النص المفهرس

صفحات 441-460

- المائدة -
المضارعة تاءً مثناة من فوق، والفاعل ضمير ((أشياء)). وقرأ الشعبي - فيما
نقله عنه أبو محمد ابن عطية(١): (إنْ يَبْدُ)) بفتح الياء من تحت وضم الدال،
(يَسُؤْكم)) بفتح الياء من تحت، والفاعل ضمير عائد على ما يليق تقديره
بالمعنى، أي: إن يَبْدُ لكم جواب سؤالكم أو سؤلكم بسؤكم، ولا جائز أن
تعود على ((أشياء)» لأنه جارٍ مجرى المؤنث المجازي، ومتى أسند فعلٌ إلى
ضمير مؤنث مطلقاً وَجَبَ لَحاقُ العلامة على الصحيح، ولا يُلتفت لضرورة
الشعر، ونقل غيره عن الشعبي أنه قرأ: ((يُبْدَ لكم يَسُؤْكم)) بالياء من تحت
فيهما إلا أنه ضمَّ الياء الأولى وفتح الثانية، والمعنى إِنْ يُبْدَ - أي يُظْهَر -
السؤال عنها يَسُؤُكم ذلك السؤالُ أي جوابه، أو هو، لأنه سببٌ في ذلك
والمُبْدِيه هو اللَّهُ تعالى. والضميرُ في ((عنها)) يحتمل أن يعودَ على نوعِ
الأشياءِ المَنْهِيِّ عنها لا عليها أنفسِها، قاله ابن عطية(٢)، ونقله الواحدي عن
صاحبٍ ((النظم))، ونظّره بقوله تعالى: ((ولقد خَلَقْنا الإِنسانَ من سلالةٍ من
طينٍ))(٣) يعني آدم، ((ثم جَعَلْناه)) قال ((يعني ابن آدم)) فعاد الضميرُ على ما دل
عليه الأول، ويحتمل أن يعود عليها أنفسها، قاله الزمخشري (٤) بمعناه.
قوله: ((حين يُنَزَّلُ القرآن)» في هذا الظرفِ احتمالان، أحدهما
- وهو الذي يَظْهَرُ، ولم يَقُل الزمخشري(٥) غيرَه -: أنه منصوبٌ بـ((تسألوا))، قال
الزمخشري: ((وإنْ تَسْألوا عنها: عن هذه التكاليفِ الصعبةِ، حين يُنَزَّلُ
القرآن: في زمانِ الوَحْي، وهو ما دام الرسولُ بين أَظْهُرِكم يُوحَى إليه تَبْدُ لكم
تلك التكاليفُ التي تَسُؤُكم وتُؤْمروا بتحمُّلها، فَتُعَرِّضوا أنفسَكم لغضبِ اللَّهِ
(١) المحرر ٢٠٨/٥.
(٢) المحرر ٢٠٩/٥.
(٣) الآية ١٢ من المؤمنون.
(٤) الكشاف ٦٤٨/١.
(٥) الكشاف ٦٤٨/١.
٤٤١

- المائدة -
لتفريطِكم فيها)) ومن هنا قلت لك: إنَّ الضمير في (عنها)) عائدٌ على الأشياءِ
الْأُوَلِ لا على نوعِها. والثاني: أنَّ الظرفَ منصوبٌ بـ «تُبْدَ لكم)) أي: تَظْهَرْ
لكم تلك الأشياءُ حين نزول القرآن. قال بعضهم: ((في الكلام تقديمُ
وتأخيرٌ، لأنَّ التقديرَ: عن أشياءَ إنْ تُسْأَلُوا عنها تُبْدَ لكم حين نزول القرآن،
وإِنْ تُبْدَ لكم تَسُؤُكم)) ولا شك أن المعنى على هذا الترتيب، إلا أنه لا يُقال في
ذلك تقديمٌ وتأخيرٌ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً فلا فرقَ، ولكن إنما قُدِّم هذا
أولاً على قوله: ((وإنْ تَسْأَلُوا)) لفائدةٍ وهي الزجرُ عن السؤالِ فإنه قدَّم لهم أنَّ
سؤالَهم عن أشياءَ متى ظهرت أساءَتْهم قبل أن يُخْبِرَهم بأنهم إنْ سألوا عنها
بَدَتْ لهم لينزجروا، وهو معنىً لائقٌ.
قوله: ((عفا الله عنها)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محلُّ جر لأنه صفةٌ
أخرى لـ((أشياء))، والضميرُ على هذا في ((عنها)) يعود على ((أشياء)»، ولا حاجةً
إلى ادِّعاء التقديم والتأخيرِ في هذا كما قاله بعضهم، قال: ((تقديرُه: لا تَسْأَلُوا
[٢٨١/أ] عن أشياءَ عفا الله عنها إِنْ تُبْدَ لكم إلى آخر الآية /، لأنَّ كلّ من الجملتين
الشرطيتين وهذه الجملةَ صفةٌ لـ((أشياء))، فمن أين أنَّ هذه الجملةَ مستحقةٌ
للتقديمِ على ما قبلَها؟ وكأنَّ هذا القائلَ إنَّما قَدَّرها متقدمةً ليتضحَ أنها صفةٌ
لا مستأنفةٌ. والثاني: أنها لا محل لها لاستئنافِها، والضميرُ في ((عنها)» على
هذا يعودُ على المسألةِ المدلولِ عليها بـ ((لا تَسْألوا))، ويجوزُ أَنْ تعودَ على
((أشياء))، وإنْ كان في الوجه الأولِ يتعيَّن هذا لضرورةِ الربطِ بين الصفةِ
والموصوفٍ .
آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿قد سَأَلهَا﴾: الضميرُ في ((سألها)) ظاهرُه
يعود على ((أشياء))، لكن قال الزمخشري(١): ((فإنْ قلت: كيف قال: لَا تَسْأَلُوا
عن أشياءَ، ثم قال: ((قد سَأَلها)) ولم يقل سَأَل عنها؟ قلت: [الضميرُ في
(١) الكشاف ٦٤٨/١.
٤٤٢

