). قلت: الزمخشري إنما يريد العطف بـ ((ثم)) لتراخي
ما بين الرتبتين، ولا يريد التراخي في الزمان كما قد صرَّح به هو فكيف يَلْزَمُه
ما ذَكَرٍ مِنَ الخلوِّ عن الرابط، وكيف يَتَخَّل كونَها للمهلة في الزمان كما ذكر
الشيخ؟
قوله: ((بربِّهم)) يجوز أن يتعلَّق بـ ((كفروا)) فيكون ((يَعْدِلون)» بمعنى
يَميلون عنه، من العُدول، ولا مفعولَ له حينئذ، ويجوز أن يتعلَّق بـ ((يعدِلون»
(١) الكشاف ٤/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٣/٦.
(٣) البحر ٦٩/٤.
(٤) قوله ((على)) تكرر في الأصل.
٥٢٥

- الأنعام .
وقُدِّم للفواصل، وفي الباء حينئذ احتمالان، أحدهما: أن تكون بمعنى عن،
و ((يَعْدِلون)» من العُدول أيضاً، أي يعدلون عن ربهم إلى غيره. والثاني: أنها
للتعدية، ويَعْدِلون من العَدْل وهو التسوية بين الشيئين، أي: ثم الذين كفروا
يُسَوُوْن بربهم غيرَه من المخلوقين، فيكون المفعول محذوفاً.
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿من طينٍ﴾؛ فيه وجهان، أظهرهما: أنه
متعلُّقٌ بـ ((خَلَقَكم)) و((مِنْ)) لابتداء الغاية. والثاني: أنه متعلّق بمحذوف على
أنه حال، وهل يُحتاج في هذا الكلام إلى حَذْفِ مضاف أم لا؟ خلاف: ذهب
جماعة كالمهدويِّ ومكي(١) وجماعة إلى أنه لا حَذْفَ، وأن الإِنسان مخلوقٌ
من الطين، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولودٍ يولد إلا
ويُذَرُّ على النطفة من تراب حفرته))(٢). وقيل: إن النطفة أصلها الطين. وقال
غالب المفسرين: ثمَّ محذوفٌ أي: خَلَقَ أَصْلَكم أو أباكم من طيْنٍ، يعنون
آدم وقصته مشهورة. وقال امرؤ القيس(٣):
١٨٥٩- إلى عِرْقِ الثَّرِى رَسَخَتْ عُروقي
وهذا الموتُ يَسْلُبُني شبابي
قالوا: أراد بعِرْقِ الثرى آدَمَ عليه السلام لأنه أصلُه.
قوله: ((ثم قَضَى)) إن كان ((قضى)) بمعنى أظهر فـ (ثُمَّ) للترتيب الزماني
على أصلها؛ لأنَّ ذلك متأخر عن خَلْقِنا وهي صفة فعل، وإن كان بمعنى كَتَب
وقَدَّر فهي للترتيب في الذِّكْر؛ لأنها صفة ذات، وذلك مُقَدَّم على خَلْقِنا.
قوله: ((وأجلٌ مُسَمَّى عنده)) مبتدأ وخبر، وسوَّغ الابتداء هنا شيئانِ،
أحدهما: وَصْفُه، والثاني: عَطْفُه، ومجرَّدُ العطف من المسوغات، قال(٤):
(١) لم يَرِدْ هذا القول لمكيّ في «مشكل إعراب القرآن)».
(٢) لم أجده بهذه الرواية ..
(٣) ديوانه ٩٨؛ والبحر ٧٠/٤، ورواية ((رسخت)) في الديوان (وَشَجَتْ)) أي اتصلت.
(٤) تقدم برقم ١٦٧٧ .
٥٢٦

