النص المفهرس

صفحات 301-320

- المائدة -
قوله: (فُيُصْبِحوا)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوب عطفاً على ((يأْتِيَ))
المنصوب بـ ((أَنْ))، والذي سَوَّغْ ذلك وجودُ الفاءِ السببية، ولولاها لم يجز
ذلك، لأن المعطوف على الخبر خبر، و((أن يأتي)) خبر عسى، وفيه راجعٌ عائدٌ
على اسمها، وقوله: ((فُيُصْبحوا)» ليس فيه ضميرٌ يعود على اسمها فكان من حقٌّ
المسألةِ الامتناعُ لكنَّ الفاءَ للسببية، فَجَعَلَتْ الجملتين كالجملة الواحدة وذلك
جارٍ في الصلة نحو: ((الذي يطير فيغضب زيدٌ الذبابُ))، والصفةِ نحو:
(مررت برجل يبكي فيضحكُ عمرو))، والخبرِ نحو: ((زيد يبكي فيضحك
خالد)»، ولو كانَ العاطفُ غيرَ الفاء لم يَجُز ذلك. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار
((أَنْ)) بعد الفاء في جواب التمني قالوا: ((لأنَّ عسى تمنَّ وترجّ في حق البشر)).
و ((على ما أسَرُّوا)) متعلق بـ ((نادمين))، و ((نادمين)) خبرُ ((أصبح)).
آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿ويقولُ﴾: قرأ(١) أبو عمرو والكوفيون بالواو
قبل ((يقول))، والباقون بإسقاطها، إلا أنَّ أبا عمرو نصب الفعل بعد الواو، وروى
عنه علي بن نصر(٢) الرفع كالكوفيين، فتحصَّل فيه ثلاثُ قراءات: ((يقول)) من
غير واو ((ويقول)) بالواو والنصب، ((ويقول)) بالواو والرفع. فأمَّا قراءةُ مَنْ قرأ
(يقول)) من غير واو فهي جملةٌ مستأنفة سِيقَتْ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه لمّا
تقدَّم قوله تعالى: ((فعسى الله أن يأتي بالفتح)) إلى قوله: ((نادمين))، سأل سائل
فقال: ماذا قال المؤمنون حينئذ؟ فأجيبَ بقوله تعالى: ((يقولُ الذين آمنوا)» إلى
آخره، وهو واضح، والواو ساقطةً في مصاحف مكة والمدينة والشام، والقارىء
بذلك هو صاحبُ هذه المصاحف، فإن القارئين بذلك ابنُ كثير المكي
وابن عامر الشامي ونافع المدني، فقراءتهُم موافقةٌ لمصاحفهم، وليس في هذا
(١) السبعة ٢٤٥؛ الكشف ٤١١/١، والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي.
(٢) علي بن نصر البصري روى عن أبي عمرو وهارون، وروى عنه ابنه نصر، توفي
سنة ١٨٩. انظر: طبقات القراء ٥٨٢/١.
٣٠١

- المائدة -
أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجلِ المصحفِ فقط، بل وافَقَتْ روايتُهم مصاحفَهم
على ما بَّنْهُ غيرَ مرة .
وأمَّا قراءة الواو والرفع فواضحة أيضاً لأنها جملة ابتدىء بالإِخبار بها،
فالواوُ استئنافيةٌ لمجرد عطف جملة على جملة، فالواو ثابتة في مصاحف
الكوفة والمشرق، والقارىءُ بذلك هو صاحبُ هذا المصحف، والكلام كما
تقدَّم أيضاً. وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فَضْلِ نظر، واختلف
الناسُ في ذلك على ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه منصوب عطفاً على ((فيصبحوا))
على أحد الوجهين المذكورين في نصبٍ ((فُيُصْبحوا)) وهو الوجه الثاني، أعني
كونَه منصوباً بإضمار ((أَنْ)) في جوابِ الترجِّي بعد الفاء إجراءً للترجّي مُجْرى
التمني، وفيه خلافٌ مشهور بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يمنعونَه
والكوفيون يُجيزونه مستدلّين على ذلك بقراءةِ نافع: ((لعله يزََّّى أو يَذَّكَّرُ
فتنفعَه))(١) بنصب ((تنفعه))، وبقراءة عاصم في رواية حفص: ((لعلي أبلغُ
الأسبابَ أسبابَ السمواتِ فَأَطَّلِعَ)) (٢) بنصب ((فأطَّلِعَ))، وسيأتي الجوابُ عن
الآيتين الكريمتين في موضعِه. وهذا الوجهُ - أعني عطفَ ((ويقول)) على
((فيصبحوا)) - قاله الفارسي (٣) وتبعه جماعةٌ، ونقله عنه أبو محمد بن عطية (٤)،
وذكرَه أبو عمرو بن الحاجب أيضاً، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعد ذكره
الوجه المتقدِّم: ((وهذا وجه جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ولم أَزَه
لغيرِهِ، وذكروا وجوهاً كلُّها بعيدةً متعسِّفة)) انتهى. قلت: وهذا - كما رأيتَ -
(١) الآية ٤ من عبس، والنصب قراءة عاصم وليس كما ذكر. وانظر: السبعة ٦٧٢؛ معاني
القرآن للفراء ٢٣٥/٣.
(٢) الآية ٣٦ - ٣٧ من غافر. انظر: السبعة ٥٧٠؛ معاني القرآن للفراء ٢٣٥/٣.
(٣) لم يذكر في الحجة - عند ذكره هذه القراءة - ما نُقِل عنه هنا، وإنما ذكر وجوهاً أخرى
انظرها في الحجة (خ) ٣٩٥/٢.
(٤) المحرر ١٣٣/٥ أشار إلى هذا التخريج ولم يعزُه إلى أبي علي.
٣٠٢

- المائدة -
منقولٌ مشهور عن أبي علي الفارسي، وأمَّا استجادتُه هذا الوجهَ فإنما يتمشى
على قول الكوفيين، وهو مرجوحٌ كما تقرر في علم النحو.
الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على المصدر قبلَه وهو الفتحُ كأنه قيل:
فعسى اللَّهُ أن يأتِيَ بالفتحِ وبأَنْ يقولَ، أي: وبقولِ الذين آمنوا، وهذا الوجهُ
ذكره أبو جعفر النحاس(١)، / ونظّروه بقول الشاعر(٢):
[٢٤٩/أ]
١٧٤٣ - لَلُبْسُ عباءةٍ وَتَقَرَّ عيني
أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّغوفِ
وقول الآخر(٣):
١٧٤٤ - لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثويتُه
تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأَمَ سِائِمُ
وهذا مردودٌ من ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه يؤدِّي ذلك إلى الفصل بين
أبعاضِ الصلةِ بأجنبي، وذلك أنَّ الفتحَ على قولِه مؤولٌ بـ((أَنْ)) والفعلِ
تقديرُهُ: أَنْ يأْتِيَ بأن يفتحَ وبأَنْ يقولَ، فيقعُ الفصلُ بقولِه: ((فُيُصبحوا))
وهو أجنبي لأنه معطوفُ على ((يأتي)». الثاني: أن هذا المصدرَ
- وهو الفتح ــ ليس يُراد به انحلالُه لحرفٍ مصدري وفعلٍ ، بل المرادُ به
مصدرٌ غيرُ مرادٍ به ذلك نحو: يعجبني ذكاؤك وعلمك. الثالث: أنه وإنْ سُلِّم
انحلالُه لحرف مصدري وفعل فلا يكون المعنى على: ((فعسى الله أن يأتيَ بأَنْ
يقولَ الذين آمنوا)) فإنه نابٍ عنه نُبُوّاً ظاهراً.
الثالث - من أوجه نصبٍ («ويقول)) -: أنه منصوبٌ عطفاً على قولِه:
(١) إعراب القرآن له ٥٠٣/١.
(٢) تقدم برقم ٧٠١ .
(٣) تقدم برقم ٨٤٤.
٣٠٣