- المائدة -
سألها](١) ليس يعودُ على أشياءَ حتى يَتَعدَّى إليها بـ((عن))، وإنما يعودُ على
المسألةِ المدلولِ عليها بقوله: ((لا تَسْألوا)) أي: قد سأل المسألةَ قومٌ، ثم
أصبحوا بها - أي بمرجوعها - كافرين)). ونحا ابن(٢) عطية مَنْحاه. قال
الشيخ (٣): ((ولا يتجه قولُهما إلا على حذف مضاف، وقد صَرَّح به بعضُ
المفسرين، أي: قد سأل أمثالَها أي: أمثالَ هذه المسألة أو أمثالَ هذه
السؤالات)). وقال الحوفي في ((سألها)): ((الظاهرُ عَوْدُ الضميرِ على ((أشياء))
ولا يتجه حَمْلُه على ظاهرِهِ لا مِنْ جهة اللفظ العربي ولا من جهةِ المعنى،
أمَّا من جهة اللفظ فلأنه كان ينبغي أن يُعَدَّى بـ ((عن)) كما عُدِّي في الأول،
وأمَّا من جهةِ المعنى فلأنَّ المسؤولَ عنه مختلِفْ قطعاً، فإنَّ سؤالهم غيرُ
سؤالٍ مَنْ قبلهم، فإنَّ سؤالَ هؤلاءِ(٤) مثلُ مَنْ سأل: أين ناقتي وما في بطن
ناقتي، وأين أبي وأين مَدْخَلي؟ وسؤالُ أولئك غيرُ هذا نحو: ((أَنْزِل علينا
مائدة))(٥) ((أَرِنا الله جهرة))(٦) ((اجعَلْ لنا إلهاً))(٧) ونحوه. وقال الواحدي:
- ناقلاً عن الجرجاني - ((وهذا السؤالُ في هذه الآيات يخالفُ معنى السؤال
في قوله: ((لا تَسْأَلُوا عن أشياء)) ((وإن تَسْأَلُوا عنها)) ألا ترى أنَّ السؤال في الآية
الأولى قد عُدِّي بالجار، وها هنا لم يُعَدَّ بالجار، لأن السؤالَ ها هنا طَلَبٌ لعينٍ
الشيء نحو: ((سَأَلْتُك درهماً)) أي طلبته منك، والسؤالُ في الآية الأولى سؤالٌ
عن حالِ الشيء وكيفيتِه، وإنما عَطَفَ بقولِه ((قد سَأَلها قوم)) على ما قبلَها
وليست بمثلها في التأويل، لأنه إنما نَهاهم عن تكليفِ ما لم يُكَلَّفوا، وهو مرفوعٌ
(١) سقط سهواً من الأصل، وأثبتناه من الكشاف.
(٢) المحرر ٢٠٩/٥.
(٣) البحر ٣٢/٤.
(٤) أي اهتماماتهم وتفكيرهم.
(٥) الآية ١١٤ من المائدة.
(٦) الآية ١٥٣ من النساء.
(٧) الآية ١٣٨ من الأعراف.
٤٤٣

- المائدة -
عنهم)) قلت: ويجوز أن يعودَ على ((أشياء)) لفظاً لا معنى كما قال النحويون في
مسألة: ((عندي درهمٌ ونصفُه)) أي: ونصفُ درهمٍ آخرَ، ومنه(١):
١٨١٤- وكلُّ أُناس قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ
ونحنُ خَلَعْنا قيدَه فَهْوَ سَارِبُ
قوله: ((من قبلكم)) متعلق بقوله: ((سَأَلَها)». فإن قيل: هل يجوزُ أن يكونَ
صفةٌ لقوم؟ قلت: منعَ من ذلك جماعةٌ معتلِّين بأنَّ ظرف الزمان لا يقعُ خبراً
ولا صفةً ولا حالاً عن الجثة، وقد تقدَّم لك نحوُ من هذا في أولِ البقرة عند
قوله: ((والذين مِنْ قبلكم))، فإنَّ الصلةَ كالصفة، و((بها)) متعلق بـ ((كافرين))،.
وإنما قُدِّم لأجلِ الفواصلِ. والنخعي (٣) قرأ: ((سالها)) بالامالة من غير همزٍ.
وهما لغتان، ومنه يَتّساولان(٤) فإمالتُه لـ ((سأل)) كإمالة حمزة ((خاف)) وقد تقدَّم
تحقيقُ ذلك في البقرةِ عند ((فإِنَّ لكم ما سألتم))(٥) و ((سَلْ بني إسرائيل))(٦).
آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿من بَحِيرة﴾: ((مِنْ)) زائدةٌ لوجودِ الشرطين:
المعروفين(٧) و(جَعَل)) يجوز أن يكون بمعنى ((سَمَّى)) ويتعدى لمفعولین،
أحدهما محذوف، والتقدير: ما جعَلَ - أي ما سَمَّى - اللّهُ حيواناً بَحِيرةٌ.
(١) تقدم برقم ١٦٣، وهذا الباب يعني به عود الضمير على المعنى لا على اللفظ أي:
ونصف درهم آخر غير الدرهم المشار إليه، وكذا في البيت أي: قيد فحل لنا، ولا يقصد
قيد فحل العدو، لأنه ليس له، والمقصود أنه لا يخاف الإغارة على فخله حيث إنه يتركه
حيث يشاء.
(٢) الآية ٢٢ .
(٣) الشواذ ٣٥؛ البحر ٣٢/٤.
(٤) تقول العرب: ((هما يتساولان)) انظر: البحر ٣٢/٤.
(٥) الآية ٦١ .
(٦) الآية ٢١١ .
(٧) وهما تنكير مجرورها وأن تسبق بكلام غير موجب ..
٤٤٤

- المائدة -
قاله أبو البقاء(١). وقال ابن عطية(٢) والزمخشري (٣) وأبو البقاء (٤): «إنها تكونُ
بمعنى شَرَع ووضع. أي: ما شَرَع اللّهُ ولا أمر)». وقال الواحدي - بعد كلامٍ
طويل - ((فمعنى ما جعل اللّهُ مِنْ بَحيرةٍ: ما أوجبها ولا أمر بها)) وقال
ابن عطية(٥): ((وجَعَلَ في هذه الآيةِ لا تكون بمعنى ((خلق)) لأنَّ الله خَلَق هذه
الأشياءَ كلها، ولا بمعنى ((صَيَّر))، لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان، فمعناه:
ما سَنَّ اللّه ولا شَرَع. ومنع الشيخ(٦) هذه النقولاتِ كلَّها بأنَّ ((جَعَل)) لم يَعُدَّ
اللغويون من معانيها شرع، وخَرَّج الآية على التصيير، ويكونُ المفعولُ الثاني
محذوفاً أي: ما صَيَّر الله بحيرةً مشروعةً .
والبَحيرة: فَعِيلة بمعنى مَفْعولة، فدخولُ تاء التأنيث عليها / لا ينقاس، [٢٨١/ب]
ولكن لَمَّا جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ الجوامدِ أُنِّنت، وهذا قد أوضَحْتُه في قولِه
((النطيحة))(٧). واشتقاقُها من البَحْر، والبَحْر: السَّعَةُ، ومنه ((بَحْرُ الماءِ))
السَعَتِه. واختلف أهلُ اللغة في البَحِيرة عند العرب ماهي؟ اختلافاً كثيراً، فقال
أبو عبيد: ((هي الناقةُ التي تُنْتِجِ خمسةَ أبطنِ في آخرها ذَكَرٌ فتُشَقُّ أذنُها وتُتْرَكُ
فلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ ولا تُظْرَدُ عن مَرْعَى ولا ماءٍ، وإذا لَقِيها المُعْبِي(٨)
لم يركبها. وروي ذلك عن ابن عباس، إلا أنه لم يذكر في آخرها ذكرا. وقال
بعضهم: ((إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن نُظر في الخامس: فإن كان ذكرا
ذبحوه وأكلوه، وإن كان أنثى شَقُوا أذنها وتركوها تَرْعى وتَرِدُ ولا تُرْكَبُ
(١) الإملاء ٢٢٨/١.
(٢) المحرر ٢١١/٥.
(٣) الكشاف ٦٤٩/١.
(٤) الإملاء ٢٢٨/١.
(٥) المحرر ٢١١/٥.
(٦) البحر ٣٣/٤.
(٧) الآية ٣ من المائدة.
(٨) المعيي: المتعب العاجز.
٤٤٥