- الأنعام -
فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعا
١٨٦٠- عندي اصْطِباروشكوى عندقاتلتي
والتنكير في الأجلين للإِبهام. وهنا مُسَوِّغٌ آخر وهو التفصيل كقوله(١):
١٨٦١- إذا ما بکی مِنْ خلفها انصرفَتْ له
بشِقٍ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّلِ
ولم يَجِبْ هنا تقديمُ الخبر وإن كان المبتدأ نكرةً والخبر ظرفاً؛ قال
الزمخشري (٢): ((لأنه تخصّص بالصفةِ فقارَبَ المعرفة)). قال الشيخ(٣): ((وهذا
الذي ذكره من كَوْنِهِ مُسَوِّغاً للابتداء بالنكرة لكونها وُصِفَتْ لا يتعيّن، لجواز أن
يكون المسوُِّ التفصيلَ، ثم أنشد البيت: إذا ما بكى)). قلت: الزمخشري
لم يقلْ إنه تعيّن ذلك حتى يُلْزِمَه به، وإنما ذكر أشهرَ المسوّغات فإِنَّ العطفَ
والتفصيل قَلَّ مَنْ يذكرُهما في المسوِّغات.
قال الزمخشري (٤): ((فإن قلت: الكلامُ السائرُ أن يُقال: ((عندي ثوب
جيّدٌ، ولي عبدٌ كَيِّس» فما أوجب التقديم؟ قلت: أوجبه أن المعنى: وأيُّ أجل
مسمّى عنده، تعظيماً لشأن الساعة، فلمَّا جرى فيه هذا المعنى أوجب
التقديم)). قال الشيخ(٥): ((وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان التقدير: وأيُّ أجل
مسمى عنده كانت ((أيّ)) صفةً لموصوف محذوف تقديره: وأجلٌ أيُّ أجلٍ
مسمَّى عنده، ولا يجوز حَذْفُ الصفةِ إذا كانت ((أيََّ))، ولا حَذْفُ موصوفِها
وإبقاؤها. لو قلت: مررت بأيِّ رجل، تريد برجلٍ أيِّ رجل لم يَجُزْ)). قلت:
ولم أَدْرِ كيف يُؤَاخَذُ مَنْ فسَّر معنى / بلفظٍ لم يَدَّعِ أن ذلك اللفظً هو أصل [٢٩٦/ب]
الكلام المفسَّر، بل قال: معناه كيت وكيت، فكيف يلزمه أن يكون ذلك
(١) تقدم برقم ٢٢٢.
(٢) الكشاف ٤/٢.
(٣) البحر ٤ /٧١.
(٤) الكشاف ٥/٢.
(٥) البحر ٧١/٤.
٥٢٧

- الأنعام -
الكلام الذي فسَّر به هو أصل ذلك المفسّر؟ على أنه قد وَرَدَ حذفُ موصوفٍ
((أيّ)) وإبقاؤها كقوله(١):
١٨٦٢- إذا حارب الحَجَّاجُ أيَّ منافقٍ عَلَاه بسيفٍ كلما هَزَّ يقطعُ
قوله: ((ثم أنتم تَمْتَرُون)). قد تقدَّم الكلامُ على ((ثم)) هذه. وتمترون
تَفْتَعُوْن(٢) من المِرْيَة، وتقدَّم معناها في البقرة عند قوله ((من
الممترين))(٣). وجَعَلَ الشيخ (٤) هذا من باب الالتفات، أعنى قوله: ((خَلَقَكم
ثم أنتم تَمْتَرون))، يعني أن قوله ((ثم الذين كفروا)) غائبٌ، فالتفت عنه إلى
قوله: ((خلقكم ثم أنتم)). ثم كأنه اعترض على نفسه بأنَّ خَلْقَكم وقضاءَ
الأجلِ لا يختصُّ به الكفار، بل المؤمنون مثلُهم في ذلك. وأجاب بأنه إنما
قصد الكفار تنبيهاً لهم على خَلْقِه لهم وقدرته وقضائه لآجالهم. قال: ((وإنما
جَعَلْتُه من الالتفات؛ لأن هذا الخطابَ وهو ((ثم أنتم تمترون)) لا يمكن أن
يندرجَ فيه مَنْ اصطفاه الله بالنبوّة والإِيمان)).
وأصل مُسَمَّى: مُسَمَّوٌ لأنه من مادة الاسم، وقد تقدَّم ذلك(٥)، فقلبت
الواو ياءً، ثم الياء ألفاً. وتمترون أصله تَمْتَرِيُون فأُعِلَّ كنظائر له تقدَّمَتْ.
آ. (٣) قوله تعالى: ﴿وهو الله في السموات﴾: في هذه الآية أقوالٌ
كثيرة لخَّصْتُ جميعها في اثني عشر وجهاً؛ وذلك أن ((هو)) فيه قولان،
أحدهما: هو ضمير اسم الله تعالى يعود على ما عادت عليه الضمائر قبله
والثاني: أنه ضمير القصة، قاله أبو عليّ. قال الشيخ(٦): ((وإنما فَرَّ إلى هذا
(١) تقدم برقم ١٠٧٦.
(٢) الأصل: «تفتعلون)» وهو سهو.
(٣) الآية ١٤٧ .
(٤) البحر ٤ /٧١.
(٥) انظر إعرابه للتسمية في الورقة ٣أ.
(٦) البحر ٧٢/٤.
٥٢٨

