النص المفهرس

صفحات 321-340

- المائدة -
فِسْقَ أكثركم. الرابع: أنه منصوبٌ على المعية، وتكونُ الواوُ بمعنى ((مع))
تقديرُه: وما تَنْقِمون منا إلا الإِيمانَ مع أن أكثرَكم فاسقون. ذَكَر جميعَ هذه
الأوجه أبو القاسم الزمخشري(١). الخامس: أنه منصوبُ عطفاً على ((أنْ آمنًّا))
و ((أن آمنًا» مفعولٌ من أجله فهو منصوب، فَعَطَّفَ هذا عليه، والأصلُ: ((هل
تُنْقِمون إلا لأجْلِ إيماننا، ولأجلِ أنَّ أكثرَكم فاسقون»، فلمَّا حُذِف حرفُ الجرمن
(أن آمنًا)) بقي منصوباً على أحدٍ الوجهين المشهورين، إلا أنه يقال هنا:
النصبُ ممتنعٌ من حيث إنه فُقِد شرطُ من المفعول له، وهو اتحاد الفاعلِ ،
والفاعلُ هنا مختلفُ، فإنّ فاعل الانتقام غير فاعل الإِيمان، فينبغي أن يُقَدَّر هنا محلّ
((أن آمنًّا)) جراً ليس إلا ، بعد حذفِ حرفِ الجر، ولا يَجْري فيه الخلاف المشهورُ بين
الخليل وسيبويه في محلِّ ((أَنْ))(٢) إذا حُذِف منها حرفُ الجر، لعدمِ اتحاد
الفاعل. وأُجيب عن ذلك بأنَّا وإن اشترطنا اتحادَ الفاعلِ فإِنَّا نجوِّزُ اعتقادَ
النصبِ في ((أَنْ)) و((أَنَّ)) إذا وقعا مفعولاً من أجله بعد حَذْفِ حرفِ الجر
لا لكونهما مفعولاً من أجله، بل من حيث اختصاصُهما من حيث هما بجواز
حذف حرف الجر لطولهما بالصلةٍ، وفي هذه المسألةِ بخصوصِها خلافٌ
مذكور في بابِه، ويدلُّ على ذلك ما نقلَه الواحدي عن صاحبٍ ((النظم))، فإن
صاحب (النظم)) ذَكَر عن الزجاج(٣) معنىٍّ، وهو: هل تكرهون إلا إيماننا
وفسقَكم، أي: إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنَّا على حقِّ لأنكم فسقتم بأنْ
أقمتم على دينكم، وهذا معنى قولِ الحسن، فعلى هذا يجب أن يكونَ
موضعُ ((أَنَّ)) في قوله: ((وأنَّ أكثرَكم)) نصباً بإضمار اللام على تأويل ((ولأنَّ
أكثرَكم)) والواوُ زائدةٌ، فقد صَرَّح صاحبُ (النظم)) بما ذكرته. الوجه السادس:
أنه في محلِّ نصبٍ على أنه مفعول من أجله لتنقِمون، والواوُ زائدةٌ كما تقدَّم
(١) الكشاف ٦٢٤/١.
(٢) يرى الخليل أن محلها الجر، ويرى سيبويه أن محلها النصب، انظر: الكتاب ١٧/١.
(٣) معاني القرآن ٢٠٥/٢.
٣٢١

- المائدة -
تقريرُه. وهذا الوجه الخامس (١) يحتاج إلى تقرير ليُفْهَم معناه، قال الشيخ(٢)
بعد ذِكْرٍ ما نَقَلْتُه من الأوجه المتقدمةِ عن الزمخشري: ((ويظهرُ وجهٌ ثامن
[٢٥٥/أ] / ولعله يكون الأرجحَ، وذلك أن ((نَقَم)) أصلُه أن يتعدَّى بـ ((على)) تقول:
(نَقَمت عليه))، ثم تبني منه افْتَعَل إذذاك بـ ((من))، ويُضَمِّن معنى الإِصابة
بالمكروه، قال تعالى: ((ومَنْ عادَ فينتقمُ الله منه))(٣)، ومناسَبَةُ التضمين فيها أنَّ
مَنْ عاب على شخصٍ فِعْلَه فهو كارهً له، ومصيبُه عليه بالمكروه، فجاءت هنا
فَعَل بمعنى افْتَعَلِ كَقَدَرَ واقتدر، ولذلك عُدِّيت بـ ((مِنْ)) دون ((على)) التي
أصلُها أن تتعدَّى بها، فصار المعنى: وما تنالون منا وما تصيبوننا بما نَكْرَهُ إلا
أن آمنا، أي: إلَّ لِإِنْ آمنًّا، فيكون ((أن آمنًّا)) مفعولاً من أجله، ويكون ((وأنَّ
أكثركم فاسقون)» معطوفاً على هذه العلة، وهذا - والله أعلم - سببُ تعديته
بـ ((مِنْ)) دون ((على)). انتهى ما قاله، ولم يُصَرِّعْ بكونِهِ حينئذ في محلُّ نصبٍ
أو جر، إلّ أنَّ ظاهرَ حالِه أن يُعْتَقَد كونُه في محلِّ جرِّ، فإنه إنما ذُكِر في أوجه
الجر.
وأمَّا الجرُّ فمن ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه عطفٌ على المؤمَنِ به، قال
الزمخشري (٤): ((أي: وما تَنْقِمون منا إلا الإِيمان بالله وبما أُنْزِل، وبأن أكثركم
فاسقون)) وهذا معنى واضح، قال ابن عطية (٥): ((وهذا مستقيمُ المعنى، لأنَّ
إيمانَ المؤمنين بأنَّ أَهلّ الكتابِ المستمرين على الكفر بمحمدٍ صلى الله عليه
وسلم فَسَقة هو مما ينقمونه)). الثاني: أنه مجرورٌ عطفاً على علةٍ محذوفةٍ
(١) عاد إلى مناقشة الوجه الخامس لأنه ذكر الوجه السادس على هامش المخطوطة، أي إنه
استدركه بعد فراغه من ذكر الأوجه.
(٢) البحر ٥١٧/٣.
(٣) الآية ٩٥ من المائدة.
(٤) الكشاف ٦٢٤/١.
(٥) المحرر ١٤٠/٥.
۔۔
٣٢٢