- المائدة -
ولا تُحلب فهذه هي البحيرة))، ورُوِي هذا عن قتادة. وقال بعضهم: ((البحيرة:
الأنثى التي تكون خامسَ بطنٍ كما تقدَّم بيانُه، إلا أنها لا يَحِلُّ للنساء لحمها
ولا لبنها، فإنْ ماتت خَلَّت لهن)). وقال بعضهم: ((البحيرة: بنت السائبة»
وسيأتي تفسير السائبة، فإذا ولدت السائبة أنثى شقوا أذنها وتركوها مع أمها
ترعى وتَرِدُ ولا تركب حتى للمُعْبِيّ، وهذا قولُ مجاهد بن جبر. وقال بعضُهم:
((هي التي مُنِعِ دَرُّها - أي لَبْنُها - لأجل الطواغيت، فلا يَحْلِبُها أحدٌ. وقال
بهذا سعيد بن المسيب. وقيل: هي التي تُتْرَكُ فِي المَرْعِى بلا راعٍ، قاله
ابنُ سيده(١). وقيل: إذا وَلَدَتْ خمسَ إناث شَقُوا أَذْنَها وتركوها. وقال بعضَهم
- ويُعْزَى لمسروق(٢) ـ: ((إنها إذا وُلِدت خمساً أو سبعاً شَقُّوا أذنَها)). وقيل:
هي الناقةُ تَلِدُ عشرةَ أبطن فَتُشَقُّ أَذْنُها طولاً بنصفين، وتُتْرَكُ فلا تُرْكَبُ
ولا تُحْلَبُ ولا تُطْرَدُ عنْ مرعى ولا ماء، وإذا ماتَتْ حَلَّ لحمُها للرجال دون
النساء))، نقله ابن عطية(٣)، وكذا قاله أبو القاسم الراغب(٤). وقيل: البحيرة
السَّقْبُ(٥) إذا وُلِد نحروا أذنه، وقالوا: اللهم إن عاش فَقَنِيّ(٦) وإن مات
فَذَكيّ(٧)، فإذا مات أكلوه. ووجه الجمع بين هذه الأقوالِ الكثيرة أنَّ العربَ
كانت تختلف أفعالُها في البحيرة.
والسائبة قيل: كان الرجلُ إذا قَدِم من سفر أو شكر نعمة سَيَّبَ بعيراً
فلم يُرْكَبْ ويفعل به ما تقدم في البحيرة، وهذا قول أبي عبيد. وقيل: هي
(١) المحكم له ٢٤١/٣.
(٢) مسروق بن الأجدع، أخذ عن عبدالله بن مسعود وثلة من الصحابة، وروى عنه يحيى بن
وثاب توفي سنة ٦٣. انظر: طبقات القراء ٢٩٤/٢.
(٣) المحرر ٢١١/٥.
(٤) المفردات ٣٤.
(٥) السقب: ولد الناقة.
(٦) القَنِيّ: هي التي تقتنى للدُّرِّ والولد.
(٧) الذكي: المذبوح.
٤٤٦

- المائدة -
الناقة تُنْتِجُ عشر إناث فلا تُرْكب ولا يَشْرب لبنها إلا ضيفٌ أو ولدٌ، قاله
الفراء(١). وقيل: ما تُرِك لآلهتهم، فكان الرجل يجيء بماشيته إلى السدنة
فيتركه عندهم ويسيل لبنه. وقيل: هي الناقة تْرك ليُحَجَّ عليها حَجَّة، ونُقِل
ذلك عن الشافعي. وقيل: هو العبدُ يُعْتَقُ على ألاّ يكونَ عليه ولاءٌ ولا عقلٌ(٢)
ولا ميراثٌ.
والسائِبَةُ هنا: فيها قولان، أحدُهما: أنها اسم فاعل على بابه من ساب
يَسِيب أي يَسْرَحِ، كسَيَّب الماء، وهو مطاوعُ سِبْتُه، يقال: سَيَّتُه فساب
وانساب. والثاني: أنه بمعنى مَفْعول نحو: ((عيشةٌ راضية)» ومجيءُ فاعِل
بمعنى مَفْعول قليلٌ جداً نحو: ((ماء دافق)»، والذي ينبغي أَنْ يُقال: إنه فاعل
بمعنى ذي كذا أي: بمعنى النسب، نحو قولهم: لابن أي: صاحبُ لبن، ومنه
في أحدِ القولين: ((عيشةٌ راضية وماء دافق)) أي: ذات رضى وذا دفق، وكذا
هذا، أي: ذات سَيْبٍ.
والوصيلةُ هنا فَعِيلة بمعنى فاعِلة على ما سيأتي تفسيره، فدخول التاءِ
قياسَ. واختلف أهلُ اللغةِ فيها هل هي من جنسِ الغنم أو من جنس الإِبل؟
ثم اختلفوا بعد ذلك أيضاً، فقال الفراء (٣): ((هي الشاةُ تُنْتِجُ سبعةَ أبطن
عَناقَيْن عَناقَيْن، فإذا وَلَدَت في آخرها عَناقاً وجَدْياً قيل: وصلت أخاها فَجَرَتْ
مَجْرى السائبة)). وقال الزجاج (٤): ((هي الشاة إذا وَلَدَتْ ذكراً كان لآلهتهم،
وإذا ولدت أنثى كانت لهم)). وقال ابن عباس : - رضي الله عنه - هي الشاةُ
تُنْتِجُ سبعة أبطن، فإذا كان السابع أنثى لم تنتفع النساءُ منها بشيء، إلا أَنْ
تموتَ فيأكلَها الرجال والنساء، وإنْ كانت ذكراً ذبحوه وأكلوه جميعاً، وإنْ كان
(١) معاني القرآن ٣٢٢/١.
(٢) العقل: تأدية جناية الدم.
(٣) معاني القرآن له ٣٢٢/١.
(٤) معاني القرآن له ٢٣٥/٢.
٤٤٧