- الأنعام -
لأنه لو أعاده على الله لصار التقدير: الله الله، فتركّب الكلام من اسمين
متَّحِدَيْن لفظاً ومعنَّى لا نسبةً بينهما إسنادية)» قلت: الضمير إنما هو عائد على
ما تقدَّم من الموصوف بتلك الصفاتِ الجليلة وهي خَلْقُ السموات والأرض،
وجَعْلُ الظلمات والنور، وخَلْق الناس من طين إلى آخرها، فصار في الإِخبار
بذلك، فائدةٌ من غير شك، فعلى قول الجمهور يكون (هو)) مبتدأً و ((الله))
خبره، و((في السموات)) متعلق بنفس الجلالة لما تَضَمَّنَتْه من معنى العبادة
كأنه قيل: وهو المعبود في السموات، وهذا قول الزجاج(١) وابن عطية(٢)
والزمخشري .
قال الزمخشري: ((في السموات)) متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل:
وهو المعبود فيها - ومنه: ((وهو الذي في السماء إله)) (٤) - أو هو المعروف
بالإِلهيَّة والمتوحَّد بالإِلهِيَّة فيها، أو هو الذي يقال له ((الله)) لا يَشْرَكُه في هذا
الاسمِ غيره)). قلت: إنما قال: ((أو هو المعروف أو هو الذي يقال له الله)) لأن
هذا الاسم الشريف تقدَّم لك فيه خلاف(٥): هل هو مشتق أو لا؟ فإن كان
مشتقاً ظهر تعلُّق الجار به، وإن كان ليس بمشتق: فإمَّا أن يكون منقولاً
أو مرتجلاً، وعلى كلا التقديرين فلا يعمل؛ لأن الأعلام لا تعمل فاحتاج أنْ
يَتَأَوِّل ذلك على كل قول من هذه الأقوال الثلاثة، فقوله ((المعبود)) راجع
للاشتقاق، وقوله (المعروف)) راجع لكونه عَلَماً منقولاً، وقوله ((الذي يقال له
اللَّهُ)) راجع إلى كونه مرتجلاً، وكأنه - رَحِمه الله - استشعر بالاعتراض
المذكور. والاعتراضُ منقولٌ عن الفارسي، قال(٦): ((وإذا جَعَلْتَ الظرف
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٥٠/٢.
(٢) المحرر ٦/٦.
(٣) الكشاف ٥/٢.
(٤) الآية ٨٤ من الزخرف.
(٥) انظر إعرابه للبسملة في الورقة ٤ أ.
(٦) أي الفارسي.
٥٢٩

- الأنعام -
متعلقاً باسم الله جاز عندي على قياس مَنْ يقول إن الله أصله الإله، ومن ذهب
بهذا الاسم مذهب الأعلام وجب أن لا يتعلق به عنده إلا أن تُقَدِّر فيه ضرباً
من معنى الفعل)) فكأن الزمخشري - والله أعلم - أخذ هذا من قول الفارسيِّ
وبَسَطه. إلا أن أبا البقاء(١) نقل عن أبي علي أنه لا يتعلَّق ((في)) باسم الله لأنه
صار بدخول الألف واللام، والتغييرِ الذي دخله، كالعلم، ولهذا قال تعالى:
((هل تعلم له سَمِيّا))(٢). فظاهرُ هذا النقلِ أنه يمنع التعلَّق به وإن كان في
الأصل مشتقاً.
وقال الزجاجُ(٣): «هو متعلّقٌ بما تضمَّنه اسم الله من المعاني كقولك:
(أميرُ المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب)). قال ابن عطية (٤): ((هذا عندي
[٢٩٧/أ] أفضل / الأقوال وأكثرُها إحرازاً لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى. وإيضاحُه أنه
أراد أن يَدَلَّ على خَلْقِه وآثارٍ قدرته(٥) وإحاطته واستيلائه ونحوِ هذه الصفات،
فَجَمع هذه كلَّها في قوله: ((وهو الله))؛ أي الذي له هذه كلَّها في السموات
وفي الأرض، كأنه قال: وهو الخالق والرازق والمُحْيي والمحيط في السموات
وفي الأرض، كما تقول: ((زيد السلطان في الشام والعراق))، فلو قصدت ذات
زيد لكان محالاً، فإذا كان مقصدُ قولك: [زيد](٦) الآمرُ الناهي الذي يولّي
ويَعْزِل كان فصيحاً صحيحاً، فأقمت السلطنة مُقامَ هذه الصفات، كذلك في
الآية الكريمة أقمت ((الله)) مقام تلك الصفات)».
قال الشيخ(٧): ((ما ذكره الزجاج، وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث
(١) الإملاء ٢٣٥/١.
(٢) الآية ٦٥ من مريم.
(٣) معاني القرآن ٢٥٠/٢.
(٤) المحرر ٦/٦.
(٥) قوله: ((قدرته)) غير واضح في الأصل.
(٦) زيادة من ابن عطية.
(٧) البحر ٧٢/٤.
٥٣٠

- الأنعام -
المعنى، لكن صناعة النحو لا تساعد عليه؛ لأنهما زعما أن ((في السموات))
متعلق باسم الله لِما تَضَمَّنه من تلك المعاني، ولوصرح بتلك المعاني
لم تعمل فيه جميعها، بل العمل من حيث اللفظُ لواحدٍ منها، وإن كان ((في
السموات)) متعلقاً بجميعها من حيث المعنى، بل الأُوْلى أن يتعلَّق بلفظ ((الله))
لما تضمَّنه من معنى الألوهية، وإن كان عَلَماً لأن العلمَ يَعْمَلُ في الظرف لِما
يتضمنه من المعنى كقوله(١):
١٨٦٣- أنا أبو المِنْهالِ بعضَ الأحيانْ
فـ ((بعضَ)) نصب بالعلمَ لأنه في معنى أنا المشهور)). قلت: قوله
(لو صُرِّح بها لم تعمل)) ممنوعٌ، بل تعمل ويكون عملُها على سبيل التنازع،
مع أنه لو سكت عن الجواب لكان واضحاً. ولما ذكر الشيخ ما قاله الزمخشري
قال(٢): ((فانظر كيف قَدَّر العاملَ فيها واحداً لا جميعَها)) يعني أنه استنصر به
فيما رَدَّ به على الزجاج وابن عطية .
الوجه الثاني: أن ((في السموات)) متعلَّقُ بمحذوف هوصفة لله تعالى
حُذِفَتْ لِفَهْمِ المعنى، فقدَّرها بعضهم: وهو الله المعبود، وبعضهم: وهو الله
المدبِّر، وحَذْفُ الصفة قليلٌ جداً لم يَرِدْ منه إلا مواضعُ يسيرةٌ على نَظَرٍ فيها،
فمنها ((وَكَذَّب به قومُك))(٣) أي المعانِدون، ((إنه ليس من أهلك))(٤) أي:
الناجين فلا ينبغي أن يُحْمَلَ هذا عليه.
الوجه الثالث: قال النحاس(٥): ((- وهو أحسنُ ما قيل فيه - إن الكلام
(١) البيت لسالم بن مسافع وبعده:
ليس عليّ حَسْبي بِضُؤْلانْ
وهو في المغني ٥٦٨، ومعجم شواهد العربية ٥٤٥.
(٢) البحر ٧٢/٤ - ٧٣.
(٣) الآية ٦٦ من الأنعام.
(٤) الآية ٤٦ من هود.
(٥) إعراب القرآن ٥٣٦/١.
٥٣١

- الأنعام -
تمَّ عند قوله: ((وهو الله))، والمجرور متعلُّقٌ بمفعول ((يَعْلَم)) وهو ((سِرَّكم
وجَهْرَكم)) [أي: ] يَعْلَم سِرَّكم وجَهْركم فيهما)). وهذا ضعيفٌ جداً لِما فيه من
تقدیم معمول المصدر عليه وقد عرف ما فيه.
الوجه الرابع: أن الكلام تمَّ أيضاً عند الجلالة، ويتعلق الظرف بنفس
((يعلم)) وهذا ظاهر، و((يعلم)) على هذين الوجهين مستأنف.
الوجه الخامس؛ أن الكلام تمَّ عند قوله ((في السموات)) فيتعلق ((في
السموات)) باسم الله، على ما تقدَّم، ويتعلَّق ((في الأرض)) بـ (يعلم).
وهو قول الطبري(١). قال أبو البقاء(٢): ((وهو ضعيفٌ؛ لأن الله تعالى معبود في
السموات وفي الأرض، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، فلا تتخصَّص
إحدى الصفتين بأحد الظرفين)» وهو رَدٌّ جميل.
الوجه السادس: أنَّ ((في السموات)) متعلَّقٌ بمحذوف على أنه حال من
«سرَّكم))، ثم قُدِّمَت الحالُ على صاحبها وعلى عاملها(٣).
السابع: أنه متعلق بـ ((يَكْسِبون)). وهذا فاسد من جهة أنه يلزم منه تقديمُ
معمولِ الصلة على الموصول؛ لأن ((ما)) موصولة اسمية أو حرفية، وأيضاً
فالمخاطبون كيف يكسِبون في السموات؟ ولو ذهب هذا القائل إلى أن الكلام
تمَّ عند قوله «في السموات)» وعلَّق (في الأرض)» بـ ((يَكْسِبون)» لسَهُلَ الأمرُ من
حيث المعنى لا من حيث الصناعةُ .
الثامن: أن ((الله)) خبر أول، و((في السموات)) خبر ثان. قال
الزمخشري (٤): ((على معنى: أنَّه الله وأنه في السموات وفي الأرض، وعلى
(١) تفسير الطبري ٢٦١/١١.
(٢) الإملاء ٢٣٥/١.
(٣) الأصل: ((على صاحبه وعلى عامله)) وهو سهو حيث إنه أَنَّث ((قدمت)).
(٤) الكشاف ٥/٢.
٥٣٢

