النص المفهرس
صفحات 421-440
- المائدة - جنسِ النَّعم، فهذا الوجهُ لا يمتنع بحالٍ. الثاني: أنه متعلق بنفسِ ((جزاء)» لأنه مصدرٌ، إلا أنَّ ذلك لا يجوزُ إلا في قراءة مَنْ أضاف ((جزاء)) إلى ((مثل)) فإنه لا يلزَمُ منه محذورٌ، بخلافِ ما إذا نَوَّنْتَه وجعلتَ ((مثلَ)) صفته أو بدلًا منه أو خبراً له فإنَّ ذلك يمتنع حينئذ، لأنّك إِنْ جَعَلْتَه موصوفاً بـ ((مثل)) كان ذلك ممنوعاً من وجهين، أحدُهما: أنَّ المصدرَ الموصوفَ لا يعملُ وهذا قد وُصِفَ. والثاني: أنه مصدر فهو بمنزلةِ الموصولِ والمعمولُ من تمامٍ صِلتِه، وقد تقرَّر أنه لا يُتْبَعُ الموصولُ (١) إلا بعد تمام صلته لئلا يلزمَ الفصلُ بأجنبي. وإنْ جَعَلْتَه بدلًا لَزِمِ أن يُتْبَعَ الموصولُ قبل تمام صلته، وإنْ جَعَلْتَه خبراً لزم الإخبار عن الموصولِ قبلَ تمامِ صلتِهِ، وذلك كلُّه لا يجوزُ. الثالث(٢): ذكره أبو البقاء(٣) وهو أَنْ يكونَ حالاً من عائدِ الموصولِ المحذوفِ فإنَّ التقدير: فجزاءً مثلَ الذي قتله حالَ كونِه من النَّعم، وهذا وهمٌ لأن الموصوف بكونه من النَّعم إنما هو جزاءُ الصيد المقتولِ ، وأمَّا الصيدُ نفسُه فلا يكونُ من النعم. والجمهورُ على فتحِ عين ((النِّعَم))، وقرأ(٤) الحسن بسكونها، فقال ابنُ عطية(٥): ((هي لغة)) وقال الزمخشري(٦): ((استثقلَ الحركةَ على حرفٍ الحلق كما قالوا: ((الشَّعْر)) في ((الشَّعَر)). قوله: ((يَحْكُمُ به ذَوا)) في موضعِ رفعٍ صفةً لـ((جزاء)» أو في موضع نصبٍ على الحال منه أو على النعتِ لـ ((جزاء)» فيمَنْ نَصَبه، وخَصَّصَ أبو البقاء (٧) كونَه صفةً بقراءةٍ تنوين ((جزاء)»، والحالَ بقراءةِ إضافته، ولا فرقَ، (١) الموصول مجازاً هنا ((جزاء)) و((من النعم)) من تمام صلته، والأجنبي ((مثل)). (٢) أي من إعراب ((من النعم)). (٣) الإملاء ٢٢٦/١. (٤) الشواذ ٣٥؛ البحر ١٩/٤. (٥) المحرر ١٩٣/٥. (٦) الكشاف ٦٤٥/١. (٧) الإملاء ٢٢٦/١. ٤٢١ - المائدة - بل يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ نعتاً أو حالاً بالاعتبارين؛ لأنه إذا أُضيف إلى ((مثل)» فهو باقٍ على تنكيرِهِ لأنَّ ((مِثْلاً)) لا يتعرَّفُ بالإِضافة، وكذا خصَّص مكي(١) الوصفَ بقراءةِ إضافةِ الجزاء إلى ((مِثْل)) فإنه قال: ((ومِن النَّعم في قراءةٍ مَنْ أضاف الجزاء إلى ((مِثْل)) صفةً لجزاء، ويَحْسُنُ أَنْ تتعلَّق [من] بالمصدرِ فلا تكونُ صفةً، وإنما المصدرُ مُعَدَّى إلى ((من النعم))، وإذا جَعَلْتَه صفةً فـ ((مِنْ)) متعلقةٌ بالخبرِ المحذوف وهو ((فعليه)). وفي هذا الكلامِ نظرٌ مِنْ وجهين، أحدُهما: قد تقدَّم وهو التخصيصُ بقراءة الإضافة. والثاني : أنه حین جَعَلَ ((من النَّعم)) صفةً عَلَّقها بالخبرِ المحذوفِ لِما تضمَّنه مِن الاستقرار، وليس كذلك؛ لأنَّ الجارَّ إذا وَقَع صفةٌ تعلَّق بمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الوصفُ في الحقيقةِ، وهذا الذي جَعَلَه متعلَّقاً لهذه الصفةِ ليس صفةً للموصوف في الحقيقةِ بل هو خبرٌ عنه، أَلا ترى أنك لو قلت: ((عندي رجلٌ من بني تميم)) أنَّ ((مِنْ بني)) متعلِّقٌ بوصفٍ محذوفٍ في الحقيقة لا بقولِك ((عندي))، ويمكن أَنْ يُقال : - وهو بعيدٌ جداً - إنه أراد التعلُّقَ المعنوي، وذلك أنَّ العاملَ في الموصوفِ عاملٌ في صفتِه، و((عليه)) عاملٌ في ((جزاء)» فهو عاملٌ في صفتِهِ، فَالتعلقُ من هذه الحیثیةِ، ولكن إنما يتأنَّی ذلك حيث جَعَلْنا الخبرَ عاملاً في المبتدأ، أو قلنا: إنَّ الجارَّ يرفع الفاعلَ ولو لم يعتمدْ، وإنما أذكرُ هذه التوجيهاتٍ لأنَّ القائلين بذلك مِمَّنْ لا يُلْغَى قولُهم بالكلية. والألفُ في ((ذوا) علامةُ الرفعِ لأنه مثنَّى، وقد تقدَّم الكلامُ في اشتقاقٍ هذه اللفظةِ وتصاريفِها(٢) وقرأ الجمهورُ: ((ذَوا)) بالألف، وقرأ(٣) محمد بن [٢٧٧/أ] جعفر الصادقٍ /: ((ذو)) بلفظِ الإِفراد قالوا: ((ولا يريدُ بذلك الوحدةَ بل یریدُ : (١) المشكل ٢٤٥/١. (٢) انظر: الآية ١٧٧ من البقرة. (٣). البحر ٢٠/٤، وهو أبو جعفر وإقامته بمكة، توفي سنة ٢٠٣ وصَلَّى عليه المأمون وهو من نسل عليّ. انظر: الكامل لابن الأثير ١٢١/٦، والأعلام ٦٩/٦. -- ٤٢٢ - المائدة - يحكم به مَنْ هو مِنْ أهلِ العدل. وقال الزمخشري(١): ((وقيل: أرادَ الإِمام)» فعلى هذا تكونُ الوِحْدَةُ مقصودةً. و((منكم)) في محلِّ رفعٍ صفةً لـ((ذوا)) أي : إنهما يكونان من جنسكم في الدين، ولا يجوزُ أن تكونَ صفةً لـ ((عَدْل)) لأنه مصدرٌ قاله أبو البقاء(٢)، يعني أن المصدرَ ليس مِنْ جنسِهم فكيف يُوصف بکونه منهم؟ قوله: ((هَدْياً) فيه ستةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه حالٌ من الضمير في ((به)) قال الزجاج(٣): ((هو منصوبٌ على الحالِ، المعنى: يحكم به مقدراً أن يُهْدَى)) يعني أنه حال مقدرةٌ لا مقارنةٌ، وكذا قال الفارسي كقولك: ((معه صقر صائداً به غداً) أي مُقَدِّراً الصيدَ. الثاني: أنه حالٌ من ((جزاء)» سواءً قُرىء مرفوعاً أم منصوباً، منوناً أم مضافاً. وقال الزمخشري(٤): ((هَدْياً) حالٌ من ((جزاء) فيمَنْ وصَفَه بمثل، لأنَّ الصفةَ خَصَّصَتْه فَقَرُبَ من المعرفة، وكذا خَصَّصه الشيخ(٥)، وهذا غير واضح، بل الحاليةُ جائزةٌ مطلقاً كما تقدَّم. الثالث: أنه منصوبٌ على المصدرِ أي: يُهديه هَدْياً، ذكره مكي(٦) وأبو البقاء (٧). الرابع: أنه منصوبٌ على التمييزِ، قاله أبو البقاء(٨) ومكي (٩)، إلا أنَّ مكياً قال: ((على البيان))، وهو التمييز في المعنى، وكأنهما ظَنَّا أنه تمييزٌ لِما أُبْهِم في المِثْلية، إذ ليس هنا شيءٌ يَصْلُحُ للتمييزِ غيرَها. وفيه نظرٌ من حيث إنَّ التمييزّ إنما يرفع (١) الكشاف ١ / ٦٤٥. (٢) الإملاء ٢٢٦/١. (٣) معاني القرآن ٢٢٩/٢. (٤) الكشاف ٦٤٥/١. (٥) البحر ٤ /٢٠. (٦) المشكل ٢٤٥/١. (٧) الإملاء ٢٢٧/١. (٨) الإملاء ٢٢٧/١. (٩) المشكل ٢٤٥/١. ٤٢٣ - المائدة - الإِبهامَ عن الذواتِ لا عن الصفاتِ، وهذا كما رأيتَ إنما رفع إبهاماً عن صفة، لأن الهدى صفةٌ في المعنى إذ المرادُ به مُهْدَى. الخامس: أنه منصوبٌ على محلٌّ ((مثل)) فيمَنْ خَفَضَه، لأنَّ محلّه النصبُ بعملِ المصدرِ فيه تقديراً كما تقدَّم تحريرُه. السادس: أنه بدلٌ من («جزاء)» فيمَنْ نصبه. و((بالغ الكعبة)) صفةٌ لـ((هَذْيا))، ولم يتعرَّفْ بالإِضافة لأنه عاملٌ في الكعبة النصبَ تقديراً، ومثلُه: ((هذا عارضٌ مُمْطِرُنا))(١) وقولُ الآخَرِ(٢): ١٨١٠- يا رُبَّ غَابِطِنا لو كان يَطْلُبُكُمْ لاقَى مباعَدةً منكم وحِرْمانِا في أنَّ الإِضافةَ فيها غيرُ مَحْضَةٍ. وقرأ(٣) الأعرج: ((هَدِيًّا) بكسر الدال وتشديد الياء. قوله: ((أو كفارةٌ)) عطفٌ على قوله: ((فجزاءً))، و((أو)) هنا للتخييرِ، ونُقِل عن ابن عباس أنها ليسَتْ للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءةٍ مَنْ رفع ((فجزاءً)»، وأمَّا مَنْ نَصَبَه فقال الزمخشري(٤) ((جَعَلَها خبرَ مبتدأ محذوفٍ كأنه قيل: أو الواجبُ عليه كفارةٌ، ويجوزُ أَنْ تُقَدِّر: فعليه أن يَجْزِي جزاءً أو كفارةً، فَتَعْطِفَ ((كفارة)) على (أَنْ يَجْزِي))، يعني أنَّ ((عليه)) يكونُ خبراً مقدماً، و ((أَنْ يَجْزي)) مبتدأً مؤخراً، فَعَطَفْتَ ((الكفارة)) على هذا المبتدأ. وقرأ (٥) نافع وابن عامر بإضافة ((كفارة)) لِما بعدها، والباقون بتنوينها ورفعٍ ما بعدها. ۔۔ ۔۔ (١) الآية ٢٤ من الأحقاف. (٢) البيت لجرير وهو في ديوانه ٥٩٥؛ والكتاب ٢١٢/١؛ وابن يعيش ٥١/٣؛ والتصريح ٢٨/٢؛ والدرر ٥٦/٢. والشاهد في قوله ((غابطنا)» حیث إنَّ دخول رُبَّ عليها أكد تنكيرها لأن «رُبَّ)» لا تدخل إلا على النكرات. (٣) الشواذ ٣٥؛ البحر ٢٠/٤. (٤) الكشاف ٦٤٥/١. (٥) السبعة ٢٤٨؛ الكشف ٤١٨/١. ٤٢٤ - المائدة - فأمَّا قراءةُ الجماعةِ فواضحةٌ، ورفعُ ((طعام)) على أحد ثلاثة أوجه، أحدها: أنه بدل من ((كفارة)) إذ هي من جنسه. الثاني: أنه بيانٌ لها كما تقدَّم، قاله الفارسي(١). وردَّه الشيخ(٢) بأنَّ مذهبَ البصريين اختصاصُ عطفِ البيان بالمعارفِ دونَ النكراتِ. قلت: أبو علي يُخالِفُ في ذلك ويستدل بأدلة، منها: ((شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ)»(٣)، فـ ((زيتونةٍ)) عنده عطف بيان لـ ((شجرة))، وكذا قوله تعالى: ((من ماءٍ صديدٍ))(٤)، فـ ((صديد)) عنده بدلٌ(٥) من ((ماء)» والبدلُ فيهما محتملٌ فلا حُجَّةَ له، والبدلُ قد يجيء للبيان(٦). الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هي طعام أي: تلك الكفارة. وأمَّا قراءة نافع وابن عامر فوجهُها أنّ الكفارة لَمَّا تنوّعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حَسُن إضافتها لأحدٍ أنواعها تبييناً لذلك، والإِضافةُ تكون بأدنى ملابسة كقوله(٧): ١٨١١ - إذا كوكبُ الخَرْقَاءِ لاحَ بِسُحْرَةٍ سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائبِ / أضاف الكوكبَ إليها لقيامِها عند طلوعِه فهذا أَوْلَى. ووجَّهَها [٢٧٧ /ب] الزمخشري (٨) فقال: ((وهذه الإِضافةُ مبِّنة، كأنه قيل: أو كفارةٌ مِنْ طعام مساكين، كقولك: ((خاتمُ فضةٍ)) بمعنى مِنْ فضة)). قال الشيخ(٩): (١) الحجة (خ) ٣٤٨/٢. (٢) البحر ٤ /٢٠. (٣) الآية ٣٥ من النور. (٤) الآية ١٦ من إبراهيم. (٥) كذا في الأصل، لعله ((بيان)) لأن موضع المناقشة. (٦) يعني أن حجة أبي علي ضعيفة؛ لأن الشواهد التي يسوقها تحتمل البدلية وليس ثم شيء يحتم البيان فسقط استدلاله. (٧) تقدم برقم ١٦٥٩. (٨) الكشاف ٦٤٥/١. (٩) البحر ٢١/٤. ٤٢٥ - المائدة