- المائدة -
[٢٨٢/ أ] ذكراً وأنثى قالوا: / وَصَلْت أخاها فيتركونها معه لا تُذْبَحُ ولا ينتفع بها
إلا الرجالُ دونَ النساء، فإنْ ماتَتْ اشتركنْ مع الرجال فيها». وقال ابن قتيبة:
(إن كان السابع ذكراً ذُبح وأكله الرجال دون النساء، وقالوا: ((خالصةً لذكورنا
ومُحَرَّمٌ على أزواجِنا) وإنْ كان أنثى تُرِكَتْ في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى
فكقول ابن عباس. وقيل: ((هي الشاة تنتج عشر إناثٍ متوالياتٍ في خمسة
أبطن ثم ما وَلَّدت بعد ذلك فللذكور دون الإناث، وبهذا قال أبو إسحاق(١)
وأبو عبيدة (٢)، إلا أن أبا عبيدة قال: ((وإذا ولدت ذكراً وأنثى معاً قالوا: وَصَلَت
أخاها فلم يذبحوه لمكانها)). وقيل: هي الشاة تنتج خمسةً أبطن أو ثلاثةً، فإن
كان جَدْياً ذبحوه، وإن كان أنثى أَبْقَوْها، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت
أخاها، هذا كلُّه عند مَنْ يَخُصُّها بجنس الغنم. وأما من قال إنها من الإِبل
فقال: ((هي الناقة تبتكر فتلد أنثى ثم تُثْنِّي بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذكر
فیترکونها لآلهتهم، ويقولون: قد وَصَلَت أُنثی بأنثی لیس بینھما ذکر».
والحامي: اسمُ فاعل من حَمَى يَحْمي أي: منع، واختلف فيه تفسير
أهل اللغة، فعن الفراء(٣): ((هو الفحل يُولدُ لولدٍ ولدِه))(٤) فيقولون: قد حَمَى
ظهرَه، فلا يُرْكب ولا يُستعمل ولا يُطْرَدُ عن ماء ولا شجر)». وقال بعضهم:
((هو الفحل يُنْتِجُ من بين أولاده ذكورها وإناتها عشرَ إناث)) روى ذلك
ابن عطية (٥). وقال بعضُهم: ((هو الفحل يولَدُ من صلبِه عشرةُ أبطن، فيقولون
قد حمى ظهره، فيتركونه كالسائبة فيما تقدم، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود
(١) ليس في إعرابه.
(٢) مجاز القرآن ١٧٨/١
(٣) معاني القرآن ٣٢٢/١.
(٤) أي فكان بمنزلة الحفيد لهذا الفحل.
(٥) المحرر ٢١٢/٥.
٤٤٨

- المائدة -
وإليه مال أبو عبيدة(١) والزجاج(٢). ورُوي عن الشافعي أنه الفحل يَضْرِب في
مال صاحبه عشر سنين. وقال ابن زيد: ((هو الفحل يُنتج له سبع إناث
متواليات فيحمي ظهره فيُفْعل به ما تقدم. وقد عرفت منشأ خلاف أهل اللغة
في هذه الأشياء أنه باعتبار اختلاف مذاهب العرب وآرائهم الفاسدة فيها. وقد
أنشدوا في البَحِيرة قوله(٣).
١٨١٥ - مُحَرَّمَةٌ لا يَطْعَمُ الناسُ لحمَها
ولا نحن في شيءٍ كذاك البحائِرُ
وأنشدوا في السائبة قوله (٤):
١٨١٦ - وسائبةٍ لله مالي تشكّرا
إِنِ اللّهُ عاقَى عامراً أو مجاشعا
وأنشدوا في الوصيلة لتأبط شراً(٥):
١٨١٧ - أجِدَّك أمَّا كنت في الناسِ ناعقاً
تراعي بأَعْلى ذي المجازِ الوَصايلا
وأنشدوا في الحامي قوله(٦):
١٨١٨- حَماها أبو قابوسَ في عِزِّ ملكِه
كما قد حَمَى أولادَ أولادِه الفحلُ
(١) مجاز القرآن ١٧٨/١.
(٢) معاني القرآن ٢٣٥/٢.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٣٣٦/٦.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٣٣٦/٦.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٣٣٧/٦.
٤٤٩

- المائدة :-
آ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿حَسْبُنا ما وَجَدْنا عليه آباءنا﴾: ((حسبنا)) مبتدأ
وقد تقدم أنه في الأصل مصدرٌ والمرادُ به اسم الفاعل أي: كافينا، وتفسيرُ
ابنِ عطية(١) له بـ ((كفانا) تفسيرُ معنىٍّ لا إعراب. و «ما وَجَدْنا)» هو الخبر،
و ((ما) ظاهرُها أنها موصولة اسمية، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة أي: كافينا
الذي وجدنا، و((وجد)) يجوز أن يكون بمعنى المصادفة، فـ ((عليه)) يجوز فيه
وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ ((وجدنا)) وأنه متعدٍ لواحد. والثاني: أنه حال
من ((آباءنا)» أي وجدناهم مستقرين عليه، ويجوز أن يكونَ بمعنى العلم
فیتعدی لاثنین ثانیهما (علیه)).
وقوله: ((أَوَلَوْ كان)) قد تقدم إعراب هذا في البقرة(٢) وما قالوا فيه، وأنَّ
(و) هنا معناها الشرط وأنَّ الواوَ للحال، وتقدم تفسيرُ ذلك كله فأغنى عن
إعادته، إلا أنَّ ابْنَ عطية قال هنا (٣): ((ألف التوقيف دخلت على واو العطف))
قلت: تسميةُ هذه الهمزةِ للتوقيف فيه غرابةٌ في الاصطلاح. وجَعَل
الزمخشري (٤) هذه الواوَ للحال، وابنُ عطية جعلها عاطفةً، وتقدَّم
[٢٨٢ /ب] الجمعُ / بين كلامهما في البقرة فعليك بالالتفات إليه. واختلاف الألفاظ في
هاتين الآيتين - أعني آية البقرة وآية المائدة - من نحو قوله هناك: ((اتبعوا)) وهنا
((تعالَوْا)) وهناك ((أَلْفَيْنا)) وهنا ((وجدنا)) من باب التفنّن في البلاغة، فلا تُطْلَبُ لِه
مناسبةٌ، وإن كنتُ قد تكلَّفْتُ ذلك ونقلته عن الناس في كتاب ((التفسير الكبير)).
آ. (١٠٥) قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسَكم﴾: الجمهورُ على نصب
((أنفسكم)) وهو منصوب على الإِغراء بـ((عليكم))؛ لأنّ ((عليكم)) هنا اسمُ فعل
(١) المحرر ٢١٤/٥.
(٢) الآية ١٧٠.
(٣) المحرر ٢١٤/٥.
(٤) الكشاف ٦٤٩/١.
٤٥٠

