النص المفهرس

صفحات 361-380

- المائدة -
الثامن: أنَّ علامةَ النصبِ في (الصابئون)) فتحةُ النون، والنونُ حرفُ
الإِعرابِ كهي في ((الزيتون)) و((عربون)). قال أبو البقاء(١): ((فإنَّ قيل: إنما
أجاز أبو علي ذلك مع الياءِ لا مع الواوِ. قيل: قد أجازه غيرُه، والقياسُ لا يَدْفَعُه)»
قلت: يشير إلى مسألة وهو: أن الفارسي أجازَ / في بعضِ جموع السلامة [٢٦٥/أ]
وهي ما جَرَتْ مَجْرى المكسَّر كبنين وسنين أن يَحُلَّ الإِعرابُ نونَها، بشرطِ أن
يكونَ ذلك مع الياءِ خاصةً دونَ الواوِ فيقال: ((جاء البنينُ)» قال(٢):
١٧٧٨- وكان لنا أبو حسن عليّ
أباُ بَرّاً ونحنُ له بنينُ
وفي الحديث: ((اللهم اجْعَلْها عليهم سنيناً كسنينٍ يوسف))(٣)،
وقال(٤):
١٧٧٩- دعانيَ مِنْ نجدٍ فإنَّ سنينَه
لَعِبْنَ بنا شِيباً وشَيَّبْنَنا مُرْدًا
فَأَثْبَتَ النونَ في الإِضافةِ، فلمَّا جاءت هذه القراءةُ ووجَّهت بأن علامة
النصبِ فتحةُ النونِ، وكان المشهورُ بهذا القولِ إنما هو الفارسي، سأل
أبو البقاء(٥) هذه المسألةَ. وأجاب بأنَّ غيرَه يُجيزه حتى مع الواو، وجعل أنَّ
القياسَ لا يأباه. قلت: القياسُ يأباه، والفرقُ بينه حالَ كونِه بالياء وبين كونه
بالواوِ ظاهرٌ قد حَقَّقْته في ((شرحِ التسهيل))، نعم إذا سُمِّ بجمعِ المذكرِ
السالمِ جاز فيه خمسةُ أوجه، أحدُها: أَنْ يُعْرَبَ بالحركاتِ مع الواوِ، ويصيرَ
(١) الإملاء ٢٢٢/١.
(٢) تقدم برقم ٤٠١ .
(٣) رواه مسلم: المساجد ٤٦٧/١؛ والمسند ٣٨١/١.
(٤) البيت للصمَّة القشيريّ، وهو في أمالي الشجريّ ٥٣/٢، واللسان: سنه؛ وأوضح
المسالك ٤١/١.
(٥) الإملاء ٢٢٢/١.
٣٦١

- المائدة -
نظیر ((الَّذُوْن)) فیقال: ((جاء الزیدون ورأیت الزیدون ومررت بالزيدون» کـ «جاء
الذون ورأيت الذون ومررت بالذون))، هذا إذا سُمِّي به، أمَّا ما دام جمعاً
فلا أحفظُ فيه ما ذكره أبو البقاء، ومن أَثْبَتَ حجةٌ على مَنْ نفى لا سيما مع
تقدُّمِه في العلم والزمان .
التاسع: قال مكي(١): ((وإنما رفع ((الصابئون)) لأن ((إِنَّ) لم يظهر لها
عملٌ في ((الذين)) فبقي المعطوفُ على رفعه الأصلي قبل دخول ((إِنَّ)) على
الجملة)). قلت: هذا هو بعينه مذهب الفراء (٢)، أعني أنه يجيز العطف على
محل اسم ((إنَّ)) إذا لم يظهر فيه إعراب، إلا أن عبارة مكي لا توافق هذا
ظاهراً.
وقرأ أبي بن كعب وعثمان بن عفان وعائشة والجحدري وسعيد بن جبير
وجماعة: ((والصابئين)) بالياء، ونقلها صاحب ((الكشاف))(٣) عن ابن كثير، وهذا
غير مشهور عنه، وهذه القراءة واضحةُ التخريجِ عطفاً على لفظِ اسم ((إنَّ)،
وإن كان فيها مخالفةٌ لِسوادِ المصحفِ فهي مخالفةً يسيرة، ولها نظائرُ كقراءة
قنبل عن ابن كثير: ((سراط))(٤) وبابِه بالسين، وكقراءة حمزة إياه في روايةٍ
بالزاي، وهو مرسومٌ بالصاد في سائر المصاحف، ونحو قراءةِ الجميع:
((إيلافهم))(٥) بالياء، والرسم بدونها في الجميع. وقرأ الحسن البصري
والزهري: ((والصابِيُون)) بكسر الباء بعدها ياء خالصة، وهو تخفيف للهمزة
كقراءة من قرأ: ((يَسْتهِزِيُون))(٦) بخلوص الياء، وقد تقدم قراءة نافع في
(١) المشكل ٢٣٨/١.
(٢) معاني القرآن ٣١١/١.
(٣) الكشاف ٦٣٣/١.
(٤) الآية ٥ من الفاتحة. وانظر: الدر المصون الورقة ٨/أ.
(٥) الآية ١ من قريش.
(٦) الآية ٥ من الأنعام. وانظر: البحر ٥٣١/٣، والمحتسب ٢١٦/١.
٣٦٢
:

- المائدة -
البقرة(١). وأما ((النصارى)) فهو منصوب عطفاً على لفظ اسم ((إنَّ)) ولا حاجةً
إلى ادِّعاء كونه مرفوعاً على ما رفع به ((الصابئون)) لكلفةِ ذلك.
قوله تعالى: ((مَنْ آمن)) يجوز في ((مَنْ)) وجهان، أحدهما: أنها شرطيةٌ،
وقوله: ((فلا خوفٌ)) إلى آخره جواب الشرط، وعلى هذا فـ ((آمن)) في محل
جزم بالشرط، و((فلا خوف)) في محل جزم بكونه جوابَه، والفاءُ لازمةٌ.
والثاني: أن تكونَ موصولةٌ والخبر ((فلا خوف)»، ودخلت الفاءُ لشبهِ المبتدأ
بالشرطِ، فـ ((آمَنَ)) على هذا لا محلَّ له لوقوعه صلةً، و((فلا خوفٌ)) محلُّه
الرفعُ لوقوعِه خبراً، والفاءُ جائزةُ الدخولِ لو كان في غير القرآن، وعلى هذين
الوجهين فمحلّ ((مَنْ)) رفعٌ بالابتداء، ويجوز على كونها موصولةً(٢) / أن تكونَ [٢٦٥/ب]
في محل نصب بدلاً من اسم ((إنَّ) وما عُطِف عليه، أو تكون بدلاً من
المعطوف فقط، وهذا على الخلافِ في ((الذين آمنوا)): هل المرادُ بهم
المؤمنون حقيقةً، أو المؤمنون نفاقاً؟ وعلى كلِّ تقدير من التقادير المتقدمة
فالعائدُ من هذه الجملة على ((مَنْ)) محذوفٌ تقديرُه: مَنْ آمنَ منهم)) كما صَرَّح
به في موضعٍ آخرَ (٣)، وتقدَّم إعرابُ باقي الجملة فيما مضى.
آ. (٧٠) قوله تعالى: ﴿كلَّما جاءهم رسولٌ﴾: قد تقدَّم الكلام(٤)
على ((كلما)) مشبعاً فَأَغْنى عن إعادته. وقال الزمخشري(٥): ((كلما جاءهم
رسول)» جملةٌ شرطيةٌ وقعت صفةً لـ ((رسلا))، والراجحُ محذوفٌ أي: رسول
منهم))، ثم قال: ((فإنْ قلت: أين جوابُ الشرط، فإنَّ قولَه: ((فريقاً كذبوا
وفريقاً تقتلون)) ناب عن الجواب، لأنَّ الرسولَ الواحدَ لا يكون فريقين، ولأنه
(١) الآية ٦٢ من البقرة، وقد قرأ الصابئين في كل القرآن بغير همز. انظر: السبعة ١٥٧.
(٢) ولم يجز على كونها شرطية، لأن الشرط له الصدارة فكيف يكون بدلاً مما قبله؟
(٣) كما في آية البقرة ١٢٦: ﴿وارزق أهله من الثمرات مَنْ آمن منهم).
(٤) انظر: إعراب الآية ٢٠ من البقرة.
(٥) الكشاف ٦٣٣/١.
٣٦٣