- الأنعام -
معنى: أنه عالمٌ بما فيهما لا يخفى عليه شيء، كأن ذاته فيهما)) / قال [٢٩٧/ب]
الشيخ(١): ((وهذا ضعيفٌ لأن المجرور (٢) بـ ((في)) لا يدل على كون مقيد،
إنما يدل على كونٍ مُطْلَق» وهذا سهلُ الجواب لتقدُّمِه مراراً.
التاسع: أن يكون ((هو)) مبتدأ و((الله)) بدل منه، و((يَعْلَمُ)) خبره، و ((في
السموات)» على ما تقدَّم .
العاشر: أن يكون ((الله)) بدلاً أيضاً، و«في السموات)) الخبرُ بالمعنى
الذي قاله الزمخشري .
الحادي عشر: أن ((هو)) ضمير الشأن في محل رفع بالابتداء، والجلالة
مبتدأ ثان، وخبرها ((في السموات)) بالمعنى المتقدِّم أو (يَعْلَمُ))، والجملة خبر
الأول - وهو الثاني عشر - مفسرةً له.
وأمَّا ((يَعْلَمُ)) فقد عَرَفْتَ من تفاصيل ما تقدَّم أنه يجوز أن يكون مستأنفاً،
فلا محلّ [له]، أو في محل رفع خبراً، أو في محل نصب على الحال،
و ((سِرَّكم وجهرَكم)»: يجوز أن يكونا على بابهما من المصدرية ويكونان مضافين
للفاعل. وأجاز أبو البقاء(٣) أن يكونا واقعين موقع المفعول به أي مُسَرَّكم
ومَجْهوركم، واستدل بقوله تعالى: ((يعلم ما يُسِرُّون وما يُعْلِنون))(٤) ولا دليلَ
[فيه] لأنه يجوز أن تكون ((ما)) مصدرية. و(ما)) في ((ما تكسبون)) يحتمل أن
تكون مصدريةً - وهو الأليق لمناسبة المصدَرَيْن قبلها - وأن تكون بمعنى
الذي .
آ. (٤) قوله تعالى: ﴿وما تأتيهم مِنْ آيةٍ﴾: ((مِنْ آية)) فاعل زيدت
(١) البحر ٧٣/٤.
(٢) قوله: ((المجرور)) غير واضح في الأصل.
(٣) الإملاء ٢٣٥/١.
(٤) الآية ٧٧ من البقرة.
٥٣٣

- الأنعام .
فيه ((مِنْ)) لوجود الشرطين(١) فلا تَعَلُّق لها. و((من آيات)) صفة لـ ((آية)) فهي في
محل جرِّ على اللفظ أو رفعٍ على الموضع. ومعنى ((مِنْ)) التبعيض.
قوله: ((إلا كانوا) هذه الجملةُ الكونيّةُ في محل نصب على الحال، وفي
صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الضمير في ((تأتيهم)) والثاني: أنه ((من آية))
وذلك لتخصُّصِها بالوصف. و((تأتيهم)) يحتمل أن يكون ماضيّ المعنى لقوله
((كانوا))، ويحتمل أن يكون ((كانوا)) مستقبلَ المعنى لقوله ((تأتيهمْ)). واعلمْ أن
الفعل الماضي لا يقع بعد ((إلا)) إلا بأحد شرطين: إمَّا وقوعِه بعد فعلٍ كهذه
الآية الكريمة، أو يقترن بـ ((قد)) نحو: ما زيدٌ إلا قد قام)). وهنا التفات من
خطابه بقوله (٢) ((خلقكم)) إلى آخره إلى الغَيْبة بقوله: ((وما تأتيهم)).
آ. (٥) قوله تعالى: ﴿فقد كَذَّبوا﴾: الفاء هنا للتعقيب، يعني أن
الإعراض عن الآيات أعقبه التكذيب. وقال الزمخشري(٣): ((فقد كذَّبوا))
مردودٌ على كلامٍ محذوف، كأنه قيل: إن كانوا مُعْرِضين عن الآيات فقد كذبوا
بما هو أعظمُ آيةٍ وأكبرها)). قال الشيخ (٤): ((ولا ضرورةَ تدعو إلى هذا مع
انتظام الكلام))، وقوله ((بالحق)) من إقامة الظاهر مُقام المضمر، إذ الأصل:
فقد كذّبوا بها، أي بالآية. والأنباء جمع نبأ، وهو ما يَعْظُم وَقْعُه من الأخبار.
وفي الكلام حذف، أي يأتيهم مضمون الأنباء. و((به)) متعلق بخبر ((كانوا)).
و((لمَّا)) حرفُ وجوب أو ظرف زمان (٥)، والعامل فيه ((كَذَّبوا)).
و ((ما)) يجوز أن تكون موصولة اسمية، والضمير في ((به)) عائدٌ عليها،
(١) وهما: تنكير مجرورها وسبقها بنفي أو نهي أو استفهام.
(٢) الأصل: ((بقولهم)) وهو سهو.
(٣) الكشاف ٥/٢.
(٤) البحر ٤ / ٧٤.
(٥) كونها حرفاً هو مذهب الجمهور، وكونها ظرفاً مذهب الفارسي. انظر: رصف المباني
٢٨٤.
٥٣٤