- المائدة -
إذا التقدير: الزموا أنفسكم أي: هدايتها وحِفْظَها مِمَّا يؤذيها، فـ ((عليكم)) هنا
يرفع فاعلاً تقديره: عليكم أنتم، ولذلك يجوز أن يُعْطَفَ عليه مرفوع نحو:
((عليكم أنتم وزيدٌ الخيرَ)، كأنك قلت: الزموا أنتم وزيدُ الخيرَ. واختلف
النحاة في الضميرِ المتصلِ بها وبأخواتِها نحو: إليك ولديك ومكانك،
فالصحيح أنه في موضعِ جر كما كان قبلَ أن تُنْقَلَ الكلمة إلى الإِغراء، وهذا
مذهب سيبويه(١) واستدل له الأخفش بما حكى عن العرب ((على عبدالله)) بجرٌ
((عبد الله)) وهو نص في المسألة. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل وفيه
بُعْدَ لنصب ما بعدهما، أعني ((على)) وما بعدها كهذه الآية. وذهب الفراء إلى
أنه مرفوعُه، وقد حَقَّقْتُ هذه المذاهبَ بدلائلها مبسوطة في ((شرح التسهيل)).
وقال أبو البقاء(٢) : - بعد أن جعل ((كم)) في موضع جر بـ ((على)) بخلافٍ
رُوَيَدَكم فإن الكاف هناك للخطاب ولا موضعَ لها، فإن ((رويد)» قد استُعْمَلِتْ
للأمر المواجّهِ من غير كاف الخطاب، وكذا قوله تعالى: ((مكانكم))(٣) ((كم))
في محل جر)). قلت: في هذه المسألة كلامٌ طويل، صحيحُه أنَّ ((رويد)) تارةً
يكون ما بعدها مجرورَ المحلّ وتارةً منصوبَه، وليس هذا موضعه، وقد قَدَّمْتُ
في سورةِ النساءِ الخلافَ في جواز تقديم معمول هذا الباب عليه.
وقرأ نافع بن أبي نعيم: ((أنفسُكم)) رفعاً فيما حكاه عنه صاحب
(الكشاف))(٤)، وهي مُشْكَلِةٌ وتخريجُها على أحد وجهين: إما الابتداء،
و ((عليكم)) خبره مقدم عليه، والمعنى على الإِغراء أيضاً، فإن الإِغراء قد جاء
بالجملة الابتدائية، ومنه قراءةُ بعضِهم ((ناقةُ الله وسُفْياها))(٥)، وهذا تحذيرٌ
(١) الكتاب ١٢٧/١.
(٢) الإِملاء ٢٢٨/١.
(٣) الآية ٢٨ من يونس: ((مكانكم أنتم وشركاؤهم)).
(٤) الكشاف ٦٥٠/١.
(٥) الآية ١٣ من الشمس، ولم أجد من نسب القراءة.
٤٥١

- المنائدة -
وهو نظيرُ الإِغراء. والثاني من الوجهين: أن تكون توكيداً للضميرِ المستترِ في
((عليكم)) لأنه كما تقدم تقديره قائمٌ مقامَ الفعل، إلا أنه شَذَّ توكيدُه بالنفس من
غير تأكيد بضمير منفصل، والمفعول على هذا محذوفٌ، تقديرُه: عليكم أنتم
أنفسُکم صلاح حالکم وهدایتکم.
قوله: ((لا يَضُرُّكم)) قرأ الجمهور بضم الراء مشددة. وقرأ (١) الحسن
البصري: ((لا يَضُرْكم)) بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم النخعي:
((لا يَضِرْكم)) بكسر الضاد وسكون الراء، وقرأ أبو حيوة: ((لا يَضْرُرُكم)) بسكون
الضاد وضم الراء الأولى والثانية. فأمَّا قراءة الجمهور فتحتمل وجهين،
أحدهما: أن يكونَ الفعلُ فيها مجزوماً على جواب الأمر في ((عليكم))، وإنما
ضُمَّت الراءُ إتباعاً لضمَةِ الضاد، وضمةُ الضادِ هي حركةُ الراء الأولى نُقِلَتْ
للضادِ لأجلِ إدغامها في الراء بعدها، والأصل: ((لا يَضْرُرْكم))، ويجوز أن
يكونَ الجزمُ لا على وجه الجواب للأمرِ، بل على وجهِ أنه نهيُ مستأنف،
والعملُ فيه ما تقدَّم، وينصُر جوازَ الجزم هنا على المعنيين المذكورَيْن من
الجواب والنهي قراءةُ الحسن والنخعي فإنهما نَصُّ في الجزمِ ولكنهما
محتملتان للجزمِ على الجوابِ أو النهي. والوجه الثاني: أن يكون الفعلُ
مرفوعاً وليس جواباً ولا نهياً، بل هو مستأنفٌ سِيقَ للإِخبار بذلك، وينصرُه قراءةٌ
[٢٨٣/أ] أبي حيوة / المتقدمة.
وأمَّا قراءةُ الحسنِ فَمِنْ ((ضارَه يَضُوره)) كصانَه يصونه. وأما قراءة النخعي
فمِنْ ((ضاره يضيره)) كباعه يَبيعه، والجزم فيهما على ما تقدم في قراءة العامة
من الوجهين. وحَكَى أبو البقاء(٢): ((لا يَضُرَّكم)) بفتح الراء، ووجهها على
الجزم، وأن الفتح للتخفيف وهو واضح، والجزم على ما تقدم أيضاً من
(١) انظر: الشواذ ٣٥؛ البحر ٣٧/٤.
(٢) الإِملاء ٢٢٨/١.
٤٥٢