- المائدة -
لا يحسُن أن تقولَ: ((إن أكرمت أخي أخاك أكرمت)»؟ قلت: هو محذوفٌ يَدُلُّ
عليه قوله: ((فريقاً كَذَّبوا وفريقاً يقتلون»، كأنه قيل: كلما جاءَهم رسولٌ نِاصَبُوه،
وقوله: ((فريقاً كذبوا)) جواب مستأنف لقائل يقول: کیف فَعَلُوا برسلهم؟)) قال
الشيخ(١): ((وليس ((كلما)) شرطاً، بل ((كلَّ)) منصوبٌ على الظرف
و ((ما)) مصدرية ظرفية، ولم يجزم العرب بـ((كلما)) أصلاً، ومع تسليم أن
((كلما)) شرط فلا يمتنع لِما ذكر، أما الأول فلأنَّ المرادَ بـ ((رسول)) الجنسُ
لا واحدٌ بعينه، فيصح انقسامُه إلى فريقين نحو: ((لا أصحبك ما طَلَعَ نجمٌ))
أي: جنس النجوم، وأما الثاني فيعني أنه لا يجوزُ تقديمُ معمولِ جوابٍ
.الشرط عليه، وهذا الذي منعه إنما منعه الفراءُ وحدَه، وأما غيرُه فأجاز ذلك،
وهذا مع تسليم أنَّ ((كلما)) شرط، وأمَّا إذا مشينا على أنَّها ظرفيةٌ فلا حاجة إلى
الاعتذار عن ذلك، ولا يمتنعُ تقديمُ معمولِ الفعلِ العاملِ في ((كلما)) تقول:
((كلما جئتني أخاك أكرمتُ)). قلت: هذا واضحٌ من أنها ليست شرطاً، وهذه
العبارةُ تكثُر في عبارة الفقهاء دونَ النحاة. وفي عبارة أبي البقاء(٢) ما يُشْعر
بما قاله الزمخشري فإنه قال: ((وكَذَّبوا)) جواب ((كلما)) و((فريقاً)) مفعول
بـ ((كَذَّبوا))، و((فريقاً) منصوب بـ ((يقتلون))، وإنما قدَّمَ مفعولَ ((يقتلون)) لتواخي
رؤوسٍ الآي، وقَدَّم مفعولَ ((كَذَّبوا)) مناسبةً لما بعده.
قال الزمخشري (٣): ((فإن قلت: لِمَ جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر.
مضارعاً؟ قلت: جيء بـ ((يقتلون)) على حكاية الحالِ الماضية استفظاعاً
للقتل ، واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها)) انتهى. وقد يقال:
فِلِمَ لا حُكِيت حالُ التكذيب أيضاً فيُجاء بالفعل مضارعاً لذلك؟ ويُجاب بأنَّ
(١) البحر ٠٥٣٣/٣
(٢) الإملاء ٢٢٢/١.
(٣) الكشاف ٦٣٣/١.
٣٦٤

- المائدة -
الاستفظاعَ في القتلِ وشناعتِه أكثرُ / من فظاعةِ التكذيب، وأيضاً فإنه لمَّا [٢٦٦/أ]
چيء به مضارعاً ناسبَ رؤوس الآي.
آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿أن لا تكون﴾: قرأ(١) البصري والأخوان
برفع النون، والباقون بنصبها. فَمَنْ رفع فـ ((أَنْ)) عنده مخففةٌ من الثقيلة،
واسمها ضميرُ الأمرِ والشأنِ محذوفٌ تقديرُه: أنه، و((لا)) نافية، و((تكون))
تامة، و((فتنةٌ)) فاعلها، والجملةُ خبر ((أن)»، وهي مفسِّرةٌ لضميرِ الأمرِ والشأن،
وعلى هذا فـ((حَسِب)) هنا لليقين لا للشكَّ، ومن مجيئها لليقين قولُ
الشاعر (٢):
١٧٨٠ - حَسِبْتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ
رَباحاً إذا ما المرءُ أصبحَ ثاقِلاً
أي: تيقّنْتُ لأنه لا يَلِيقُ الشُّ بذلك، وإنما اضطرِرْنا إلى جَعْلِها في
الآية الكريمة بمعنى اليقين لأنَّ ((أَنْ)) المخففةَ لا تقع إلا بعد يقين، فأمَّا
قوله (٣):
١٧٨١- أرجو وآمُل أَنْ تدنُو مودتُها
وما إخالُ لدينا منكِ تنويلُ
فظاهرُه أنها مخففةٌ لعدم إعمالها (٤) وقد وقعت بعد ((أرجو)) و((آمل))
وليسا بيقينٍ. والجوابُ من وجهين، أحدُهما: أنَّ ((أَنْ)) ناصبة، وإنما أُهْمِلَتْ
(١) السبعة ٢٤٧؛ والكشف ٤١٦/١، والبصري أبو عمرو. والأخوان حمزة والكسائي.
(٢) تقدم برقم ٩٢٣.
(٣) البيت لكعب بن زهير وهو في ديوانه ٥٩؛ والتصريح ٢٥٨/١؛ والأشموني ٢٩/٢؛
والخزانة ٧/٤؛ والدرر ٣١/١.
(٤) بدلیل تسکین واو «تدنو)).
٣٦٥