- المائدة -
(يأتي)) أي: فعسى اللَّهُ أَنْ يأتيَ ويقولَ، وإلى ذلك ذهب الزمخشري(١)
ولم يَعْتَرض عليه بشيءٍ. وقد رُدَّ ذلك بأنه يلزمُ عطفُ ما لا يجوز أن يكون
خبراً على ما هو خبر، وذلك أنَّ قولَه: ((أن يأتيَ)) خبرُ عسى وهو صحيحٌ، لأنَّ
فيه رابطاً عائداً على اسم ((عسى)) وهو ضميرُ الباري تعالى، وقولُه: ((ويقول))
ليس فيه ضميرٌ يعودُ على اسم ((عسى)) فكيف يَصِحُّ جَعْلُه خبراً؟ وقد اعتذر
مَنْ أجازَ ذلك عنه بثلاثة أوجه، أَحدُها: أنه من باب العطفِ على المعنى؛
والمعنى: فَعَسى أَنْ يأتي الله بالفتح وبقولِ الذين آمنوا، فتكون ((عسى)) تامةٌ
الإِسنادها إلى ((أَنْ)) وما في حَيِّزها، فلا تحتاجُ حينئذ إلى رابط، وهذا قريبٌ من
قولهم ((العطف على التوهم)) نحو: ((فأصَّدَّقَ وأكنْ من الصالحين))(٢). الثاني:
أنّ ((أَنْ يأتي)) بدلٌ من اسمِ الله لا خبرٌ، وتكونُ ((عسى)) حينئذ تامةً، كأنه
قيل: فعسى أن يقولَ الذين آمنوا، وهذان الوجهانِ منقولان عن أبي عليّ
الفارسيّ (٣)؟ إلا أنَّ الثاني لا يَصِحُّ لأنهم نَصُّوا على أنَّ عسى واخلولق وأوشك
من بين سائر أخواتها يجوز أن تكونَ تامةً بشرطِ أن يكونَ مرفوعُها: ((أن
:[٢٤٩/ب] يفعل))، قالوا: ليوجَدَ في الصورةِ مسندٌ ومسندٌ إليه، كما قالوا / ذلك في
(ظن)) وأخواتِها: إنَّ ((أَنْ)) و((أَنَّ) تسدُّ مسدّ مفعوليها. والثالث: أن ثم ضميراً
محذوفاً هو مصحِّحٌ لوقوعٍ ((ويقول)) خبراً عن عسى، والتقدير: ويقولُ الذين
آمنوا به أي: بالله، ثم حُذِفَ للعلم به، ذكر ذلك أبو البقاء(٤)، وقال ابن عطية(٥)
بعد حكايته نصبَ ((ويقولَ)) عطفاً على ((يأتي)): ((وعندي في منع («عسى الله أن
يقول المؤمنون)» نظرٌ، إذ الله تعالى يُصَيِّرهم يقولون ذلك بنصرهِ وإظهارِ دينه)»
(١) الكشاف ٦٢٠/١.
(٢) الآية ١٠ من المنافقون، ويسمِّي بعض النحاة هذا بعطف التوهم، وذلك لأن جزم
((وأكن)) على تقدير سقوط الفاء من «أصدق)).
(٣) الحجة (خ) ٣٩٥/٢.
(٤) الإملاء ٢١٩/١.
(٥) المحرر ١٣٣/٥.
٣٠٤

- المائدة -
قلت: قولُ ابن عطية في ذلك يشبه قولَ أبي البقاء في كونِه قَدَّره ضميراً عائداً
على اسم ((عسى)) يَصِحُّ به الربط. وبعضُ الناسِ يُكْثِرُ هذه الأوجه ويوصلُها
إلى سبعة وأكثر، وذلك باعتبار تصحيحِ كلِّ وجهٍ من الأوجه الثلاثة التي
ذكرتها لك، ولكن لا يخرج حاصلُها عن ثلاثة، وهو النصبُ: إِمَّا عطفاً على
((أن يأتي))، وإما على ((فيصبحوا))، وإمَّا على ((بالفتح))، وقد تقدَّم لك تحقيقها.
قوله: ((جَهْدَ أيمانهم)) في انتصابِهِ وَجْهان، أظهرُهما: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ
ناصبُه ((أَقْسموا)) فهو من معناه، والمعنى: أَقْسَموا إقسامَ اجتهادٍ في اليمين.
والثاني - أجازَه أبو البقاء(١) وغيره - أنه منصوبٌ على الحالِ كقولهم: ((افعَلْ
ذلك جَهْدَك)) أي: مجتهداً، ولا يُبالَى بتعريفه لفظاً فإنه مؤولٌ بنكرة على
ما ذكرته لك، وللنحويين في هذه المسألة أبحاث، والمعنى هنا: أقسموا بالله
مجتهدین في أيمانهم.
قوله: ((إنهم لمعكم)) هذه الجملةُ لا محلَّ لها من الإِعراب فإنها تفسيرٌ
وحكاية لمعنى القسم لا لألفاظِهم، إذ لو كانَتْ حكايةً لألفاظهم لقيل: إنَّا
معكم، وفيه نظرٌ، إذ يجوزُ لك أن تقول: ((حَلَفَ زِيدٌ لأفعَلَنَّ)) أو ((ليفعلن))،
فكما جاز أن تقولَ: ((لَيَفْعَلنَّ) جاز أن يقال: ((إنهم لمعكم)) على الحكايةِ.
قوله: ((حَبِطَتْ أعمالُهم)) فيها أوجهٌ، أحدُها: أنها جملةٌ مستأنفة
والمقصودُ بها الإِخبارُ من الباري تعالى بذلك. الثاني: أنها دعاءً عليهم بذلك
وهو قولُ الله تعالى نحو: ((قُتِل الإِنسانُ ما أكفرَه)(٢). الثالث: أنها في محلٌ
نصبٍ لأنها من جملة قول المؤمنين، ويَحْتمل معنيين كالمعنيين في
الاستئناف، أعني كونَه إخباراً أو دعاءً. الرابع: أنها في محل رفعٍ على أنَّها
خبرُ المبتدأ وهو ((هؤلاء))، وعلى هذا فيحتمل قوله ((الذين أقسموا)) وجهين،
(١) الإملاء ٢١٩/١.
(٢) الآية ١٧ من عبس.
٣٠٥