- المائدة -
الوجهين. وهذه كلُّها لغاتٌ قد تقدَّم التنبيهُ عليها في آل عمران(١).
و(مَنْ ضَلَّ)) فاعل، و((إذا)) ظرفٌ محضّ ناصبُه ((يَضُرُّكم)) أي:
لا يَضُرُّكم الذي ضلَّ وقتَ اهتدائِكم، ويجوز أَنْ تكونَ شرطيةٌ وجوابُها
محذوفٌ لدلالةِ الكلام عليه. وقال أبو البقاء(٢): ((ويبعد أن تكون ظرفاً
لـ ((ضَلَّ)) لأنَّ المعنى لا يَصِحُّ معه)). قلت: لأنه يصير المعنى على نفي الضرر
الحاصل مِمَّن يضل وقت اهتدائهم، فقد يُتَوَهَّم أنه لا ينتفي عنهم ضرر مَنْ
ضَلَّ في غيرِ وقتِ اهتدائهم، ولكنَّ هذا لا ينفي صِحَّة المعنى بالكليةِ
کما ذكره.
آ. (١٠٦) قوله تعالى: ﴿شهادةُ بينكم﴾: هذه الآية وما بعدها من
أشكلِ القرآنِ حُكْماً وإعراباً وتفسيراً، ولم يَزَلِ العلماء يستشكلونها
ويَكِعُون(٣) عنها حتى قال مكي بن أبي طالب(٤) - رحمه الله - في
كتابه المسمى بالكشف: ((هذه الآيةُ في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها
وأحكامِها من أصعب آيٍ في القرآن وأشكلها، قال: ((ويحتمل أن يُبْسط ما فيها
من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر)) قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب
مفرد)). وقال ابن عطية(٥): ((وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك
بَيِّنٌ من كتابه)) وقال السخاوي(٦): ((لم أر أحداً من العلماء تَخَلَّص كلامُه فيها
من أولها إلى آخرها)). وقال الواحدي: ((وهذه الآية وما بعدها من أغوص
(١) الآية ١٤٤.
(٢) الإملاء ٢٢٩/١.
(٣) كَعَّ: جُبُن.
(٤) الكشف ٤٢٠/١.
(٥) المحرر ٢١٧/٥.
(٦) علي بن محمد النحوي المقرىء الأديب، أخذ عن الشاطبي، وله: شرحان على
((المفصل))، توفي سنة ٦٤٣. انظر: البغية ١٩٢/٢.
٤٥٣

۔
- المائدة -
ما في القرآن معنى وإعرابً» قلت: وأنا أستعين الله تعالى في توجيه إعرابها
واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها مِمَّا يختصُّ بهذا
الموضوع، وأمَّا بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبه في كتابي ((تفسير
القرآن العزيز)) إنْ شاء الله، وبه الحول والقوة.
قرأ الجمهور ((شهادةُ بينكم)) برفع ((شهادة)) مضافة لـ ((بينكم)). وقرأ(١)
الحسن والأعرج والشعبي برفعها منونة، ((بينكم)) نصباً. والسلمي والحسن
والأعرج - في رواية عنهما : ((شهادةً)) منونةٌ منصوبة، ((بينكم)) نصباً. فأمَّا قراءة
الجمهور ففي تخريجها خمسة أوجه، أحدها: أنها مرفوعةٌ بالابتداءِ، وخبرُها
((اثنان))، ولا بد على هذا الوجهِ من حذفٍ مضافٍ: إمَّا من الأول، وإمَّا من
الثاني، فتقديرُه من الأول: ذوا شهادةٍ بينكم اثنان، أي صاحبا شهادةِ بينكم
اثنان، وتقديرُه من الثاني : شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين، وإنما اضطررنا إلى حذفٍ
من الأول أو الثاني ليتصادقَ المبتدأ والخبر على شيء واحد، لأنَّ الشهادةَ
معنىَّ والاثنان جثتان، ولا يجيء التقديران المذكوران في نحو: ((زيدٌ عدلٌ))
وهما جعله نفسَ المصدر مبالغةً أو وقوعُه موقع اسم الفاعل، لأنَّ المعنى
يأباهما هنا، إلا أنَّ الواحدي نقل عن صاحب ((النظم)) أنه قال: ((شهادة)) مصدرً ا
وُضِعِ مَوْضِعَ الأسماء)) يريد بالشهادة الشهود، كما يقال: رجلٌ عَدْلٌ ورِضا،
ورجالٌ عدلٌ ورِضا وزَوْر، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشهود كان على حذف
المضاف، ويكون المعنى: عدةُ شهودٍ بينكم اثنان، واستشهد بقوله: ((الحجّ
أشهرٌ))(٢) أي: وقت الحج، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل: الحج في
أشهر)». قلت: فعلى ظاهر هذا أنه جَعَلَ المصدر نفسَ الشهود مبالغةٌ، ولذلك
مَثَّله بـ ((رجال عدل)) وفيه نظر. الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها
(١) الشواذ ٣٥؛ البحر ٣٨/٤.
(٢) الآية ١٩٧ من البقرة.
٤٥٤

- المائدة -
محذوف يَدُلُّ عليه سياق الكلام، و((اثنان)) على هذا مرتفعان بالمصدر الذي
هو ((شهادة))، والتقدير: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، كذا قَدَّره
الزمخشري(١) وهو أحد قولي الزجاج(٢)، وهو ظاهرٌ جداً، و((إذا)) على هذين
الوجهين ظرف لـ ((شهادة)) أي لُيُشْهَد وقت حضور الموت - أي أسبابه -
و((حين الوصية)) على هذه الأوجه فيه ثلاثة أوجه، أوجهها: أنه بدلٌ من ((إذا)»،
ولم يذكر الزمخشري غيره، قال: ((وفي إبدالِهِ منه دليلٌ على وجوبِ الوصية)».
الثاني: أنه منصوبٌ بنفسِ الموت أي: يقع الموت وقت الوصية، ولا بُدَّ
من تأويله بأسبابِ الموت؛ لأنَّ وقتَ الموت الحقيقي لا وصيةً فيه. الثالث: أنه
منصوبٌ بـ ((حَضَر)) أي: حَضَر أسبابَ الموت حين الوصية.
الثالث(٣): أنَّ (شهادةُ)) مبتدأ وخبره: ((إذا حضر))، أي وقوعُ الشهادة في
وقتٍ حضور الموت /، و((حين)) على ما تقدم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً، [٢٨٣/ب]
ولا يجوزُ فيه والحالةُ هذه أن يكونَ ظرفاً للشهادة لئلا يلزم الإِخبارُ عن
الموصولِ قبل تمامٍ صلتِه وهو لا يجوز، وقد عرفت شرح ذلك مِمَّا مَرَّ. ولَمًّا
ذكر الشيخ (٤) هذا الوجه لم يستدرك هذا، وهو عجيب منه. الرابع: أنَّ
((شهادة)) مبتدأ، وخبرُها ((حين الوصية))، و((إذا)» على هذا منصوبٌ بالشهادة،
ولا يجوز أن ينتصِبَ بالوصية وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ المصدرَ المؤولَ
لا يَسْبقه معمولُه عند البصريين ولو كان ظرفاً، وأيضاً فإنه يلزمُ منه تقديمُ
المضافِ إليه على المضافِ؛ لأنَّ تقديم المعمول يُؤْذِنُ بتقديمِ العامل والعاملُ
لا يتقدَّم(٥) فكذا معمولُه، ولم يجوِّزوا تقديمَ معمول المضاف إليه على
(١) الكشاف ٦٥٠/١.
(٢) معاني القرآن ٢٣٧/٢.
(٣) أي في إعراب «شهادة بينكم».
(٤) البحر ٣٩/٤.
(٥) العامل هو ((الوصية)) وهو المضاف إليه، والمضاف ((حين)) والمعمول ((إذا)) وعلى هذا فقد
تقدم معمول المضاف إليه على المضاف، وهذا بمنزلة تقديم المضاف إليه على المضاف.
٤٥٥