- المائدة -
حملاً على ((ما)) المصدرية، ويَدُلُّ على ذلك أنها لو كانَتْ مخففةً لفُصِل بينها
وبين الجملةِ الفعليةِ بما سنذكره، ويكون هذا(١) مثلَ قولِ الله تعالى: ((لِمَنْ
أراد أن يُتِمُّ الرضاعة)»(٢)، وكقوله(٣):
١٧٨٢- يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسَكما
وحيثما كنتما لُقِّيتُما رَشَدا
أَنْ تَحْمِلا حاجةً لي خَفَّ مَحْمَلُها
تستوجبا نعمةً عندي بها ويَدا
أَنْ تقرآنٍ على أسماءً ويحكما
مني السلامَ وألَّ تُشْعِرا: أحدا
فقوله: ((أَنْ تقرآنُ)) بدلٌ من ((حاجة)) وقد أَهْمَل ((أن))، ومثلُه قوله(٤) ..
سقَةُ إِن نجوْتٍ من الرَّزاحِ
١٧٨٣- إني زعيمٌ يا نُوَيْـ
و [من الغدو] إلى الرَّواحِ
ونجوتِ منْ وَصَبِ العدو
مٍ يَرْتَعُون من الطُّلاحِ
أَنْ تهبطين بلادَ قَوْ
وكيفما قُدِّر فيما ذكرته من الأبيات يلزم أحد شذوذين قد قيل باحتمال
كل منهما: إمَّا إهمالُ (أَنْ))، وإمَّا وقوع المخففة بعد غير علم، وعدمُ الفصل
بينها وبين الجملة الفعلية.
والثاني من وجهي الجواب: أنَّ رجاءه وأملَه قَوِيا حتى قربا من اليقين
فأجراهما مُجْراه في ذلك. وأما قول الشاعر(٥):
(١) أي مثل هذا الحمل على ((ما)) المصدرية.
(٢) الآية ٢٣٣ من البقرة وانظر تخريج هذه القراءة وآراء النحاة في حديث المؤلف عنها في
موضعها. وهي قراءة مجاهد. البحر ٢١٣/٢.
(٣) تقدمت الأبيات برقم ٩٩٠ ما عدا الثاني منها وانظر فيه مكان تاليه.
(٤) تقدمت برقم ٩٨٩.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في أوضح المسالك ٢٦٧/١؛ والعيني ٢٩٤/٢؛ والأشموني
٢٩٢/١؛ والهمع ١٤٣/١؛ والدرر ١٢٠/١.
٣٦٦

- المائـدة -
١٧٨٤ - عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلون فجادُوا
قبلَ أَنْ يُسْأَلُوا بأعظمِ سُؤْلٍ
فالظاهرُ أنها المخففة، وشَذَّ عدمُ الفصلِ ، ويُحتمل أن تكونَ الناصبةً
شَذَّ وقوعُها بعد العلمِ وشَذَّ إهمالُها، ففي الأولِ شذوذٌ واحدٌ وهو عدم
الفصلِ ، وفي الثاني شذوذان: وقوعُ الناصبةِ بعد العلمِ ، وإهمالُها حملاً على
((ما)» أختِها .
وجاء هنا(١) على الواجبِ - عند بعضِهم - أو الأحسنِ - عند آخرين -
وهو الفصلُ بين ((أَنْ)) الخفيفةِ وبين خبرِها إذا كان جملةً فعلية متصرفة غيرَ
دعاءٍ، والفاصلُ: إمَّا نفيٌ كهذه الآية، / وإمَّا حرفُ تنفيس كقوله تعالى: [٢٦٦/ب]
((عَلِمِ أَنْ سيكونُ منكم مرضى))(٢)، ومثلُه: ((عَلِمْت أن سوف تقومُ))، وإمَّا
((قد)) كقوله تعالى: ((ونعلَمَ أَنْ قد صدقتنا)(٣) وإمَّا (لو)) - وهي غريبة -
كقوله: ((وأَنْ لو استقاموا))(٤) ((أَنْ لوكانوا يعلمون الغيب))(٥). وتَحرَّزْتُ
بالفعلية من الاسمية فإنها لا تحتاج إلى فاصل، كقوله تعالى: ((وآخرُ دعواهم
أَنِ الحمدُ لله رب العالمين))(٦) وكقوله(٧):
١٧٨٥- في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد عَلِموا
أَنْ هالِكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ
(١) أي في آية الإِعراب.
(٢) الآية ٢٠ من المزمل.
(٣) الآية ١١٦ من المائدة.
(٤) الآية ١٦ من الجن.
(٥) الآية ١٤ من سبأ.
(٦) الآية ١٠ من يونس.
(٧) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ٥٩ وعجزه فيه: أنْ ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيَلُ؛
وشرح القصائد للتبريزي ٤٩٤؛ والمحتسب ٣٠٨/١؛ والهمع ١٤٢/١؛
والدرر ١١٩/١.
٣٦٧

- المائدة -
وبالمتصرفةٍ من غيرِ المتصرفة فإنه لا تَحْتاج إلى فاصلٍ ، كقوله تعالى:
((وأَنْ ليس للإِنسانِ إلا ما سَعَى))(١) ((وأَنْ عَسَى أَنْ يكونَ))(٢)، وبغيرِ دعاءٍ من
الواقعةِ دعاءً كقولِه تعالى: ((أَنْ غَضِبَ اللَّهُ)) (٣) في قراءة نافع .
ومَنْ نصب ((تكونَ)) فـ((أَنْ)) عنده هي الناصبة للمضارع دخلت على
فعل منفي بـ((لا))، و(لا)) لا يمنعُ أن يعملَ ما بعدها فيما قبلها من ناصبٍ
ولا جازم ولا جارّ، فالناصبُ كهذه الآية، والجازم كقوله تعالى: ((إنْ لا تفعلوه
تكنْ فتنةٌ))(٤) ((إنْ لا تنصروه فقد نصره الله))(٥)، والجارُّ نحو: ((جئت بلا زادٍ)).
و(حَسِب)» هنا على بابها من الظن، فالناصبة لا تقع بعد علم، كما أنَّ
المخففة لا تقع بعد غيرِه، وقد شَذَّ وقوعُ الناصبة بعد يقين وهو نَصِّ فيه
کقوله(٦):
١٧٨٦ - نَرْضَى عن الناسِ إِنَّ الناسَ قد عَلِموا
أَنْ لا يدانِيَنا من خَلْقِه بِشِرُ
وليس لقائل أن يقول: العلمُ هنا بمعنى الظن، إذ لا ضرورةَ تدعو إليه،
والأكثرُ بعد أفعالِ الشكِّ النصبُ بـ((أَنْ))، ولذلك أُجْمِع على النصب في قوله
تعالى: ((أَحَسِبَ الناسُ أن يُتْركوا))(٧)، وأمَّا قولُه تعالى: ((أفلا يَرَوْن أَنْ
لا يرجِعُ إليهم)»(٨) فالجمهورُ على الرفع، لأن الرؤية تقعُ على العلمِ .
(١) الآية ٣٩ من النجم.
(٢) الآية ١٨٥ من الأعراف.
(٣) الآية ٩ من النور، وانظر: السبعة ٤٥٣.
(٤) الآية ٧٣ من الأنفال
(٥) الآية ٤٠ من التوبة ..
(٦) تقدم برقم ٩٨٠.
(٧) الآية ٢ من العنكبوت.
(٨) الآية ٨٩ من طه.
٣٦٨