ــ (أمَّا ما زعمه فليس من هذا البابِ لأنَّ ((خاتم فضة)) من بابِ إضافةِ الشيء إلى جنسه والطعامُ ليس جنساً للكفارةِ إلا بتجوُّزٍ بعيدٍ جداً) انتهى. قلت: كان مِنْ حَقِّه أَنْ يقولَ: والكفارةُ ليست جنساً للطعام لأنَّ الكفارةَ في التركيب نظيرُ ((خاتم)) في أنَّ كلّ منهما هو المضافُ إلى ما بعده، فكما أن ((خاتماً)) هو المضافُ إلى جنسه ينبغي أَنْ يُقال: الكفارةُ ليست جنساً للطعام لأجل المقابلةِ، لكن لا يمكنُ أَنْ يُقال ذلك فإنَّ الكفارةَ كما تقدَّم جنسٌ للطعام. والجزاءِ والصومِ ، فالطريقُ في الردِّ على أبي القاسم أن يُقال: شرطُ الإِضافة بمعنى ((مِنْ)) أن يُضاف جزءٌ إلى كل بشرطِ صِدْقِ اسمِ الكلِ على الجزء نحو: ((خاتمُ فضةٍ))، و((كفارةُ طعامٍ)) ليس كذلك، بل هي إضافة ((كل)) إلى جزء. وقد استشكل جماعةٌ هذه القراءةَ من حيث إنَّ الكفارةً ليست للطعام إنما هي لقتلِ الصيدِ، كذا قاله أبو علي الفارسي(١) وغيره، وجوابُه ما تقدَّم. ولم يختلفِ السبعةُ في جمع ((مساكين)) هنا وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرقُ بينهما أنَّ قَتْل الصيد لَا يُجْزِىء فيه إطعامُ مسكينٍ واحد. على أنه قد قرأ(٢) عيسى بن عمر والأعرج بتنوين ((كفارة)) ورفع «طعام مسکین) بالتوحيد، قالوا: ومرادُهما بيانُ الجنسِ لا التوحيدُ. قوله: ((أو عدل)) نسقٌ على ((فجزاء))، والجمهورُ على فتحِ العين،. وقرأ(٣) ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري بكسرِها، وقد بيَّنْتُ معناهما في أولَ هذا التصنيف عند قوله تعالى: ((ولا يُؤْخَذُ منها عَدْلٌ))(٤). و((ذلك)) إشارةٌ إلى الطعام، وكيفيتُه مذكورةٌ في ((التفسيرِ الكبيرِ)). و((صياماً)) نصبٌ. على التمييزِ لأنَّ المعنى: أو قَدْرُ ذلك صياماً فهو كقولك: ((لي مِلْؤُه عسلاً)). وأصلُ ((صِيام): ((صِواماً)) فَأُعِلَّ لِما عُرِف غيرَ مرة. (١) الحجة ٣٤٨/٢ (خ). (٢) البحر ٤ /٢١. (٣) الشواذ ٣٥؛ البحر ٢١/٤. (٤) الآية ٤٨ من البقرة. ٤٢٦ - المائدة - قوله: ((ليذوقَ)) فيه ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلقً بـ ((جزاء)) قاله الزمخشري(١)، قال الشيخ(٢): ((إنما يتأتَّى ذلك حيث يضاف إلى ((مثل)) أو يُنَوَّن ((جزاء)) ويُنْصَبُ ((مثل))، وعَلَّل ذلك بأنه إذا رفع مثلاً كان صفةً للمصدر، وإذا وُصِف المصدرُ لم يعمل إلا أن يتقدم المعمول على وصفِه نحو: ((يعجبني الضربُ زيداً الشديدُ)) فيجوز. قلت: وكذا لو جَعَلَه بدلاً أيضاً أو خبراً لِما تقدم من أنه يلزمُ أن يُتبعَ الموصول أو يخبرَ عنه قبل تمامٍ صلتِه وهو ممنوعٌ، وقد أَفْهَمَ كلامُ الشيخ بصريحه أنه على قراءةِ إضافة الجزاءِ إلى ((مثل)) يجوزُ ما قاله أبو القاسم، وأنا أقول: لا يجوزُ ذلك أيضاً لأنَّ ((ليذوقَ)) مِنْ تمامِ صلةِ المصدرِ، وقد عُطِف عليه قولُه ((أو كفارةٌ أو عَدْلٌ)) فيلزمُ أَنْ يُعْطَفَ على الموصولِ قبل تمام صلتِه، وذلك لا يجوزُ لوقلت: ((جاء الذي ضَرَبَ وعمروٌ زيداً)) لم يَجُزْ للفصل بين الصلة - أو أبعاضِها - والموصولِ بأجنبي، فتأمَّلْه فإنه موضعٌ حسن. 1 الثاني : أنه متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ يَدُلُّ عليه قوةُ الكلامِ كأنه قيل: جُوزي بذلك ليذوقَ. الثالث: أنه متعلقٌ بالاستقرارِ المقدَّرِ قبل قوله: ((فجزاء)) إذ التقديرُ: فعليه جزاءٌ ليذوقَ. الرابع: أنه متعلق بـ ((صيام)) أي: صومُه ليذوقَ. الخامس: أنه متعلَّقٌ بـ ((طعام)) أي: طعام ليذوقَ، ذكر هذه الأوجه الثلاثةَ أبو البقاء (٣) وهي ضعيفةٌ جداً، وأجودُها الأولُ. السادسُ: أنها تتعلَّقُ بـ ((عَدْل ذلك))، نَقّله الشيخ (٤) عن بعضِ المُعْرِبين، قال : - وهو كما قال ــ «غلطٌ)). (١) الكشاف ٦٤٥/١. (٢) البحر ٢٢/٤. (٣) الإملاء ٢٢٧/١. (٤) البحر ٢٢/٤. ٤٢٧ - المائدة - والوبالُ: سوءُ العاقبةِ وما يُخاف ضررُه، قال الراغب(١): ((والوابل: المطرُ الثقيلُ القطرِ، ولمراعاة الثَّقَلِ قيل للأمر الذي يُخاف ضررُه: وبال، قال تعالى: ((فذاقوا وبالَ أمرهم))(٢)، ويقال: ((طعامٌ وَبِيلٌ))، و ((كلا وبيل)) يُخاف وبالُه، قال تعالى: ((فَأَخَذْناه أخذاً وبيلاً))(٣). وقال غيره: ((والوبالُ فِي [٢٧٨/أ] اللغةِ ثِقَلُ الشيءٍ في المكروهِ، يقال: ((مرعىَّ وبيل) إذا كان / يُسْتَوْخَمُ، و «ماء وبيلٌ)) إذا كان لا يُسْتَمْرأ، واستوَبَلْتُ الأرضَ: كرهتُها خوفاً من وبالِها، والذوقُ هنا استعارةٌ بليغة. قوله: ((وَمَنْ عاد فينتقمُ)) ((مَنْ)) يجوز أن تكونَ شرطيةً، فالفاءُ جوابُها، و ((ينتقمُ)) خبرٌ لمبتدٍ محذوفٍ أي: فهو ينتقمُ، ولا يجوز الجزمُ مع الفاءِ البتة، ويجوز أن تكونَ موصولةً، ودخلت الفاءُ في خبر المبتدأ لَمَّا أشبه