- المائدة -
أحدُهما: أنه صفةٌ لاسمِ الإِشارة، والخبر: ((حَبِطَتْ أعمالُهم)). والثاني : أنَّ
[٢٥٠/أ] ((الذين)) خبرٌ أولُ، و((حَبِطت)) خبرٌ ثانٍ عند مَنْ يُجيز ذلك. وجَعَلّ
الزمخشري(١) (حَبِطَتْ: أعمالُهم)) مُفْهِمَةً للتعجب. قال: ((وفيه معنى التعجب
كأنه قيل: ما أحبط أعمالَهم ما أخسرَهم))، وأجاز مع كونِه تعجباً أن يكون من
قولِ المؤمنين، فيكونَ في محل نصب، وأن يكونَ من قولِ الباري تعالى،
لكنه أَوَّلَ التعجبَ في حق الله تعالى بأنه تعجيب، قال: ((أو مِنْ قول الله
عز وجل شهادةً لهم بحبوط الأعمال وتعجيباً من سوء حالهم)). وقرأ(٢) أبو واقد
والجراح: ((حَبَطت)) بفتح الباء، وهما لغتان، وقد تقدم ذلك(٣). وقوله تعالى:
((فأصبحوا)) وجهُ التسبُّبِ في هذه الفاءِ ظاهرٌ.
آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾: ((مَنْ)) شرطيةٌ فقط لظهور
أثرها (٤)، وقوله تعالى: ((فسوف)) جوابُها، وهي مبتدأة، وفي خبرها الخلاف
المشهور، ويظاهره يتمسَّك مَنْ لا يشترط عودَ ضميرٍ على اسم الشرط من
جملة الجواب، ومَنْ التزم ذلك قَدَّر ضميراً محذوفً تقديره: ((فسوف يأتي الله
بقوم غيرهم))، فـ ((هِم) في ((غيرهم)) يعودُ على ((مَنْ)) على معناها. وقرأ(٥)
ابن عامر ونافع: ((يَرْتَدِدْ)) بدالين. قال الزمخشري(٦): ((وهي في الإِمام
- يعني رسمَ المصحف - كذلك)) ولم يبيِّنْ ذلك، ونَقَل غيرُه أنَّ كلَّ قارىء
وافقَ مصحفَه، فإنها في مصاحف الشام والمدينة، ((يرتدد)» بدالين، وفي
الباقية: ((يرتدَّ))، وقد تُقدَّم أنَّ الإِدغام لغة تميم، والإِظهار لغةُ الحجاز، وأنَّ
(١) الكشاف ١ /٦٢٠.
(٢) الشواذ ٣٣؛ البحر ٥١٠/٣.
(٣) انظر: الآية ٢١٧ من البقرة.
(٤) وهو جزم الفعل بالسكون وحُرِّك بالفتح لالتقاء الساكنين.
(٥) السبعة ٢٤٥؛ الكشف ٤١٢/١.
(٦) ليس في الكشاف.
٣٠٦

- المائدة -
وجهَ الإِظهارِ سكونُ الثاني جزماً أو وقفاً، ولا يُدْغَمُ إلا في متحرك، وأنَّ وجهَ
الإِدغام تحريكُ هذا الساكن في بعض الأحوال نحو: رُدًّا، رُدُّوا، رُدِّي،
ولم يَرُدًّا، ولم يَرُدُّوا، واردُدِ القوم، ثم حُمِل ((لم يردَّ) و(رُدَّ) على ذلك، فكأن
التميميين اعتبروا هذه الحركة العارضة، والحجازيين لم يَعْتبروها، و((منكم)) في
محل نصبٍ على الحال من فاعل ((يرتد))، و((عن دينه)) متعلُّقُ بـ ((يرتدَّ)).
قوله تعالى: ((يُحِبُّهم)) في محلِّ جر لأنها صفة لـ ((قوم))، و ((يُحِبُّونه)) فيه
وجهان، أظهرُهما: أنه معطوفٌ على ما قبلَه، فيكون في محلِّ جرِّ أيضاً
فوصفَهم بصفتين: وصفَهم بكونِه تعالى يحبُّهم ويكونهم يحبونه. والثاني
أجازه أبو البقاء(١): أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير
المنصوب في ((يحبهم)) قال: ((تقديره: وهم يحبونه)). قلت: وإنما قَدَّر أبو البقاء
لفظة ((هم)) ليخرجَ بذلك من إشكال: وهو أن المضارعَ المثبتَ متى وقع حالاً
وجب تَجَرُّدُه من الواو نحو: ((قمت أضحك)) ولا يجوز: ((وأضحك))، وإنْ وَرَدَ
شيء أُوِّل بما ذكره أبو البقاء كقولهم: ((قمت وأصك عينه)) وقوله(٢):
نَجَوْتُ وأَرْمنُهُمْ مالِكا
١٧٤٥-
أي: وأنا أصك، وأنا أَرْهِنُهم، فَتُؤَوَّلُ الجملةُ إلى جملة اسمية فيصِحُ
اقترانها بالواو، ولكن لا ضرورةً في الآية الكريمة تَدْعُو إلى ذلك حتى يُرْتَكَب،
فهو / قولٌ مرجوح. وقُدِّمَتْ محبةُ الله تعالى على محبتهم لشرفها وسَبْقِها، [٢٥٠/ب]
إذ محبتُه تعالى لهم عبارةً عن إلهامِهم فعلَ الطاعةِ وإثابتِه إياهم عليها.
قوله: ((أذلَّةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين)) هاتان صفتان أيضاً
لقوم، واستدلَّ بعضُهم على جوازِ تقديمِ الصفة غير الصريحة على الصفة
(١) الإملاء ٢١٩/١.
(٢) تقدم برقم ٤١٩.
٣٠٧

- المائدة -
الصريحة بهذه الآيةِ، فإنَّ قوله: ((يُحِبُّهم)) صفةٌ وهي غير صريحة، لأنها جملة
مؤولة بمفرد، وقوله ((أذلة - أعزة)) صفتان صريحتان لأنهما مفردتان، وأمَّا غيره
من النحويين فيقول: متى اجتمعت صفة صريحة وأخرى مؤولة وجبَ تقديمُ
الصريحة إلا في ضرورة شعر كقولٍ امرىء القيس (١):
١٧٤٦ - وفَرْعِ يُغَنِّيِ المَثْنَ أسودَ فاحِمٍ
أثيثٍ كِقِنْوِ النَّخْلة المُتَعَشْكِلِ
فقدَّم قوله ((يُغَشِّي)) - وهو جملة - على ((أسود)) وما بعده وهن مفردات،
وعند هذا القائل أنه يُبدأ بالمفرد ثم بالظرف أو عديله ثم بالجملة، وعلى ذلك
جاء قوله تعالى: ((وقال رجلٌ مؤمنٌ من آلِ فرعونَ يكتمُ إيمانه))(٢)، وهذه الآية
حجةُ عليه، وكذا قوله تعالى: ((وهذا كتابٌ أَنْزلناه مبارك))(٣). قال الشيخ (٤):
((وفيها دليلٌ على بطلان مَنْ يعتقد وجوبَ تقديم الوصفِ بالاسم على الوصف
بالفعل إلا في ضرورة)» ثم ذكر الآيةَ الأخرى. قلت: وليس في هاتين الآيتين
الكريمتين ما يَرُدُّ قولَ هذا القائل. أما هذه الآية فيحتمل أن يكون قوله تعالى:
(يحبهم ويحبونه)) جملةَ اعتراض لأنَّ فيها تأكيداً وتسديداً للكلام، وجملةُ
الاعتراض تقعُ بين الصفةِ وموصوفِها كقوله تعالى: ((وإنَّه لَقَّسَمٌ - لو تعلون -
عظيم))(٥) فـ ((عظيم)) صفةٌ لـ ((قَسَم)، وقد فَصَل بينهما بقولُه: ((لو تعلمون))
فكذلك فَصَلَ هنا بين قوله ((يقوم)) وبين صفتهم وهي (أذلة - أعزة)) بقولِه
(يُحِبُّهم ويحبونه))، فعلى هذا لا يكون لها محلّ من الإِعراب. وأمَّا ((وهذا كتابٌ
(١) من معلقته، وهو في شرح القصائد العشر للتبريزي ١٠٦. والفرع: الشعر التام،
والأثيث: المتراكب، والمتعشكل: المتدلّي.
(٢) الآية ٢٨ من غافر.
(٣) الآية ٩٢ من الأنعام:
(٤) البحر ٥١٢/٣.
(٥) الآية ٧٦ من الواقعة.
٣٠٨