- المائدة -
والحاصلُ أنه متى وَقَعَتْ بعد علمٍ وَجَبَ أن تكونَ المخففةَ، وإذا وقعت بعد
ما ليس بعلمٍ ولا شك وَجَبَ أَنْ تكونَ الناصبةَ، وإن وقعت بعد فعلٍ يحتمل
اليقين والشك جاز فيها وجهان باعتبارين: إنْ جعلناه يقيناً جعلناها المخففة
ورفعنا ما بعدها، وإنْ جعلناه شكّاً جعلناها الناصبةَ ونصبنا ما بعدها، والآيةُ
الكريمةُ من هذا الباب، وكذلك قوله تعالى: ((أفلا يرون أَنْ لا يرجعُ)) وقوله:
((أَحَسِبَ الناس أن يتركوا))، لكن لم يُقرأ في الأولى إلا بالرفع، ولا في الثانية إلا
بالنصب، لأن القراءةَ سنةٌ متبعة. وهذا تحريرُ العبارة فيها، وإنما قلت ذلك
لأن بعضَهم يقول: يجوزُ فيها بعد أفعال الشك وجهان فيوهمُ هذا أنه يجوزُ
فيها أن تكونَ المخففةَ والفعلُ قبلها باقٍ على معناه من الشك، لكن يريد
ما ذكرتُه لك من الصلاحيةِ اللفظيةِ بالاعتبارين المتقدمين، ولهذا قال الأستاذ
الزمخشري(١): ((فإنْ قلت: كيف دخل فعلُ الحسبان على ((أَنْ)) التي هي
للتحقيق؟ قلت: نَزَّل حسبانَهم لقوته في صدورهم منزلةً العلم)» والسببُ
المقتضي لوقوعِ المخففةِ بعد اليقين، والناصبةِ بعد غيره، وجوازٍ الوجهين
فيما تردّد: ما ذكروه وهو ((أَنْ)) المخففة تَدُلُّ على ثباتِ الأمرِ واستقرارِه لأنها
للتوكيدٍ كالمشددة، والعلمُ وبابُه كذلك فناسَبَ أَنْ تُوقِعَها بعد اليقين للملاءمةِ
بينهما، ويدلُّ على ذلك وقوعُها مشددةً بعد اليقين كقوله تعالى: ((ويعلمون أَنَّ
الله هو الحق المبين))(٢) ((ألم تعلم أنَّ اللَّهَ على كل شيء قدير))(٣) ((ألم تعلمْ
أنَّ اللّه له ملكُ السموات والأرض)»(٤) إلى غير ذلك، والنوعُ الذي لا يدلُّ على
ثبات واستقرارٍ / تقع بعده الناصبة(٥) كقوله تعالى: ((والذي أطمع أن يغفرَ [٢٦٧/أ]
(١) الكشاف ٦٣٣/١.
(٢) الآية ٢٥ من النور.
(٣) الآية ١٠٦ من البقرة.
(٤) الآية ١٠٧ من البقرة.
(٥) الأصل: ((المخففة)) وهو سهو واضح.
٣٦٩

- المائدة -
لي)) (١) ((نخشى أن تصيبنا دائرة))(٢) ((فَخَشِينا أن يُرْهِقَهما))(٣) ((أأشفقتم أن
تُقَدِّموا))(٤) إلى غير ذلك، والنوعُ المحتمل للأمرين تقع بعده تارة المخففةُ
وتارةً الناصبةُ كما تقدم من الاعتبارين، وعلى كلا التقديرين أعني كونَها
المخففةَ أو الناصبةً فهي سادَّةٌ مسدَّ المفعولين عند جمهورِ البصريين، ومسدٍّ
الأولِ والثاني محذوفٌ عند أبي الحسن، أي: حَسِبوا عدمَ الفتنةِ كائناً
أو حاصلاً. وحكى بعض النحويين أنه ينبغي لِمَنْ رفع أن يَفْصِل ((أن)) من
(لا)) في الكتابة؛ لأن الهاء المضمرةَ حائلٌ في المعنى، ومَنْ نَصَبَ لم يَفْصِل
لعدمِ الحائل بينهما. قال أبو عبد الله(٥): ((هذا ربما ساغَ في غيرِ المصحفِ،
أمَّا المصحفُ فلم يُرْسَمْ إلا على الاتصال)) انتهى. قلت: ((وفي هذه العبارة
تجوُّز إذ لفظُ الاتصالِ يُشْعر بأَنْ تُكْتب ((أنلا)) فتوصلَ ((أن)) بـ ((لا)) في الخط،
فينبغي أن يقال: لا تُثْبَتُ لها صورةٌ، أو تُثْبَتُ لها صورةٌ منفصلة.
قوله تعالى: ((ثُم عَمُوا وصَمُّوا كثيرٌ منهم)) في هذا التركيب خمسة
أوجه، أحدها: أنَّ الواوَ علامةُ جمع الفاعل، كما يَلْحق الفعلَ تاءُ التأنيث
ليدلَّ على تأنيثِ الفاعل، كـ ((قامت هند))، وهذه اللغة جاريةٌ في المثنى وجمعٍ
الإِناث أيضاً فيقال: ((قاما أخواك، وقمن أخواتك)) كقوله(٦):
وقد أَسْلَمَاهِ مُبْعَدٌ وَحَمِيمٌ
١٧٨٧_
(١) الآية ٨٢ من الشعراء.
(٢) الآية ٥٢ من المائدة.
(٣) الآية ٨٠ من الكهف.
(٤) الآية ١٣ من المجادلة.
(٥) وهو أبو عبد الله الفاسي وتقدمت ترجمته.
(٦) البيت لعبيدالله بن قيس الرقيات، وصدره:
تولّى قتالَ المارقين بنفسِه
وهو في ديوانه ١٩٦؛ وأمالي الشجري ١٣٢/١؛ والشذور ١٧٧؛ وأوضح المسالك
٣٥٢/١؛ والهمع ١٦٠/١؛ والدرر ١٤١/١. وأسلماه: خذلاه، والحميم: الصديق.
٣٧٠