الشرطَ، فالفاءُ زائدةٌ، والجملةُ بعدها خبرٌ، ولا حاجة إلى إضمارِ مبتدأ بعد الفاءِ بخلافٍ ما تقدَّم. قال أبو البقاء (٤): (حَسَّن دخولَ الفاءِ كونُ فعلِ الشرطِ ماضياً لفظاً». آ. (٩٦) قوله تعالى: ﴿وطعامُه﴾: نسقَ على ((صيد)) أي: أُحِلِّ لكم الصيدُ وطعامُه، فالصيدُ الاصطيادُ، والطعامُ بمعنى الإِطعام أي: إنه اسم مصدر، ويُقَدَّرُ المفعولُ حينئذٍ محذوفاً أي: إطعامُكم إياه أنفسَكم، ويجوز أن يكون الصيدُ بمعنى المَصِيد. والهاءُ في ((طعامُه)) تعودُ على البحر على هذا أي: أُحِلَّ لكم مصيدُ البحرِ وطعامُ البحر، فالطعام على هذا غير الصيد، وفيه خلاف بين أهل التفسير ذكرْتُه في موضعه، ويجوز أن تعود الهاء على هذا الوجهِ أيضاً على الصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكونَ ((طعام)) بمعنى (١) المفردات ٥٤٧. (٢) الآية ١٥ من الحشر. (٣) الآية ١٦ من المزمل. (٤) الإملاء ٢٢٧/١. ٤٢٨ - المائدة - مَطْعوم، ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ(١) ابن عباس وعبدالله بن الحرث(٢): ((وطَعْمُه)) بضم الميم وسكون العين. قوله: ((متاعاً)) في نصبِه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المصدر وإليه ذهب مكي(٣) وابن عطية(٤) وأبو البقاء(٥) وغيرهم، والتقدير: مَتَّعكم به متاعاً تنتفعون وتأْتَدِمون به، وقال مكي: ((لأنَّ قولَه)) ((أُحِلَّ لكم)) بمعنى أَمْتَعْتُكم به إمتاعاً، كقوله: ((كتابَ الله عليكم))(٦). والثاني: أنه مفعول من أجله، قال الزمخشري(٧): ((أي: أحلَّ لكم تمتيعاً لكم، وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى: ((ووهَبْنا له إسحاقَ ويعقوبَ نافلةً))(٨) في باب الحالِ ، لأنَّ قولَه ((متاعاً لكم)) مفعولٌ له مختصّ بالطعام كما أنَّ («نافلةً)) حالٌ مختص بيعقوب، يعني أُحِلَّ لكم طعامُه تمتيعاً لتنائكم(٩) تأكلونَه طريًا ولسيَّارتكم يتزودونه قَديداً» انتهى. فقد خصَّص الزمخشري كونه مفعولاً له بكون الفعلِ وهو «أُحِلَّ)» مسنداً لقوله: ((طعامُه)) وليس علة لحِلِّ الصيد، وإنما هو علةٌ لحِلِّ الطعام فقط، وإنما حَمَلَه على ذلك مذهبُه - وهو مذهبُ أبي حنيفة - من أنَّ صيدَ البحرِ منقسمٌ إلى ما يُؤْكل وإلى ما لا يؤكل، وأنَّ طعامَه هو المأكولُ منه، وأنه لا يقع التمثيلُ إلا بالمأكول منه طريّاً وقديداً، وقوله («نافلةً)) يعني أنَّ هذه الحالَ (١) الشواذ ٣٥؛ البحر ٢٣/٤. (٢) ثمة ثلاثة من الصحابة بهذه التسمية وهم: السهمي والهاشمي والزبيدي، لعل المقصود الهاشمي منهم المتوفى سنة ٨٤. انظر: الأعلام ٢٠٥/٤. (٣) المشكل ٢٤٦/١. (٤) المحرر ١٩٩/٥. (٥) الإملاء ٢٢٧/١. (٦) الآية ٢٤ من النساء. (٧) الكشاف ٦٤٦/١. (٨) الآية ٧٢ من الأنبياء. (٩) الثناء: المقيمون . ٤٢٩ - المائدة :- مختصةٌ بيعقوب لأنه وَلَدُ وَلَدٍ بخلاف إسحاق فإنه ولدُه لصلبه، والنافلةُ إنما تُطْلَقُ على ولد الولد دونَ الولد، فكذا «متاعاً»، إلاّ أنَّ هذا يؤدِّي إلى أنَّ الفعل الواحدَ يُسْنَدُ لفاعلين متعاطفين يكونُ في إسناده إلى أحدهما مغللا وإلى الآخر ليس كذلك، فإذا قلت: ((قام زيد وعمرو إجلالاً لك)) فيجوز أن يكونَ (قيام زيد)» هو المختصَّ بالإِجلال أو بالعكس، وهذا فيه إلباسٌ، وأمَّا ما أورده من الحالِ في الآية الكريمة فَثَمَّ قرينةٌ أَوْجَبَتْ صَرْفَ الحالِ إِلَى أحدِهما بخلافِ ما نحن فيه من الآية الكريمة، وأمَّا غيرُ مذهبِه فإنه يكونُ مفعولاً له غيرَ مختصِّ بأحدِ المتعاطفين وهو ظاهرٌ جَلِيٍّ. و((لكم)) إِنْ قِلِنا ((متاعاً) مصدرٌ فيجوز أن يكونَ صفةً له، ويكونُ مصدراً مبيناً لكونه وُصِفِ، وإن قلنا إنه مفعولٌ له فيتعلَّقُ بفعلٍ محذوفٍ، أي: أعني لكم نحو: ((قمتُ إجلالاً لك))، ويجوز أن تكونَ اللامُ مقويةً لتعدية المصدر، إذ التقديرُ: لأنْ أمتِّعَكم، ولأنْ أُجِلَّك، وهكذا ما جاء من نظائره. قوله: ((ما دُمتم)) ((ما)) مصدريةٌ، و(دمتم)) صلتُها وهي مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: حُرِّم عليكم صيدُ البر مدةَ دوامِكم مُحْرمين. والجمهور على ضمُّ دال ((دمتم) من لغة من قال: دام يدوم. وقرأ(١) يحيى: ((دمتم)) بكسرها من لغة [٢٧٨/ ب] مَنْ يقول: / دام يدام كخاف يخاف، وهما كاللغتين في مات يموتُ ويَمات، وقد تقدَّم(٢). والجمهورُ على ((وحُرِّم)) مبنياً للمفعول، («صيدُ» رفعاً على قيامه مَقامَ الفاعل، وقرىء (٣): ((وحَرَّم)) مبنياً للفاعل، ((صيدَ)) نصباً على المفعول به. والجمهورُ أيضاً على ((حُرُماً)) بضم الحاء والراء جمعُ ((حَرام)» بمعنى مُجْرِم كـ (قَذال)) و ((قُذُل)). وقرأ(٤) ابن عباس «حَرَماً)) بفتحهما، أي: ذوي حرم أي (١) الشواذ ٣٥. (٢) انظر: الآية ١٥٧ من آل