- المائدة -
أَنْزِلناه مبارك)) فلا نسلِّم أن ((مبارك)) صفةٌ، بل يجوزُ أن يكونَ خبراً بعد خبر،
ويجوز أن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: هو مبارك، ولو استدل على ذلك
بآيتين غير هاتين لكان أقوى، وهما قوله تعالى: ((ما يأتيهم من ذِكْرٍ من ربهم
مُحْدَثٍ))(١) (ما يأتيهم من ذِكْرٍ من الرحمن مُحْدَثٍ))(٢)، فقدَّم الوصفَ بالجارِّ
على الوصف بالصريح، ويحتمل أَنْ يُقال: لا نُسَلِّم أن ((مِنْ ربهم)) و ((مِنَ
الرحمن)» صفتان لجواز أَنْ يكونا حالين مُقَدَّمَيْن من الضميرِ المستترِ في
(مُحْدَثٍ)) أي: مُحْدَثٍ إنزالُه حالَ كونِه من ربهم.
وأَذِلَّة جمعُ ذليل بمعنى متعطف، ولا يراد به الذليل الذي هو ضعيف
خاضع مُهان، ولا يجوز أن يكون جمع ((ذَلُول)) لأنَّ / ذلولاً يجمع على ((ذُلُل)) [٢٥١/أ]
لا على «أَذِلة))، وإن كان كلام بعضهم يوهم ذلك. قال الزمخشري(٣): ((وَمْن
زعم أنه من الذَّل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غَبِي(٤) عنه أن ذَلُولا لا يُجمع
على أَذِلة)). وأَذِلّة وأَعِزة جمعان لذليل وعزيز وهما مثالا مبالغة، وعَدَّى ((أذلة))
بـ ((على)) وإن كان أصلُه أن يتعدى باللام لِما ضُمِّن من معنى الحُنُوِّ
والعطف، والمعنى: عاطفين على المؤمنين على وجهِ التذلَّلِ لهم والتواضعِ،
ويجوزُ أَنْ يكون المعنى: أنهم مع شرفهم وعلوِّ طبقتهم وفَضْلِهم على المؤمنين
خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قولُه تعالى: ((أَشِدَّاءُ على الكفار رُحَمَاءُ
بينهم))(٥) ذكر هذين الوجهين أبو القاسم الزمخشري(٦). قال الشيخ(٧):
((قيل: أو لأنه على حَذْفِ مضاف، التقدير: على فَضْلِهم على المؤمنين،
(١) الآية ٢ من الأنبياء.
(٢) الآية ٥ من الشعراء.
(٣) الكشاف ٦٢٣/١.
(٤) غبي : خفي .
(٥) الآية ٢٩ من الفتح.
(٦) الكشاف ٦٢٣/١.
(٧) البحر ٥١٢/٣.
٣٠٩

- المائدة -
والمعنى: أنهم يَذِلُّونَ وَيَخْضَعُون لِمَنْ فُضِلوا عليه مع شَرَفِهِم وعلوٌّ مكانتِهم))
وذَكَرِ آيَةً الفتح. قلت: وهذا هو قولُ الزمخشري بعينه، إلا أنَّ قولَه ((على
حَذْفِ مضاف)) يُوهم حذفَه وإقامةَ المضافِ إليه مُقامه، وهنا حَذَف ((على))
الأولى وحَذَفَ المضافَ والمضاف إليه معاً، ولا أدري ما حَمَله على ذلك؟
ووقع الوصفُ في جانبِ المحبة بالجملةِ الفعلية لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على
التجدُّدٍ والحدوثِ، وهو مناسبٌ فإنَّ محبَّتهم للّهِ تعالى تُجَدِّدُ طاعاتِهِ وعبادتَه
كلِّ وقتٍ، ومحبةُ اللّهِ إياهم تُجَدِّدُ ثوابَه وإنعامَه عليهم كل وقت. ووقعٍ
الوصفُ في جانبِ التواضعِ للمؤمنين والغِلْظةِ على الكافرين بالاسم الدالُ
على المبالغةِ دلالةٌ على ثبوتِ ذلك واستقرارِه وأنه عزيزٌ فيهم، والاسمُ يَدُلُّ
على الثبوتِ والاستقرارِ، وقَدَّم الوصفَ بالمحبة منهم ولهم على وصفِهم بأذلَّة
وأَعِزَّة لأنهما ناشِئتان عن المحبتين، وقَدَّم وصفَهم المتعلَّق بالمؤمنين على
وصْفِهم المتعلق بالكافرين لأنه آكدُ وألزمُ منه، ولشرفِ المؤمنِ أيضاً.
والجمهورُ على جَرِّ ((أَذِلَّة - أَعِزَّة)) على الوصفِ كما تقدم، قال
الزمخشري(١): ((وقُرىء ((أَذِلَّةً وأَعِزَّةُ)) بالنصبِ على الحال)» قلت: الذي قرأ
((أَذِلَّة)) هو عبد الله بن مسعود، إلا أنه قرأ بدل ((أعزة)): ((غُلَظاءَ على الكافرين))
وهو تفسيرٌ، وهي حالٌ من ((قوم))، وجاز ذلك وإن كان ((قوم)) نكرةٌ لقُرْبِه من
المعرفة إذ قد تخصَّص بالوصف.
قوله تعالى: ((يُجاهِدُون)) يحتمل ثلاثة أَوجه، أحدها: أن يكونَ صفةً
أخرى لـ ((قوم)) ولذلك جاء بغيرِ واو، كما جاءَتِ الصفتان قبلَه بغيرها. الثاني:
أنه في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير المستكن في ((أعزة)) أي: يَعُزُّون
مجاهدين، قالَه أبو البقاء(٢)، وعلى هذا فيجوزُ أن تكونَ حالاً من الضميرِ في
(١) الكشاف ٦٢٣/١ وهي قراءة ابن ميسرة كما في الشواذ ٣٣.
(٢) الإملاء ٢١٩/١.
٣١٠