- المائدة -
وقوله(١):
١٨٧٨- ولكنْ دِيافِيٍّ أبوه وأمُّه
بِحَوْرانَ يَعْصِرِنَ السَّلِيطَ أقاربُهْ
واستدلَّ بعضُهم بقوله عليه السلام: ((يتعاقبون فيكم ملائكة))(٢)، ويعبّر
النحاة عن هذه اللغةِ بلغةِ («أكلوني البراغيث))، ولكنَّ الأفصحَ ألَّ تلحقَ الفعلَ
علامةٌ، وفَّق النحويون بين لَحاقِةِ علامةَ التأنيث وعلامةَ التثنية والجمع بأنَّ
علامةَ التأنيث ألزمُ؛ لأن التأنيث في ذاتِ الفاعل بخلاف التثنيةِ والجمعِ فإنه
غیرُ لازمٍ.
الوجه الثاني: أنَّ الواوَ ضميرٌ عائدٌ على المذكورين العائدِ عليهم واو
((حسبوا))، و((كثير)) بدلٌ من هذا الضمير، كقولك: ((إخوتك قاموا كبيرُهم
وصغيرُهم)) ونحوه. الوجه الثالث: أن الواو ضمير أيضاً، و((كثيرٌ)) بدلٌ منه،
والفرقُ بين هذا الوجه والذي قبله أن الضمير في الوجهِ الأولِ مفسَّر بما قبلَه
وهم بنو إسرائيل، وأمَّا في هذا الوجه فهو مفسَّر بما بعده، وهذا أحدُ المواضع
التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعده، وهو أن يُبْدَلَ منه ما يفسِّرُهُ، وهي مسألةٌ
خلاف وقد تقدم تحريرها. الوجه الرابع: أن الضميرَ عائدٌ على مَنْ تقدَّم،
و ((كثير)) خبر مبتدأ محذوف، وقَدَّره مكي(٣) تقديرين، أحدهما: قال: ((تقديرُه
العُمْيُّ والصُّمُّ كثير منهم)). والثاني: العَمَى والصَّمَمُ كثيرٌ منهم، ودلَّ على ذلك
قوله: ((ثم عَمُوا وصَحُوا)) فعلى تقديره الأول: يكون ((كثير)» صادقاً عليهم
و ((منهم)) صفة لـ ((كثير))، وعلى التقدير الثاني يكون ((كثير)) صادقاً على العَمَى
(١) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٥٠؛ والخصائص ١٩٤/٢؛ وأمالي الشجري ١٣٣/١؛
واللسان: ((خطا)) وابن يعيش ٧/٧؛ والهمع ١٦٠/١؛ والدرر ١٤٢/١. والديافي:
منسوب إلى دياف قرية بالشام يسكنها النبط، والسليط: الزيت.
(٢) رواه البخاري (الفتح) ٣٣/٢؛ مسلم: الماجد ٤٣٩/١؛ ابن حنبل ٢٥٧/٢.
(٣) المشكل ٢٤١/١.
٣٧١

- المائدة -
والصَّمَمِ لا عليهم، و((منهم)) صفةٌ له بمعنى أنه صادر منهم، وهذا الثاني غيرُ
ظاهرٍ. وقدَّره الزمخشري(١) فقال: ((أولئك كثير منهم)). الوجه الخامس: أنَّ
(كثير)) مبتدأُ والجملةُ الفعلية قبله خبرٌ، ولا يُقال: إنَّ الفعلَ متى وقع خبراً
وَجَبَ تأخيرُه لأنَّ ذلك مشروطٌ بكونِ الفاعل مستتراً نحو: ((زيدٌ قام)) لأنه
لو قُدِّم فقيل: قام زيدٌ لأليس بالفاعل، فإنْ قيل: وهذا أيضاً يُلْبِس بالفاعل في
لغة («أكلوني البراغيث)، فالجواب أنها لغةٌ ضعيفةٌ لا تبالي بها. وضَعَّفَ
أبو البقاء (٢) هذا الوجه، بمعنى آخرَ فقال: ((لأنَّ الفعلَ قد وَقَع في: موضِعِهِ
فلا يُنْوَى به غيرُه)) وفيه نظرٌ لأنَّا لا نُسَلِّم أنه وَقَع موقعَه، وإنما كان واقعاً موقعّه
لو كان مجرداً من علامةٍ. ومثلُ هذه الآيةِ أيضاً قولُه تعالى: ((وأَسَرُّوا النجوى
الذين ظَلَموا))(٣).
والجمهورُ على ((عَمُوا وَصمُّوا)) بفتح العين والصاد، والأصل: عَمِيُوا
وصَمِمُوا كَشَرِبُوا، فَأُعِلَّ الأولُ بالحذفِ، والثاني بالإِدغام. وقرأ يحيى(٤) بن
وثاب وإبراهم النخعي بضم العين والصاد وتخفيف الميم من ((عَمُوا)). قال
[٢٦٧/ ب] الزمخشري(٥): ((على تقدير / عماهم الله وصَمَّهم أي: رماهم وضربهم
بالعَمَى والصَّمم، كما يقال: نَزَكْتُه إذا ضربته بالنَّيْزَك(٦)، وَركَبْتُه إذا ضربتَهِ
بركيتك))، ولم يَعْترض عليه الشيخ، وكان قد قال(٧) قبل ذلك بعد أَنْ حكى
القراءة: ((جَرَتْ مَجْرى زُكِم الرجلُ وأَزْكَمَه الله، وحُمَّ وأَحَمَّه الله، ولا يقال:
زَكَمه الله ولا حَمَّه، كما لا يقال: عَمَيْتُه ولا صَمَمْته، وهي أفعالٌ جاءت مبنيةً
(١) الكشاف ٦٣٤/١.
(٢) الإملاء ٣٢٣/١.
(٣) الآية ٣ من الأنبياء.
(٤) الشواذ ٣٤؛ البحر ٥٣٤.
(٥) الكشاف ١ /٦٣٤.
(٦) النيزك: الرمح القصير.
(٧) البحر ٥٣٤/٣ :
٣٧٢

- المائدة -
للمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه وهي(١) متعدِّيةً ثلاثية، فإذا بُنيت للفاعلِ صارَتْ
قاصرة(٢)، فإذا أَرَدْتَ بناءَها للفاعلِ متعديةٌ أَدْخَلْتَ همزة النقل، وهي نوع غريب
في الأفعال)). انتهى. فقوله: ((كما لا يُقال عَمَيْتُه ولا صَمَمْتُه)) يقتضي أن
الثلاثي منها لا يتعدَّى، والزمخشري قد قال على تقدير: ((عَماهُم الله
وصَمَّهم)) فاستعمل ثلاثِيَّهُ متعدياً، فإن كان ما قاله الشيخ صحيحاً فينبغي أن
يكونَ كلام أبي القاسم فاسداً أو بالعكس.
وقرأ ابن(٣) أبي عبلة ((كثيراً)) نصباً على أنه نعت لمصدر محذوف،
وتقدم غيرَ مرة أنه عند سيبويه حالٌ. وقال مكي(٤): ((ولو نَصَبْتَ ((كثيراً)) في
الكلام لجازَ أن تجعلَه نعتاً لمصدر محذوف، أي: عمىَّ وصمماً كثيراً» قلت:
كأنه لم يطَّلِعْ عليها قراءةً، أو لم تَصِحَّ عنده لشذوذها.
وقوله: ((فَعَمُوا)) عطفَه بالفاء وقوله: ((ثم عَمُوا وصمُّوا)) عطفه بـ ((ثم))،
وهو معنى حسن، وذلك أنهم عَقِيبَ الحسبانِ حَصَل لهم العَمَىْ والصَّمَمُ مِنْ
غيرِ تراخٍ، وأسند الفعلين إليهم، بخلافٍ قوله: ((فأصمَّهم وأَعْمى أبصارَهم))(٥)
لأنَّ هذا فيمن لم يَسْبِقْ له هدايةٌ، وأسند الفعل الحسنَ لنفسِه في قوله: ((ثم
تابَ الله عليهم))، وعطف قوله: ((ثم عَمُوا)) بحرفِ التراخي دلالةً على أنهم
تمادَوا في الضلالِ إلى وقت التوبة.
آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿ثالثُ ثلاثةٍ﴾: معناه أحدُ الثلاثة، ولذلك منع
الجمهورُ أن يُنْصَبَ ما بعده، لا تقول: ثالثٌ ثلاثةً ولا رابعَ أربعةٌ، قالوا: لأنه
اسمُ فاعلٍ ويعملُ عمل فعله، وهنا لا يقع موقعَه فعلٌ إذ لا يقال: ربَّعْتُ
(١) الواو في ((وهي)) للحال.
(٢) أثبت صاحب القاموس: ((زكمه)) في مادة ((زكم)).
(٣) البحر ٥٣٤/٣.
(٤) المشكل ٢٤١/١.
(٥) الآية ٢٣ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
-
٣٧٣

- المائدة -
الأربعة ولا ثلَّمْتُ الثلاثة، وأيضاً فإنه أحدُ الثلاثة فيلزم أن يعمل في نفسِه،
وأجاز النصبَ بمثل هذا ثعلب، وردّه عليه الجمهور بما ذكرته لك، أمّا إذا كان
من غيرِ لفظٍ ما بعده فإنه يجوزُ فيه الوجهان(١): النصب والإِضافة نحو: رابعٌ
ثلاثةً، وإن شئت: ثلاثةٍ. واعلم(٢) أنه يجوز أن يُشتَقَّ من واحد إلى عشرة
صيغةُ اسمِ فاعل نحو: ((واحد))، ويجوز قلبه(٣) فيقال: حادي وثاني وثالث
إلى عاشر، وحينئذ يجوز أن يستعمل مفرداً فيقال: ثالث ورابع، كما يقال:
ثلاثة وأربعة من غير ذكرٍ مفسرٍ، وأن يستعملَ استعمالَ أسماءِ الفاعلينِ إنْ وقع
بعده مغايرُه لفظاً، ولا يكونُ إلا ما دونَه برتبةٍ واحدةٍ نحو عاشرُ تسعةٍ، وتاسعُ
ثمانيةٍ، فلا يجامعُ ما دونَه برتبتين نحو: عاشرُ ثمانيةٍ ولا ثامنُ أربعةٍ،
ولا يُجامِعُ ما فوقه مطلقاً فلا يقال: تاسعُ عشرةٍ ولا رابعُ ستةٍ، إذا تقرر ذلك
فيعطى حكمَ اسمَ الفاعلِ فلا يعملُ إلا بشروطه، وأمَّا إذا جامع موافقاً له لفظاً
وجبت إضافتُه نحو: ثَالثُ ثلاثةٍ وثاني اثنين، وتقدَّم خلاف ثعلب، ويجوز أن
يُبْنى أيضاً من أحد عشر إلى تسعة عشر فيقال: حادي عشر وثالث عشر،
ويجوز أَنْ يُستعمل مفرداً كما ذكَرْتُه لك، ويجوز أن يُسْتَعْمل مجامعاً لغيره
ولا يكونُ إلا موافقاً، فيقال: حادي عشر أحد عشرَ، وثالثَ عشرَ ثلاثَةِ عشرَ،
ولا يقال: ثالثَ عشرَ اثني عشرَ، وإن كان بعضهم خالف، وحكمُ المؤنثِ
كحكمِه في الصفاتِ الصريحةِ فيقال: ثالثة ورابعة، وحاديةَ عشرةَ (٤)، وثالثةً
عشرةَ ثلاثَ عشرةَ، وله أحكامٌ كثيرة استوفيتُها في ((شرح التسهيل)).
قوله: ((وما مِنْ إِلٍ)) / ((مِنْ)) زائدة في المبتدأ لوجود الشرطين، وهما
كونُ الكلامِ غيرَ إيجابٍ، وتنكيرُ ما جَرَّتْهُ، و((إِلَهٌ)) بدل من محل ((إلَهٍ) المجرورِ
[١/٢٦٨]
(١) لأنك تقول: ((ربَّعْتُ الثلاثة)) أي صيرتهم بك أربعة.
(٢) انظر: المقتضب ٨١/٢.
(٣) أي قلباً مكانياً بتأخير الفاء بعد قلبها ياء لتطرفها وانكسار ما قبلها.
(٤) الأصل: ((عشر)) والتاءُ واجبة.
٣٧٤

- المائدة -
بـ ((مِنْ)) الاستغراقية، لأن محلَّه رفعٌ كما تقدم، والتقدير: وما إلهٌ في الوجودِ
إلا إلّ متصفّ بالوحدانية. قال الزمخشري(١): ((من)) في قوله: ((مِنْ إله))
للاستغراقِ، وهي المقدرةُ مع ((لا)) التي لنفي الجنس في قولك: ((لا إلهَ
إلا اللَّهُ)) والمعنى: وما من إله قط في الوجود إلا إلهٌ متصفُ بالوحدانية
وهو الله تعالى)). فقد تحصَّل مِنْ هذا أن ((مِنْ إله)) مبتدأ وخبرُه محذوفٌ،
و ((إلا إله) بدلٌ على المحل. قال مكي(٢): ((ويجوزُ في الكلام النصبُ:
((إلا إلهاً)) على الاستثناء)). قال أبو البقاء (٣): ((ولو قُرىء بالجرِّ بدلاً من لفظ
(إله) لكان جائزاً في العربية)) قلت: ليس كما قال، لأنه يلزمُ زيادةُ ((مِنْ)) في
الواجب، لأن النفيّ انتقضَ بـ(إلَ))، لو قلت: ((ما قامَ إلا من رجلٍ)) لم يَجُزْ
فكذا هذا، وإنما يجوزُ ذلك على رأي الكوفيين والأخفشِ ، فإنَّ الكوفيين
يشترطون تنكيرَ مجرورها فقط، والأخفشُ لا يشترط شيئاً (٤). قال مكي (٥):
(واختار الكسائي الخفضَ على البدل من لفظ ((إله)) وهو بعيدٌ لأنَّ (مِنْ)) لا تُزَاد
في الواجب)). قلت: ولو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ قوله (إلا إلهَ)) خبر المبتدأ، وتكونُ
المسألةُ من الاستثناءِ المفرغِ، كأنه قيل: ما إله إلا إلهٌ متصفٌ بالواحدِ
لَمَا ظهر له منعٌ، لكني لم أرَهم قالوه، وفيه مجالٌ للنظر.
قوله: ((ليمسَّنَّ)) جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ
هذا عليه، والتقديرُ: واللَّهِ إنْ لم ينتهوا ليمسِّنَّ، وجاء هذا على القاعدةِ التي
قَرَّرْتُها: وهو أنه إذا اجتمعَ شرطٌ وقمٌ أُجِيب سابقُهما ما لم يسبقْهما ذو خبر،
وقد يجابُ الشرطُ مطلقاً، وقد تقدَّم أيضاً أن فعلَ الشرطِ حينئذ لا يكون
(١) الكشاف ٦٣٤/١.
(٢) المشكل ٢٥١/١ .
(٣) الإِملاء ٢٢٣/١.
(٤) انظر أمثلة على ذلك في معاني القرآن: ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤، ٢٧٤.
(٥) المشكل ٢٤١/١.
٣٧٥

