النص المفهرس
صفحات 221-240
- المائدة - ذلك: ((ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل)) لما تَضَمَّنه الميثاقُ من معنى القسم، وعلى هذا فتكون الجملتان - أعني قوله: ((وبعثنا)) ((وقال الله)) - فيهما وجهان، أحدهما: أنهما في محلِّ نصبٍ على الحال، والثاني: أن تكونا جملتي اعتراض، والظاهرُ أنَّ قولَه: ((لَئِنْ أَقمتم)) جوابُه: («لأكفرنَّ» كما تقدم، وجملةُ هذا القسمِ المشروطِ وجوابُه مفسرةٌ لذلك الميثاق المتقدم. والتعزير: التعظيم، قال(١): ١٧١٠ - وكم من ماجدٍ لهُمُ كريمٍ ومِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ وقيل: هو الثناء بخير، قاله يونس، وهو قريب من الأول. وقيل: هو الردُّ عن الظلم قاله الفراء. وقال الزجاج(٢): ((هو الردع والمنع)) فعلى القولين الأولين يكون المعنى: «وعَظَّمْتُموهم وأثنيتم عليهم خيراً»، وعلى الثالث والرابع يكون المعنى: ((وردّدْتم وردَعْتم سفهاءَهم عنهم. قال الزجاج(٣): ((عَزَّرْتُ فلاناً): فَعَلْتُ به ما يردعه عن القبيح، مثل نَكُلْت، فعلى هذا يكون (عَزَّرْتُموهم)) رَدَدْتم عنهم أعداءهم)). وقرأ(٤) الحسن البصري: ((برسْلي)) بسكون العين حيث وقع. وقرأ(٥) الجحدري: ((وعَزَرْتموهم)) خفيفةَ الزاي وهي لغة. وقرأ في الفتح (٦): ((وتَعْزُروه)) بفتح حرف المضارعة وسكون العين وضم الزاي، وهي موافقة لقراءته هنا. (١) لم أهتد إلى قائله وهو في الأضداد لابن الأنباري ١٤٧؛ والبحر ٤٤٣/٣. والنديّ: المجلس. (٢) معاني القرآن ١٧٣/٢؛ وفي المطبوعة: ((الرد)). (٣) معاني القرآن ١٧٤/٢. (٤) البحر ٤٤٤/٣. (٥) الشواذ ٣١؛ البحر ٤٤٤/٣. (٦) الآية ٩. ٢٢١ - المائدة -: وقوله: ((وأَقْرضتم الله قرضاً)) تقدَّم الكلام في ((قَرْضا)) وفي نصبه في البقرة(١). آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿فيما نقضِهم﴾: تقدم الكلام على نظيره(٢)، وكذلك ((سواء السبيل))(٣). وقرأ الجمهور: ((قاسيةً)) اسم فاعل من قسا يقسو، وقرأ(٤) الأخَوان : - وهي قراءة عبدالله - ((قَسِيَّةً)) بفتح القاف وكسر السينِ وتشديدٍ الياء. واختلفَ الناسُ في هذه القراءةِ: فقال الفارسي(٥): ((ليست من ألفاظٍ العربِ في الأصل، وإنما هي كلمةٌ أعجمية معرَّبة))، يعني أنها مأخوذةٌ من قولهم: ((دِرْهم قِسِيّ)) أي: مَغْشُوش(٦)، شَبَّه قلوبَهم في كونها غيرَ صافيةٍ من الكَدَر بالدراهمِ المغشوشةِ غيرِ الخالصةِ، وأنشدوا قولَ أبي زبيد(٧): ١٧١١ - لها صَواهِلُ فِي صُمِّ السَّلام كما صاحَ القَسِيَّاتِ فِي أَيْدي الصياريفِ وقول الآخر (٨): ١٧١٢ - وما زَوَّدوني غيرَ سَحْقٍ عِمامةٍ وخمسَ مِيٍ منها قَسِيٍّ وزائفُ وقال صاحب الكشاف(٩): ((وقرأ عبدالله: (قَسِيَّة)) أي: رديئة مغشوشة (١) الآية ٢٤٥ . (٢) الآية ١٥٥ من النساء. (٣) الآية ١٠٨ من البقرة. (٤) السبعة ٢٤٣؛ الكشف ٤٠٧/١؛ الشواذ ٣١؛ البحر ٤٤٥/٣. (٥) الحجة ٣٩١/٢ (خ). (٦) انظر: المعرَّب للجواليقي ٣٠٥. (٧) البيت في المعرَّب ٣٠٦؛ وأمالي القالي ٢٨/١؛ والسمط ١٢٨؛ واللسان: أمر، والبيت في وصف وقع المجرفة من الحديد في الحجارة. والصواهل: ج الصاهلة وهو الصوت؛ والسلام: الصخور، والصياريف: ج صيرف، وهو العالم بالنقد. (٨) البيت لمزرد وهو في اللسان: سحق، والسحق: البالي. (٩) الكشاف ٦٠٠/١. ٢٢٢ - المائدة - مِنْ قولهم: ((درهم قَسِيّ)) وهو من القسوة؛ لأنَّ الذهب والفضة الخالصين فيهما لينٌ، والمغشوشُ فيه صلابةً ويُبْس، والقاسي والقاسح - بالحاءِ المهملة - أخَوانِ في الدلالة على اليُّيْس)). وهذا القول سبقه إليه المبردُ فإنه قال: (يُسَمَّى الدرهمُ المغشوشُ قَسِيّاً لصلابته وشدتِه للغشِّ الذي فيه))، وهو يَرْجِعُ للمعنى الأول، والقاسي والقاسح، بمعنى واحد، وعلى هذين القولين تكون اللفظةُ عربية، وقيل: بل هذه القراءةُ توافِقُ قراءةً الجماعة في المعنى والاشتقاق، لأنّه فعيل للمبالغة كشاهد وشهيد فكذلك قاسٍ وقيسِيّ، وإنما أُنَّث على معنى الجماعةِ. وقرأ الهَيْصم(١) بن شداخ: ((قُسِيَّةٌ)) بضم القاف وتشديد الياء. وقرىء ((قِيَّة)) بكسر القاف إتباعاً، وأصل القراءتين: قاسِوَة وقُسِيوة(٢) لأنَّ الاشتقاق من القسوة. قوله: ((يُحَرِّفون)) في هذه الجملة أربعة أوجه، أحدها: أنها مستأنفة بيانٌ القسوة قلوبهم، لأنه لا قسوةَ أعظمُ من الافتراء على الله تعالى. والثاني: أنها حال من مفعول ((لعنَّهم)) أي: لعنَّاهم حالَ اتصافهم بالتحريف. والثالث: - قاله أبو البقاء _(٣) أنه حال من الضمير المستتر في ((قاسية))، وقال: ((ولا يجوزُ أن يكون(٤) حالاً من القلوب، لأن الضمير في ((يُحَرِّفون)) لا يرجع إلى القلوب)) وهذا الذي قاله فيه نظر، لأنه من حيث جَوَّز أن يكونَ حالاً من الضمير في ((قاسية)) يلزمُه أن يُجَوِّز أن يكون حالاً من ((القلوب)) لأنَّ الضمير المستتر في ((قاسية)» يعودُ على القلوب، فكما يمتنع أن يكونَ حالاً مِنْ ظاهره، (١) الهيصم بن الشداخ البصري الوراق، روى عن الجحدري والأعمش وروى عنه عقبة بن مكرم، ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٣٥٧/٢. (٢) اجتمعت الياء والواو وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً وأدغمت الياء في الياء. (٣) الإملاء ٢١١/١. (٤) أي: ((يحرفون)) والضمير سيعود عليه في كلام أبي البقاء والرد عليه سيكون مذكراً، وبدأ به مؤنثاً على تقدير أنه جملة. ٢٢٣ - المائدة - يمتنع أن يكونَ حالاً من ضميرِه، وكأن المانع الذي توهّمه كونُ الضمير - وهو الواو في ((يُحَرِّفُون - إنما يعود على اليهود بجملتِهم لا على قلوبهم خاصةً، فإنَّ القلوبَ لا تُحَرِّف، إنما يحرِّف أصحاب القلوب، وهذا لازمٌ له في تجويزه الحاليةَ من الضمير