- المائدة -
((أَذِلَّة)) أي: يتواضعون للمؤمنين حال كونهم مجاهدين، أي: لا يَمْنَعَهُم
الجهاد في سبيل الله من التواضع للمؤمنين، وحاليَّتُها من ضمير («أعزة)) أظهر
من حاليّتِها مِمَّا ذكرت، ولذلك لم يَسُغْ أن تُجْعَلَ المسألةُ من التنازع.
الثالث: أن يكونَ مستأنفاً سِيق للإِخبارِ بأنهم يجاهِدون في نصرة دين الله
تعالی .
قوله تعالى: ((ولا يَخافُون)) فيه أوجه، أحدها: أن يكون / معطوفاً على [٢٥١/ب]
((يُجاهِدُون)) فتجري فيه الأوجهُ السابقة فيما قبله. الثاني: أن تكونَ الواوُ
للحال، وصاحبُ الحالِ فاعلُ ((يجاهدون))، قال الزمخشري(١): ((أي:
يجاهِدُون وحالُهم في المجاهدةِ غيرُ حالِ المنافقين))، وتَبِعه الشيخ(٢) ولم يُنْكِرْ
عليه، وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم نصُوا على أن المضارع المنفي بـ ((لا)) أو ((ما)) كالمثبت
في أنه لا يجوز أن تباشِرَه واوُ الحال، وهذا كما ترى مضارعٌ منفي بـ ((لا)»
إلا أَنْ يُقال: إن ذلك الشرطَ غير مُجْمَعٍ عليه، لكنَّ العلةَ التي مَنَعوا لها
مباشرةَ الواوِ للمضارع المثبتِ موجودةٌ في المضارعِ المنفيَّ بـ ((لا)، و((ما)»
وهي: أنَّ المضارعَ المثبتَ بمنزلةِ الاسمِ الصريح، فإنك إذا قلت: ((جاء زيدٌ
يضحكُ)) [كان] في قوةِ ((ضاحكاً)، و((ضاحكاً)) لا يجوز دخولُ الواوِ عليه
فكذلك ما أشبهه وهو في قوته، وهذه موجودةٌ في المنفي، فإِنَّ قولك ((جاء زيدٌ
لا يضحكُ)) في قوةِ ((غيرَ ضاحك)) و((غيرَ ضاحك)) لا تدخلُ عليه الواوُ، إلاّ أن
هذا يُشْكِلُ بأنهم نَصُّوا على أن المنفي بـ «لم)) و ((لما)) يجوزُ فيه دخولُ الواو
مع أنه في قولك: ((قام زيد لم يضحكْ)) بمنزلةِ ((غيرَ ضاحك))، ومِنْ دخول
الواو قولُه تعالى: ((أم حَسِبْتُم أَنْ تدخُلوا الجنةَ ولَمَّا يأتِكم))(٣) ونحوه. الثالث:
أن تكون الواوُ للاستئنافٍ، فيكونَ ما بعدها جملةً مستأنفة مستقلة بالإخبار،
(١) الكشاف ٦٢٣/١.
(٢) البحر ٥١٣/٣.
(٣) الآية ٢١٤ من البقرة.
٣١١

- المائدة -
وبهذا يحصُّل الفرقُ بَيْنِ هذا الوجهِ وبين الوجهِ الذي جَوَّزْتُ فيه أن تكون
الواو عاطفةً مع اعتقادِنًا أنَّ ((يجاهدون)) مستأنفٌ وهو واضح .
واللَّوْمَةُ: المَرَّةُ من اللَّوْم، قال الزمخشري(١): ((وفيها وفي التنكير
مبالغتان كأنه قيل: لا يَخافون شيئاً قَطُّ من لومِ أحدٍ من اللُّوَام))، و((لومة))
مصدرٌ مضافٌ لفاعله في المعنى، فإن قيل: هل يجوزُ أن يكونَ مفعولُه
محذوفاً، أي: لا يخافون لومة لائمٍ إياهم؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز عند
الجمهور، لأنَّ المصدر المحدودَ بتاء التأنيث لا يعملُ، فلو كان مبنياً على التاء
عَمِلَ كقوله(٢):
١٧٤٧- فلولا رجاء النصر منك ورهبةٌ
عقابك قد كانوا لنا بالموارد
فأعمل ((رهبةٌ)) لأنه مبنيٌّ على التاء، ولا يجوز أن يعملَ المحدودُ بالتّاء
إلا في قليلٍ من كلامِهم كقوله(٣).
١٧٤٨ - يُحَايِي بِه الجَلْدُ الذي هو حازمٌ
بضربةٍ كَفَّيِهِ المَلا وَهِْو راكِبُ
يصفُ رجلاً سقى رجلاً ماءً فأحياه به وتيمَّم بالتراب، والمّلا: التراب،
فنصب ((الملا)) بـ ((ضربة)) وهو مصدرٌ محدودٌ بالتاء. وأصل لائم: لاوٍم، لأنه
[٢٥٢/أ] من اللَّوْم فأُعِلَّ كقائم. /.
و «ذلك)) في المشار إليه به ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه جميع ما تقدَّم من
الأوصافِ التي وُصِف بها القومُ من المحبةِ والذلةِ والعزةِ والمجاهدة في سبيلٍ
(١) الكشاف ٦٢٣/١.
(٢) تقدم برقم ٩٨٢.
(٣) تقدم برقم ٩٨٣.
٣١٢

:
- المائدة -
الله وانتفاءِ خوفِ اللائمةِ من كلِّ أحدٍ، واسمُ الإِشارة يَسُوغ فيه ذلك، أعني
أنه يقعُ بلفظِ الإِفراد مشاراً به لأكثر مِنْ واحدٍ، وقد تقدَّم تحقيقُه في قولِه
تعالى: ((عوانٌ بين ذلك))(١). والثاني: أنه مشارٌ به إلى حُبِّ الله لهم وحُبُّهم
له. والثالث: أنه مشارٌ به إلى قوله: ((أَذِلَّة)) أي: لِين الجانب وتَرْكُ الترفُّع، وفي
هذين تخصيصٌ غيرُ واضحٍ، وكأنَّ الحاملَ على ذلك مجيءُ اسمِ الإشارة
مفرداً. و((ذلك)) مبتدأٌ، و((فَضْلُ الله)) خبرُه، و((يُؤْتِيه)» يحتملُ ثلاثةَ أوجه،
أظهرُها: أنه خبرٌ ثان، والثاني: أنه مستأنفٌ. والثالث: أنه في محلُّ نصبٍ
على الحال كقوله: ((وهذا بَعْلي شيخاً))(٢).
آ. (٥٥) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكم اللّهُ﴾: مبتدأ وخبرٌ، و((رسولُه))
و ((الذين)) عطفُ على الخبر. قال الزمخشري (٣): ((قد ذُكِرَتْ جماعةٌ فهلاً
قيل: إنما أوليأُؤُكم. وأجابَ بأنَ الولايةَ بطريقِ الأصالةِ لله تعالى، ثم نَظّم في
سلكِ إثباتها لرسوله وللمؤمنين، ولوجيء به جمعاً فقيل: ((إنما أولياؤكم))
لم يكنْ في الكلامِ أصلّ وَتَبَعٌ)). قلت: ويَحْتمل وجهاً آخرَ وهو أنَّ ((وَلِيٍّ)) بزنة
فَعِيل، وفعيل قد نصَّ عليه أهلُ اللسان أنه يقعُ للواحدٍ والاثنين والجماعة
تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد، يقال: ((الزيدون صديقٌ، وهند صديقٌ))، وهذا مثلُه،
غايةُ ما فيه أنه مقدَّمٌ في التركيب، وقد أجابَ الزمخشري وغيرُه بذلك في قوله
تعالى ((وما قومُ لوطٍ منكم ببعيد))(٤)، وذكر وجهَ ذلك وهو شِبْهُه بالمصادر
وسيأتي تحقيقُه. وقرأ ابن مسعود(٥): ((إنما مَوْلاكم)) وهي تفسير لا قراءة.
قوله تعالى: ((الذين يُقيمون الصلاة)) فيه خمسةُ أوجه، أحدها: أنه
(١) الآية ٦٨ من البقرة.
(٢) الآية ٧٢ من هود.
(٣) الكشاف ٦٢٣/١.
(٤) الآية ٨٩ من هود.
(٥) البحر ٥١٣/٣.
٣١٣