- الأنعام -
ويجوز أن تكونَ مصدرية، قاله ابن عطية(١)، أي أنباء كونهم مستهزئين،
وعلى هذا فالضمير لا يعود عليها لأنها حرفية، بل يعود على الحق، وعند
الأخفش(٢) يعود عليها لأنها اسم عنده.
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿كم أهلكنا﴾: يجوز في ((كم)) أن تكون
استفهامية وخبرية، وعلى كلا التقديرين فهي مُعَلَّقةٌ للرؤية عن العمل، لأن
الخبرية تجري مجرى الاستفهامية في ذلك، ولذلك أُعْطِيت أحكامَها من
وجوب التصدير وغيره. والرؤيةُ هنا عِلْمِيَّة، ويَضْعُفُ كونها بصريةً، وعلى كلا
التقديرين فهي معلّقة عن العمل، لأنَّ البَصَرية تجري مجراها، فإن كانت
عِلْميَّةٌ فـ ((كم)) وما في حيِّزها سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولين، وإن كانت بصرية فمسدًّ
واحد.
و ((كم)) يجوز أن تكون عبارة عن الأشخاص فتكونَ مفعولاً بها ناصبها
((أَهْلَكْنا))، و((مِنْ قَرٍْ)) على هذا تمييز لها، وأن تكون عبارةً عن المصدر
فتنتصبَ انتصابَه بأَهْلَكْنا، أي إهلاكاً، و((مِنْ قرن)» على هذا صفةٌ لمفعول
(أَهْلَكْنا))، أي أهلكنا قوماً أو فوجاً من القرون؛ لأنَّ قرناً يراد به الجمع،
و ((مِنْ)) تبعيضية، والأولى لابتداء الغاية. وقال الحوفي: ((من)) الثانية بدل(٣) من
( مِنْ)) الأولى))(٤) وهذا لا يُعْقل فهو وَهْمٌ بَيِّنٌ، ويجوز أن تكون ((كم)) عبارة عن [٢٩٨/أ]
الزمان فتنتصب على الظرف. قال أبو البقاء(٥): ((تقديره: كم أزمنةٍ / أهلكنا
فيها)) وجعل أبو البقاء على هذا الوجه (من قرن)) هو المفعول به و ((مِنْ)) مزيدة
(١) المحرر ٧/٦.
(٢) لم يظهر هذا التقدير للأخفش في كتابه «المعاني))، وإنما هو مذهب ابن السراج في ((الأصول))
١٦١/١.
(٣) قوله ((بدل)) غير واضح في الأصل.
(٤) أي مِنْ في قوله ((من قرن)» بدل من مِنْ في قوله ((من قبلهم)).
(٥) الإِملاء ٢٣٥/١.
٥٣٥

- الأنعام -
فيه، وجاز ذلك لأن الكلام غير موجب والمجرور نكرة. إلا أن الشيخ(١) منع
ذلك بأنه لا يقع إذ ذاكِ المفردُ موقعَ الجمع(٢)، لو قلت: [(كم أزماناً ضربتُ
رجلًا، أوكم مرةً ضربتُ رجلًا)) لم يكن مدلولُ رجل رجالاً](٣)، لأن السؤال
إنما يقع عن عدد الأزمنة أو المرات التي ضربت فيها، وبأن (٤) هذا ليس
[موضعَ زيادة ((مِنْ)) لأنها لا تُزاد في الاستفهام](٥)، إلا وهو استفهام مَحْضٌِ
أو يكونُ بمعنى النفي، والاستفهام هنا ليس مَحْضَاً ولا مُراداً به النفيُّ.
[انتهى. والجواب عمَّ قاله: لا نُسَلَّم ذلك](٦).
قوله: ((مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض)» في موضع جر صفةً لـ((قَرْن))، وعاد الضميرُ
عليه جمعاً باعتبار معناه، قاله أبو البقاء(٧) والحوفي، وضَعَّفه الشيخ(٨) بأنَّ
(مِنْ قرن)) تمييز لـ ((كم)) فـ (كم)) هي المحدَّث عنها بالإِهلاك، فهي المُحَدَّثُ
عنها بالتمكين لا ما بعدها، إذ ((من قرن)) يجري مجرى التبيين، ولم يُحَدَّثْ
عنه. وجَوَّز الشيخ (٩) أن تكون هذه الجملة استئنافاً جواباً لسؤالٍ مقدَّر، قال:
كأنه قيل: ما كان من حالهم؟ فقيل: مكَّنَّاهم، وجعله هو الظاهر. وفيه نظر،
فإن النكرة مفتقرةً للصفة فَجَعْلُها صفةً أَلْيَق.
والفرق بين قوله ((مكَّنَّاهم في الأرض)) [وقوله]: ((ما لم نمكِّن لكم)) أنَّ
(١) البحر ٧٦/٤.
(٢) قوله: ((المفرد موقع الجمع)) غير واضح في الأصل.
(٣) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من ي .
(٤) معطوف على قوله ((بأنه لا يقع)).
(٥)ما بين معقوفین محروم في الأصل، أثبتناه من ي.
(٦) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من ي، إلا أن قوله ((لا نسلم)) ورد في ي:
((فلا)»، وأثبتناه بحذف الفاء من ص.
(٧) الإملاء ٢٣٥/١.
(٨) البحر ٧٦/٤.
(٩) البحر ٧٦/٤.
٥٣٦