عمران. (٣) قراءة ابن عباس كما في الشواذ ٣٥؛ البحر ٢٤/٤. (٤) البحر ٢٤/٤. ٤٣٠ - المائدة - إحرام، وقيل: جَعَلَهم بمنزلة المكان الممنوع منه، والأحسنُ أن یکون من باب ((رجل عدل)) جعلهم نفس المصدرِ فإنَّ ((حَرَما)) بمعنى إحرام، وتقدم أن المصدر يقع للواحدِ فما فوقُ بلفظٍ واحد. والبَرُّ معروفٌ، قال الليث: ((ويستعمل نكرة يقال: جلست بَرًّا وخرجْتُ برًّا)). قال الأزهري(١): ((وهو من كلام المولَّدين)) وفيه نظر لقول سلمان الفارسي: ((إنَّ لكلِّ امرىء جَوَّانِيًا وبَرَّانياً)) أي باطنٌ وظاهرٌ، وهو من تغييرِ النسب، وقد تقدم استيفاء هذه المادةِ في البقرة(٢). وقَدَّم ((إليه)) على ((تُحْشرون)) للاختصاص أي: تُحشرون إليه لا إلی غيره، أو لتناسب رؤوس الآي. آ. (٩٧) قوله تعالى: ﴿جعل اللّهُ﴾: فيها وجهان، أحدهما: أنها بمعنى صَيَّر فتتعذَّى لاثنين، أولهما ((الكعبة)) والثاني ((قياماً)، والثاني: أن تكون بمعنى خلق فتتعدى لواحد، وهو «الكعبة))، و((قياماً)) نصبٌ على الحال. وقال بعضهم: إنَّ ((جعل)) هنا بمعنى ((بيِّن)) و ((حَكَم))، وهذا ينبغي أن يُحْمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة؛ إذ لم ينقل أهلُ العربية أنها تكونُ بمعنى بَّيَّن ولا حَكْم، ولكن يلزم من الجَعْلِ البيانُ، وأمَّا ((البيتَ)) فانتصابُه على أحد وجهين: إما البدلِ وإما عطفِ البيان، وفائدةُ ذلك أن بعض الجاهلية - وهم خثعم - سَمِّوْا بيتاً الكعبةَ اليمانية فجيء بهذا البدلِ أو البيانِ تبييناً له من غيره. وقال الزمخشري (٣): ((البيتَ الحرامَ)) عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفةُ كذلك)». واعترض عليه الشيخ (٤) بأن شرطَ البيانِ الجمودُ، والجمودُ لا يُشْعر بمدح، وإنما يُشْعر به (١) تهذيب اللغة: ١٨٤/١٥. (٢) الآية ٤٤. (٣) الكشاف ٦٤٦/١. (٤) البحر ٢٥/٤. ٤٣١ - المائدة - المشتقُّ، ثم قال: ((إلا أَنْ يريدَ أنه لَمَّا وُصِف البيت بالحرام اقتضى المجموع ذلك فیمکنُ». والكعبة لغةً: كلُّ بيت مربع، وسُمِّيَتْ الكعبةُ كعبةً لذلك، وأصل اشتقاق ذلك من الكُعْبِ الذي هو أحد أعضاء الآدمي. قال الراغب(١): (كَعْبُ الرجل)) [العظم] الذي عند مُلْتقى الساق والقدم، والكعبة كلُّ بيتٍ على هيئتِها في التربيع، وبها سُمِّيَتِ الكعبة، وذُو الكَعَبات: بيتٌ كان في الجاهلية لبني ربيعة، وامرأة كاعِب: تكعَّب ثدياها)) وقد تقدَّم القولُ في هذه المادةِ أولَ السورة(٢). والجمهور قرؤوا هنا: ((قياماً)) بألفٍ بعد الياء، وابن عامر(٣): (قِيَماً)) دون ألف بزنة ((عِنَب))، والقيام هنا يحتمل أن يكون مصدراً لـ ((قام - يقوم)) والمعنى: أنَّ اللَّهَ جعل الكعبةَ سبباً لقيامِ الناس إليها، أي لزيارتِها والحجِّ إليها، أو لأنَّها يَصْلُح عندها أمرُ دينهم ودنياهم، فيها يَقُومون، ويجوزُ أَنْ يكونَ القيامُ بمعنى القِوام فَقُلِبت الواو ياءً لانكسارِ ما قبلها، كذا قالَ الواحدي، وفيه نظرٌ إذ لا موجبَ لإِعلاله إذ هو كـ ((السِّواك))(٤) فينبغي أن يقال: --- إن القِيام والقوام بمعنى واحد، قال(٥): ١٨١٢ - قِوامُ دنيا وقِوامُ دينٍ فأمَّا إذا دخَلَها تاءُ التأنيث لَزِمَتِ الياءُ نحو: ((القيامة)). وأمّا قراءة (١) المفردات ٤٥٠. (٢) الآية ٦ من المائدة. (٣) السبعة ٢٤٨؛ الكشف :٤١٩/١؛ الشواذ ٣٥؛ البحر ٢٦/٤. (٤) أي هو اسم وليس مصدراً، وشرط الإِعلال المصدرية. (٥) البيت لحميد الأرقط، وهو في مجاز القرآن ١٧٧/١؛ والطبري ٩٠/١١؛ والبحر ٤ /٢٥؛ والمحرر ٢٠٣/٥. ٤٣٢ - المائدة - ابنِ عامر فاستشكلها بعضُهم بأنه لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يكونَ مصدراً على فِعَل، وإما أن يكون على فِعال، فإنْ كان الأول فينبغي أن تصِحُّ الواو كـ ((حِوَل» و ((عَوَر))، وإن كان الثاني فالقصر لا يأتي إلا في شعر. وقرأ الجحدري: ((قَيِّماً)) بتشديد الياء وهو اسمُ دالٌّ على ثبوت الصفة، وقد تقدِّم تحقيقُه أول النساء (١). قوله: ((والشهرَ الحرامَ والهَدْيَ والقلائد» عطف على ((الكعبة))، والمفعول الثاني أو الحال محذوفٌ لفهم المعنى أي: جَعَلَ الله أيضاً الشهرَ والهَذْيَ والقلائدَ قياماً. و((ذلك)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: الحُكْمُ الذي حَكَمْناه ذلك لا غيرُه. والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي: ذلك الحكمُ هو الحقُّ لا غيره. الثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدِّرٍ يَدُلُّ عليه السِّياقُ أي: شَرَعَ اللَّهُ ذلك، وهذا أقواها لتعلَّقِ لام العلة به. و(تعلموا)) منصوبٌ بإضمار ((أَنْ) بعد لام كي، لا بها. و ((أنَّ الله)) وما في خَيِّزها سادَّةٌ مسدَّ المفعولين أو أحدِهما على حَسَبِ الخلاف