النص المفهرس
صفحات 461-480
- المائدة - وردّ الشيخ(١) ذلك فقال: ((أمَّا ما ذكره من المُثُل / فصحيح لأنه مَثْل بتأخير [٢٨٤/ب] ((آخَر)) وجَعَلَه صفة لغير جنس الأول، وأمَّا الآية فمن قبيل ما يُقَدَّم فيه ((آخر)) على الوصف واندرج ((آخر)) في الجنس الذي قبلَه، ولا يُعْتَبَرُ وصفُ جنس الأول، تقول: («مررتُ برجلٍ مسلمٍ وآخرَ كافرٍ، واشتريت فرساً سابقاً وآخر بطيئاً، ولو أخّرْتَ ((آخر)) في هذين المثالين فقلت: ((مررتُ برجل مسلم وكافر آخر)» لم يَجُزْ، وليس الآية من هذا لأن تركيبها «اثنان ذوا عَدْل منكم أو آخران من غيركم)) فـ ((آخران)) من جنسٍ قولِه ((اثنان)) ولا سيما إذا قَدَّرْته: ((رجلان اثنان)) فـ ((آخران)) هما من جنس ((رجلان اثنان))، ولا يُعْتبر وصفُ قوله: ((ذوا عدل منكم)) وإن كان مغايراً لقوله ((من غيركم))، كما لا يُعتبر وصفُ الجنس في قولك: ((عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران))، إذ ليس من شرطٍ (آخر) إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيدٍ وصفِه، وعلى ما ذكرته جاء لسان العرب، قال الشاعر (٢): ١٨٢٦ - كانوا فريقين يُصْفون الزِّجاجَ على قُعْسِ الكواهلِ فِي أَشْداقِها ضَخَمُ وآخَرِين تَرَى الماذِيَّ فوقَهُمُ مِنْ نَسْجِ داودَ أو ما أَوْرَثَتْ إِرَمُ التقدير: كانوا فريقين: فريقاً - أو ناساً - يُصْفون الزجاج، ثم قال: وآخرين ترى الماذِيَّ، فـ((آخرين)) من جنس قولك ((فريقاً» ولم يعتبره بوصفه بقوله (يصفون الزجاج)، لأنه قَسَّم مَنْ ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنس. قال: ((وهذا الفرقُ قَلَّ مَنْ يفهمه فضلاً عَمِّنْ يعرفه)». (١) البحر ٤١/٤. (٢) البيتان لزهير، وهما في ديوانه ١٥٨؛ والبحر ٤٢/٤، ويُصْفون: يُميلون للطعن، والزجاج: الأسِنَّة، وقعس الكواهل: حدب الأكتاف، والمادي: الدروع اللينة الضافية. ٤٦١ - المائـدة ـ وقوله: ((أو)) الظاهرُ أنها للتخيير، وهو واضحٌ على القول بأن معنى ((من غيركم)): من غير أقاربكم من المسلمين، يعني الموصي مخيٌَّ بين أَنْ يُشْهِد اثنين من أقاربه أومن الأجانبِ المسلمين، وقيل: ((أو)) للترتيب أي: لا يُعْدَلُ عن شاهدَيْن منكم إلا عند فَقْدِهما، وهذا لا يجيء إلا إذا قلنا ((من غيركم)): من غير أهل مِلْتكم. قوله: ((إنْ أنتم)) ((أنتم)) مرفوعٌ بمحذوفٍ يفسِّره ما بعده وهي مسألة الاشتغال(١)، والتقديرُ: إِنْ ضَرَبْتُم، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ انفصلَ الضميرُ، وهذا مذهبُ جمهور البصريين، وذهب الأخفشُ(٢) منهم والكوفيون إلى جواز وقوع المبتدأ بعد ((إنْ)) الشرطية كما أجازوه بعد ((إذا)) أيضاً، فـ ((ضربتم)) لا محلّ له عند الجمهور لكونه مفسِّراً، ومحلُّه الرفعُ عند الكوفيين والأخفش لكونه خبراً، ونحوُه: ((وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك))(٣)، ((إذا الشمسُ كُوِّرَتْ))(٤). وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يدل عليه قوله تعالى: ((اثنانِ ذوا عدلٍ منكم أو آخران))، ولكنَّ تقديرَ هذا الجوابِ يتوقف على خلافٍ في هذا الشرط: هل هو قيدٌ في أصلِ الشهادة أو قيدٌ في ((آخران مِنْ غيركم)) فقط؟ بمعنى أنه لا يجوزُ العدولُ في الشهادة على الوصية إلى أهلِ الذمةِ إلا بشرطِ الضربِ في الأرض وهو السفر. فإن قيل: هو شرطٌ في أصلِ الشهادةِ فتقديرُ الجوابِ: إنْ ضَرَبْتُم في الأرضِ فليشهد اثنانِ منكم أو مِنْ غيرِكم، وإنْ كان شَرَطاً في العدول إلى آخَرَيْن من غير الملَّة فالتقدير: فأشْهِدُوا آخَرَيْن من غيركمْ، أو فالشاهد آخران من غيركم، فقد ظهر أنَّ الدالَّ على جواب الشرط: (١) أي تشبه كون المتقدم قد عمل فيه فعل محذوف يفسره ما بعده، ولا يعني أنها مسألة الاشتغال نفسها. (٢) معاني القرآن ٢٤٦/١ (٣) الآية ٦ من التوبة . (٤) الآية ١ من التكوير. ٤٦٢ - المائدة - إمَّا مجموعُ قوله: ((اثنان ذوا عدل إلى آخره)) على القولِ الأول، وإمّا (أو آخران من غيركم)) فقط على القول الثاني. والفاء في ((فأصابتكم)) عاطفةٌ هذه الجملةَ على نفس الشرط، وقوله تعالى: ((تُحْبِسونهما)) فيه وجهان: أحدُهما: أنها في محلِّ رفع صفة لـ ((آخران)» وعلى هذا فالجملةُ الشرطيةُ وما عُطِفَ عليها معترضةُ بين الصفةِ وموصوفِها، فإنَّ قوله ((تَحْبسونهما)) صفةٌ لقوله ((آخران)» وإلى هذا ذهب الفارسي(١) ومكي(٢) بن أبي طالب والحوفي وأبو البقاء(٣) وابن عطية (٤). وقد أوضح / الفارسي(٥) ذلك بعبارةٍ خاصةٍ فقال: ((تحبسونهما صفةُ لـ ((آخران)) [٢٨٥/أ] واعترض بقوله: ((إنْ أنتم ضربتم في الأرض))، وأفاد الاعتراضُ أنَّ العُدولَ إلى آخرين من غير المِلَّة أو القرابة حَسَبَ اختلاف العلماء فيه إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه، واستغنى عن جواب ((إنْ)) لِما تقدَّم في قوله (آخران من غيركم)). قلت: فقد ظهر من كلامه أنه يجعلُ الشرطَ قيداً في ((آخران من غيركم)) فقط لا قيداً في أصل الشهادة، فتقديرُ الجوابِ على رأيه كما تقدم: ((فاستشهدوا آخَرَين من غيركم)) أو ((فالشاهدان آخران من غيركم)). والثاني: أنه لا محلٌّ له لاستئنافِه، وإليه ذهب الزمخشري (٦) قال: ((فإنْ قلت: ما موقعُ قولِه: ((تَحْبِسونهما))؟ قلت: هو استئناف كلام، كأنه قيل بعد اشتراطِ العدالة فيهما: فكيف نعمل إنْ ارتَبْنا فيهما؟ فقيل: تَحْبِسونهما)). وهذا الذي ذكره أبو القاسم أوفقُ للصناعة؛ لأنه يلزمُ في الأولِ الفصلُ بكلام (١) الحجة (خ) ٢/ ٣٥٤. (٢) المشكل ٢٥٠/١. (٣) الإملاء ٢٢٩/١. (٤) المحرر ٢٢١/٥. (٥) الحجة (خ) ٣٥٤/٢. (٦) الكشاف ١ /٦٥١. ٤٦٣ - المائدة - طويل بين الصفة وموصوفِها، وقال: ((بعد اشتراطِ العدالة)) بناءً على مختاره في قوله: ((أو آخران من غيركم)) أي: أو عَدْلان آخران من الأجانب. قال الشيخ(١): ((في قوله: ((إن أنتم ضربتم)) إلى آخره التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، إذ لو جَزَى على لفظ ((إذا حضَر أحدَكم الموتُ)) لكان التركيب: إن هو ضرب في الأرض فأصابته، وإنما جاء الالتفات جمعاً لأنَّ ((أحدكم)) معناه: إذا حضر كلَّ واحد منكم الموتُ)). وفيه نظرً لأن الخطاب جارٍ على أسلوب الخطاب الأول من قوله: ((يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم» إلى آخره. وقال ابن عباس: ((في الكلامِ حذفٌ تقديرُه: فأصابتكم مصيبةٌ الموت وقد أشهدتموهما على الإِيصاء». وعن سعيد بن جبير: تقديره ((وقد أوصيتم)). قال بعضُهم: ((هذا أَوْلى لأنَّ الوصِيَّ يحلف والشاهدَ لا يَحْلِفُ)) .. والخطابُ في «تحبسونهما)) لولاةٍ الأمور لا لِمَنْ خوطب بإصابتِهِ الموتَ لأنه يتعذّر ذلك فيه. و ((من بعد)) متعلق بـ ((تحبسونهما)) ومعنى الحَبْسِ: المنعُ، يقال: حَبَسْتُ وأَحْبَسْتُ فرسي في سبيل الله فهو مُحْبَسٌ وحبيس. ويقال المصنعِ الماءِ: ((حَبْس) لأنه يمنعه، ويقال: (حَّست)) بالتشديد أيضاً بمعنى وقَفْتُ وسَبَلْتُ؛ وقد يكون التشديدُ للتكثير في الفعل نحو: ((حَبَّسْتُ الرجال)). والألف واللام في ((الصلاة)) فيها قولان، أحدهما: أنها للجنس أي: بعد أيِّ صلاة كانت. والثاني - وهو الظاهر - أنها للعهد، فقيل: العصر، وقيل غيرُ ذلك. قوله: ((فَيُقْسِمان)) في هذه الفاء وجهان، أظهرهما: أنها عاطفة هذه الجملةَ على جملةٍ قوله: ((تَحْبِسونهما)) فتكون في محل رفع، أو لا محلَّ لها حَسْبما تقدَّم من الخلاف. والثاني: أنها فاءُ الجزاءِ أي: جوابُ شرطٍ مقدرٍ. (١) البحر ٤ /٤٢. ٤٦٤ - المائدة - قال الفارسي(١): ((وإن شئتَ لم تَجْعَلِ الفاءَ لعطفٍ جملة، بل تجعلُه جزاءً كقول ذي الرمة(٢): ١٨٢٧- وإنسانُ عيني يَحْسِر الماءُ تارةً فيبدو، وتاراتٍ يَجُمُّ فِيَغْرَقُ تقديرُه عندهم: إذا حَسَر بدا، وكذا في الآية: إذا حَبَسْتموهما أقسما. وقال مكي(٣) نحوه، فإنه قال: ((ويجوزُ أَنْ تكونَ الفاءُ جوابَ جزاءٍ لأن (تحسبونهما)) معناه الأمر بذلك، وهو جواب الأمر الذي دلَّ عليه الكلامُ كأنه قيل: إذا حبستموهما أَقْسَما)» قلت: ولا حاجةً داعية إلى شيء من تقديرٍ شرطٍ محذوفٍ، وأيضاً فإنه يحوج إلى حذفِ مبتدأ قبل قولِه ((فَيُقْسِمان)) أي: فهما يُقْسمان، وأيضاً فـ ((إنْ تحبسوهما)) تقدَّم أنها صفةٌ فكيف يَجْعَلُها بمعنى الأمر، والطلب لا يقع وصفاً؟ وأمَّا البيتُ الذي أنشده أبو عليّ فَخَرَّجَه النحويون على أن ((يَحْسِر الماءُ تارة)» جملةٌ خبرية، وهي وإن لم يكن فيها رابط فقد عُطِف عليها جملةٌ فيها رابط بالفاء السببية، وفاءُ السببية جَعَلَتِ الجملتين شيئاً واحداً. و ((بالله)) متعلَّقُ بفعلِ القسم، وقد تقدَّم أنه لا يجوز إظهار فعلِ القسمِ إلا معها لأنها أمُّ الباب. وقوله: ((لا نَشْتري به)) جواب القسمِ المضمرِ في (يُقْسِمان)) فتُلْقِّي بما يُتَلَّقَّى به. وقوله: ((إن ارتبتم)) شرطٌ / وجوابُه محذوفٌ [٢٨٥/ب] تقديرُه: إن ارتبتم فيهما فحلِّفوهما، وهذا الشرط وجوابُه المقدَّرُ معترضُ بين القسمِ وجوابِه. وليس هذه الآيةُ مِمَّ اجتمع فيه شرطٌ وقسمٌ فأُجيب سابقُهما، (١) الحجة (خ) ٣٥٤/٢. (٢) ديوانه ٤٦٠؛ والمحتسب ١٥٠/١؛ وأوضح المالك ٤٢/٣؛ والهمع ٨٩/١؛ والدرر ٧٤/١. ويحسر: يكشف، ويجم: يكثر. (٣) المشكل ٢٥١/١. ٤٦٥ - المائدة - وحُذِفَ جوابُ الآخرِ لدلالةِ جوابه عليه؛ لأنَّ تلكَ المسألةَ شرطُها أن يكونَ جوابُ القسمِ صالحاً؛ لأن يكون جوابَ الشرط حتى يَسُدَّ مسدّ جوابه نحو: (واللّهِ إن تقم لأكرمنَّك)) لأنك لو قَدَّرْتَ ((إن تقم