- الأنعام -
(مَكَّنه في كذا)): أَثْبته فيها، ومنه: ((ولقد مكَّنَّاهم فيما إن مكَّنَّكم فيه))(١) وأمَّا
مكَّن له فمعناه جعل له مكاناً ومنه: ((إنَّا مكّنَّا له في الأرض))(٢) ((أولم نمكُّنْ
لهم)) (٣)، ومثله: ((أَرَضَ له))(٤) أي جعل له أرضاً، هذا قول الزمخشري(٥).
وأمَّا الشيخ فإنه يظهر من كلامه التسوية بينهما فإنه قال(٦): ((وتَعَدِّي مَكَّن هنا
للذوات بنفسه وبحرف الجر، والأكثرُ تعديتهُ باللام: (مَكَّنَّا ليوسف))(٧) ((إِنَّا
مكّنَّا له))(٨) ((أولم نُمَكِّنْ لهم))(٩). وقال أبو عبيدة(١٠): «مكَّنَّاهم ومكّنًا لهم:
لغتان فصيحتان نحو: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ له)). [قلت: وبهذا قال](١١) أبو علي
والجرجاني .
قوله: ((ما لم نُمَكُّنْ لكم)) في ((ما)) هذه خمسة أوجه، أحدها: أن تكون
موصولةٌ بمعنى الذي، وهي حينئذ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: التمكين
الذي لم نمكَّن لكم، والعائد محذوف أي: الذي لم نمكّنه لكم. الثاني: أنها
نكرةٌ صفةٌ لمصدر محذوف تقديره: تمكيناً ما لم نمكّنه لكم، ذكرهما
الحوفي. وردَّ الشيخ(١٢) الأول بأن «ما)) بمعنى الذي لا تكون صفةً لمعرفة وإن
الآية ٢٦ من الأحقاف.
(١)
الآية ٨٤ من الكهف.
(٢)
الآية ٥٧ من القصص، والأصل: ((لكم)) وهو سهو.
(٣)
قال في اللسان ((أرض)): أرض الرجلُ: أقام على الإِراض، والإِراض: البساط لأنه يلي
(٤)
الأرض.
الكشاف ٥/٢ - ٦.
(٥)
(٦)
البحر ٧٦/٤.
الآية ٢١ من يوسف.
(٧)
الآية ٨٤ من الكهف.
(٨)
الآية ٥٧ من القصص.
(٩)
(١٠) مجاز القرآن ١٨٦/١.
(١١) ما بين معقوفين محروم في الأصل، أثبتناه من ي.
(١٢) البحر ٤ /٧٦.
٥٣٧

- الأنعام -
كان ((الذي)) يقع صفةٍ لها، لوقلت: ((ضربت الضرب ما ضَرَبَ زيدٌ)) تريد
الضربَ الذي ضربه زيد، لم يجز، فإن قلت: ((الضرب الذي ضربه زيد))
جاز. ورَدَّ الثاني بأن ((ما)) النكرة(١) التي تقع صفةً لا يجوز حَذْفُ موصوفِها،
لو قلت: ((قمت ما وضربت ما)) وأنت تعني: قمت قياماً ما، وضرباً ما،
لم يجز)».
الثالث: أن تكون مفعولاً بها لـ ((مَكَّن)) على المعنى، لأن معنى
مكّنَّهم: أعطيناهم ما لم نُعْطِكُمْ، ذكره أبو البقاء(٢) قال الشيخ(٣): ((هذا
تضمينٌ، والتضمين لا ينقاس)). الرابع: أن تكون ((ما)) مصدريةً، والزمان
محذوف، أي: مدةً ما لم نمكِّن لكم، والمعنى: مدة انتفاء التمكين لكم.
الخامس: أن تكون نكرةً موصوفة بالجملة المنفيَّة بعدها والعائد محذوف،
أي: شيئاً لم نمكِّنْه لكم، ذكرهما أيضاً أبو البقاء(٤). قال الشيخ(٥) في
الأخير: ((وهذا أقرب إلى الصواب)). قلت: ولو قدَّره أبو البقاء بخاصٍ لكان
أحسن من تقديره بلفظ شيء فكان يقول: مكنَّاهم تمكيناً لم نمكنه لكم.
والضمير في ((يروا)) قيل: عائد على المستهزئين، والخطاب في ((لكم))
راجع إليهم أيضاً فيكون على هذا التفاتً فائدتُه التعريض بقلّة تمكّن هؤلاء
ونَقْصٍ أحوالهم عن حال أولئك، ومع تمكينهم وكثرتهم فقد حَلَّ بهم الهلاك
فكيف وأنتم أقلُّ منهم تمكيناً وعَدَدً؟ وقال ابن عطية (٦): ((والمخاطبة في
(لكم)) هي للمؤمنين ولجميع المعاصرين لهم ولسائر الناس كافة، كأنه قيل:
(١) قوله ((النكرة)) غير واضح في الأصل.
(٢) الإِملاء ٢٣٥/١، وقوله: ((ذكره أبو البقاء)) مخروم في الأصل.
(٣) البحر ٧٦/٤.
(٤) الإِملاء ٢٣٥/١.
(٥) البحر ٧٦/٤.
(٦) المحرر ٨/٦.
٥٣٨