المتقدم. و((أن الله بكل شيء عليم)) نسقٌ على ((أنَّ) قبلها /. [١/٢٧٩] آ. (٩٩) وقوله تعالى: ﴿إلا البلاغُ﴾: في رفعه وجهان، أحدهما: أنه فاعل بالجارِّ قبله لاعتماده على النفي، أي: ما استقرَّ على الرسول إلا البلاغ. والثاني: أنه مبتدأٌ، وخبرُه الجارُّ قبله، وعلى التقديرين فالاستثناء مفرٌَّ. آ. (١٠٠) وقوله تعالى: ﴿ولو أَعْجَبَك كثرةُ﴾: جوابُها محذوف أي: ولو أعجبك كثرةُ الخبيثِ لَما استوى مع الطيب، أو: لَما أجدى شيئاً في المساواة. والبلاغُ يُحتمل أن يكون مصدراً لـ((بَلَّغ)) مشدداً أي: ما عليه إلا التبليغُ، فجاء على حذف الزوائد، كـ (نبات)) بعد ((أنبت))، ويحتمل أن يكونَ (١) الآية ٥. ٤٣٣ - المائدة : - مصدراً لـ ((بَلَغ)) مخففاً بمعنى البلوغ، ويكون المعنى: ما عليه إلا البلوغُ بتبليغه، فالبلوغُ مستلزِمٌ للتبليغ، فعيَّر باللازم عن الملزومِ. آ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿عن أشياءَ﴾: متعلق بـ («تَسْألوا)). واختلف(١) النحويون في ((أشياء)) على خمسة مذاهب، أحدها - وهو رأي الخليل وسيبويه(٢) والمازني وجمهور البصريين -: أنها اسمُ جمعٍ من لفظ ((شيء)) فهي مفردةٌ لفظاً جمعٌ معنى، كطَرْفاءِ(٣) وقَصْباءِ(٤) وأصلُها: شَيْئاء بهمزتين بينهما ألف ووزنها فَعْلاء كـ ((طَرْفاء)) فاستثقلوا اجتماعَ همزتين بينهما ألفٌ، لا سيما وقد سَبَقها حرفُ علة وهي الياءُ، وكَثُر دَوْر هذه اللفظةِ في لسانهم فَقَلبُوا الكلمةَ بأَنْ قَدَّمُوا لامَها، وهي الهمزةُ الأولى على فائها وهي الشين فقالوا أَشْياء فصارَ وزنُها لَفْعاء، ومُنِعت من الصرف لألف التأنيث الممدودة. ورُجِّح هذا المذهبُ بأنه لم يلزمْ منه شيءٌ غيرُ القلب، والقلبُ في لسانِهم كثيرٌ كالجاه والحادي والقِسِيّ وناءَ وَآدُرٌ(٥) وآرام وضِئاء(٦) في قراءة قتبل. وأَيِس. والأصل: وجه وواحد وقُووس ونَأَى وَأَدْوُرٌ وأَرْآَم وضياء ويَئِس. واعترضَ بعضُهم على هذا بأن القلب على خلافِ الأصل، وأنه لم يَرِدْ إلا (١) انظر في هذه المسألة الإنصاف ٨١٢؛ المنصف ٩٤/٢ - ١٠٢؛ الممتع ٥١٣؛ شرح الشافية ٢٨/١، اللسان: ((شيا)). (٢) الكتاب ٣٧٩/٢. (٣) الطرفاء: شجر بعينه (٤). القصباء: القصب. (٥) أصلها أَدْوُر نقلت ضمة الواو إلى الدال الساكنة فصارت أدُور، تحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها فأصبحت ((أداره ثم حَدَث فيها قلب مكاني بين الألف والدال فصارت: أادر. (٦) السبعة ٣٢٣؛ الكشف ٥١٢/١، قال مكي: ((قلبت عين الفعل وهو الياء المنقلبة عن واو إلى موضع لام الفعل وهو الهمزة، وردّتْ الهمزة في موضع الياء، فلما تطرفت الياء بعد ألف زائدة قلبت همزة؛ والآية ٥ من يونس. ٤٣٤ - المائدة - ضرورةٌ أو في قليلٍ من الكلام، وهذا مردودٌ بما قَدَّمْتُه من الأمثلةِ، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ القلبَ غير مطَرَد، وأما الشاذُّ القليل فنحو قولهم: ((رَعَمْلي)» في (لَعَمْرِي))، و((شَواعي)) في ((شوايع)) قال(١). ١٨١٣- وكان أَوْلاها كِعابُ مُقامِرٍ ضُرِبَتْ عَلَى شَزَنٍ فهنَّ شَواعِي یرید شوائع . وأمَّا المذاهبُ الآتية فإنه يَرِدُ عليها إشكالاتٌ، هذا المذهبُ سالمٌ منها فلذلك اعتبره الجمهورُ دونَ غيره . المذهب الثاني - وبه قال الفراء (٢) -: أن أشياء جمع لـ ((شيء)) والأصل في شيء: شَيِّىء على فَيْعِل كـ ((لَّيِّن))، ثم خُفِّف إلى ((شيء)) كما خففوا لَيّناً وهَيّناً ومَيّاً إلى لَيْن وهَيْن ومَيْت، ثم جَمَعَه بعد تخفيفِه، وأصله أَشْبِئاء بهمزتين بينهما ألفٌ بعد ياءٍ بزنة أَفْعِلاء فاجتمع همزتان: لام الكلمة والتي للتأنيث، والألف تشبه الهمزة والجمع ثقيل، فَخَفُّفُوا الكلمة بأن قلبوا الهمزة الأولى ياءً لانكسار ما قبلها، فيجتمع ياءان أولاهما مكسورة، فحذفوا الياء التي هي عينُ الكلمة تخفيفاً فصارت أَشْياء، ووزنها الآن بعد الحذف أَفْلاء، فَمَنْعُ الصرفِ لأجل ألف التأنيث، وهذه طريقة بعضِهم في تصريف هذا المذهب كمكي(٣) بن أبي طالب. وقال بعضهم كأبي البقاء(٤): لَمَّا صارت إلى أَشْبِئاء حُذِفت الهمزة الثانية التي هي لام الكلمة لأنَّها بها حَصَلَ الثَّقَلُ، (١) البيت للأجدع بن مالك، وهو في المقتضب ١٤٠/١؛ والمنصف ٥٧/٢؛ والممتع ٦١٥؛ واللسان والتاج: ((شزن)). والشزن: الكعب أو الناحية. شواعي: متفرقات، والبيت في وصف خيل مغيرة. (٢) معاني القرآن ٣٢١/١. (٣) المشكل ٢٤٧/١. (٤) الإملاء ٢٢٧/١. ٤٣٥ - المائـدة - وفُتِحَتِ الياءُ المكسورةُ لتسلمَ ألف الجمعِ فصار وزنُها: أَفْعاء. المذهب الثالث - وبه قال الأخفش(١) -: أنَّ أَشْياء جمعُ ((شَيْء)) بزنة فَلْس، أي: ليس مخففاً من شَيِّىء كما يقوله الفراء، بل جمع شيء وقال : : ((إن فَعْلًا