- المائدة -
تقديرها: ما تْقِمون منا إلا الإِيمان لقلة إنصافِكم وفسقِكم وإتباعِكم
شهواتِكم، ويدلُّ عليه تفسيرُ الحسن البصري ((بفسقِكم نَقَمتم علينا»، ويُروى
((الفسقهم نَقَموا علينا الإِيمان)). الثالث: أنه في محلٌّ جرِّ عطفاً على محل ((أَنْ
آمنًّا)) إذا جعلناه مفعولاً من أجله، واعتقَدْنا أنَّ ((أنَّ) في محل جر بعد حذف
الحرف، وقد تقدَّم ما في ذلك في الوجه الخامس، فقد تحصّل في قوله
تعالى: ((وأن أكثركم فاسقون)) أحدَ عشرَ وجهاً، وجهان في حالة الرفع بالنسبة
إلى تقدير الخبر: هل يُقَدَّرُ مُقدَّماً وجوباً أو جوازاً، وقد تقدَّم ما فيه، وستةٌ
أوجه في النصب، وثلاثةٌ في الجر. وأمَّا قراءةُ ابن ميسرة فوجهها أنها على
الاستئنافِ، أخبر أنَّ أكثرَهم فاسقون، ويجوز أن تكون منصوبة المحلِّ لعطفِها
على معمول القول، أمَرَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقولَ لهم: هل تنقِمون
إلى آخره، وأن يقول لهم: إنَّ أكثركم فاسقون، وهي قراءة جَلِيَّةٌ واضحة.
آ. (٦٠) قوله تعالى: ﴿قل هل أَنْبِّئْكم﴾: المخاطب في ((أنبِّكُم))
فيه قولان، أحدهما - وهو الذي لا يَعْرِف أكثرُ / أهلِ التفسير غيرَه: أنه يُراد [٢٥٥/ب]
به أهلُ الكتاب الذين تقدَّم ذكرُهم. والثاني: أنه للمؤمنين، قال ابن عطية (١):
((ومَشَى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أُمَر أَنْ يقول لهم: ((هل
أنبِّئكم)) هم اليهودُ والكفار المتُّخذون دينّنا هزواً ولعباً، قال ذلك الطبري(٢)،
ولم يُسْنِد في ذلك إلى متقدِّمٍ شيئاً، والآية تحتمل أن يكونَ القولُ
للمؤمنين)). انتهى، فعلى كونِه ضميرَ المؤمنين واضحٌ، وتكونُ أَفْعَلُ التفضيل
- أعني ((بشرّ)) - على بابها، إذ يصير التقدير: قل هل أنبِّئكم يا مؤمنون بشرِّ من
حال هؤلاء الفاسقين؟ أولئك أسلافُهم الذين لعنهم الله، وتكون الإِشارةُ
بـ ((ذلك)) إلى حالِهم، كذا قَدَّره ابنُ عطية(٣)، وإنما قَدَّر مضافاً، وهو حال
(١) المحرر ١٤٠/٥.
(٢) تفسير الطبري ٤٣٥/١٠.
(٣) المحرر ١٤٠/٥.
٣٢٣

- المائدة :ـ
ليصِحَّ المعنى، فإن ((ذلك)) إشارةٌ للواحدِ، ولو جاءَ مِنْ غيرِ حَذْفِ مضافٍ
لقيل: بشرٌّ من أولئكم بالجمع. وقال الزمخشري(١): ((ذلك)) إشارةٌ إلى
المنقومِ ، ولا بد من حذفِ مضافٍ قبلَه أو قبل ((من)) تقديرُه: بشرٍّ من أهل
ذلك، أو دينٍ مَنْ لَعَنَه [الله])) انتهى. ويجوزُ أَلَّ يقدَّرَ مضافٌ محذوفٌ لا قبلُ
ولا بعدُ، وذلك على لغةٍ مَنْ يُشير للمفردِ وللمثنى والمجموع تذكيراً وتأنيثاً
بإشارةِ الواحدِ المذكر، ويكون ((ذلك)) إشارةً إلى الأشخاصِ المتقدِّمين الذين
هم أهلُ الكتابِ، كأنه قيل: بشرِّ من أولئك، يعني أن السلف الذي لهم شَرٌّ من
الخَلَفِ، وعلى هذا يجيء قولُه ((مَنْ لَعَنَه)) مفسِّراً لنفس ((ذلك))، وإنْ كان ضمیرَ
أهلِ الكتاب وهو قولُ عامةِ المفسرين فُيُشْكِل ويحتاج إلى جواب.
ووجهُ الإِشكالِ أنه يصيرُ التقديرُ: ((هل أنّبِّئْكم يا أهلَ الكتاب بشرٌ من
ذلك، و((ذلك)) يُراد به المنقومُ وهو الإِيمان، وقد عُلِم أنه لا شرَّ في دينِ
الإِسلامِ البتةَ، وقد أجابَ الناسُ عنه، فقال الزمخشري(٢) عبارةً قَرَّر بها
الإِشكالَ المتقدمَ، وأجابَ عنه بعد أَنْ قال: ((فإنْ قلت: المثوبةُ مختصةٌ
بالإِحسانِ فكيف وَقَعَتْ في الإِساءةِ؟ قلت: وُضِعَتْ موضعَ عقوبةٍ
فهو كقوله(٣) :
تحيةُ بِينِهِم ضَرْبٌ وَجیعُ
١٧٤٩_
ومنه ((فبشِّرهم بعذاب أليم))(٤)، وتلك العبارةُ التي ذكرتُها لك هي أن
قال: ((فإنْ قلت: المعاقَبُ من الفريقين هم اليهودُ، فلِمَ شُورك بينهم في
العقوبة؟ قلت: كان اليهودُ ـ لُعِنوا - يزعمون أن المسلمين ضالُّون مستوجبون
(١) الكشاف ٦٢٥/١.
(٢) الكشاف ١ / ٦٢٥.
(٣) تقدم برقم ٦٦٥.
(٤) الآية ٢١ من آل عمران.
٣٢٤

- المائدة -
للعقوبة، فقيل لهم: مَنْ لعنه الله شرِّ عقوبةً في الحقيقة واليقينِ من أهل
الإِسلام في زعمكم ودعواكم)) وفي عبارته بعضُ علاقة وهي قوله:
((فلِمَ شُورك بينهم)) أي: بين اليهود وبين المؤمنين، وقوله: ((من الفريقين))
يعني بهما أهلَ الكتاب المخاطبين بـ((أنَّئْكم))، ومَنْ لعنه الله وَغَضِب عليه،
وقوله ((في العقوبة)) أي: التي وَقَعَت المثوبةُ / موقعَها، ففسَّرها بالأصل، وفَسَّر [٢٥٦/أ]
غيرُه المثوبةَ هنا بالرجوعِ إلى الله تعالى يومَ القيامة، ويترتّب على التفسيرين
فائدةٌ ستظهرُ لك قريباً.
و((مثوبةً)) نصبٌ على التمييز، ومميِّزُها ((شَرِّ))، وقد تقدم في البقرة (١)
الكلامُ على اشتقاقِها ووزنِها فَلْيلتفت إليه. وقوله: ((عند الله)) فيه وجهان،
أحدُهما: أنه متعلقٌ بنفسِ ((مَثُوبة)) إنْ قُلْنا إنها بمعنى الرجوع، لأنك تقول:
((رَجَعْتُ عنده))، والعندية هنا مجازية. والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة
لـ ((مثوبة))، وهو في محلِّ نصبٍ إِنْ قلنا: إنها اسمٌ محض، وليست بمعنى
الرجوع بل بمعنى عقوبة .
وقرأ الجمهور: (أُنَبِّئكم)) بتشديد الباء من (نَبَّ)). وقرأ(٢) إبراهيم النخعي
ويحيى بن وثاب: ((أُنْبِئُكم)) بتخفيفها من ((أنبأ))، وهما لغتان فصيحتان.
والجمهور أيضاً على ((مَثُوبة)) بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ(٣) الأعرج
وابن بريدة(٤) ونبيح وابن عمران(٥): ((مَثْوَبة)) بسكون الثاء وفتح الواو،
(١) الآية ١٠٣.
(٢) القرطبي ٢٣٥/٦؛ البحر ٥١٨/٣.
(٣) الشواذ ٣٣؛ المحتسب ٢١٣/١؛ البحر ٥١٨/٣.
(٤) عبد الله بن بريدة الأسلمي، تابعي ثقة، توفي سنة ١١٥. انظر: تهذيب
التهذيب ١٥٧/٥.
(٥) في الأصل: ((ونبيح بن عمران)) بسقوط الواو وهو سهو، وابن عمران هو الحسن بن عمران
وتقدَّمت ترجمته.
٣٢٥