أكرمتك)) صَحِّ، وهنا لا يُقَدَّر جوابُ الشرط ما هو جوابٌ للقسم، بل يُقَدَّر جوابُه قِسْماً برأسِه، ألا ترى أنَّ تقديره هنا: ((إن ارتبتم حَلِّفوهما)) ولو قَدَّرْتهِ: إن ارتبتم فلا نشتري لم يَصِحَّ، فقد اتفق هنا أنه اجتمع شرطٌ وقسمٌ وقد أُجيب سابقهما، وحُذِفَ جواب الآخر وليس من تيك القاعدةِ. وقال الجرجاني: ((إنَّ ثم قولاً محذوفاً تقديرُه يُقْسِمان بالله ويقولان هذا القولَ في أيمانِهما، والعرب تُضْمِرُ القولَ كثيراً، كقولِه تعالى: ((والملائكةُ يَدْخُلون عليهم من كلَّ بابٍ سلامٌ عليكم))(١) أي: يقولون سلام عليكم)). ولا أدري ما حمله على إضمارِ هذا القولِ؟. قوله: ((به)) في هذه الهاءِ ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها تعودُ على الله تعالى. الثاني: أنها تعودُ على القسمِ. الثالث : - وهو قول أبي علي (٢) - أنها تعودُ على تحريفِ الشهادةِ، وهذا قَويٍّ من حيث المعنى. وقال أبو البقاء(٣): ((تعودُ على اللّهِ أو القسمِ أو الحَلْفِ أو اليمينِ أو تحريفِ الشهادةِ أو على الشهادةِ لأنها قولٌ)). قلت: قوله ((أو الحَلْف أو اليمين)) لا فائدةَ فيه إذ هما شيءٌ واحدٌ، وكذلك قولُ مَنْ قال: إنها تعودُ على الله تعالى، لا بد أن يقدِّر مضافاً محذوفاً أي: لا نشتري بيمينِ الله أو قسمِه ونحوه، لأنَّ الذات المقدسة لا يُقال فيها ذلك. وقال مكي (٤): (وقيل: الهاءُ تعودُ على الشهادة لكن ذُكِرَتْ لأنها قولٌ كما قال: ((فارزقُوهم منه))(٥) فردّ الهاءَ على المقسومِ لدلالة القسمة على (١) الآية ٢٣ من الرعد. (٢) الحجة (خ) ٣٥٦/٢. (٣) الإِملاء ٢٢٩/١. (٤) المشكل ٢٥١/١. (٥) الآية ٨ من النساء. ٤٦٦ - المائدة - ذلك)). والاشتراءُ هنا هل هوباقٍ على حقيقته أو يُراد به البيع؟ قولان، أظهرُهما الأولُ، وبيانُ ذلك مبنيٍّ على نصبِ ((ثمناً» وهو منصوبٌ على المفعولية، قال الفارسيّ(١): ((وتقديره: لا نشتري به ذا ثمن، ألا ترى أنَّ الثمن لا يُشْترى، وإنما يُشْترى ذو الثمن قال: ((وليس الاشتراءُ هنا بمعنى البيع وإنْ جاء لغةً، لأنَّ البيعَ إبعادٌ عن البائعِ، وليس المعنى عليه، إنما معناه التمسُّكُ به والإِيثارُ له على الحقِّ)). وقد نَقَل الشيخُ(٢) هذا الكلامَ بعينه ولم يَعْزُه لأبي علي . وقال مكي (٣): ((معناه ذا ثمن، لأنَّ الثمن لا يُشْترى، إنما يُشْتَرى ذو الثمن، وهو كقوله: ((اشْتَرَوا بآيات الله ثمناً))(٤) أي ذا ثمن)). وقال غيرُه: ((إنه لا يَحْتاج إلى حذف مضاف)). قال أبو البقاء(٤): ((ولا حَذْفَ فيه لأنَّ الثمنَ يُشْترى كما يُشْتَرَى به، وقيل: التقدير: ذا ثمن))، وقال بعضُهم: ((لا نَشْتري: لا نبيعُ بعهدِ الله بغرضٍ نأخذُه، كقولِه تعالى: ((إنَّ الذين يَشْتَرُون بعهدِ الله وأَيْمانهم ثمناً قليلاً))(٦)، فمعنى ((لا نَشْتَري به)) لا نأخذُ ولا نستبدِلُ، ومَنْ باع شيئاً فقد اشترى، ومعنى الآية: لا نأخذُ بعهدِ الله ثمناً بأن نبيعَه بعَرَضٍ من الدنيا. قال الواحدي: ((ويُسْتغنى بهذا عن كثيرٍ من تكلّفِ أبي علي، وهذا معنى قولِ القتيبي (٧) والجرجاني)). قوله: ((ولو كان ذا قُربى)) الواوُ هنا كالتي سَبَقَتْ في قوله: ((أولو كانَ (١) الحجة (خ) ٣٥٦/٢. (٢) البحر ٤٤/٤. (٣) المشكل ٢٥١/١. (٤) الآية ٩ من التوبة . (٥) الإملاء ٢٢٩/١. (٦) الآية ٧٧ من آل عمران. (٧) تأويل مشكل القرآن ٣٧٨. ٤٦٧ - المائدة - آباؤهم لا يَعْقِلون)» في البقرة(١) من أنها يحتمل أن يقال عاطفةٌ أو حاليةٌ، وأنَّ جملةَ الامتناعِ حالٌ معطوفةٌ على حالٍ مقدرةٍ كقوله: ((أعطُوا السائلَ ولو على فَرَسٍ)) فكذا هنا تقديرُهِ: لا نَشْتري به ثمناً في كل حال ولو كانَ الحالُ كذا، واسمُ ((كان)» مضمرٌ فيها يعودُ على المشهودِ له أي: ولو كانَ المشهودُ له ذا قرابةٍ . قوله: ((ولا نكتُم)) الجمهورُ على رفعِ ميم ((نكتُم)) على أنَّ (لا)) نافية، والجملةُ تحتمل وجهين، أحدُهما : - وهو الظاهرُ - كونُها نسقاً على جواب القسمِ فتكونُ أيضاً مقسماً عليها. والثاني: أنه إخبارٌ من أنفسهم بأنهم لا يكتمُون الشهادة، ويتأيِّدُ بقراءة (٢) الحسن والشعبي: ((ولا نَكْتُمْ)) على النهي، وهذه القراءةُ جاءت على القليل من حيث إنَّ دخولَ ((لا)) الناهية على فعلِ المتكلم قليلٌ، ومنه(٣). ١٨٢٨- إذا ما خَرَجْنا مِنْ دمشقَ فلا نَعُدْ بها أبداً ما دامَ فيها الجَراضِمُ والجمهورُ على ((شهادةَ الله)) بالإِضافة، وهي مفعولٌ بها، وأُضيفت إليه تعالى لأنه هو الآمرُ بها وبحفظِها وأَنْ لا تُْتَمَ ولا تُضَيَّعَ. وقرأ عليٌّ (٤) أميرُ [٢٨٦/ أ] المؤمنين / ونعيم بن ميسرة والشعبي في رواية: ((شهادة الله)) بتنوينٍ شهادة ونصبِها ونصبِ الجلالة، وهي واضحةٌ، فـ((شهادة)) مفعول ثان، والجلالةُ نصبٌ على التعظيمِ وهي الأول. والأصلُ: ولا نكتمُ اللّهَ شهادةً، وهو كقوله: (١) الآية ١٧٠. (٢) الشواذ ٣٥؛ البحر ٤ / ٤٤. (٣) البيت للفرزدق - وليس في ديوانه - أو الوليدين عقبة، وهو في أمالي الشجري ٢٢٦/٢؛ والعيني ٤٢٠/٤؛ والتصريح ٢٤٦/٢. والجراضم: الواسع البطن. (٤) الشواذ ٣٥؛ البحر ٤٤/٤. ٤٦٨ - المائدة - ((ولا يكتمُون اللّهَ حديثاً)(١) وإنما قُدِّمَتْ هنا للاهتمامِ بها، فإنها المحدَّثُ عنها. وفيها وجهٌ ثانٍ - نقله الزهراوي - وهو أن تكون الجلالةُ نصباً على إسقاطِ حرفِ القسم، والتقديرُ: ولا نكتمُ شهادةً واللّهِ، فلمَّا حُذِف حرفُ الجر نُصِب المقسمُ به، ولا حاجةَ إليه، لأنه يَسْتدعي حذفَ المفعولِ الأولِ للكتمان أي: ولا نكتمُ أحداً شهادةً والله، وفيه تكلفٌ، وإليه ذهبَ أبو البقاء(٢) أيضاً قال: ((على أنه منصوبٌ بفعلِ القسم محذوفاً)). وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين والسلمي والحسن البصري: ((شهادةً)) بالتنوين والنصب، ((آلله)) بمدِّ الألفِ التي للاستفهام دَخَلَتْ للتقرير وتوقيف نفوس الحالفين، وهي عوضٌ من حرفِ القسمِ المقدَّرِ، وهل الجرُّ بها أم بالحرف المحذوف خلافٌ؟ وقرأ الشعبي في رواية وغيره: ((شهاده)» بالهاء ويقف عليها، ثم يَبْتدىء ((آللّهِ)) بقطع همزة الوصل وبمدِّ الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى المتقدم، وجَرِّ الجلالة، وهمزةُ القطعِ تكون عوضاً من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة، تقول: ((يا زيدُ آللّهِ لأفعلن))، والذي يُعَوَّض من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة ثلاثةٌ: ألفُ الاستفهامِ وقطعُ همزة الوصلِ وها التي للتنبيه، نحو: ((ها اللّهِ))، ويجوزُ مع ((ها)) قطعُ همزةٍ الجلالة ووصلُها. وهل الجرُّ بالحرف المقدر أو بالعوض؟ تقدَّم أنَّ فيه خلافاً، ولو قال قائل: إن قولَهم ((أللّهِ لأفعلنَّ)) بالجر وقطع الهمزة بأنها همزة استفهام لم يُرَدَّ قولُه. فإن قيل: همزةُ الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل التي مع لام التعريف أو ايمن في القسم وجب ثبوت همزة الوصل، وحينئذ إمَّا: أَنْ تُسَهَّلَ وإمَّ أَنْ تُبْدَلَ ألفاً، وهذه لم تَثْبُتْ بعدَها همزةُ وصل فتعيَّن أن تكونَ همزةَ وصل قُطِعَتْ عوضاً عن حرف القسم. فالجواب: أنهم إنما أَبْدلوا ألفَ (١) الآية ٤٢ من النساء. (٢) الإملاء ٢٣٠/١. ٤٦٩ - المائدة - الوصلِ أو سَهَّلوها بعد همزةِ الاستفهام فرقاً بين الاستفهام والخبر، وهنا اللَّبْسُ مأمونٌ فإنَّ الجر في الجلالة يؤذن بذلك فلا حاجةَ إلى بقاءِ همزةٍ الوصلِ مُبْدَلَةٌ أو مُسَهَّلَةً، فعلى هذا قراءة: الله والله بالقصر والمد تحتمل الاستفهامَ، وهو تخريجٌ حسن. قال ابن جني(١) في هذه القراءة: ((الوقفُ على ((شهادة) بسكون الهاء واستئنافُ القسم حسن، لأنَّ استئنافَه في أولٍ الكلام أَوْجَهُ له وأشدُّ هيبةً مِنْ أَنْ يدخُلَ فِي عَرَضِ القول)) ورُوِيَتْ هذه القراءةُ - أعني الله بقطع الألفِ من غير مَدِّ وجرِ الجلالة - عن أبي بكر عن عاصم. وقرىء: شهادةُ اللّهِ)) بنصب الشهادة منونة وجر الجلالة موصولة الهمزةِ، على أن الجر بحرفِ القسمِ المقدَّرِ من غير عوضٍ منه بقطعٍ ولا همزةٍ استفهام، وهو مختصُ بذلك. وقوله تعالى: (إِنَّا إذاً لَمِن الآثمين)) هذه الجملةُ لا محلَّ لها لأنها استئنافيةٌ، أخبروا عن أنفسِهم بأنهم من الآثمين إنْ كتموا الشهادة، ولذلك أتوا بـ ((إذَنْ)) المؤذنةِ بالجزاء والجواب. وقرأ الجمهور: ((لمن الآثمين)) من غير نقل ولا إدغام. وقرأ(٢) ابن محيصن والأعمش: ((لَمِلَّائِمين)) بإدغام نون ((من)) في لام التعريف بعد أن نقل إليها حركة الهمزة في ((آثمين)) فاعتدَّ بحركة النقل فأدغم، وهي نظيرُ قراءةِ مَنْ قرأ: ((عاد ◌ٌلَّوَلَى))(٣) بالإِدغام، وهناك إن شاء الله يأتي تحقيق ذلك وبه القوة . آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿فإنْ عُثِر﴾: مبني للمفعول، والقائمُ مقامَ [٢٨٦/ب] فاعِله الجارُّ بعدَه، أي: فإن اطَّلِعَ على استحقاقِهما الإِثمَ / يقال: [عَثَر الرجلُ (١) المحتسب ٢٢٠/١. (٢) الشواذ ٣٥؛ البحر ٤٤/٤. (٣) الآية ٥٠ من النجم وقراءة الجمهور: ((عاداً الأولى)) وما ذكره قراءة نافع وأبي عمرو كما في السبعة ٦١٥. ٤٧٠ - المائدة - يعثُر](١) مُثوراً: إذا هَجَم على شيء لم يَطَّلِعْ عليه غيرُه، وأعثرتُه على كذا: أطلعتُه عليه، ومنه قولُه تعالى: ((أَعْثَرْنا عليهم))(٢). قال أهلُ اللغة: ((وأصلُه من ((عَثْرة الرجل)) وهي الوقوع، وذلك أن العاثِرَ إنما يَعْثُر بشيءٍ كان لا يَراه، فإن عَثَر به اطّلع عليه ونَظَر ما هو، فقيل لكل أمر كان خَفِيّاً ثم اطٌّلِع