يجمع على أَفْعِلاء فصار أَشْبِئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء، ثم عُمِل فيه ما عُمِل في مذهب الفراء، والطريقان المذكوران عن مكي [٢٧٩ /ب] وأبي البقاء في تصريف / هذا المذهب جاريان هنا، وأكثر المصنفين يذكرون مذهب الفراء عنه وعن الأخفش. قال مكي (٢): ((وقال الفراء والأخفش والزيادي (٣): أَشْياء وزنها أَفْعِلاء، وأصلها أَشْبِئاء، كهيِّن وأَهْوِناء، لكنه خُفِّف)) ثم ذكر تصريفَ الكلمةِ إلى آخره. وقال أبو البقاء(٤): ((وقال الأخفشُ والفراء: أصلُ الكلمةِ شَيِّىء مثل حَيِّن، ثم خُفِّف بالحذف))، وذكر التصريف إلى آخره فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئاً واحداً، والحق ما ذكرته عنهما، ويدل على ما قلته ما قاله الواحدي فإنه قال: ((وذهب الفراء في هذا الحرف مذهب الأخفش)) غير أنه خَلَط حين ادَّعى أنها كهيْن ولَيْن حين جمعا على أَهْوناء وأَلْبِناء، وهَيْن تخفيف ((هِّن)). فلذلك جاز جمعُه على أَفْعِلاء، وشَيء ليس مخففاً من ((شَيِّىء)) حتى يُجْمع على أَفْعِلاء، وهذان المذهبان - أعني مذهب الفراء والأخفش - وإن سَلِما من منع الصرف بغيرِ علة فقد رَدَّهما الناس، قال الزجاج(٥): ((وهذا القُولُ غلطْ لأنَّ((شَيْئًا) فَعْل، وفَعْل لا يجمع على أَفْعِلَاء، (١) ليس في ((معانيه)) إشارة إلى هذه المسألة. (٢) المشكل ٢٤٧/١. (٣) إبراهيم بن سفيان راوية نحوي قرأ على سيبويه وروى عن أبي عبيدة والأضمعي. له: الشكل والأمثال وأسماء السحاب، توفي سنة ٢٤٩. انظر: معجم الأدباء ١٥٨/١؛ البغية ٤١٤/١. (٤) الإملاء ٢٢٧/١. (٥) معاني القرآن ٢٣٣/٣. ٤٣٦ - المائدة - فأما هَيِّن ولَيْنَ فأصلُه: هَبِين(١) وَلَبِين، فَجُمع [على] أَفْعِلاء، كما يُجمع فعيل على أَفْعلاء مثل: نصيب وأَنْصباء)» قلت: وهذا غريبٌ جداً، أعني كونَه جَعَل أنَّ أصلَ هَيّن هَيِين بزنة فَعِيل، وكذا لَيّن ولَيِين، ولذلك صرح بتشبيههما بنصيب، والناس يقولون: إن هَيِّناً أصله هَيْوِن، كميِّت أصلُه مَيْوت ثم أُعِل الإِعلالَ المعروف، وأصلُ لَيّن: لَيْين بياءين، الأولى ساكنة والثانية مكسورة، فأُدْغمت الأولى، والاشتقاقُ يساعدهم، فإن الهيّن من هانَ يهون، ولأنهم حين جمعوه على أَفْعلاء أظهروا الواوَ فقالوا: أَهْوِناء. وقال الزجاج (٢): ((إن المازني ناظر الأخفش في هذه المسألة فقال له: كيف تُصَغِّر أشياء؟ قال: أقول فيها أُشَيَّاء. فقال المازني: لو كانت أَفْعالاً لِرُدَّت في التصغير إلى واحدها وقيل: شُيَبْئات مثل شُعَيْعات، وإجماعُ البصريين أن تصغير أصدقاء إن كان لمؤنث (صُدَيِّقات))، وإن كان لمذكر: ((صُدَيِّقون)) فانقطع الأخفش)). قلت: وبَسْطُ هذا أنَّ الجمعَ المكسَّرَ إِذا صُفِّر: فإمَّا أن يكون من جموعِ القلة وهي أربعٌ على الصحيح: أَفْعِلة وأَفْعُل وأَفْعال وفِعْلة، فيُصَغَّرُ على لفظه، وإن كان من جموع الكثرة فلا يُصغّر على لفظِهِ على الصحيح، وإنْ وَرَدَ منه شيءٌ عُدَّ شاذاً كـ ((أُصَيْلان)) تصغير ((أُصْلان)) جمع ((أَصيل)»، بل يُرَدُّ إلى واحدِهِ. فإنْ كان من غيرِ العقلاء صُغِّر وجُمِع بالألفِ والتاءِ فتقول في تصغير حُمُر جمع حمار: (حُمَيْرات))، وإن كان من العقلاء صُغِّر وجُمع بالواو والنون، فتقول في تصغير ((رجال)): (رُجَيْلون، وإن كان اسم جمع كـ ((قوم)) و((رهط)) اسم جنس كـ «قمر)» و«شجر)» صُغَّر على لفظه كسائر المفردات. رجَعْنا إلى أشياء فتصغيرُهم لها على لفظِها يَدُلَّ على أنها اسم جمع، لأن اسم الجمع يُصَغّر على لفظه نحو: ((رُهَيْط)) و((قُوَيْم)) وليست بجمع تكسير إذ هي من جموع الكثرة ولم تُرَدَّ إلى واحدها، وهذا لازمٌ للأخفش لأنه بصري، والبصري لا بدّ (١) في المطبوعة: ((أهين)) ولم يذكر ليين. (٢) معاني القرآن ٢٣٤/٢. ٤٣٧ - المائدة - : وأن(١) يفعل ذلك، وأُصَيْلان عنده شاذ فلا يقاس عليه، وفي عبارة مكي قال(٢): ((وأيضاً فإنه يلزمهم أن يصغِّروا أشياء على شُوَيَّات أو على شُيَيْئَات وذلك لم يَقُلْه أحد)). قلت: قوله ((شُوَيَّات)) ليس بجيد، فإن هذا ليس موضعَ [٢٨٠/أ] قلبِ الياء واواً /، ألا ترى أنك إذا صَغَّرت بيتاً قلت: بُبْتاً لا بُوَيْناً، إلا أن الكوفيين يُجيزون ذلك فيمكن أن يرى رأيهم. وقد ردَّ مكي(٣) أيضاً مذهبَ الفراء والأخفش بشيئين، أحدهما: أنه يلزم منه عدمُ النظير إذ لم يقع أَفْعِلاء جمعاً لـ فَيْعِل فيكون هذا نظيرَه، وهَيّن وَأَهْوناء شاذٌّ لا يقاس عليه. والثاني: أن: حذفَهِ واعتلالَه مُجْرى على غير قياس، فهذا القولُ خارجٌ في جمعه واعتلالِه عن القياس والسماع». المذهب الرابع - وهو قول الكسائي وأبي حاتم -أنها جمع شيء على أَفْعال كـ ((بَيْت)) و((أبيات)) و((ضيف)) و ((أضياف)). واعترض الناس هذا القول: بأنه يَلْزَم منه منعُ الصرف بغير علته إذ لو كان على ((أَفْعال)) لانصرفَ كأبیات. قال الزجاج(٤): ((أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قولَ الكسائي خطأ، وألزموه ألَّ يَصْرفَ أنباء وأسماء)». قلت: والكسائي قد استشعر بهذا الردِّ فاعتذر عنه ولكن بما لا يُقبل، قال الكسائي - رحمه الله -: ((هي - أي أَشْياء ـــ على وزن أَفْعال ولكنها كَثُرِت في الكلامِ فَأَشْبهت فَعْلاء فلم تُصْرَفْ كما لم يُصْرَفْ حَمْراء)»، قال: ((وجَمَعوها أَشاوَى كما جمعوا عَذْراء وعذارى، وصَحْراء وصحارى، وأَشْياوات كما قيل حَمْراوات))، يعني أنهم عامَلوا ((أَشْياء)) وإن كانت على أفعال معاملةَ حَمْراء وعَذْراء في جمعي التكسير والتصحيح. إلا أن ٠٠ (١) لعل الصواب: ولا بد أن. (٢) المشكل ٢٤٧/١. (٣) المشكل ٢٤٧/١. (٤) معاني القرآن ٢٣٣/٢. ٤٣٨ - المائدة - الفراء والزجاج اعترضا على هذا الاعتذار، فقال الفراء (١): ((لو كان كما قال لكان أملكَ الوجهين أَنْ تُجْرَى، لأن الحرف إذا كَثُر في الكلامِ خَفَّ وجاز أن يُجْرَى كما كثُرت التسمية بـ«يزيد)»، وأَجْروه في النكرة وفيه ياءٌ زائدة تَمْنَعُ من الإِجراء)). قلت: يعني بالإِجراء الصرف. وقال الزجاج: ((أجمع البصريون وأكثر الكوفيين)» وقد تقدم آنفاً. وقال مكي(٢): ((وقال الكسائي وأبو عبيد: لم تَنْصَرف - أي أشياء - لأنها أشبهت ((حمراء)) لأن العرب تقول: أَشْياوات)) كما تقول: حَمْراوات، قال: ((ويلزمهما ألَّ يَصْرِفا في الجمع أسماء وأبناء، لقول العرب فيهما: أسماوات وأبناوات)). قلت: قد تقدم شرح هذا، ثم إنّ مكّاً بعد أن ذكر عن الكسائي ما قَدَّمْتُه ونقل مذهب الأخفش والفراء قال: ((قال أبو حاتم: أَشْياء أَفْعال جمع شيء كأبيات)) فهذا يُوهم أن مذهب الكسائي المتقدمَ غيرُ هذا المذهب، وليس كذلك بل هو هو. قلت: وقد أجاب بعضهم عن الكسائي بأن النحويين قد اعتبروا في بابٍ ما لا ينصرف الشبه اللفظيُّ دون المعنوي، يَدُلُّ على ذلك مسألةُ سراويل في لغةٍ مَنْ يمنعُه فإنَّ فيه تأويلين، أحدهما: أنه مفردٌ أعجمي حُمِل على مُوازِنه في العربية، أي صيغة مصابيح مثلاً، ويَدُلُّ له أيضاً أنهم أَجْروا ألفَ الإِلحاق المقصورة مُجرى ألف التأنيث المقصورة، ولكن مع العلمية، فاعتبروا مجردَ الصورة، ولولا خوفُ الإِطالة لذكرت له نظائر كثيرة . المذهب الخامس: أنَّ وزنها أَفْعِلاء أيضاً جمعاً لـ ((شَبِيْءٌ بزنة ظريف، وفَعيل يجمع على أَفْعلاء كـ نَصيب وأنْصِباء، وصَدِيق وأَصْدقاء، ثم حُذِفت الهمزة الأولى التي هي لامُ الكلمة، وفُتحت الياءُ لتسلمَ ألفُ الجمع فصارت أَشْياء، ووزنُها بعد الحذف أَفْعاء، وجعله مكياً(٣) في التصريف (١) معاني القرآن له ٣٢١/١. (٢) المشكل ٢٤٦/١. (٣) المشكل ٢٤٨/١ . ٤٣٩ - المائدة - كتصريف مذهب الأخفش من حيث إنه تُبدل الهمزة ياءً ثم تُحْذف إحدى الياءين. قال - رحمه الله -: ((وحَسَّن الحذفَ في الجمع حَذْفُها في الواحد، وإنما حُذفت من الواحد تخفيفاً لكثرة الاستعمال إذ ((شيء)) يقع على كل مسمَّى من عَرَضٍ أو جوهرٍ أو جسمٍ فلم ينصرف لهمزة التأنيث في الجمع. قال: ((وهذا قولٌ حسنٌ جارٍ في الجمع وتُرِكَ الصرفُ على القياس، لولا أنَّ التصغير يعترضه كما اعترض الأخفش)). قلت: قوله ((هذا قول حسن)) فيه نظر لكثرة ما يَرِد عليه وهو ظاهر ممَّا تقدم، ولمَّا ذكر الشيخ هذا المذهب قال(١) [٢٨٠/ب] في تصريفه: ((ثم حذفت الهمزة الأولى / وفتحت ياء المد لكون ما بعدها ألفاً) قال: ((وزنُها في هذا القول إلى أفياء، وفي القول قبله إلى أَفْلاء)) كذا رأيته ((أفياء)) بالياء، وهذا غلط فاحش، ثم إني جَوَّزْتُ أن يكون هذا غلطاً عليه من الكاتب، وإنما كانت أَفْعاء بالعين فصحَّفها الكاتب إلى أَفْياء. وقد ردَّ الناس هذا القول: بأنَّ أصل شيء: شَبِيْء بزنة صديق دعوى من غير دليل، وبأنه كان ينبغي ألّ يُصَغّر على لفظه، بل يُرَدُّ إلى مفرده كما تقدم تحريره. وقد تلخص القول في أشياء: أنها هل هي اسم جمع وأصلها شَيْئاء كَطَرْفاء، ثم قُلِبت لامُها قبل فائِها فصارَ وزنُها لَفْعاء أو جمعٌ صريح؟ وإذا قيل بأنها جمع صريح فهل أصلها أَفْعِلاء ثم تحذف، فتصير إلى أَفْعاء أو أَفْلاء، أو أنَّ وزنَها أفعال كأبيات. ولولا خوف الخروج عن المقصود لذكرت المسألة بأطرافِها مستوفاةً، ولكنَّ في هذا كفايةً لائقةً بهذا الموضوع. قوله تعالى: ((إن تُبْدَ)) شرط، وجوابه ((تَسُؤُكم))، وهذه الجملة الشرطية في محل جر صفة لـ((أشياء))، وكذا الشرطية المعطوفة أيضاً. وقرأ (٢) ابن عباس: ((إِن تَبْدُ لِكم تَسُؤْكم)) ببناء الفعلين للفاعل مع كون حرفٍ (١) البحر ٢٨/٤. (٢) الشواذ ٣٥؛ البحر ٣٠/٤. ٤٤٠