- المائدة -
إلا ماضياً لفظاً، أو معنىًّ لا لفظاً كهذه الآية، فإنْ قيل: السابقُ هنا الشرطُ ،
إذ القسمُ مقدرٌ فيكون تقديرُه متأخراً فالجوابُ أنه لو قُصِد تأخّرُ القسمِ فِي
التقدير لأُجيبَ الشرط، فلمَّا أُجيب القسمُ عُلِم أنه مقدَّرُ التقديمِ، وعَبَّر
بعضُهم عن هذا فقال: ((لام التوطئةِ للقسمِ قد تُحْذَفُ ويُراعى حكمُها كهذه
الآيةِ، إذ التقدير: ((ولئن لم)) كما صَرَّح بهذا في غير موضع كقوله: (لَئِنْ
لم ينتهِ المنافقون))(١)، ونظيرُ هذه الآية قوله: ((وإنْ لم تَغْفِرْ لنا وترحمنا
لنكونَنَّ))(٢) ((وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)(٣)، وتقدَّم أنَّ هذا النوع من
جواب القسم يَجِبُ أن يُتْلَّقَّى باللامِ وإحدى النونين عند البصريين،
إِلَّ مَا قَدَّمْت لك استثناءَه)). قال الزمخشري(٤): ((فإنْ قلت: فهلاً قيل:
لَيَمسُّهُم عذاب. قلت في إقامة الظاهرُ مقامَ المضمرِ فائدةٌ، وهي تكرِيرُ
الشهادة عليهم بالكفر».
وقوله: ((منهم)) في محلّ نصبٍ على الحال. قال أبو البقاء (٥): ((إِمَّا من
الذين، وإمَّا من ضميرِ الفاعل في ((كفروا)). قلت: لم يتغير الحكمُ في المعنى،
لأنَّ الضميزَ الفاعلِ هو نفسُ الموصول، وإنما الخلاف لفظي. وقال
الزمخشري(٦): ((مِنْ)) في قوله: ((ليمسَّنَّ الذين كفروا منهم)) للبيانِ كالتي في
قوله: ((فاجتنبوا الرجسَ من الأوثان))(٧) قلت: فعلى هذا يتعلقُ ((منهم))
بمحذوفٍ، فإنْ قلت هو على جَعْلِه حالاً متعلقٌ أيضاً بمحذوفٌ. قلت:
الفرقُ بينهما أنَّ جَعْلَه حالاًّ يتعلَّقُ بمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الحالُ في
(١) الآية ٦٠ من الأحزاب.
(٢) الآية ٢٣ من الأعراف.
(٣) الآية ١٢١ من الأنعام.
(٤) الكشاف ١/ ٦٣٤.
(٥) الإملاء ٢٢٣/١.
(٦) الكشاف ٦٣٤/١.
(٧) الآية ٣٠ من الحج.
٣٧٦

- المائدة -
الحقيقة، وعلى هذا الوجهِ يتعلَّقُ بفعلٍ مفسِّرٍ للموصولِ الأولِ، كأنه قيل:
أعني منهم، ولا محلَّ لـ ((أعني)) لأنها جملةٌ تفسيرية. وقال الشيخ(١): ((ومِنْ))
في ((منهم)) للتبعيض أي: كائناً منهم، والربطُ حاصلٌ بالضمير، فكأنه قيل:
كافرُهم، وليسوا كلَّهم بَقُوا على الكفر)» انتهى. يعني: هذا تقديرُ لكونِها
تبعيضيةً وهو معنى كونها في محلّ نصبٍ على الحال.
آ. (٧٤) وقوله تعالى: ﴿أفلا يتوبون﴾: تقدَّم نظيره مراراً وأنَّ فيه
رأيين: رأيُ الجمهورِ تقديمُ حرفِ العطف على الهمزة تقديراً، ورأيُ
أبي القاسم بقاؤه على حالِه وحَذْفُ جملةٍ معطوفٍ هذا عليها، والتقديرُ:
أيثبتون على كفرِهم فلا يَتُوبون، والاستفهامُ فيه قولان / أظهرُهما: أنه [٢٦٨/ب]
للتعجيب من حالهم: كيف لا يتوبون ويستغفرون من هذه المقالةِ الشنعاء؟
والثاني: أنه بمعنى الأمر وهو رأي ابن زياد الفراء، كأنه قال: تُوبوا واستغفروا
من هاتين المقالتين، كقوله: ((فهل أنتم منتهون))(٢). وكلامُ ابنٍ عطية(٣) يُفْهِم
أنه للتحضيض، قال: ((رَفَقَ جلَّ وعلا بهم بتحضيضِه إياهم على التوبة
وطلبِ المغفرة)) يعني بذلك من حيث المعنى، وإلَّ فَفَهْمُ التحضيضِ من هذا
اللفظ غيرُ مُسَلَّمٍ، وكيف يُعْقَلُ أنَّ حرف العطف فَصَل بين الهمزة ولا المفهمةِ
للتحضيضِ؟ فإنْ قلت: هذا إنما يُشْكِلُ على قولِنا: إنَّ ((ألا)) التحضيضيةَ
بسيطةٌ غيرُ مركبةٍ، فلا يُدَّعى فيها الفصلُ بحرفِ العطف، أما إذا قلنا إنها
همزةُ الاستفهامِ دَخَلَتْ على ((لا)) النافيةِ وصارَ معناهما التحضيضَ فلا يَضُرُّ
الفصلُ بحرف العطف، لأنه عُهِد في ((لا)) النافيةِ الداخلِ عليها همزةُ
الاستفهام. فالجواب: أنه لا يجوزُ مطلقاً؛ لأنَّ ذلك المعنى قد انسلخَ وحَدَثَ
(١) البحر ٥٣٦/٣.
(٢) الآية ٩١ من المائدة.
(٣) المحرر ١٦٢/٥.
٣٧٧