- المائدة -
وجعلها ابن جني (١) في الشذوذ كقولهم ((فاكهة مَقْوَدَةٌ للأذى)). بسكون القاف
وفتح الواو، يعني أنه كان من حقها أن تُنْقَلَ حركةُ الواو إلى الساكن قبلها،
وتُقْلَبَ الواوُ ألفاً، فيقال: مثابة ومَقادة كما يقال: ((مَقام)) والأصل: ((مَقْوَم).
قوله تعالى: ((مَنْ لعنه)) في محل [ ((مَنْ)) ] أربعة أوجه، أحدها: أنه في
محل رفع على خبر مبتدأ مضمر تقديره: هو مَنْ لعنه الله، وقَدَّر مكي(٢) قبله
مضافاً محذوفاً، قال: ((تقديرُه: لَعْنُ مَنْ لعنه الله)) ثم قال: وقيل: ((مَنْ)) في
موضعِ خفضٍ على البدلِ مِنْ ((بشرِّ) بدلِ الشيء من الشيء وهو هو، وكان
ينبغي له أن يقدِّرَ في هذا الوجه مضافاً محذوفاً كما قَدَّره في حالة الرفع، لأنه
إنْ جَعل ((شراً)) مراداً به معنىًّ لزمه التقدير في الموضعين، وإن جعله مراداً
به الأشخاصُ لَزِمه: ألَّ يُقَدِّر في الموضعين . الثاني: أنه في محل
جر كما تقدَّم بيانُه عن مكي. الثالث: أنه في محلِّ نصبٍ على البدل من
محل ((بشر)). الرابع: أنه في محلِّ نصبٍ على أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّر يدل
عليه (أُنَبِّئكم)) تقديره: أُعَرِّفكم مَنْ لعنه الله، ذكره أبو البقاء(٣)، و((مَنْ))
يُحْتَمل أن تكونَ موصولة: وهو الظاهرُ، ونكرةً موصوفة .. فعلى الأول لا محلّ
للجملة التي بعدها، وعلى الثاني لها محلّ بحسب ما يُحْكَمُ على ((مَنْ)) بأحد
الأوجه السابقة، وقد حَمَل على لفظِها أولاً في قوله ((لعنه)) و((عليه)) ثم على
معناها في قوله: ((منهم القردة))، ثم على لفظها في قوله: ((وعَبدَ الطاغوت))
/ ثم على لفظِها في قوله: ((أولئك))، فَجَمَع في الحمل عليها أربع مرات.
[٢٥٦/ب]
و(جَعَل)) هنا بمعنى ((صَيِّ)) فيكون ((منهم)) في محل نصب مفعولاً ثانياً،
قُدِّم على الأول فيتعلقُ بمحذوف أي: صَيَّر القردة والخنازير كائنين منهم،
(١) المحتسب ٢١٣/١.
(٢) المشكل ٢٣٦/١.
(٣) الإملاء ٢٢٠/١.
٣٢٦

- المائدة -
وجعلَها الفارسي(١) في كتاب ((الحجة)) له بمعنى خلق. قال ابن عطية(٢):
((وهذه منه - رحمه الله - نزعةٌ اعتزالية لأن قوله: ((وعبد الطاغوت)) تقديره:
ومَنْ عبد الطاغوت))، والمعتزلة لا ترى أن الله تعالى يصيِّر أحداً عابدً
طاغوت)). انتهى. والذي يُفَرُّ منه في التصيير هو بعينه موجودٌ في الخلق،
وللبحث فيه موضع غير هذا تعرضت له في التفسير الكبير. وجَعَلَ الشيخ(٣)
قولَه تعالى ((مَنْ لعنه الله)) إلى آخره مِنْ وَضْعِ الظاهر موضعَ المضمرِ تنبيهاً
على الوصف الذي به حصل كونهم شراً مئويةً، كأنه قيل: قل هل أنبئكم بشرِّ
من ذلك عند الله مثوبةً؟ أنتم، أي: هم أنتم، ويَدُلُّ على هذا المعنى قوله
بعد: ((وإذا جاؤوكم قالوا آمنًّا)»، فيكون الضميرُ واحداً، وجَعَلَ هذا هو الذي
تقتضيه فصاحةُ الكلام. وقرأ(٤) أُبَيّ بن كعب وعبدالله بن مسعود: ((مَنْ
غَضِب الله عليهم وجعلَهم قردةً)، وهي واضحةٌ.
قوله: ((وَغَبَدَ الطاغوت)) في هذه الآية أربعٌ وعشرون قراءةٌ(٥)، اثنتان في
السبع، وهما ((وعَبَد الطاغوتَ)) على أن ((عَبَد)) فعلٌ ماضٍ مبني للفاعل، وفيه
ضميرٌ يعودُ على ((مَنْ)) كما تقدم، وهي قراءة جمهور السبعة غيرَ حمزة.
والثانية: ((وعَبُدَ الطاغوتِ)) بضم الباء وفتح الدال وخفض الطاغوت، وهي قراءةُ
حمزة - رحمه الله - والأعمش ويحيى بن وثاب. وتوجيهُها كما قال
الفارسي(٦) وهو أن ((عَبُدا)) واحدٌ يُراد به الكثرةُ مثلَ قوله تعالى: ((وإنْ تَعُدُّوا
(١) الحجة (خ) ٣٩٧/٢.
(٢) المحرر ١٤١/٥.
(٣) البحر ٥١٨/٣.
(٤) البحر ٥١٨/٣.
(٥) انظر: السبعة ٢٤٦؛ الكشف ٤١٤/١؛ الشواذ ٣٣؛ القرطبي ٢٣٥/٦؛ البحر
٥١٩/٣.
(٦) الحجة (خ) ٣٩٧/٢.
٣٢٧