- المائدة -
مرفوعٌ على الوصفِ لقوله ((الذين آمنوا))، وَصَفَ المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة، وذكر هاتين العبادتين دونَ سائرِ فروعِ الإِيمان لأنهما أفضلُها. الثاني:
أنه مرفوعٌ على البدلِ من ((الذين آمنوا)». الثالث: أنه خبرُ مبتدٍ محذوفٍ أي:
هم الذين. الرابع: أنه عطفُ بيانٍ لما قبله؛ فإنَّ كلَّ ما جاز أن يكونَ بدلاً جاز
أن يكون بياناً إلا فيما استُثْني(١) وقد ذكرْتُه فيما تقدم. الخامس: أنه منصوبٌ
بإضمار فعلٍ، وهذا الوجهُ والذي قبلَه من باب القطع عن التبعية. قال
الشيخ (٢) : - بعد أن نقلَ عن الزمخشري وَجْهَيْ البدلِ وإضمارِ المبتدأ فقط -
((ولا أَدْري ما الذي مَنَعه من الصفةِ، إذ هو المتبادَرُ إلى الذهن، ولأنَّ المُبْدَلَ منه
[٢٥٢/ ب] على نية الطرح، وهو لا يَصِحُ هنا / لأنه هو الوصفُ المترتِّب عليه [صحةُ]
ما بعده من الأوصاف)). قلت: لا نسلِّمُ أنَّ المتبادر إلى الذهن الوصفُ بل البدلُ
هو المتبادرُ، وأيضاً فإنَّ الوصفَ بالموصولِ على خلافِ الأصل؛ لأنه مؤولٌ
بالمشتقِّ وليس بمشتقٍ، ولا نُسَلِّم أنَّ المبدلَ منه على نيةِ الطَّرْحِ، وهو المنقولُ
عن سيبويه(٣).
قوله: ((وهم راكعون)) في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها معطوفةٌ
على ما قبلَها من الجملِ فتكونُ صلةً للموصولِ ، وجاء بهذه الجملةِ اسميةً
دونَ ما قبلَها، فلم يَقُلْ ((ويركعون)) اهتماماً بهذا الوصفِ؛ لأنه أظهرُ أركانِ
الصلاة. والثاني: أنها واوُ الحال وصاحبُها هو واو (يُؤْتون)) والمرادُ بالركوعِ
الخضوعُ أي: يؤتون الصدقة وهم متواضِعُون للفقراءِ الذين يتصدَّقون عليهم،
ويجوز أَنْ يُرادَ به الركوع حقيقةً؛ كما رُوي عن علي أمير المؤمنين أنه تصدَّقَ
بخاتَمِه وهو راكعٌ.
(١) انظر: شرح ابن عقيل ١٧٥/٢.
(٢) البحر ٥١٤/٣.
(٣) الكتاب ٣٧٢/١؛ وانظر: المقتضب ٣٩٩/٤.
٣١٤

- المائدة -
آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: ((مَنْ)) شرطٌ في محل رفع
بالابتداءِ، وقولُه: ((فإنَّ حزبَ الله)) يحتمل أن يكونَ جواباً للشرط، وبه يحتجُّ مَنْ
لا يشترطُ عَوْدَ ضميرٍ على اسم الشرط إذا كان مبتدأ، ولقائل أن يقولَ: إنما
جازَ ذلك لأنَّ المرادَ بحزب الله هو نفس المبتدأ، فيكون من بابٍ تكرارِ المبتدأ
بمعناه، وفيه خلافٌ: الأخفشُ يُجيزه فإنَّ التقدير: ومَنْ يتولَّ اللّهَ ورسوله
والذين آمنوا فإِنه غالبٌ، فوضَع الظاهرَ موضعَ المضمرِ لفائدةٍ وهي التشريفُ
بإضافةِ الحزبِ إلى الله تعالى، ويحتمل أن يكونَ الجوابُ محذوفاً لدلالةِ
الكلام عليه أي: ومَنْ يتولَّ اللّهَ ورسوله والذين آمنوا يَكُنْ من حزبِ الله
الغالبِ أو يُنْصَرْ ونحوه. ويكون قوله: ((فإنَّ حزب الله)) دالاً عليه، وعلى هذين
الاحتمالين فلا دلالة في الآية على عدمِ اشتراط عَوْدِ ضميرٍ على اسم الشرط.
وقوله: ((فإن حزب الله هم الغالبون)) في محلِّ جزم إنْ جعلناه جواباً للشرط،
ولا محلّ له إن جعلناه دالاً على الجواب. وقوله: ((هم)) يحتمل أن يكون
فصلاً وأن يكونَ مبتدأ و((الغالبون)) خبرُه، والجملة خبر ((إِنَّ))، وقد تقدَّم
الكلام على ضمير الفصل وفائدته(١). والحِزْبُ: الجماعة فيها غلظةٌ وشدةٌ،
فهو جماعةٌ خاصة.
آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿لا تتخِذُوا الذين اتخذوا دينكم): الآية،
فالذين وصلته هو المفعولُ الأول لقوله:((لا تَتَّخِذوا))، والمفعول الثاني هو قوله:
((أولياء))، و(دينكم)) مفعولٌ أولُ لـ ((اتخذوا))، و((هُزُوا)) مفعول ثان، وتقدَّم
ما في ((هُزْءًا)) من القراءات والاشتقاق(٢). وقوله: ((مِن الذين أوتوا)) فيه
وجهان، أحدُهما: أنه في محل نصب على الحال، وصاحبها فيه وجهان
أحدُهما: أنه الموصولُ / الأول. والثاني: أنه فاعل ((اتَّخذوا)). الثاني من [١/٢٥٣]
(١) انظر: إعراب الآية ١٢ من البقرة.
(٢) انظر الآية ٦٧ من البقرة.
٣١٥