- المائدة -ـ
معنىَّ آخرُ وهو التحضِيضُ، فلا يلزم من الجوازِ في الأصلِ الجوازُ بعد
حدوثٍ معنی جدیدٍ.
آ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿ما المسيحُ ابنُ مريم إلا رسولٌ﴾: كقوله:
((وما محمد إلا رسول))(١). و((قد خَلَتْ)) صفةٌ له كما في الآيةِ الأخرى. وتقدَّم
معنى الحصرِ. وقوله: ((وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ)) ابتداءٌ وخبرٌ، ولا محلَّ لهذه الجملةِ من
الإِعراب. و((صِدِّيقَةُ)) تأنيثُ ((صِدِّيق)) وهو بناء مبالغة كـ ((فَعّال)) و((فَعُول))
إلا أنه لا يعمل عملَ أمثلةِ المبالغة، فلا يقال: ((زيدٌ شِرِّيبُ العسلَ)) كما يقال:
((شَرَّابُ العسلَ)) وإن كان القياس إعمالَه، وهل هو مِنْ ((صَدَق)) الثلاثي أو من
(صَدَّق)) مضعفاً؟ القياسُ يقتضي الأولَ، لأنَّ أمثلةَ المبالغةِ تَطَّرِدُ من الثلاثي
دونَ الرباعي، فإنه لم يَجيء منه إلا القليلُ. وقال الزمخشري(٢): ((انه من
التصديق)) وكذا ابنُ عطية (٣)، إلا أنَّهَ جَعَله محتملاً، وهذا واضحٌ لقوله:
(وصَدَّقَتْ بكلماتٍ ربها)) فقد صَرَّح بالفعلِ المسند إليها مضعفاً.
وقوله: ((كانا يأكلانِ الطّعامَ)) لا محلَّ له لأنه استئنافٌ وبيان لكونهما
كسائرِ البشرِ في احتياجِهما إلى ما يَحْتاج إليه كلِّ جسمٍ مُولَدٍ، والإِلهُ الحقُّ
منزَّةٌ عن ذلك. وقال بعضهم: ((هو كناية عن احتياجهما إلى التغَوُّطِ))
ولا حاجة إليه. قوله: ((كيف)) منصوب بقوله: ((نُبَيِّن)) بعده، وتقدم ما فيه في
قوله: ((كيف تكفرون)) (٤) وغيرِه، ولا يجوز أن يكونَ معمولاً لِما قبله لأن له
صدرَ الكلام، وهذه الجملة الاستفهامية في محلِّ نصب لأنها معلقةٌ للفعل
قبلها. وقوله: ((ثم انظر أنَّى يُؤْفَكون)) كالجملةِ قبلَها، و((أنَّى)) بمعنى كيف،
و ((يُؤْفكون)) ناصبٌ لـ (أنَّى)) ويُؤْفكون: بمعنى يُصْرَفُون.
(١) الآية ١٤٤ من آل عمران.
(٢) الكشاف ١ /٦٣٥.
(٣) المحرر ١٦٢/٥.
(٤) الآية ٢٨ من البقرة.
٣٧٨

- المائدة -
آ. (٧٦) قوله تعالى: ﴿ما لا يَمْلِكُ﴾: يجوز أن تكونَ ((ما)) بمعنى
الذي، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ فلا محلَّ لها، أو صفةٌ
فمحلُّها النصبُ، وفي وقوعٍ ((ما)) على العاقلِ هنا لأنه أُريد به عيسى وأمُّه
وجوهً، أحدها: أنه أُتِي بـ ((ما) مراداً بها العاقلُ لأنها مبهمةٌ تقعُ على كل
شيء، كذا قالَه سيبويه(١)، أو أُريد به النوعُ كقوله: ((فانكحوا ما طاب لكم من
النساء))(٢) أي: النوعَ الطيب، أو أُريد به العاقلُ مع غيره لأنَّ أكثرَ ما عُبِد مِنْ
دونَ [اللَّهِ] غيرُ عاقلٍ كالأصنامِ والأوثانِ والكواكبِ والشجرِ، أو شبهُهُ على
أولِ أحوالِه، لأنه في أولِ حالِه لا يُوصَفُ بعقلٍ فكيف يُتَّخذ إلهاً معبوداً؟
وفي تكريرِ الأمرِ بقوله: ((انظُرْ)) ((ثم انظر)) دلالةٌ على الاهتمام بالنظر، وأيضاً [٢٦٩/أ]
فقد اختلف متعلَّقُ النظرين، فإنَّ الأولَ أمرٌ بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى
لهم الآياتِ وبيانِها بحيث إنه لا شكَّ فيها ولا ريبَ، والأمرُ الثاني بالنظر في
كونِهم صُرِفوا عن تدبُرها والإِيمان بها، أو بكونِهِم قُلِبوا عمَّا أُريد بهم. قال
الزمخشري(٣): ((فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله: ((ثم انظرْ»؟ قلت:
معناه ما بينَ التعجبين، يعني أنه بيَّن لهم الآياتِ بياناً عجباً، وأنَّ إعراضهم
عنها أعجبُ منه)) انتهى. يعني أنه من بابِ التراخي في الرُّتَبِ لا في الأزمنةِ،
ونحوُه: ((ثم الذين كفروا بربهم يَعْدِلون»(٤) وسيأتي.
قوله: ((واللهُ هو السميعُ العليم)) ((هو)»: يجوزُ أن يكونَ مبتدأ ثانياً،
و «السميعُ)) خبرُه، و((العليمُ)) خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ، والجملة خبرُ الأول، ويجوزُ
أَنْ يكونَ فصلاً، وقد عُرِف ما فيه، ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً. وهذه الجملةُ
الظاهرُ فيها أنها لا محلّ لها من الإِعراب، ويحتمل أن تكونَ في محلِّ نصبٍ
(١) الكتاب ٣٠٩/٢.
(٢) الآية ٣ من النساء.
(٣) الكشاف ٦٣٥/١.
(٤) الآية ١ من الأنعام.
٣٧٩

- المائدة ـ
على الحالِ من فاعلِ (تَعْبُدُون)) أي: أتعبدون غيرُ الله والحالُ أن الله
هو المستحقُّ للعبادة لأنه يَسْمع كل شيء ويعلمه، وإليه ينحو كلامُ
الزمخشري(١) فإنه قال: ((والله هو السميع العليم)) متعلق بـ (أتعبدون)) أي:
أتشركون بالله ولا تَخْشَوْنِه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون؟
أتعبدون العاجزَ وِاللَّهُ هو السميع العليم؟)) انتهى. والرابطُ بين
الحالِ وصاحبها الواوُ، ومجيءُ هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية
المناسبة، فإِنَّ السميع يسمع ما يُشْكَى إليه من الضَّرِّ وطلب النفع ويعلم
مواقعهما کیف یکونان؟
آ. (٧٧) قوله تعالى: ﴿غيرَ الحق﴾: فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه
نعت لمصدر محذوف أي: لا تَغْلُوا في دينكم غُلُوَّاً غيرَ الحق أي: غلوّاً
باطلاً، ولم يذكر الزمخشري(٢) غيره. الثاني: أنه منصوبٌ على الحال من
ضمير الفاعل في ((تَغْلُوا)) أي: لا تَغْلُوا مجاوزينَ الحق، ذكره أبو البقاء(٣).
الثالث: أنه حالٌ من ((دينكم)) أي: لا تغلوا فيه وهو باطل، بل اغُلُوا فِيه
وهو حَقٌّ، ويؤيد هذا ما قاله الزمخشري (٤) فإنه قال: ((لأنَّ الغلوّ في الدين
غُلُوَّان: حقٌّ وهو أَنْ يُفْحص عن حقائِقْه ويفتَّشَ عن أباعدِ معانيه ويُجْتَهَدَ في
تحصيله حُجَجَه، وغلوٌ باطل: وهو أن يَتَجاوز الحقَّ ويتخطاه بالإِعراض عن
الأدلة)). الرابع: أنه منصوبٌ على الاستثناء المتصل. الخامس: على
الاستثناءِ المنقطع. ذكرَ هذين الوجهين الشيخُ(٥) عن غيره، واستبعدهما فإنه
قال: ((وأبعدَ مَنْ ذهب إلى أنها استثناءٌ متصل، ومَنْ ذهب إلى أنها استثناءً
(١) الكشاف ١/ ٦٣٥.
(٢) الكشاف ٦٣٥/١.
(٣) الإملاء ٢٢٣/١.
(٤) الكشاف ٦٣٥/١.
(٥) البحر ٥٣٩/٣
٣٨٠