- المائدة-
نعمةَ الله لا تُحْصُوها))(١) وليس بجمع ((عبد)) لأنه ليس في أبنيةِ الجمعِ مثلُه.
قال: ((وقد جاء على فَعُل لأنه بناء يُراد به الكثرةُ والمبالغةُ في نحو يَقُظ
ونَدُس(٢)، كأنه قد ذهب في عبادة الطاغوت كلَّ مذهب، وبهذا المعنى أجاب
الزمخشري (٣) أيضاً، قال - رحمه الله تعالى -: ((معناه الغُلُّوُّ في العبودية :
كقولهم: ((رجل حَذُر وفَطُن)) للبليغ في الحذر والفطنة، وأنشدَ لَطَرَفة (٤):
١٧٥٠ - أبني لُبَيْنَى إِنَّ أَمَّكُمُ
أَمَةٌ، وإِنَّ أَبَاكُمُ عَبْدُ
وقد سَبَقهما إلى هذا التوجيهِ أبو إسحاق، وأبو بكر بن الأنباري، قال
أبو بكر: ((وضُمَّتِ البَاءُ للمبالغةِ كقولِهِم للفَطِنِ: ((فَطُن)) وللحَذِر: ((حَذُّر))،
يَضُمُّون العین للمبالغة، قال أوس بن حجر:
- أبني لُبَيْنَى إِنَّ أُمَّكُمُ
أَمَةٌ، وإِنَّ أباكُمُ عَبْدُ
فضمُّ الباء، قلت: كذا نَسَب البيتَ لابن حجر، وقد قَدَّمْتُ أنه لطرفة،
ومِمَّنْ نَسَبه لطرفةَ الشيخُ شهاب الدين أبو شامة. وقال أبو إسحاق(٥): ((ووجْهُ
قراءةٍ حمزةَ أنَّ الاسمَ بُنِي على فَعُل كما تقول: (رجلٌ حَذُر)) وتأويلُه أنه مبالغٌ
[٢٥٧/أ] في الحذر / فتأويلُ ((عَبُد)) أَنَّه بَلَغ الغايةَ في طاعة الشيطانِ، وكأنَّ هذا اللفظَ
:
لفظٌ واحدٌ يَدُلُّ على الجمعِ كما تقول للقوم ((عَبُد العَصا)» تريدُ عبيد العصا،
(١) الآية ٣٤ من إبراهيم.
(٢) الندس: الفَهِم الكَيِّس.
(٣) الكشاف ٦٢٥/١.
(٤) البيت لأوس بن حجر وليس لطرفة، وهو في ديوانه ٢١؛ واللسان: ((عبد)) منسوباً لأوس
أيضاً.
(٥) معاني القرآن ٢٠٦/٢؛ وأبو إسحق هو الزجاج.
٣٢٨

- المائدة -
فأخذ أبو عليّ هذا وبَسَطِه بما ذَكَرْتُه عنه، ثم قال(١) ((وجاز هذا البناءُ في عَبْد
لأنه في الأصلِ صفةٌ، وإن كان قد استُعْمِل استعمالَ الأسماءِ، لا يُزيل ذلك
عنه حكمَ الوصفِ كالأبطح (٢) والأبرق استُعْمِلا استعمالَ الأسماءِ حتى جُمِعا
جَمْعَها في قولهم: أبارق وأباطح كأجادِل جمع الْأَجْدَل(٣)، ثم لم يُزِلْ ذلك
عنهما حكمَ الصفة، يَدُلَّك على ذلك مَنْعُهم له الصرفَ كأحمر، وإذا لم يَخْرج
العبدُ عن الصفةِ لم يمتنعْ أَنْ يُبنى بناءَ الصفات على فَعُل نحو: ((يَقُظ»، وإنما
أَشْبَعْتُ العبارةَ هنا لأن بعض الناس طَعَن على هذه القراءة ونسب قارئها إلى
الوهم كالفراء (٤) والزجاج(٥) وأبي عبيد ونصير الرازي(٦) النحوي صاحب
الكسائي. قال الفراء: ((إنما يجوز ذلك في ضرورةِ الشعر - يعني ضمَّ باء
(عَبُد)) - فأمَّا في القراءة فلا)) وقال أيضاً: ((إنْ تكن لغةً مثلَ حَذُر وعَجُل جاز
ذلك، وهو وجهٌ، وإلّ فلا تجوزُ في القراءة)). وقال الزجاج: «هذه القراءةُ ليست
بالوجهِ لأنَّ عَبُدا على فَعُل، وهذا ليس من أمثلةِ الجمعِ)). وقال أبو عبيد:
((إنما معنى العُبُد عندهم الأعبُد، يريدون خدَمَ الطاغوتِ، ولم نجد هذا يَصِحُ
عن أحد من فصحاء العرب أن العَبْد يقال فيه عَبُد وإنما هو عَبْد وأَعْبُد)). وقال
نصير الرازي(٦): ((هذا وَهْمٌ مِمَّن قرأ به فليتقِ الله مَنْ قرأ به، وليسألْ عنه العلماء
حتى يوقفَ على أنه غير جائز)). قلت: قد سألوا عن ذلك العلماءَ ووجدوه
صحيحاً في المعنى بحمد الله تعالى، وإذا تواتر الشيء قرآناً فلا التفات إلى
مُنْكِرِه لأنه خَفِيَ عنه ما وَضَح لغيرِهِ.
(١) الحجة (خ) ٣٩٨/٢.
(٢) الأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى.
(٣) الأجدل: الصقر.
(٤) معاني القرآن له ٣١٥/١.
(٥) معاني القرآن له ٢٠٦/٢.
(٦) نصير بن يوسف الرازي، أخذ عن الكسائي وروى عنه داود بن سليمان. توفي
سنة ٢٤٠. انظر: طبقات القراء ٣٤٠/٢.
٣٢٩

- المائدة -
وأمَّا القراءاتُ الشاذةُ فقرأْ أُبَيْ: ((وعَبَدُوا)) بواوِ الجمع مراعاةً لمعنى
((مَنْ)) وهي واضحةٌ. وقرأ الحسن البصري في رواية عَبَّاد(١): ((وعَبْدَ الطاغوتَ))
بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من ((الطاغوت)) وخَرَّجها
ابن عطية(٢) على وجهين أحدهما: أنه أراد: ((وعَبْداً الطاغوت)) فحذف
التنوينَ من ((عبداً) لالتقاء الساكنين كقوله(٣):
ولا ذاكرَ اللّهَ إلا قليلا
١٧٥١-
والثاني: أنه أراد ((وعبّد)) بفتح الباء على أنه فعلٌ ماضٍ كقراءة الجماعة
إلا أنه سَكَّن العينَ على نحوٍ ما سَكَّنها في قول الآخر (٤):
[٢٥٧/ب] ١٧٥٢ - وما كلُّ مغبونٍ ولو سَلْفَ صَفْقُهُ
بسكون اللام، ومثله قراءةُ أبي السمال: ((ولُعْنوا بما قالوا))(٥) بسكون
العين، قلت: ليس ذلك مثلَ ((لُعْنوا)) لأنَّ تخفيف الكسر مقيس بخلاف
الفتح، ومثلُ ((سَلْفَ)) قولُ الآخر(٦):
قد خُلْطَ بجُلْجُلانْ
١٧٥٣ - إنما شِعْريَ مِلْحٌ
(١) عباد بن ميسرة البصري، روى عن الحسن وابن المنكدر وعنه الغساني. انظر: تهذيب
التهذيب ١٠٧/٥.
(٢) المحرر ١٤٣/٥.
(٣) تقدم برقم ١٥٠٤.
(٤) البيت للأخطل، وهو في ديوانه ١٨؛ والمحرر ١٤٣/٥؛ وأدب الكاتب ٤٣٢؛
واللسان: سلف، وعجزه:
براجعٍ ما قد فاتَّه برِدادٍ
وسلف: تقدم، وصفقه: مصدر صفق البائع إذا ضرب بيده على يد صاحبه عند كمال
البيع، ورداد: ردَّ البيع .
(٥) الآية ٦٤ من المائدة؛ وانظر: الشواذ ٣٤.
(٦) تقدم برقم ١٢٧.
٣٣٠