- المائدة بـ
الوجهين الأولين(١) أنه بيان للموصول الأول، فتكونُ ((مِنْ)) لبيانِ الجنس،
وقوله: ((مِنْ قبلكم)) متعلق)) بـ أوتوا))؛ لأنهم أوتوا الكتابَ قبل المؤمنين، والمرادُ
بالكتابِ الجنسُ.
قوله: ((والكفار)) قرأ(٢) أبو عمرو والكسائي: ((والكفارِ)) بالخفض،
والباقون بالنصب، وهما واضحتان، فقراءةُ الخفض عَطْفٌ على الموصول
المجرور بـ ((من))، ومعناها أنه نهاهم أن يتخذوا المستهزئين أولياءً، وبيّن أن
المستهزئين صنفان: أهلُ كتاب متقدم وهم اليهود والنصارى، وكفارٌ عبدةُ
أوثان، وإن كانَ اسمُ الكفر ينطلق على الفريقين، إلا أنه غَلَب على عبدة
الأوثان: الكفار، وعلى اليهود والنصارى: أهل الكتاب. قال الواحدي:
((وحجةُ هذه القراءةِ من التنزيلِ قولُه تعالى: ((ما يودُّ الذين كفروا من أهل
الكتاب ولا المشركين)»(٣) اتفقوا على جَرِّ(المشركين)) عطفاً على أهل الكتاب،
ولم يُعْطَفْ على العامل الرافع»، يعني بذلك أنه قد أَطْلَق الكفار على أهل
الكتاب وعلى عبدة الأوثان: المشركين، ويدل على أنَّ المرادَ بالكفار في آية
المائدة المشركون قراءةُ (٤) عبد الله: ((ومن الذين أشركوا))، ورُجِّحت قراءةُ
أبي عمرو أيضاً بالقرب، فإن المعطوفَ عليه قريبٌ، ورُجِّحت أيضاً بقراءة
أَبَيّ: ((ومن الكفار)» بالإِثيان بـ ((من)). وأمَّا قراءةُ الباقين فوجهُها أنه عطفٌ
على الموصول الأول أي: لا تتخذوا المستهزئين ولا الكفار أولياء، فهو كقوله
تعالى: ((لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دونٍ المؤمنين)»(٥)، إلا أنه ليس
في هذه القراءة تعرُّض للإِخبار باستهزاء المشركين))، وهم مستهزئون أيضاً،
(١) أي في إعراب ((من الذين أوتوا)).
(٢) السبعة ٢٤٥؛ الكشف ٤١٣/١.
(٣) الآية ١٠٥ من البقرة.
(٤) البحر ٥١٥/٣؛ القرطبي ٢٢٣/٦.
(٥) الآية ٢٨ من آل عمران.
٣١٦

- المائدة -
قال تعالى: ((إنَّا كفيناك المستهزئينِ))(١)، والمراد بهم مشركو العربِ،
ولوضوحِ قراءةِ الجرِّ قال مكي بن أبي طالب (٢): ((ولولا اتفاقُ الجماعة على
النصب لاخترت الخفضّ لقوته في المعنى، ولقرب المعطوف من المعطوف
علیه» .
آ. (٥٨) والضمير في: ﴿اتخذوها﴾: يجوز أن يعودَ على الصلاة
- وهو الظاهر - ويجوز أن يعودَ على المصدرِ المفهومِ من الفعل أي: اتخذوا
المناداةَ، ذكره الزمخشري (٣)، وفيه بُعْدٌ، إذ لا حاجةَ تدعو إليه مع التصريحِ
بما يَصْلُح أن يعودَ عليه الضميرُ بخلاف قوله تعالى: ((اعدلوا هو أقرب)) (٤) /. [٢٥٣/ب]
وقوله: ((ذلك بأنهم)) مبتدأ وخبر أي: ذلك الاستهزاءُ مستقر بسبب عدم
عَقْلِهم.
آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿تَنْقِمُون﴾: قراءة الجمهور بكسر القاف،
وقراءة(٥) النخعي وابن أبي عبلة وأبي حيوة بفتحها، وهاتان القراءتان مُفَرَّعتان
على الماضي وفيه لغتان: الفصحى - وهي التي حكاها ثعلب في فصيحه -
نَقَم بفتح القاف يَنْقِم بكسرها، والأخرى: نَقِم بكسر القاف ينقَم بفتحها،
وحكاها الكسائي، ولم يُقْرأ في قوله تعالى: ((وما نَقَموا منهم))(٦) إلا بالفتح.
وقوله: (إلا أَنْ آمنًا)) مفعولٌ لـ ((تنقمون)) بمعنى: تكرهون وتَعيبون وهو استثناء
مفرغ. و((منا)) متعلقٌ به، أي: ما تكرهون من جهتِنا إلا الإِيمانَ، وأصلُ
(َقَم)) أن يتعدَّى بـ((على)) تقول: ((نَقَمْتُ عليه كذا)) وإنما عُدِّي هنا بـ((مِنْ))
(١) الآية ٩٥ من الحجر.
(٢) الكشف لمكي ٤١٤/١.
(٣) الكشاف ٦٢٤/١.
(٤) الآية ٨ من المائدة.
(٥) الشواذ ٣٣؛ البحر ٥١٦/٣.
(٦) الآية ٨ من البروج.
٣١٧

- المائدة -
لمعنى سأذكره. وقال أبو البقاء(١): ((ومِنَّا مفعولُ تَنْقِمون الثاني، وما بعد ((إلا))
هو المفعولُ الأول، ولا يجوزُ أن يكونَ ((منَّا)) حالاً مِنْ ((أَنْ)) والفعل الأمرين؛
أحدُهما: تقدُّم الحالِ على ((إلَّ))، والثاني: تقدُّم الصلة على الموصول،
والتقدير: هل تكرهون منا إلا إيمانَنا)) انتهى. وفي قوله مفعولٌ أولُ وثانٍ نظرٌ،
لأنَّ الأفعالَ التي تتعدّى لاثنين إلى أحدهما بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر
محصورةٌ كأمر، واختار، واستغفر، وصَدَّق، وسَمَّى، ودعا بمعناه، وزَوَّجَ،
ونبّاً، وأنبأ، وخَبّر، وأَخْبر، وحَدَّث غيرَ مضمَّنةٍ معنى أعلم، وكلُّها يجوز فيها
إسقاطُ الخافضِ والنصبُ، وليس هذا منها. وقوله: ((ولا يجوز أن يكونَ حالاً)»
يعني أنه لو تأخّر بعد ((أن آمنًّا) لفظةُ ((منا)) لجازَ أن تكونَ حالاً من المصدر
المؤولِ من ((أَنْ)) وصلتِّها، ويصير التقديرُ: هل تَكْرهون إلا الإِيمان في حال
كونِه منا، لكنه امتنع مع تقدُّمهِ على ((أن آمنًّا)) للوجهين المذكورين، أحدُهما:
تقدُّمه على (إلَّا))، ويعني بذلك أن الحال لا تتقدم على ((إلَّ))، ولا أدري ما يمنع
ذلك؟ لأنه إذا جَعَل ((منَّ) حالاً من ((أَنْ)) وما في حَيِّزها كان عاملُ الحال
مقدراً، ويكونُ صاحبُ الحال محصوراً، وإذا كان صاحبُ الحال محصوراً
وجبَ تقديمُ الحالِ عليه، فيقال: ((ما جاء راكباً إلا زيد)» و «ما ضَرَبْتُ مكتوفاً
إلا عمراً))، فـ((راكباً)) و (مكتوفاً)) حالان مقدمان وجوباً لحصرٍ صاحبيْهما فهذا
مثلُه. وقوله: ((والثاني: تقدُّم الصلة على الموصول)) لم تتقدَّمْ صلةٌ على
موصول، بيانه: أن الموصول هو ((أن)) والصلة (آمنا)) و(منَّ) ليس متعلقاً
بالصلة بل هو معمول لمقدر، ذلك المقدَّرُ في الحقيقة منصوبٌ بـ ((تْقِمون)»
فما أدري ما توهّمه حتى قال ما قال؟ على أنه لا يجوزُ أن يكونَ حالاً لكن
[٢٥٤/ أ] لا لِما ذَكر بل لأنه / يؤدِّي إلى أنه يصير التقديرُ: هل تُنْقِمون إلا إيمانَنا منا،
فَمِنْ نفسِ قوله ((إيماننا)) فُهِم أنه منَّا، فلا فائدةَ فيه حينئذ. فإن قيل: تكون حالاً
(١) الإملاء ٢٢٠/١.
٣١٨