- الأنعام -
ما لم نمكَّن يا أهل هذا العصر لكم، ويحتمل أن يُقَدَّر معنى القول لهؤلاء
الكفرة، كأنه قال: يا محمد قل لهم: ألم يروا كم أهلكنا الآية، فإذا أخبرت
أنك قُلْتَ - أو أَمَرْتَ أن يقال - فَلَكَ في فصيح كلام العرب أن تحكي
الألفاظ المقولة بعينها فتجيءَ بلفظ المخاطبة، ولك أن تجيء بالمعنى في
الألفاظ بالغيبة دون الخطاب)). انتهى ومثاله: ((قلت لزيد: ما أكرمك،
أو ما أكرمه».
والقَرْن(١): لفظ يقع على معانٍ كثيرة، فالقرن: الأمَّة من الناس، سُمُّوا
بذلك لاقترانهم في مدة من الزمان، ومنه قوله عليه السلام(٢): ((خيرُ القرون
قرني)). وقال الشاعر(٣):
١٨٦٤- أُخَبِّرُ أخبارَ القُرونِ التي مَضَتْ أَدِبُّ كأني كلما قُمْتُ راكِعُ
وقال قس بن ساعدة (٤):
منَ من القرون لنا بصَائِرْ
١٨٦٥- في الذاهبين الأوَّلِيـ
وقيل: أصله الارتفاع، ومنه قَرْنُ الثور وغيره، فَسُمُّوا بذلك لارتفاع
السنِّ، وقيل: لأن بعضهم يُقْرَن ببعض ويُجعل مجتمعاً معه، ومنه القُرَن
للحَبْلِ يُجمع به بين البعيرين، ويُطلق على المدة من الزمان أيضاً.
وهل إطلاقه على الناس والزمان بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز؟
/ الراجح الثاني؛ لأن المجازَ خيرٌ من الاشتراك. وإذا قلنا بالراجح فإنها [٢٩٨/ب]
الحقيقة، الظاهر أنه القوم لأنَّ غالبَ ما يُطلق عليهم(٥)، والغَلَبة مؤذنةً بالأصالة
(١) انظر: المفردات ٤٠١.
(٢) البخاري: (الفتح) الشهادات ٢٥٨/٥؛ الترمذي (التحفة)؛ الفتن ٤٦٩/٦.
(٣) تقدم برقم ٤٢١.
(٤) البيت في البحر ٤ /٦٦.
(٥) قوله ((عليهم)) خبر ((لأنَّ).
٥٣٩
:

- الأنعام -
غالباً. وقال ابن عطية (١): ((القرن أن يكون وفاة الأشياخ وولادة (٢) الأطفال،
ويظهر ذلك من قوله تعالى: ((وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين))(٣)، فجعله
معنى، وليس بواضح. وقيل: القرن: الناس المجتمعون، قلَّت السنون
أو كَثُرت، واستدلوا بقوله عليه السلام(٤): ((خيرُ القرونِ قَرْني)» وبقوله(٥):
١٨٦٦- في الذاهبين الأوَّلـي ـنَ من القرون لنا بصائِرْ
وبقوله(٦):
وخُلِّفْتَ فِي قَرْن فأنْتَ غريبُ
١٨٦٧- إذا ذَهَب القومُ الذي كنتَ فیھمُ
فأطلقوه على الناس بقيد الاجتماع. ثم اختلف الناس في كمية القرن
حالة إطلاقه على الزمان فالجمهور أنه مئة سنة، واستدلوا له بقوله عليه
السلام: ((يعيش قرناً)) فعاش مائة سنة(٧). وقيل: مئة وعشرون قاله إياس بن
معاوية (٨) وزارة بن (٩) أبي أوفى. وقيل: ثمانون نقله صالح(١٠) عن ابن
(١) المحرر ٨/٦.
(٢) المحرر: ثم ولادة.
(٣) الآية ٦ من الأنعام.
(٤) ذكرنا تخريجه قبل قليل.
(٥) تقدم برقم ١٨٦٥.
(٦) البيت لأبي محمد التميمي (عباسي) وهو في البيان والتبيين ١٩٥/٣؛ والبحر ٦٦/٤
والقرطبي ٣٩١/٦.
(٧) قالها لعبدالله بن بُشْر. انظر: القرطبي ٣٩١/٦.
(٨) إياس بن معاوية المزني قاضي البصرة، معروف بذكائه وفراسته توفي سنة ١٢٢ . انظر:
الوفيات ٨١/١؛ الأعلام ٣٣/٢.
(٩) كذا في الأصل: بن أبي أوفى، لعله بن أوفى كما في البحر ٦٦/٤، وزرارة بن أوفى
العامري قاضي البصرة مات في أول قدوم الحجاج للعراق. انظر: مشاهير علماء
الأمصار ٩٥.
(١٠) في البحر ٦٥/٤: أبو صالح، ويبقى تحديده صعباً.
٥٤٠