:
- المائدة -
من حيث إنه خَفَّف الفتحة. وقال الشيخ(١) - بعد أن حكى التخريج
الأول عن ابن عطية -: ((وهذا التخريجُ لا يَصِحُّ لأنَّ عَبْداً لا يمكن أن ينصبَ
الطاغوت، إذ ليس بمصدرٍ ولا اسمٍ فاعل، فالتخريجُ الصحيح أن يكونَ
تخفيفاً من ((عَبْدَ)) كـ ((سَلْف)) في ((سَلَف)). قلت: لوذكر التخريجين عن
ابنِ عطية، ثم استشكلَ الأولَ لكان إنصافاً لئلا يُتَوَهَّم أن التخريجَ الثاني له(٢).
ويمكن أن يقال: إنَّ ((عَبْد)) لِما في لفظه من معنى التذلل والخضوعِ دَلَّ
على ناصبٍ للطاغوت حُذِفَ، فكأنه قيل: مَنْ يعبد هذا العبدَ؟ فقيل: يعبد
الطاغوتَ، وإذا تقرّر أنَّ ((عَبْدَ)) حُذِفَ تنوينُه فهو منصوبٌ عطفاً على القردة،
أي: وجعلَ منهم عَبْداً للطاغوت.
وقرأ الحسن أيضاً في روايةٍ أخرى كهذه القراءة، إلا أنه جَرَّ ((الطاغوت))
وهي واضحةٌ فإنه مفرد يُراد به الجنسُ أُضيف إلى ما بعده. وقرأ الأعمش
والنخعي وأبو جعفر: ((وعُبِد)) مبنياً للمفعول، ((الطاغوتُ)) رفعاً. وقرأ عبد الله
كذلك إلا أنَّه زادَ في الفعلَ تاء التأنيث، وقرأ: ((وعُبِدَتِ الطاغوتُ)) والطاغوت
يذكر ويؤنث، قال تعالى: ((والذين اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبُدوها))(٣)، وقد
تقدَّم في البقرة(٤). قال ابن عطية(٥): ((وضَعَّفَ الطبري(٦) هذه القراءةَ، وهي
متجهةٌ))، يعني قراءةً البناءِ للمفعول، ولم يبيِّنْ وجهَ الضعفِ ولا توجية القراءة،
ووجهُ الضعفِ أنه تخلو الجملة المعطوفة على الصلةٍ من رابطٍ يربطُها
(١) البحر ٥١٩/٣.
(٢) ولو أنصف المؤلف أيضاً لأقرُ أن تخريج معظم القراءات التي خرَّجها في كتابه مقتبس من
أبي حيان ولم يفعل ذلك غالباً.
(٣) الآية ١٧ من الزمر.
(٤) الآية ٢٥٦.
(٥) المحرر ١٤٥/٥.
(٦) تفسير الطبري ٤٤٠/١٠.
٣٣١

- المائدة :-
بالموصولِ ، إذ ليس في ((عُبِد الطاغوتُ)) ضميرٌ يعودُ على ((مَنْ لعنه الله))،
لو قلت: ((أكرمت الذين أهنتُهم وضُرِب زيدٌ)) على أن يكون ((وضُرِب)) عطفاً
على ((أكرمت)) لم يَجُزْ، فكذلك هذا. وأمَّا توجيهُها فهو كما قال أبو القاسم
الزمخشري(١): ((إنَّ العائدَ محذوفٌ تقديرُه: ((وعُبِد الطاغوتُ فيهم أوبينهم)).
وقرأ ابن مسعود في رواية عبد الغفار(٢) عن علقمة عنه: ((وعَبُدَ الطاغوتُ)) بفتح
العين وضمِّ الباء وفتحِ الدالِ ورفعِ الطاغوت، وفيها تخريجان، أحدُهما:
- ما ذكره ابن عطية(٣) - وهو أن يصيرَ له أَنْ عُبِد كالخُلُقِ والأمرِ المعتاد
المعروف، فهو في معنىٍ فَقُه وشَرُف وظَرُف، قلت: يريد بكونه في معناه أي :
صار له الفقهُ والظرفُ خُلُقاً معتاداً معروفاً، وإلاّ فمعناه مغايرٌ لمعاني هذه
الأفعالِ. والثاني : - ما ذكرَهِ الزمخشري (٤) - وهو أَنْ صارَ معبوداً من دونِ الله
كـ ((أمُر)) أي: صار أميراً، وهو قريبٌ من الأولِ وإنْ كان بينهما فرقٌ لطيفٌ.
وقرأ ابن عباس في رواية عكرمة عنه ومجاهد / ويحيى بن وثاب:
((وعُبُدَ الطاغوتِ)) بضم العين والباء وفتح الدال وجر (الطاغوت)) وفيها أقوال،
أحدها : - وهو قول الأخفش - أنَّ عُبُداً جمع عبيد، وعبيد جمعُ عَبْد
فهو جمعُ الجمعِ ، وأنشد(٥):
[١/٢٥٨]
١٧٥٤ - انسُبِ العبدَ إلى آبائِهِ
أسودَ الجِلْدَةِ من قومٍ عُبُدْ
(١) الكشاف ١ /٦٢٦.
(٢) عبدالغفار بن عبدالله، روى عن عباس بن الفضل، وعنه إبراهيم بن علي، ولم تذكر
وفاته. انظر: الطبقات ٣٩٧/١.
(٣) المحرر ١٤٥/٥.
(٤) الكشاف ٦٢٦/١.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان ((عبد)» وشواهد الكشاف ٣٧١/٤؛ والمحرر ١٤٥/٥
وليس في ((معاني القرآن)) للأخفش إشارة إلى ما ينقل عنه.
٣٣٢

- المائدة -
وتابعه الزمخشري(١) على ذلك، يعني أنَّ عبيداً جمعاً بمنزلة رغيف
مفرداً فيُجْمع جمعَه كما يُقال: رغيف ورُغُف. الثاني - وهو قولُ ثعلب -
أنه جمعُ عابد كشارف وشُرُف، وأنشد(٢):
١٧٥٥- ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النَّواءِ
فهنَّ مُعَقَّلاتٌ بالفِناءِ
والثالث: أنه جَمْعُ عَبْد كسَقْف وسُقُف وَرَهْن وَرُهُن. والرابع: أنه جمع
عِباد، وعباد جمعُ ((عَبْد))، فيكونُ أيضاً جمعَ الجمعِ مثل ((ثمار)» هو جمع
(ثَمْرة)) ثم يُجْمع على ((ثُمُر))، وهذا لأنَّ عباداً وثماراً جمعين بمنزلة كتاب
مفرداً، وكتاب يجمع على كُتُب فكذلك ما وازَنَه.
، وقرأ الأعمش: ((وعُبَّدَ) بضمِّ العينِ وتشديدِ الباءِ مفتوحةً وفتحِ الدال،
((الطاغوت)» بالجرِّ، وهي جمع عابِد كضُرَّب في جمع ضارِب وخُلَّص في
جمع خالِص. وقرأ ابنُ مسعود أيضاً في رواية علقمة: ((وعُبَدَ الطاغوت)) بضمِّ
العين وفتحِ الباء والدالٍ، و((الطاغوتِ)) جَرًّا، وتوجيهُها أنه بناءُ مبالغةٍ كخُطَم
ولُبَد (٣)، وهو اسمُ جنسٍ مفردٍ يُراد به الجمعُ، والقولُ فيه كالقول في قراءةِ
حمزة وقد تقدَّمَتْ.
وقرأ ابن مسعود في رواية علقمةً أيضاً: ((وعُبَّدَ الطاغوتَ)) بضمِّ العين
وبشد الباء مفتوحة وفتح الدال ونصب ((الطاغوت))، وخَرَّجها ابن عطية(٤) على
(١) الكشاف ٦٢٦/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في التاج ((شرف)) والمحرر ١٤٥/٥. والشرف: جمع شارف وهي
الناقة المسنَّة .
(٣) لبد: كثير.
(٤) المحرر ١٤٥/٥.
٣٣٣