- المائدة -
مؤكدة. قيل: خلافُ الأصل، وليس هذا من مظانِّها، وأيضاً فإنَّ هذا شبيهٌ
بتهيئة العامل للعمل وقَطْعِه عنه، فإنَّ ((تَنْقِمون)) يطلب هذا الجار طلباً ظاهراً.
وقرأ الجمهور ((وما أُنْزِل إلينا وما أُنْزِل)) بالبناء للمفعول فيهما، وقرأ(١)
أبو نهيك: ((أنْزل، وأَنْزل)) بالبناء للفاعل، وكلتاهما واضحة.
قوله تعالى: ((وأَنَّ أكثرَكم فاسقون)» قرأ الجمهورُ: ((أَنَّ)) مفتوحةً الهمزة،
وقرأ(٢) نعيم بن ميسرة بكسرها. فأمَّا قراءةُ الجمهور فتحتمل ((أنَّ)) فيها أنْ
تكونَ في محل رفع أو نصب أو جر، فالرفعُ من وجه واحد وهو أن تكونَ مبتدأً
والخبر محذوف. قال الزمخشري(٣): ((والخبر محذوف أي: فسقُكم ثابت
معلومٌ عندكم، لأنكم علمتم أنَّا على الحق وأنتم على الباطل، إلا أنَّ حبَّ
الرئاسة وجمع الأموال لا يَدَعُكم فتنصفوا)) فقدَّر الخبر متأخراً. قال الشيخ(٤):
(ولا ينبغي أن يُقَدَّر الخبرُ إلا مقدماً لأنه لا يُبْتَدَأُ بـ((أنَّ) على الأصحِّ إلا بعد
((أمَا)) انتهى. ويمكن أن يقال: يُغْتفر في الأمور التقديرية ما لا يُغْتفر في
اللفظية، لا سيما أن هذا جارٍ مَجْرى تفسير المعنى، والمرادُ إظهار ذلك الخبر
كيف يُنْطَق به، إذ يقال إنه يرى جواز الابتداء بـ ((أنَّ)) مطلقاً، فحصل في تقدير
الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير.
وأمَّا النصبُ فمِنْ ستة أوجه، أحدها: أن يُعْطَفَ على ((أن آمَنَّا»،
واستُشْكل هذا التخريج من حيث إنه يصير التقديرُ: هل تكرهون إلا إيماننا
وفسقَ أکثرکم، وهم لا یعْترفون بأن أکثرهم فاسقون حتی یکرهونه(٥). وأجيبعن
ذلك، فأجاب الزمخشري(٦) وغيرُه بأنَّ المعنى: وما تنقمون منا إلا الجمعَ بين
(١) البحر ٥١٦/٣.
(٢) الشواذ ٣٣؛ البحر ٥١٦/٣.
(٣) الكشاف ٦٢٥/١.
(٤) البحر ٥١٧/٣.
(٥) لعل الأنسب: يكرهوه.
(٦) الكشاف ٦٢٤/١.
٣١٩

- المائدة :-
أيماننا وبين تّمَرُّدكم وخروجكم عن الإِيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا
مخالفتكم حيث دَخَلْنا في دين الإِسلام وأنتم خارجون منه».
ونقل الواحدي عن بعضهم أنَّ ذلك من باب المقابلة والازدواج، يعني
أنه لَّمَّا نقم اليهود عليهم الإِيمانَ بجميع الرسل وهو مما لا يُنْقَم ذكَّرَ في مقابلته
فِسْقَهم، وهو مِمَّا يُنْقَم، ومثلُ ذلك حسنٌ في الازدواج، يقول القائل: ((هل تنقم
مني إلا أني عَفَوْتُ عنك وأنك فاجر)) فَيَحْسُن ذلك لإِتمامِ المعنى بالمقابلة .
وقال أبو البقاء (١): ((والمعنى على هذا: إنكم كرهتم إيماننا وامتناعكم، أي:
كرهتم مخالفتَنَا إياكم، وهذا كقولك للرجل: ما كرهتَ مني إلا أني مُحَبَّبٌ
للناس وأنك مُبْغَضٌ)) وإن كان لا يعترف بأنه مُبْغَض. وقال ابن عطية(٢): ((وأنَّ
[٢٥٤/ب] أكثركم فاسقون / هو عند أكثر المتأوِّلين معطوفٌ على قوله: ((أن آمنًّا)) فيدخُل
كونُهم فاسقين فيما نَقَمُوهِ، وهذا لا يتَّجِهُ معناه)) ثم قال بعد كلام: ((وإنما ينتجه
على أن يكون معنى المحاورة: هل تَنْقِمون منا إلا مجموعَ هذه الحال من أنَّا
مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون ((وأنَّ أكثركم فاسقون)) مِمَّا قَرَّره المخاطب
لهم، وهذا كما تقولُ لِمَنْ يخاصِمُ: ((هل تَنْقِم عليَّ إلا أن صدقتُ أَنَا وَكَذِّبْتَ
أنت)) وهو لا يُقِرُّ بأنه كاذب ولا يَنْقِم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تُنْقِم إلا
مجموعَ هذه الحال)» وهذا هو مجموعُ ما أجاب به الزمخشري والواحدي.
الوجه الثاني من أوجه النصب: أن يكونَ معطوفاً على ((أن آمنًا)) أيضاً،
ولكنْ في الكلامِ مضافٌ محذوفٌ لصحةِ المعنى، تقديرُه: ((واعتقادَ أن أكثركم
فاسقون)) وهو معنى واضح، فإنَّ الكفار ينقِمون اعتقاد المؤمنين أنهم فاسقون،
الثالث: أنه منصوبٌ بفعل مقدَّر تقديرُه: هل تنقمون منا إلا إيماننا، ولا تنقمون
(١) الإملاء ٢٢٠/١.
(٢) المحرر ١٣٩/٥.
٣٢٠