- المائدة -
المضاف إلا في مسألة واحدة وهي: إذا كان المضافُ لفظة ((غير))،
وأنشدوا(١):
١٨١٩- إنَّ امرأً خَصَّني عمداً مودَّتَه
على التنائِي لَعندي غيرُ مكفورٍ
فـ ((عندي)) منصوبٌ بـ ((مكفور)»، قالوا: لأنَّ ((غير)» بمنزلة
(لا))، و((لا)) يجوزُ تقديمُ معمولِ ما بعدها عليها. وقد ذكر الزمخشري (٢) ذلك
آخرَ الفاتحة، وذكر أنه يجوزُ («أنا زيداً غيرُ ضارب)) دون ((أنا زيداً مثلُ ضارب)).
و ((اثنان)) على هذين الوجهين الأخيرين يرتفعان على أحدٍ وجهين: إمَّا الفاعليةِ
أي: ((يشهد اثنان)» يدل عليه لفظ «شهادة)»، وإمّا على خبر مبتدأ: محذوف
مدلولٍ عليه بـ ((شهادةٌ)) أيضاً أي: الشاهدان اثنان.
الخامس: أنَّ (شهادةُ)) مبتدأ، و((اثنان)) فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر، ذكره
أبو البقاء(٣) وغيره وهو مذهبُ الفراء (٤)، إلا أنَّ الفراء قَدَّر الشهادةَ واقعةً موقعَ
فعلِ الأمر كأنه قال: ((ليشهد اثنان)) فجعله من باب نيابة المصدرِ عن فعل
الطلب، وهو مثل ((الحمدُ لله)) و((قال سلام))(٥) من حيث المعنى، وهذا
مذهبٌ لبعضهم في نحو: ((ضَرْبي زيداً قائماً) يَذَّعي أن الياء فاعل سَدَّتْ
مسد الخبر، وهذا مذهب ضعيفٌ ردَّه النحويون، ويخصون ذلك بالوصفِ
المعتمد على نفي أو استفهام نحو: ((أقام أبواك)) وعلى هذا المذهب فـ ((إذا))
و((حين)) ظرفان منصوبان على ما تقرَّر فيهما في غير هذا الوجه. وقد تحصَّلْنا
(١) تقدم برقم ٨١.
(٢) الكشاف ٧٢/١ - ٧٣.
(٣) الإملاء ٢٢٩/١.
(٤) معاني القرآن ٣٢٣/١.
(٥) الآية ٦٩ من هود.
٤٥٦

- المائدة -
فيما تقدَّم أن رفع ((شهادة)) من وجه واحد وهو الابتداء، وفي خبرها خمسة
أوجه تقدَّم ذكرُها مفصلةً، وأنَّ رفع ((اثنان)) من خمسة أوجه، الأول: كونه خبراً
لشهادة بالتأويل المذكور، الثاني: أنه فاعل بـ «شهادة»، الثالث: أنه فاعل
بـ ((يشهد)) مقدراً، الرابع: أنه خبر مبتدأ أي: الشاهدان اثنان. الخامس: أنه
فاعل سَدَّ مسدَّ الخبر. وأنَّ في ((إذا)) وجهين: إمَّا النصبَ على الظرفية، وإمّا
الرفعَ على الخبرية لـ ((شهادة)، وكل هذا بَيِّنْ مما لَخَّصْتُه قبل. وقراءةُ الحسن
برفعها منونةٌ تتوجه بما تقدم في قراءة الجمهور من غير فرق.
وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وإليه ذهب ابن جني ـ(١):
أنها منصوبةٌ بفعل مضمر، و((اثنان)) مرفوع بذلك الفعل، والتقدير: لِيُقِمْ
شهادةَ بينكم اثنان، وتبعه الزمخشري(٢) على هذا فذكره. وقد ردَّ الشيخ(٣)
هذا بأن حَذْفَ الفعل وإبقاء فاعله لم يُجِزْه النحويون إلا أن يُشْعِرَ به ما قبله
كقوله تعالى: ((يُسَبِّح له فيها بالغدوِّ والآصالِ رجالٌ))(٤) في قراءة ابن عامر
وأبي بكر، أي: يسبحه رجال، ومثله(٥):
١٨٢٠ - لَيْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ
ومُخْتَبِطُ مِمَّا تُطِيحِ الطَّوَائِحُ
وفيه خلافٌ: هل يَنْقَاسُ أو لا؟ أو يُجاب به نفي كقوله(٦):
١٨٢١ - تَجَلَّدْتُ حتى قيل: لم يَعْرُ قلبَه
من الوجدِ شيءٌ قلتُ: بل أعظمُ الوَجْدِ
(١) المحتسب ٢٢٠/١.
(٢) الكشاف ١/ ٦٥٠.
(٣) البحر ٣٩/٤.
(٤) الآية ٣٦ من النور، وقرأ الباقون بكسر الباء، والآية ٣٦ من النور.
(٥) تقدم برقم ١٢٠١.
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في أوضح المالك ٣٤١/١؛ والعيني ٤٥٣/٢.
٤٥٧

- المائدة :-
أي: بل عراه أعظمُ الوجد، أو يُجاب به استفهامٌ كقوله(١):
١٨٢٢ - ألا هَلْ أتى أمَّ الحويرثِ مُرْسِلي
نعم خالدٌ إنْ لم تُعِقْه العوائِقُ
أي: بل أتاها أو يأتيها، وما نحن فيه ليس من الأشياء الثلاثة. الثاني:
أن ((شهادةً)) بدل من اللفظ بفعل أي: إنها مصدر ناب مناب الفعل فيعملُ
عملَه، والتقدير: لِيَشْهَد اثنان، فـ((اثنان)) فاعل بالمصدر لنيابته منابَ الفعلِ،
أو بذلك الفعلِ المحذوفِ على حَسَبِ الخلاف في أصل المسألة، وإنما
قَدَّرْتُه ((ليشهد اثنان)) فأتيتُ به فعلاً مضارعاً مقروناً بلام الأمر، ولم أقدِّرْه فعَلَ
أمرِ بصيغة ((افعل)) كما يُقَدِّرُه النحويون في نحو: ((ضرباً زيداً) أي: اضرِبْ،
لأنَّ هذا قد رَفَع ظاهراً وهو ((اثنان))، وصيغةُ ((افعل)) لا ترفع إلا ضميراً مستراً
إن كان المأمور واحداً، ومثلُه قوله (٢):
١٨٢٣-
فَتَدْلاَ زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثَّعالِبِ
فـ ((زريق)) يجوز أن يكون منادى أي: يا زريق، والثاني: أنه مرفوع
[٢٨٤/أ] بـ ((ندلاً)) على أنه واقعُ موقع ((ليندل))، وإنما حُذِف تنوينه / لالتقاء الساكنين
على حَدٍّ قوله(٣):
١٨٢٤-
ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا
الثالث: أنَّ((شهادة) بدل من اللفظ بفعل أيضاً، إلا أنَّ هذا الفعل خبري وإن كان أقلِّ مِن
الطلبي نحو: ((حمداً وشكراً لا كفراً))، و ((اثنان)» أيضاً فاعلٌ به تقديرُه: يشهد شهادةً
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٨/٤.
(٢) تقدم برقم ٢.
(٣) تقدم برقم ١٥٠٤.
٤٥٨