- المائدة -
أنها جمعُ عابد كضُرَّب في جمع ضارب، وحَذَف التنوين من ((عبدا)) لالتقاء
الساكنين كقوله(١):
ولا ذاكرَ اللّهَ إلا قليلا
١٧٥٦_
قال: ((وقد تقدَّم نظيرُه))، يعني قراءةَ: ((وعَبْدَ الطاغوتَ)) بفتح العين
والدال وسكون الباءِ ونصبِ التاء، وكان ذَكَر لها تخريجين، أحدُهما هذا،
والآخرُ لا يمكنُ وهو تسكينُ عينِ الماضي. وقرأ(٢) بريدة الأسلمي فيما نقلَه
عنه ابنُ جرير (٣): ((وعابد الشيطانِ)) بنصبِ ((عابد)) وجَرِّ ((الشيطان)) بدلَ
--
الطاغوت وهو تفسيرٌ لا قراءةٌ. وقرأ أبو واقد الأعرابي: ((وعُبَّد)) بضمِّ العِينِ
وتشديدِ الباءِ بعدها ألف ونصبِ الدال، والطاغوتِ بالجر، وهي جمعُ عابد
کضُرَّاب في ضارب.
وقرأ بعضُ البصريين: ((وعِبادَ الطاغوتِ)) بكسر العين، وبعد الباء المخففة
ألف، ونصب الدال وجَرِّ((الطاغوت))، وفيها قولان: أحدهما: أنه جمع عايِد
كقائِم وقيام، وصائِم وصِيام. والثاني: أنها جمعُ عَبْد، وأنشد سيبويه (٤):
١٧٥٧ - أتوعِدُني بقومِك يابنَ حَجْلٍ
أُشاباتٍ يُخالُون العِبادَا
قال ابن عطية(٥): ((وقد يجوزُ أن يكونَ جمعَ ((عَبْد))، وقلما يأتي
(١) تقدم برقم ١٥٠٤.
(٢) قد يكون ابن بريدة وقد تقدمت ترجمته، أو يكون بريدة بن الحصيب الصحابي، مات
بالبصرة ٦٣، روى عنه عبدالله بن أوس. انظر: تهذيب التهذيب ٤٣٢/١.
(٣) تفسير الطبري ٤٤١/١٠.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكتاب ١٥٣/١؛ والمحتسب ٢١٥/١؛ وأمالي الشجري
٦٦/١. والأشابات: الاخلاط.
(٥) المحرر ١٤٤/٥.
٣٣٤

- المائدة -
((عِباد)) / مضافاً إلى غيرِ الله تعالى، وأَنْشَد سيبويه: ((أتُوْعِدُني)) البيت قال [٢٥٨/ب]
أبو الفتح (١): يريد عبادَ آدم عليه السلام، ولو أراد عباد الله فليس ذلك بشيء
يُسَبُّ به أحدٌ، فالخَلْقُ كلُّهم عبادُ الله)) قال ابن عطية(٢): ((وهذا التعليقُ بآدم
شاذٌّ بعيدٌ والاعتراضُ باقٍ، وليس هذا مِمَّ تخيَّل الشاعرُ قصدَه، وإنما أرادَ
العبيد فساقَتْه القافيةُ إلى العباد، إذ قد يُقال لِمَنْ يملكه مِلْكاً ما، وقد ذكر أن
عربَ الحيرة سُمُّوا عِباداً لدخولهم في طاعةِ كِسْرى فدانّتْهم مملكتُه)) قلت: قد
اشْتَهَرَ في ألسنةِ الناس أن ((عَبْدا)) المضافَ إلى الله تعالى يُجْمَعُ على ((عِباد)»
وإلى غيره على ((عبيد))، وهذا هو الغالبُ، وعليه بنى أبو محمد(٣).
وقرأ عون العقيلي (٤) في روايةِ العَبَّاس بن الفضل عنه: ((وعابِدُ
الطاغوتِ)) بضمِّ الدالِ وجَرِّ الطاغوت كضاربِ زيدٍ. قال أبو عمرو: تقديرُه:
(وهم عابدُ الطاغوت)). قال ابن عطية(٥): ((فهو اسمُ جنسٍ)) قلت: يعني أنه
أرادَ بـ ((عابِد)» جماعةً، قلت: وهذه القراءةُ يجوز أن يكونَ أصلُها: ((وعابدو
الطاغوت)) جَمْعَ عابد جمعَ سلامةٍ، فلمَّا لَقِيتِ الواوُ لامَ التعريف حُذِفَتْ
لالتقاء الساكنين، فصار اللفظُ بدالٍ مضمومةٍ، ويؤيِّد فَهْمَ هذا أنَّ أبا عمرو
قَدَّر المبتدأَ جَمْعاً فقال: ((تقديرُه: هم عابدو))، اللهم إلا أَنْ ينقلُوا عن
العقيلي أنه نَصَّ على قراءتِه أنها بالإِفراد، أو سمعوه يقف على ((عابد))، أورَأَوْا
مصحفَه بدالٍ دونَ واوٍ، وحينئذ تكونُ قراءتُه كقراءةٍ ابن عباس: ((وعابدو))
:
(١) المحتسب ٢١٦/١.
(٢) المحرر ١٤٤/٥.
(٣) أي ابن عطية .
(٤) عون العقيلي أخذ عن نصر بن عاصم وروى عنه المعلى بن عيسى وله اختيار في القرآن،
ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات ابن الجزري ٦٠٦/١.
(٥) المحرر ١٤٣/٥.
٣٣٥