عليه: ((ُثِّر عليه)). وقال الليث: ((عَثَر يَعْثُر عُثوراً هجم على أمرٍ لم يهجم عليه غيرُه، وعَثَر يَعْثُر عَثْرَةً وقع على شيء، ففرَّق بين الفعلين بمصدريهما. وفَرَّق أبو البقاء(٣) بينهما بغير ذلك فقال: ((عَثَر مصدرُه العُثور، ومعناه اطّلع، فأمَّا (عَثَرَ)) في مَشْبِهِ ومنطقه ورأيه فالعِثارُ)). والراغب (٤) جَعَلَ المصدرين على حَدٍّ سواء فإنه قال: ((عَثَر الرجلُ بالشيء يَعْثُر عُثوراً وعِثاراً: إذا سَقَط عليه، ويُتَجَوَّزُ به فيمن يَطَّلِعُ على أمرٍ من غيرِ طلبه، يقال: ((عَثَرْتُ على كذا)) وقوله: (وكذلك أَعْثَرْنا عليهم)) (٥) أي: وَقَفْناهم عليهم من غير أَنْ طَلَبوا)). قوله تعالى: ((فَآخَرانِ)) فيه أربعةُ أوجه، [الأول]: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: فالشاهدان آخران، والفاء جواب الشرط، دَخَلَتْ على الجملة الاسمية، والجملةُ من قوله: ((يقومان)) في محلٌّ رفعٍ صفةً لـ آخران. الثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: فليشهد آخران، ذكره مكي(٦) وأبو البقاء (٧)، وقد تَقَدَّم أن الفعلَ لا يُحْذَفُ وحدَه إلا في مواضعَ ذكرتُها عند قوله: ((حين الوصية اثنان))(٨). الثالث: أنه خبرٌ مقدم، و((الْأَوْلَيان)) مبتدأٌ (١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل. (٢) الآية ٢١ من الكهف. (٣) الإملاء ٢٣٠/١. (٤) المفردات ٣٣٣. (٥) الآية ٢١ من الكهف. (٦) المشكل ٢٥٢/١. (٧) الإملاء ٢٣٠/١. (٨) الآية ١٠٦ من المائدة. ٤٧١ - المائدة - مؤخرٌ، والتقدير: فالْأَوْلَيان بأمر الميت آخران يَقُومان مقامَهما، ذكر ذلك أبو عليّ(١). قال: ((ويكونُ كقولك: («تميمي أنا). الرابع: أنه مبتدأً، وفي الخبرِ حينئذٍ احتمالات، أحدُها: قولُه: ((من الذين اسْتَحَقَّ))، وجاز الابتداءُ به لتخصُّصِه بالوصف وهو الجملة من ((يَقُومان))، والثاني: أنَّ الخبرَ «يَقُومان)» و((من الذين استحَقَّ)) صفةُ المبتدأ، ولا يَضُرُّ الفصلُ بالخبر بين الصفة وموصوفها، والمسوِّغُ أيضاً للابتداء به اعتماده على فاءِ الجزاء. وقال أبو البقاء(٢) لَمَّا حَكَى: رفعَه بالابتداء: ((وجازّ الابتداءُ هنا بالنكرةِ لحصول الفائدةِ) فإنْ عَنَى أنَّ المسوِّغَ مجردُ الفائدةِ من غيرِ اعتبارِ مسوِّغٍ من المُسَوِّغات التي ذكرتُها فغيرُ مُسَلَّم. الثالث: أنَّ الخبرَ قولُه: «الْأُوْلَيان)) نقله أبو البقاء(٣)، وقوله ((يَقُومان)» و «مِن الذين استَحَقُّ)) كلاهما في محلّ رفعٍ صفةً لـ ((آخَران))، ويجوزُ أن يكونَ أحدُهما صفةً والآخرُ حالاً، وجاءَتِ الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالوصفِ. وفي هذا الوجهِ ضعفٌ من حيث إنه إذا اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ جَعَلْتَ المعرفةَ محدَّثً عنها والنكرةَ حديثاً، وعكسُ ذلك قليلٌ جداً أو ضرورةٌ كقوله(٤): ١٨٢٩- يكونُ مزاجَها عسلٌ ومَنَاءُ [وكقوله](٥): ١٨٣٠ - وإنَّ حراماً أَنْ أَسُبَّ مجاشِعاً بآبائي الشمَّ الكرامِ الخضارمُِ (١) الحجة (خ) ٣٥٦/٢ (٢) الإِملاء ٢٣٠/١. (٣) الإملاء ٢٣٠/١. (٤) البيت لحسان وصدره: كأنَّ سُلافةً من بيت رأسٍ. وهو في ديوانه ٥٩؛ والكتاب ٢٣/١؛ والمغني ٥٠٥؛ والهمع ١١٩/١؛ والدرر ٨٨/١. والسلافة: الخمرة. (٥) تقدم برقم ١٣٥٧ . ٤٧٢ - المائدة - وقد فَهِمْتَ مِمَّا تقدَّم أنَّ الجملةَ من قوله ((يقومان)) والجارّ من قوله: ((من الذين)»: إمَّا مرفوعُ المحلِّ صفةً لـ((آخَران)) أو خبرٌ عنه، وإمَّا منصوبه على الحالِ: إِمَّا من نفسِ ((آخَران))، أو مِنَ الضميرِ المستكنُّ في («آخَران»، ويجوزُ في قولِه ((مِنْ الذين)) أَنْ يكونَ حالاً من فاعلِ ((يَقُومان)). قوله: ((استَحَقَّ)) قرأ الجمهورُ: ((اسْتُحِقَّ)) مبنياً للمفعول، ((الْأَوْليان)» رفعاً، وحفص(١) عن عاصم: ((اسْتَحَقَّ)) مبنياً للفاعل، ((الأوليان)) كالجماعة، وهي قراءة عبدالله بن عباس وأمير المؤمنين علي رضي الله عنهم، ورُوِيَتْ عن ابن كثير أيضاً، وحمزة وأبو بكر عن عاصم: ((استُحِقَّ)) مبنياً للمفعول كالجماعة، ((الْأَوَّلِينَ)) جمعَ ((أَوَّل)) جمعَ المذكرِ السالم، والحسن البصري: ((اسْتَحَقَّ)) مبنياً للفاعل، ((الأوَّلان)) مرفوعاً تثنية ((أَوَّل))، وابن سيرين كالجماعة، إلا أنه نصب الْأُوْلَيْن تثنيةَ ((أَوْلِى)). وقرىء: ((الْأَوْلَيْنَ)) بسكون الواو وفتح اللام وهو جمع ((أَوْلِى)، كالأعلَيْنَ في جمعِ ((أَعْلَى)). ولما وصل أبو إسحاق الزجاج(٢) إلى هذا الموضوع قال: ((هذا موضع من أصعب ما في القرآن إعراباً)). قلت: ولَعَمْري إنّ القول ما قالت حَذامٍ، فإن الناس قد دارَتْ رؤوسُهم في فَكَّ هذا التركيب، وقد اجتهدْتُ - بحمد الله تعالى - فلخَّصْتُ الكلام فيها أحسنَ تلخيصٍ ، ولا بد من ذِكْرِ شيءٍ من معاني الآية لنستضيء به على الإِعراب فإنه خادمٌ لها. فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فرفعُ ((الْأُوْلَيان)) فيها من أوجه، أحدها: أنه مبتدأ، وخبره ((آخَران)»، تقديره: فالْأُوْلَيان بأمر الميت آخران، وقد تقدَّم شرحُ هذا. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هما الْأَوْلَيان، كأنَّ سائلًا سأل فقال: ((مَنِ الآخَران))؟ / فقيل: هما الْأَوْلَيان. الثالث: أنه بدلٌ من ((آخران))، وهو بدلٌ في [٢٨٧/أ] (١) السبعة ٢٤٨؛ الكشف ٤١٩/١؛ الشواذ ٣٥؛ البحر ٤٥/٤. (٢) معاني القرآن ٢٣٩/٢. ٤٧٣ - المائدة - معنى البيان للمبدلِ منه، نحو: ((جاء زيدٌ أخوك)) وهذا عندهمْ ضعيفٌ لأنَّ الإِبدالَ بالمشتقاتِ يَقِلُّ. الرابع: أنه عطفُ بيان لـ ((آخَران)) بَّنِ الآخَرَيْنَ بِالْأَوْلَبِيْنِ. فإن قلت: شرطُ عطفِ البيان أن يكونَ التابعُ والمتبوعُ متفقين في التعريفِ والتنكيرِ، على أنَّ الجمهورَ على عدم جريانِه في النكرةِ خلافاً لأبي علي، و((آخَران)) نكرةٌ، و((الْأَوْلَيَان)) معرفةٌ. قلت: هذا سؤال صحيح، ولكنْ يَلْزَمُ الأخفشَ ويلزم الزمخشريّ جوازُه: أمَّ الأخفش(١) فإنه يُجيز أَنْ يكونَ ((الْأَوْلَيان)) صفةً لـ ((آخران)» بما سأقرره عنه عند تعرُّضي لهذا الوجهِ، والنعت والمنعوت يُشترط فيهما التوافقُ، فإذا جاز في النعت فَلْيَجُزْ فيما هو شبيه به، إذ لا فرق بينهما إلا اشتراطُ الاشتقاقِ في النعت. وأمَّا الزمخشري فإنه لا يشترط ذلك - أعني التوافق - وقد نَصَّ هو في سورة آل عمران(٢) على أن قوله تعالى: ((مقامُ إِبراهيم)»(٣) عطفُ بيان لقوله ((فيه آياتٌ بَيِّئَاتٌ)) و(«آيَاتٌ بَيِّنات)) نكرةٌ لكنها لَمَّا تخصَّصَتْ بالوصفِ قَرُبَتْ من المعرفة، كما قَدَّمْتُه عِنْه في موضعِه، وكذا «آخِّران)» قد وُصِف بصفتين فَقَرُب من المعرفة أشدُّ من ((آياتٌ بيناتٌ))، من حيث وُصِفَتْ بصفةٍ واحدة. الخامس: أنه بدلٌ من فاعل «یَقُومان)». السادس: أنه صفةٌ لـ((آخران))، أجازّ ذلك الأخفشُ(٤). قال أبو عليّ (٥): ((وأجازَ أبو الحسن فيها شيئاً آخرَ، وهو أن يكونَ ((الْأَوْلَيان)) صفةً لـ («آَخَران)) لأنه لَمَّا وُصِفَ تخصَّص، فَمِنْ أجلِ وصفِه وتخصيصِه وُصِفَ بوصف المعارف)). قال الشيخ(٦): ((وهذا ضعيفٌ لاستلزامِه هَدْمَ ما كادوا أن (١) معاني القرآن ٢٦٦/١ (٢) الكشاف ٤٤٧/١. (٣) الآية ٩٧. (٤) معاني القرآن ٢٦٦/١ (٥) الحجة (خ) ٣٥٦/٢. (٦) البحر ٤٥/٤. ٤٧٤ - المائدة - يُجْمعوا عليه من أَنَّ النكرةَ لا تُوصف بِالمعرفةِ، ولا العكسِ ». قلت: لا شكّ أنَّ تخالفَهما في التعريفِ والتنكيرِ ضعيفٌ، وقد ارتكبوا ذلك في مواضعَ، فمنها ما حكاه الخليل: ((مَرَرْتُ بالرجلِ خيرٍ منك)) في أحدِ الأوجه في هذه المسألةِ. ومنها ((غيرِ المغضوب عليهم))(١) على القول بأنَّ (غير)) صفةُ ((الذين أنعمت عليهم))، وقولُه (٢): ١٨٣١ - ولقد أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنيني وقولُه تعالى: ((وآيَةٌ لهم الليلُ نَسْلَخُ منه النهارَ))(٣)، على أنَّ ((يَسُبُّنِي)) و((نَسْلَخُ)) صفتان لِما قبلَهما فإِنَّ الجملَ نكراتٌ، وهذه المُثُلُ التي أوردتها عكسُ ما نحن فيه، فإنها تُؤَوَّلُ فيها المعرفةُ بالنكرة، وما نحن فيه جعلنا النكرةَ فيه كالمعرفةِ، إلاَّ أنَّ الجامعَ بينهما التخالفُ، ويجوز أن يكون ما نحن فيه من هذه المُثُلِ باعتبار أنَّ ((الْأُوْلَيْنِ)» لَمَّا لم يُقْصَدْ بهما شخصان معينان قَرُبا من النكرةِ فوقعا صفةً لها مع تخصُّصِها هي، فصار في ذلك مسوِّغان: قربُ النكرةِ من المعرفة بالتخصيصِ ، وقربُ المعرفةِ من النكرة بالإِبهام، ويدلُّ لِما قلتُّه ما قال أبو البقاء(٤): ((والخامسُ أن يكون صفة لـ((آخران)) لأنه وإنْ كان نكرةً فقد وُصِفَ، والْأَوْلَيان لم يَقْصِدْ بهما قصدَ اثنين بأعيانِهما)». السابع: أنه مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه بـ ((استُحِقَّ))، إلاّ أنَّ كلَّ مَنْ أعربه كذا قَدَّر قبلَه مضافاً محذوفاً. واختلفت تقديراتُ المُعْرِبين، فقال (١) الآية ٧ من الفاتحة. (٢) تقدم برقم ٦٩٧، والشاهد في قوله ((يسبني)) على تقدير أنها صفة بتقدير: ((سابٍّ)» وما قبلها معرف بأل فانعدم التوافق. (٣) الآية ٣٧ من يس. (٤) الإملاء ٢٣٠/١. ٤٧٥ - المائدة - مكي(١): ((تقديرُه: استُحِقَّ عليهم إثمُ الْأُوْلَبِيْن)) وكذا أبو البقاء(٢) وقد سبقَهما إلى هذا التقديرِ ابنُ جرير الطبري (٣)، وقَدَّره الزمخشري (٤) فقال: ((مِن الذين اسْتُحِقَّ عليهم انتداب الْأَوْلَيْنِ منهم للشهادةِ لاطّلاعِهم على حقيقةِ الحال))، ومِمَّن ذهبَ إلى ارتفاع (الْأُوْلَيان)) بـ ((استُحِقَّ)) أبو علي الفارسي(٥)، ثم منَعه، قال: ((لأنَّ المُسْتَحَقَّ إنما يكون الوصيةَ أو شيئاً منها، وأمَّا الْأُوْلَيان بالميتِ فلا يجوزُ أَنْ يُسْتَحَقًّا فَيُسْنَدَ اسْتُحِقَّ إليهما)) قلت: إنما منع أبو عليّ ذلك على ظاهرِ اللفظِ فإنَّ الْأُوْلَبِيْنِ لم يستحقَّهما أحدٌ كما ذكر، ولكنْ يجوزُ أَنْ يُسْنَدَ ((استُحِقَّ)) إليهما بتأويلِ حذفِ المضافِ المتقدم. وهذا الذي منعه الفارسي ظاهراً هو الذي حَمَل الناسَ على إضمار ذلك المضافِ، وتقديرُ الزمخشري بـ «انتداب الأوليين)) أحسنُ من تقدير غيرِهِ، فإنَّ المعنى يُساعِدُه، وأمَّا إضمارُ ((الإِثم)) فلا يَظْهر أصلاً إلا بتأويل بعيدٍ. وأجازَ ابن عطية (٦) أن يرتفعَ ((الْأَوْلَيان)» بـ ((استُحِقَّ)) أيضاً، ولكنْ ظاهرُ عبارتِه أنه لم يُقَدِّر مضافاً فإنه استشعر باستشكالِ الفارسي المتقدم فاحتالَ في الجواب عنه وهذا نَصُّه، قال ما ملخصُه: إنه ((حُمِل ((استُحِقَّ) هنا على الاستعارة فإنه ليس استحقاقاً حقيقةً لقوله: ((استحقًّا إِثْماً))، وإنما معناه أنَّهم [٢٨٧/ب] غَلَبوا على المالِ بحكمِ انفرادِ هذا الميت / وعدمِه لقرابته أو أهلٍ دينه فَجَعَل تسوُّرَهم عليه استحقاقاً مجازاً، والمعنى: من الجماعة التي غابت وكان مِنْ حَقُّها أَنْ تُحْضِرَ وَلِيَّها، فلمّا غابَتْ وانفرد هذا الموصي استحقَّت هذه (١) المشكل ٢٥٢/١. (٢) الإملاء ٢٣٠/١. (٣) تفسير الطبري ١٩٧/١١. (٤) الكشاف ١/ ٦٥١. (٥) الحجة (خ) ٣٥٨/٢. (٦) المحرر ٢٢٤/٥ - ٢٢٥. ٤٧٦ - المائدة - الحال، وهذان الشاهدان من غيرِ أهل الدين والولاية وأَمْرِ الْأُوْلَيْنِ على هذه الجماعة، فبُنِي الفعلُ للمفعولِ على هذا المعنى إيجازاً، ويُقِّوِّي هذا الفرضَ تعدِّي الفعلِ بـ((على)) لَمَّا كان باقتدارٍ وحَمْلٍ هَيَّأَتْه الحالُ، ولا يُقال: استحَقُّ منه أو فيه إلا في الاستحقاقِ الحقيقي على وجههِ، وأمَّا ((استحَقَّ عليه)) فبالحملِ والغَلَبةِ والاستحقاقِ المستعارِ)) انتهى، فقد أسند ((استحق)) إلى (الأوْليان)) من غير تقديرٍ مضافٍ متأوّلاً له بما ذَكَر، واحتملتُ طولَ عبارتِهِ لتَّضحَ. واعلم أنَّ مرفوعَ ((اسْتُحِقَّ)) في الأوجهِ المتقدِّمة - أعني غيرَ هذا الوجهِ وهو إسنادُه إلى ((الْأُوْلَيان)) - ضميرٌ يعودُ على ما تقدَّم لفظاً أو سياقاً، واختلفت عباراتُهم فيه، فقال الفارسي(١) والحوفي وأبو البقاء(٢) والزمخشري(٣): إنه ضميرُ الإِثم، والإِثمُ قد تقدَّم في قوله: ((استحقا إثماً). وقال الفارسي (٤) والحوفي أيضاً: ((استحق هو الإِيصاءُ أو الوصيةُ» قلت: إضمارُ الوصية مُشْكِلٌ؛ لأنه إذا أُسْنِد الفعلُ إلى ضميرِ المؤنثِ مطلقاً وَجَبَتِ التاءُ إلا في ضرورة، ويونس لا يَخُصُّه بها، ولا جائز أَنْ يقال أَضْمرا لفظَ الوصية لأنَّ ذلك حُذِفَ، والفاعلُ عندهما لا يُحْذَفُ. وقال النحاس(٥) مستحسناً لإِضمارِ الإِيصاء: ((وهذا أحسنُ ما قيل فيه؛ لأنه لم يُجْعل حرفٌ بدلاً من حرفٍ)) يعني أنه لا يقولُ إِنَّ ((على)» بمعنى ((في)»، ولا بمعنى ((مِنْ)) كما قيل بهما، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالی . وقد جَمَع الزمخشري(٦) غالبَ ما قُلْتُهُ وحَكَيْتُه من الإِعرابِ والمعنى بأوجزِ عبارةٍ فقال: ((فـ ((آخَران)) أي: فشاهدان آخران يَقُومان مقامَهما من الذين (١) الحجة (خ) ٣٥٨/٢. (٢) الإملاء ٢٣٠/١. (٣) الكشاف ٦٥١/١. (٤) الحجة (خ) ٣٥٨/٢. (٥) ليس في إعرابه . (٦) الكشاف ١ /٦٥١. ٤٧٧ - المائدة - استُحِقَّ عليهم أي: [من الذين] استُحِقَّ عليهم الإِثْمُ، ومعناه: من الذين جُنِي عليهم وهم أهلُ الميتِ وعشيرتُه والْأَوْلَيَان الْأَحقَّان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتِهما، وارتفاعُهما على: ((هما الْأَوْلَيان)) كأنه قيل: ومَنْ هما؟ فقيل: الْأَوْلَيان، وقيل: هما بدلٌ من الضميرِ في ((يَقُومان)) أو من «آخَران))، ويجوزُ أَنْ يرتفِعًا بـ ((استُحِقَّ) أي: من الذين استُحِقَّ عليهم انتدابُ الْأُوْلَيْنِ منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال)). وقولُه ((عليهم))(١): في ((على)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها على بابها، قال أبو البقاء(٢): (كقولك: ((وَجَبَ عليه الاثمُ)). وقد تقدَّم عن النحاس أنه لَّمَّا أَضْمَر الإِيصاءَ بَقَّاها على بابها، واستحسن ذلك. والثاني: أنها بمعنى ((في)) أي اسْتُحِقَّ فيهم الإِثُمُ فوقَعَتْ ((على)) موقعَ ((في)) كما تقعُ (في)) موقعَها كقوله تعالى: ((وَلَأَصَلَّبَنْكم فِي جُذُوعِ النخل)»(٣) أي: على جذوعٍ، وكقوله(٤) :. ١٨٣٢- بَطَلٌ كأنَّ ثيابَه في سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعِالَ السِّبْتِ ليس بتوعِمْ. أي: على سَرْحةٍ. وقَدَّره أبو البقاء فقال(٥): ((أي استُحِقَّ فيهم الوصية)) والثالث: أنها بمعنى ((من)) أي: استُحِقِّ منهم الإِثمُ، ومثلُه قولُه تعالى: ((إذا (١) الأصل: «علیھما)» وهو سهو. (٢) الإملاء ٢٣٠/١. (٣) الآية ٧١ من طه. (٤) البيت لعنترة، وهو في ديوانه ٢١٢؛ والتنبيه على التصحيف ١٨٧؛ وأدب الكاتب ٣٩٤؛ والأزهية ٢٧٧؛ ورصف المباني ٣٨٩؛ والمغني ١٨٣؛ واللان سبت؛ وشواهد المغني ٤٧٩. والسرحة: نوع من الشجر، ونعال السبت: هي المدبوغة بالقرظ وكانت من ملابس الملوك، وليس بتوءم: أي لم يشاركه أحد في بطن أمه ولا ثديها فيضعفه . (٥) الإملاء ٢٣٠/١. ٤٧٨ - المائدة - اكتالوا على الناسٍ))(١) أي: من الناسِ. وقَدَّره أبو البقاء(٢) فقال: ((أي استُحِقّ منهم الْأُوْلَيان، فحين جَعَلَها بمعنى ((في)) قَدَّر ((استُحِقَّ)) مسنداً الوصية، وحين جعلها بمعنى ((من)) قَدَّره مُسْنداً لـ ((الْأُوْلَيان)). وكان لَمَّا ذَكَر القائمَ مقامَ الفاعلِ لم يذكر إلا ضميرَ الإِثم والأوليان. وأجاز بعضُهم أَنْ يُسْنَدَ ((استُحِقَّ)) إلى ضمير المال أي: استُحِقَّ عليهم المالُ الموروث، وهو قريبٌ. فقد تقرَّر أنَّ في مرفوع ((استُحِقَّ)) خمسةُ أوجه، أحدُها: ((الْأَوْلَيان))، الثاني: ضميرُ الإِيصاء، الثالث: ضميرُ الوصية، وهو في المعنى كالذي قبلَه وتقدَّم إشكالُه، الرابع: أنه ضميرُ الإِثمِ، الخامس: أنه ضميرُ المال، ولم أَرَهم أجازوا أن يكونَ ((عليهم)) هو القائمَ مقامَ الفاعلِ نحو: ((غيرٍ المغضوب عليهم)»(٣) كأنهم لم يَرَوْا فيه فائدةً. وأمَّا قراءةُ حفص(٤) فـ ((الْأَوْلَيان)» مرفوعٌ بـ ((استَحَقَّ)) ومفعولُه محذوفٌ، قَدَّره بعضهم ((وصيتَهما))، وقَدَّره(٥) الزمخشري(٦) بـ((أن يجرِّدوهما للقيام بالشهادة)) فإنه قال: ((معناه من الورثة الذين استَحَقَّ عليهم الْأُوْلَيان من بينهم بالشهادة أن يُجَرِّدوهما للقيام بالشهادة، ويُظْهِروا بها كذبَ الكاذبين)» / وقال [٢٨٨/أ] ابنُ عطية(٧): ((الْأَوْلَيان)) رفعٌ بـ ((استَحَقَّ)) وذلك أن يكون المعنى: من الذين اسْتَحَقَّ عليهم مالَهم وتَرِكَتهم شاهدا الزور فسُمِّيًا (٨) أَوْلَيْنِ أي: صَيِّرهما عدمُ الناس أَوْلَيْنِ بالميت وتَرِكَّتِه فخانا وجارا فيها، أو يكونُ المعنى: مِن الذين حَقَّ (١) الآية ٢ من المطففين. (٢) الإِملاء ٢٣٠/١. (٣) الآية ٧ من الفاتحة. (٤) ببناء ((استحق)) للفاعل. (٥) الأصل: ((وقدرها)) ولا مسوغ لتأنيث الضمير. (٦) الكشاف ١ /٦٥١. (٧) المحرر ٢٢٦/٥. (٨) ابن عطية: ((فسمَّى شاهدَي الزور أَوْلَيَيْ)). ٤٧٩ - المائدة - عليهم أَنْ يكونَ الْأُوْلَیان منهم، فاستَحَقَّ بمعنی حَقَّ كاستعجب وعجب، أو يكون استحقَّ بمعنى سعى واستوجب فالمعنى: من القوم الذين حَضَر أَوْلَيان منهم فاستحقًّا عليهم أي: استحقا لهم وسَعَيا فيه واستوجباه بأيمانهما وقُرْبانهما)) قال الشيخ(١) - بعد أَنْ حكى عن الزمخشري وأبي محمد ما قَدَّمْتُه عنهما -: ((وقال بعضُهم: المفعولُ محذوفٌ تقديرُه: الذين استَحَقَّ عليهم الْأَوْلَيان وصِيتَهما)) قلت: وكذا هو محذوفٌ أيضاً في قولَي أبي القاسم وأبي محمد وقد بَيِّنْتُهما ما هما فهو عند الزمخشري قولُه: ((أَنْ يُجَرِّدُوهما للقيامِ بالشهادة))، وعند ابن عطية (٢) هو قولُه: ((ما لَهم وتَرِكَتَهم))، فقوله: ((وقال بعضهم: المفعولُ محذوفٌ)) يُوهِمُ أنه لم يَدْرِ أنَّه محذوفٌ فيما تقدَّم أيضاً. وممن ذهبَ إلى أن (استَحَقَّ)) بمعنى ((حَقَّ)) المجردِ الواحدي فإنه قال: ((واستحقَّ هنا بمعنى حَقِّ، أي وَجَبَ، والمعنى: فآخران من الذين وَجَبَ عليهم الإِيصاءُ بتوصيته بينهم وهم وَرَثْتُه)) وهذا التفسير الذي ذكره الواحدي أوضحُ من المعنى الذي ذكره أبو محمد على هذا الوجهِ وهو ظاهرٌ. وأمّا قراءةٌ حمزة وأبي بكر(٣) فمرفوعُ (استُحِقَّ)) ضميرُ الإِيصَاء أو الوصية أو المال أو الإِثْم حَسْبما تقدَّم، وأمَّا ((الْأُوَّلين)) فجمعُ ((أوّل)) المقابِل لـ ((آخِر))، وفيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مجرورٌ صفةً لـ ((الذين)). الثاني: أنه بدلٌ منه وهو قليلٌ لكونه مشتقاً. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ في ((عليهم))، وحَسَّنَه هنا وإنْ كان مشتقاً عدم صلاحية ما قبلَه للوصف، نَقَل هذين الوجهين الأخيرين مكي (٤). الرابع: أنه منصوبٌ على المدح، ذكره الزمخشري (٥)، قال: ((ومعنى الأوَّلِيَّة التقدُّمُ على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقَّ بها)»، وإنما (١) المحرر ٢٢٦/٥. (٢) المحرر ٢٢٦/٥. (٣) ببناء استحق للمجهول، والأوّلِين جمع أَوَّل. (٤) المشكل ٢٥٢/١. (٥) الكشاف ٦٥١/١. ٤٨٠