- المائدة -
اثنان، وهذا أحسن التخاريج المذكورة في قول امرىء القيس (١):
١٨٢٥ - وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مَطِيّهم
((وقوفاً) مصدرٌ بدلٌ من فعل خبري رفع ((صحبي)) ونصب ((مطيهم))
تقديره: وقف صحبي، وقد تقدَّم أنَّ الفراء في قراءة الرفع قَدَّر أن ((شهادة)»
واقعةٌ موقعَ فعل، وارتفع ((اثنان)) بها، وتقدم أنَّ ذلك يجوز أن يكونَ مِمَّا سَدَّ
فيه الفاعل مسدَّ الخبر. و((بينكم)) في قراءةٍ مَنْ نَوَّن ((شهادة)) نصبٌ على
الظرف وهي واضحةٌ.
وأمَّا قراءةُ الجر فيها فَمِنْ باب الاتساع في الظروف أي بجعل الظرفِ
كأنه مفعولٌ لذلك الفعلِ، ومثلُه: ((هذا فراقُ بيني وبينك))(٢) وكقوله تعالى:
((لقد تقطّع بينُكم)) فيمن رفع(٣). قال الشيخ (٤): ((وقال الماتريدي - وتبعه
الرازي (٥) - إنَّ الأصلّ ((ما بينكم)) فحذف ((ما)). قال الرازي: و ((بينكم)) كنايةٌ
عن التنازع، لأنه إنما يُحتاج إلى الشهود عند التنازع، وحَذْفُ ((ما)) جائزٌ عند
ظهورِه، ونظيرُه كقوله تعالى: ((لقد تقطّع بينكم)) في قراءة من نصب)). قال
الشيخ: ((وحَذْفُ ((ما)) الموصولة غيرُ جائز عند البصريين، ومع الإضافة
لا يَصِحُّ تقدير ((ما)) البتة، وليس قولُه ((هذا فراقُ بيني)) نظيرَ ((لقد تقطّع بينكم))
لأن هذا مضافٌ، وذلك باقٍ على ظرفيتِه فُيُتَخَيَّلُ فيه حَذْفُ ((ما)) بخلاف ((هذا
(١) من معلقته، وهو في ديوانه ٦ وعجزه:
يقولون لا تهلك أسىٍ وتجمّل
(٢) الآية ٧٨ من الكهف.
(٣) الآية ٩٤ من الأنعام، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر وابن عامر وحمزة بالرفع، وقرأ
نافع والكسائي وحفص بالنصب. انظر: السبعة ٢٦٣ .
(٤) البحر ٣٩/٤.
(٥) تفسير الرازي ١١٤/١٢ .
٤٥٩

- المائدة -
فراقُ بيني)) و((شهادةُ بينكم)) فإنه لا يُتَخَيَّل فيه تقديرُ ((ما)» لأنَّ الإِضافة أَخْرَجَتْه
عن الظرفية وصَيَّرَته مفعولاً به على السعة)). قلت: هذا الذي نقله الشيخ عنهما
قاله أبو علي الجرجاني بعينه، قال - رحمه الله -: ((قولُه شهادةُ بينكم)) أي:
ما بينكم، و«ما بينكم)) كناية عن التنازع والتشاجر، ثم أضاف الشهادة إلى
التنازع لأن الشهود إنما يُحتاج إليهم في التنازع الواقعِ فيما بين القوم،
والعربُ تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى: ((ولِمَنْ
خاف مقام ربه))(١) أي: مقامه بين يدي ربه، والعربُ تَحْذِفُ كثيراً ذِكْرَ
((ما) و ((مَنْ)) في الموضع الذي يُحتاج إليهما فيه كقوله: ((وإذا رأيتَ ثَمَ)(٢)
أي: ما ثَمَّ، وكقوله: ((هذا فراقُ بيني وبينك)) و((لقد تقطّع بينكم)) أي ما بيني،
وما بينكم))، وقول الشيخ ((لا يُتَخَيَّل فيه تقدير ((ما)) إلى آخره)) ممنوعٌ لأنَّ حالة
الإِضافة لا تَجْعَلُها صلةً للموصول المحذوف، ولا يَلْزم من ذلك أَنْ تُقَدِّرَها من
حيث المعنى لا من حيث الإِعرابُ نظراً إلى الأصلِ، وأمَّا حَذْفُ الموصول.
فقد تقدَّم تحقيقُه .
وقوله: «ذوا)) صفةً لاثنين أي: صاحبا عدل، وكذلك قولُه ((منكم)) صفة
أيضاً لاثنين، وقوله: (أو آخران)) نسقٌ على اثنين، و((من غيركم)) صفةٌ
لآَخَرَين، والمراد بـ ((منكم)) من قرابتكم وعِتْرَتِكم، ومن غيركم من المسلمينَ
الأجانب. وقيل: ((منكم)) من أهل دينكم، و((من غيركم)) من أهل الذمة.
ورجّح النحاسُ(٣) الأولى، فقال: ((هذا يُنْبني على معنىًّ غامضٍ في العربية،
وذلك أنَّ معنى ((آخر)) في العربية من جنس الأولِ تقولُ: ((مررت بكريم.
وكريم آخر)) ولا يجوز (وخسيس آخَر)) ولا: ((مررت بحمارٍ ورجلٍ آخرَ))، فكذا
هنا يجب أن يكون ((أو آخَران)): أو عَدْلان آخران، والكفارُ لا يكونون عُدولاً.
(١) الآية ٤٦ من الرحمن.
(٢) الآية ٢٠ من الإِنسان
(٣) إعراب القرآن ٥٢٥/١ بلفظ قريب.
٤٦٠