- المائدة -
بالواوٍ، وعلى الجملة فقراءتُهما متجدةٌ لفظاً، وإنَّما يَظْهَرُ الفرقُ بينهما على
ما قالُوه في الوقفِ أو الخطِّ ..
وقرأ ابنُ عباس في روايةٍ أخرى لعكرمة: ((وعابِدُو)) بالجمعِ ، وقد تقدَّم
ذلك. وقرأ ابن بُرَيْدة: ((وعابد)) بنصبِ الدالِ كضاربٍ زيدٍ، وهو أيضاً مفردٌ
يُراد به الجنسُ. وقرأ ابن عباس وابن أبي عبلة: ((وعَبَد الطاغوتِ)) بفتحٍ
العينِ والباءِ والدال وجَزِّ الطاغوت، وتخريجُها أنَّ الأصلَ: ((وعبدةَ الطاغوت))
وفاعِل يُجْمَعُ على فَعَلَة كفاجِر وفَجَرة، وكافِرٍ وكَفَرة، فحُذِفَتْ تاءُ التأنيثِ
للإِضافة كقوله(١):
١٧٥٨ - قام وُلاها فَسَقَوْه صَرْخَدا
أي: ولاتُها، وكقوله(٢):
١٧٥٩-
وأَخْلَفُوكَ عِدَ الأمرِ الذِي وَعَدُوا
أي: عدةَ الأمرِ، ومنه: ((وإقام الصلاة))(٣) أي: إقامةِ الصلاة، ويجوزُ
[٢٥٩/ أ] أَنْ يكونَ ((عَبَدَ)) اسمَ جُنْسٍ لعابد كخادِم وخَدَم / وحينئذ فلا حَذْفَ تاءِ تأنيثٍ
الإِضافة. وقُرِىء: ((وعَبَدَة الطاغوت)) بثبوتِ التاء وهي دالَّةٌ على حَذْفِ التاءِ
للإِضافة في القراءةِ قبلَها، وقد تقدَّم توجيهُها أنَّ فاعِلًا يُجْمَعُ على (فَعَلَة)) كبارٌ
وبَرَرة وفاجِر وفَجَرة.
وقرأ عبيد بن عمير: ((وأَعْبُد الطاغوت)) جمع عبد كفَلْس وأَفْلُسٍ وكَلْب
وأَكْلُب. وقرأ ابن عباس: ((وعبيد الطاغوت)) جمعَ عبدٍ أيضاً وهو نحو: كلب
وكليب)) قال(٤) :
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ٣١٤/١؛ والطبري ٤٤١/١٠.
وصرخد: بلد بالشام تنسب له الخمرة الجيدة.
(٢) تقدم برقم ١١٢٠.
(٣) الآية ٧٣ من الأنبياء.
(٤) تقدم برقم ١٠٥٦ .
٣٣٦

- المائدة -
١٧٦٠ - تَعَفَّق بالْأَرْطَى لها وأرادَها
رجالٌ فَبَذَّتْ نبلَهُمْ وَكَلِيبُ
وقُرىء أيضاً: ((وعابدي الطاغوت)). وقرأ عبدالله بن مسعود: ((ومَنْ
عَبَدوا)). فهذه أربعٌ وعشرون قراءةً، وكان ينبغي ألَّ يُعَدَّ فيها: ((وعابد
الشيطان)) لأنها تفسيرٌ لا قراءة. وقال ابن عطية (١): «وقد قال بعضُ الرواة في
هذه الآية: إنها تجويزٌ لا قراءةٌ)) يعني لَمَّا كَثُرت الرواياتُ في هذه الآيةِ ظنَّ
بعضُهم أنه قيل على سبيلِ الجواز لا أنها منقولةٌ عن أحدٍ، وهذا لا ينبغي أَنْ
يُقال ولا يُعْتقدَ فإنَّ أهلَها إنما رَوَوْها قراءةً تَلَوها على مَنْ أخذوا عنه، وهذا
بخلاف و((عابد الشيطان)) فإنَّه مخالفٌ للسواد الكريم.
وطريقُ ضبطِ القراءةِ في هذا الحرفِ بعدَما عُرِفَ القراء أن يقال: سبع
قراءات مع كونِ ((عَبَد)) فعلاً ماضياً وهي: وعَبَد وعَبَدُوا وَمَنْ عَبَدوا وُبِد
وُبِدَتِ وعَبُدَ وعَبْدَ في قولِنا: إنَّ الباء سَكَنَتْ تخفيفاً كسَلْفَ فِي سَلَف، وتسعُ
قراءاتٍ مع كونِهِ جمعَ تكسيرٍ وهي: وعُبُدَ وعُبَّد مع جَرِّ الطاغوت وعُبَّد مع
نصبه وعُبَّاد وعِباد وعَبَدَ على حَذْفِ التاءِ للإِضافةِ وعَبَدَة وَأَعْبُد وعبيد، وست
مع المفرد: وعَبُدَ وعُبَدَ وعابدَ الطاغوت وعابدُ الطاغوت بضم الدال وعابد
الشيطان وعَبْدَ الطاغوت، وثنتان مع كونه جمعَ سلامة: وعابدو بالواو وعابدي
بالياء. فعلى قراءةِ الفعل يجوز في الجملةِ وجهان، أحدهما: أن
تكونَ معطوفةً على الصلة قبلها والتقدير: مَنْ لعنه الله وعَبَد الطاغوت.
والثاني: أنه ليس داخلاً في حَيِّزْ الصلةِ، وإنما هو على تقديرٍ مَنْ أي: ومَنْ
عَبَد، ويدلُّ له قراءة عبدالله بإظهارِ ((مَنْ))، إلَّ أنَّ هذا - كما قال الواحدي -
يؤدِّي إلى حَذْفِ الموصولِ وإبقاءٍ صلتِهِ، وهو ممنوعٌ عند البصريين، جائزٌ عند
(١) المحرر ١٤٤/٥.
٣٣٧
.-.

- المائدة :-
الكوفيين، وسيأتي جميعُ ذلك في قوله تعالى: ((وقولوا آمنًّا بالذي أُنْزِل إلينا
وأُنْزِل إليكم))(١) أي: وبالذي أُنْزل. وعلى قراءةِ جمع التكسير فيكون منصوباً
عطفاً على القردة والخنازير أي: جَعَلَ منهم القردةَ وعِباد وعُبَّد وعبيد، وعلى
قراءةِ الإِفراد كذلك أيضاً، ويجوز النصبُ فيها أيضاً من وجهٍ آخرَ وهو العطفُ
على (مَنْ)) في ((مَنْ لَعَنْه الله) إذا قلنا بأنه منصوبٌ على ما تقدَّم تحريرُه قبلُ،
وهو مرادٌ به الجنس، وفي بعضِها قُرىء برفعه نحو: ((وعابدُ الطاغوت، وتقدَّم
أن أبا عمرو يُقَدِّر له مبتدأ أي: هم عابد، وتقدَّم ما في ذلك، وعندي
[٢٥٩/ب] أنه / يجوزُ أن يرتفعَ على أنه معطوفٌ على ((مَنْ)) في قولِه تعالى ((مَنْ لَّعَنَه الله))
ويَدُلُّ لذلك أنهم أجازوا في قراءةِ عبدِالله: ((وعابدُو)) بالواوِ هذين الوجهين
فهذا مثله. وأما قراءة جمع السلامة فَمَنْ قرأ بالياء فهو منصوبٌ عطفاً على
القردةِ، ويجوزُ فيه وجهان آخران، أحدُهما: أنه منصوبٌ عطفاً على ((مَنْ)) في
((مَنْ لعنه الله)) إذا قلنا إنَّ محلّها نصبٌ كما مَرَّ. والثاني: أنه مجرورٌ عطفاً على
(مَنْ لَعَنه الله)) أيضاً إذا قُلْنا بأنَّها في محلِّ جر بدلاً من ((بشرِّ) كما تقدَّم
إيضاحُه. وهذه أوجهُ واضحةً عَسِرة الاستنباطِ واللهُ أعلمُ. ومَنْ قَرَأ بالواو
فرفعُه: إمَّا على إضمارٍ مبتدأ أي: هم عابدُو الطاغوت، وإمَّا نسقٌ على ((مَنْ))
في قولِه تعالى: ((مَنْ لَعَنه الله)) كما تقدَّم.
قوله تعالى: ((أولئك شَرِّ) مبتدأ وخبر، و((مكاناً)) نصب على التمييز،
نَسَب الشَّر للمكان وهو لأهلِه، كنايةً عن نهايتهِم في ذلك، و ((شرّ)) هنا على
بابه من التفضيل، والمفضَّل عليه فيه احتمالان، أحدهما: أنهم المؤمنون،
فيقال: كيف يُقال ذلك والمؤمنون لا شَرّ عندهم البتة؟ فَأُجيب بجوابين،
أحدُهما : - ما ذكره النحاس - (٢) وهو أنَّ مكانَهم في الآخرة شَرِّ مِنْ مكانٍ
(١) الآية ٤٦ من العنكبوت.
(٢) إعراب القرآن ٥٠٧/١.
٣٣٨

:
- المائدة -
المؤمنين في الدنيا لِما يلحقُهم فيه من الشر)» يعني من الهمومِ الدنيوية
والحاجةِ والإِعسارِ وسماعِ الأذى والهَضْم من جانبهم، قال: ((وهذا أحسنُ
ما قيل فيه)) لعَمْري لقد صدق فطالما يَلْقَى المؤمن من الأذى ويذوقُ من
الحاجة كلَّ صابٍ وعَلْقم. والثاني من الجوابين: أنه على سبيل التنازل
والتسليم للخصم على زعمه إلزاماً له بالحجة، كأنه قيل: شَرٌّ من مكانهم في
زعمكم، فهو قريب من المقابلة في المعنى. والثاني من الاحتمالين أنَّ
المفضَّل عليه هم طائفة من الكفارِ، أي: أولئك الملعونون المغضوبُ عليهم
المجعولُ منهم القردةُ والخنازيرُ العابدون الطاغوتَ شرِّ مكاناً من غيرهم مِنَ
الكفرة الذين لم يَجْمعوا بين هذه الخصالِ الذميمةِ.
آ. (٦١) وقوله تعالى: ﴿وإذا جاؤوكم﴾: الضميرُ المرفوعُ لليهودِ
المعاصرين، فحينئذ لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ أي: وإذا جاءكم ذريتُهم
أو نَسْلُهم؛ لأنَّ أولئك المجعولَ منهم القردة والخنازير لم يَجيئوا، ويجوزُ
ألَّ يقدَّر مضافٌ محذوفٌ، وذلك على أن يكونَ قولُه ((مَنْ لَعَنه الله)) إلى آخره
عبارةٌ عن المخاطبين في قوله: ((يا أهلَ الكتاب))، وأنه مِمَّا وُضِع فيه الظاهرُ
موضعَ المضمر، وكأنه قيل: أنتم، كذا قاله الشيخ(١)، وفيه نظرُ فإنه لا بدَّ من
تقديرٍ مضافٍ في قولِه تعالى: ((وجَعَلَ منهم القردةَ) تقديرُه: وجَعَلَ من آبائِكم
أو أسلافِكم أو من جنسكم، لأن المعاصرين ليسوا مجعولاً منهم بأعيانهم،
فسواءً جَعَله مِمَّا ذَكَر أم لا، لابد من حذف مضاف.
قوله تعالى: ((وقد دَخَلوا بالكفرِ» هذه جملةٌ حاليةٌ / وفي العامل فيها [٢٦٠/أ]
وجهان أحدُهما : - وبه بدأ أبو البقاء ــ(٢) أنه ((قالوا)) أي: قالوا كذا في حالٍ
دخولهم كفرةً وخروجهم كفرةً وفيه نظرٌ، إذ المعنى يَأْباه. والثاني: أنه ((آمنًّا)»،
(١) البحر ٥٢٠/٣.
(٢) الإملاء ٢٢١/١.
٣٣٩

- المائدة -
وهذا واضحٌ أي: قالوا آمنًا في هذه الحال. و((قد)) في ((وقد دَخَلُوا)) ((وقد
خَرَجُوا)) لتقريب الماضي من الحال. وقال الزمخشري(١): ((ولمعنىّ آخِرَ
وهو أنَّ أماراتِ النفاقِ كانت لائحةً عليهم فكان الرسولُ عليه السلام متوقعاً
لإظهار الله تعالى ما كتموه، فدخَلَ حرفُ التوقعِ، وهو متعلُّقٌ بقولِه ((قالوا آمنًا))
أي: قالوا ذلك وهذه حالُهم)) يعني بقوله: ((وهو متعلُّقٌ)) أي: والحال، وقوةُ
كلامِه تُعْطي أنَّ صاحبُ الحالِ وعاملَها الجملةُ المَحْكِيَّة بالقول. و((بالكفر)»
متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من فاعلِ ((دَخَلوا)) فهي حال من حالٍ أي: دخلوا.
ملتبسين بالكفرِ أي: ومعَهم الكفرُ كقولهم: ((خرج زيدٌ بثيابه)) وقراءةٍ مَنْ قرأ:
(تَنْبُتُ بالدُّهْنِ))(٢) أي: وفيها الدهن، ومنه ما أنشدَ الأصمعي (٣):
١٧٦١ - ومُسْتَنَّةٍ كاسْتنانِ الخَرُو
فِ قد قَطَعَ الحَبْلَ بالمِرْوَدِ
أي: ومرودُه فيه، وكذلك ((به)) أيضاً حالٌ من فاعلِ ((خرجوا)).
وقوله: ((وهم)) مبتدأٌ، و((قد خَرَجُوا)) خبرُه، والجملةُ حالٌ أيضاً عطفُ
على الحالِ قبلَها، وإنما جاءتِ الأولى فعليةً والثانيةُ اسميةً تنبيهاً على فرط
تهالكِهم في الكفر، وذلك أنهم كان ينبغي لهم إذا دخلوا على الرسول عليه
السلام أَنْ يُؤمنوا، لِما يَرَوْن (٤) من حسنِ سَمْتِهِ وهَيْبَته وما يظهرُ علی یدیهِ
(١) الكشاف ٦٢٦/١.
(٢) الآية ٢٠ من المؤمنون، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء، والباقون بفتح التاء
وضم الباء انظر: السبعة ٤٤٥ .
(٣) البيت لرجل من بني الحرث، وهو في الكامل ٤٧٩؛ وسر الصناعة ١٥١/١؛ وابن
يعيش ٢٣/٨؛ واللبنان: خرف، ورصف المباني ١٤٥. والمستنة: الطعنة فارَدمُها،
واستنان الخروف: أي: إنّ دمها مر على وجه ولد الفرس، والمرود: حديدة في الأرض
يشد فيها الحبل.
(٤) الأصل: ((يرو)) ولا وجه لحذف النون.
٣٤٠