في ((قاسية)). ولقائل أن يقولَ: المرادُ بالقلوبِ نفسُ الأشخاص، وإنما عَيَّر عنهم بالقلوب لأن هذه الأعضاءَ هي محلّ التحريف أي: إنه صادرٌ عنها بتفكُّرها فيه، فيجوزُ على هذا أن يكونَ حالاً من القلوب. والرابع: أن تكون حالاً من ((هم)) قال أبو البقاء(١): ((وهو ضعيفٌ)) يعني لأنَّ الحالَ من المضاف إليه لا تجوزُ، وغيرُه يجوِّزُ ذلك في مثلِ هذا [٢٣٨/ب] الموضع؛ لأنَّ المضافَ بعضُ المضاف إليه. / وقرأ الجمهورُ بفتح الكافِ وكسرٍ. اللامِ وهو جمعُ ((كلمة))، وقرأ(٢) أبو رجاء: ((الكِلْمِ)) بكسر الکافِ وسکونٍ اللام، وهو تخفيفُ قراءة الجماعة، وأصلُها أنه كَسَرَ الكافَ إتباعاً ثم سكَّن العينَ تخفيفاً، وقرأ السُلمي والنخعي: ((الكلام)) بالألف. و ((عن مواضعه» قد ذُكِرٍ مثلُه في النساء(٣) قوله: ((على خائنةٍ)) في ((خائنة)) ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها اسمُ فاعل والهاء للمبالغة كراوية ونسَّابة أي: على شخص خائن، قال الشاعر (٤): ١٧١٣- حَدَّثْتَ نفسَك بالوفاءِ ولم تَكُنْ للغدرِ خائنةٌ مُغِلَّ الإِصَبَعِ الثاني: أن التاء للتأنيث، وأنَّث على معنى طائفة أو نفس أو فَعْلَة خائنة. الثالث: أنها مصدرٌ كالعافية والعاقبة، ويؤيِّد هذا الوجه قراءةٌ (١) الإملاء ٢١١/١. (٢) البحر ٤٤٦/٣. (٣) الآية ٤٦. (٤) نسبه في اللسان ((صبع)) إلى الكلابي؛ وهو في الطبري: ١٣٢/١٠؛ وإصلاح المنطق ٢٩٥؛ وشواهد الكشاف ٤٤٠/٤. يقال: ((فلان مغل الاصبع)): إذا كان خائناً. ٢٢٤ - المائدة - الأعمش: ((على خيانة))(١). وأصل خائنة: خاونة، وخيانة: خِوانة، لقولهم: تَخَوَّن وخَوَّان وهو أَخْوَن، وإنما أُعِلَّ إعلالَ ((قائمة وقيام)). و((منهم)) صفة لـ ((خائنة)) إن أريد بها الصفة، وإن أريد بها المصدرُ قُدَّر مضافٌ أي: من بعض خياناتهم. قوله: ((إلا قليلاً)) منصوبٌ على الاستثناء، وفي المستثنى منه أربعةُ أقوالٍ، أظهرُها: أنه لفظ خائنة، وهمُ الأشخاصُ المذكورون في الجملة قبله أي: لا تزالُ تَطَّلع على مَنْ يَخُون منهم إلا القليلَ، فإنه لا يخون فلا تَطَّلِعُ عليه، وهؤلاء هم عبدالله بن سلام وأصحابه. قال أبو البقاء(٢): ((ولو قرىء بالجر على البدل لكان مستقيماً))، يعني على البدل من ((خائنة)) فإنه في حَيُّز كلام غير موجب. والثاني : - ذكره ابن عطية -(٣) أنه الفعل أي: لا تزال تطّلع على فِعْل الخيانة إلا فعلاً قليلاً، وهذا واضح إنْ أُريد بالخيانة أنها صفة للفعلة المقدرة كما تقدَّم، ولكن يُبْعِدُ ما قاله ابنُ عطية قولُه بعدَه ((منهم))، وقد تقدَّم لنا نظيرُ ذلك في قوله «ما فعلوه إلا قليلاً منهم)) (٤)، حيث جَوَّز الزمخشري فيه أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ. الثالث: أنه ((قلوبهم)) في قوله: ((وجعلنا قلوبهم قاسيةً))، قال صاحبُ هذا القول: ((والمرادُ بهم المؤمنون لأن القسوة زالَتْ عن قلوبهم)»، وهذا فيه بُعْدٌ كبير، لقوله ((لعنَّهم)). الرابع: أنه الضمير في ((منهم)) مِنْ قوله تعالى: ((على خائنةٍ منهم)) قاله مكيّ (٥). آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿ومِن الذين قالوا﴾: فيه خمسةُ أوجه، (١) الشواذ ٣١؛ البحر ٤٤٦/٣. (٢) الإملاء ٢١١/١. (٣) المحرر ٦١/٥. (٤) الآية ٦٦ من النساء؛ وقراءة ابن عامر بالنصب، والباقون بالرفع. انظر: السبعة ٢٣٥. (٥) المشكل ٢٢٣/١. ٢٢٥ - المائدة - أحدهما : - وهو الظاهر - أنَّ (مِنْ)) متعلقة بقوله ((أخذنا)) والتقدير الصحيح فيه أن يقال: تقديرُه: ((وأَخَذْنا من الذين قالوا: إنَّا نصارَى ميثاقهم)) فتوقع ((الذين» بعد ((أَخَذْنا))، وتؤخِّر عنه ((ميثاقهم))، ولا يجوز أن تقدِّر («وأَخَذْنا ميثاقَهم من الذين)) فتقدم ((ميثاقَهم)) على ((الذين قالوا))، وإنْ كان ذلك جائزاً من حيثُ كونُهما مفعولين، كلَّ منهما جائزُ التقديم والتأخيرِ، لأنه يلزم عودُ الضميرِ على متأخر لفظاً ورتبة، وهو لا يجوز إلا في مواضعَ محصورةٍ، نصَّ على ذلك جماعةٌ منهم مكي(١) وأبو البقاء(٢). الثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ قامَتْ صفتُه مَقامه، والتقدير: ((ومن الذين قالوا إنَّا نصارى قومٌ أخذنا ميثاقهم»، فالضمير في ((ميثاقهم)) يعود على ذلك المحذوف. والثالث: أنه خبر مقدم أيضاً، ولكن قَدَّروا المبتدأ موصولاً حُذِف وبقيت صلتُه، والتقدير: ((ومن الذين قالوا: إنَّا نصارى مَنْ أخذنا ميثاقهم))، فالضمير في ((ميثاقهم)) عائد على ((مَنْ))، والكوفيون يجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدم لنا معهم البحث في ذلك. ونقل مكي(٣) مذهب الكوفيين هذا، وقَدَّره عندهم: ((ومن الذين قالوا: إنَّا نصارى مَنْ أخذنا)»، وهذا التقدير لا يؤخذ منه أن المحذوف موصول فقط، بل يجوز أن تكونَ ((مَنْ)) المقدرةُ نكرةً موصوفةً حُذِفت وبقيت صفتُها، فيكون كالمذهب الأول. الرابع: أن تتعلَّق ((مِنْ)) بـ ((أخذنا)) كالوجه الأول، إلا أنه لا يلزَمُ فيه ذلك التقديرُ، وهو أن توقع (من الذين)) بعد ((أخذنا))، وقبل ((ميثاقهم))، بل يجوز أن يكون التقدير على العكس ، بمعنى أنَّ الضميرَ في ((ميثاقهم)» يعودُ على بني إسرائيل، ويكون المصدرُ من قولِه («ميثاقَهم)» مصدراً تشبيهياً، والتقدير: وأخذنا من النصارى ميثاقاً مثلَ ميثاق بني إسرائيل، كقولك: ((أَخَذْتُ من زيد ميثاق عمرو)) أي: ميثاقاً (١) المشكل ٢٢٣/١. (٢) الإملاء ٢١١/١. (٣) المشكل ٢٢٣/١. ۔۔ ٢٢٦ - المائدة - مثل ميثاق عمرو، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري (١) فإنه قال: ((أَخَذْنا من النصارى ميثاقَ مَنْ ذُكِر قبلَهم من قوم موسى أي: مثل ميثاقهم بالإِيمان بالله والرسل. الخامس: أنَّ ((من الذين)) معطوف على ((منهم)) من قولِه تعالى: ((ولا تزال تَطَّلِعُ على خائنةٍ منهم أي: من اليهود، والمعنى: ولا تزال تَطّلع على خائنةٍ من اليهود ومن الذين قالوا إنَّا نصارى، ويكون قوله: ((أخذنا ميثاقهم)) على هذا مستأنفاً. وهذا ينبغي ألَّ يجوز لوجهين، أحدهما: الفصلُ غيرُ المغتفر. والثاني : أنه تهيئةٌ للعامل في شيء وقطعه عنه، وهو لا يجوز. قوله: ((بينهم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه ظرفٌ لـ ((أغرينا)). والثاني: أنه حالٌ من ((العداوة)) فيتعلق بمحذوف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً للعداوة، لأنَّ المصدر لا يتقدم معموله عليه. و((إلى يوم القيامة)) أجاز فيه أبو البقاء(٢) أن يتعلَّق بأغرينا. أو بالعداوة، أو بالبغضاء، أي: أغرينا إلى يوم القيامة بينهم العداوة والبغضاء، أو أنهم يتعادَون إلى يوم القيامة، أو يتباغضون إلى يوم القيامة. وعلى ما أجازه أبو البقاء تكونُ المسألةُ من باب الإِعمال، ويكون قد وُجد التنازع بين ثلاثة عوامل، ويكون من إعمال الثالث للحذف من الأول والثاني، وتقدم تحرير ذلك. و((أغرينا)) مِنْ أغراه بكذا أي: ألزمه إياه، وأصلُه من الغِراء الذي يُلْصَقُ به ولامه واو، فالأصل: أَغْرَوْنا، وإنما قُلِبت الواو ياء لوقوعها رابعة كأغوينا، ومنه قولُهم: (سَهْمٌ مَغْرُوٌّ) أي معمول بالغِراء، يقال: ((غَرِيّ بكذا يَغْرِى غَرَأ وغِراء(٣)، فإذا أريد / تعديتُه عُدِّي بالهمزة، فقيل: [٢٣١/أ] (أغريته بكذا)). والضميرُ في ((بينهم)) يحتمل أن يعود على ((الذين قالوا إنَّا نصارى)) وأن يعودَ على اليهود المتقدمين الذكر، وبكلٍ قال جماعةٌ، وهذا الكلامُ معطوف على الكلام قبله من قوله: ((ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل» (١) الكشاف ٦٠٠/١. (٢) الإملاء ٢١١/١. (٣) غرى بكذا: أولع به. ٢٢٧ - المائدة - أي: ولقد أخذ اللّهُ ميثاقَ بني إسرائيل، وأخذنا مِنَ الذين قالوا. أ. (١٥) قوله تعالى: ﴿يُبِينٌ﴾: في محلِّ نصبٍ على الحال من ((رسولنا)) أي: جاءكم رسولنا في هذه الحالة. و ((ممَّا)) يتعلق بمحذوف لأنه صفة لـ «كثيراً)) و((ما)) موصولةٌ اسميةٌ، و(تُخْفون)) صلتُها والعائد محذوف أي: من الذين كنتم تخفونه. و(من الكتاب)) متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من العائد المحذوف. وقوله: ((قد جاءكم من الله نور)) لا محلَّ له لاستئنافِهِ، والضميرُ في ((يبِيِّن)) و(يَعْفُو)) يعود على الرسول، وقد جَوَّز قوم أَن يعودَ على الله تعالى، وعلى هذا فلا محلَّ لقوله: ((يبيِّن)) من الإعراب. ويمتنع أن يكونَ حالاً من ((رسولنا)) لعدم الرابط، وصفة ((كثير)) محذوفةٌ للعلم بها تقديرُه: عن كثير من ذنوبكم، وحَذْفُ الصفة قليل. وقوله: ((قد جاءكم من الله)) لا مجلّ لها من الإِعراب لاستئنافها، و((من الله)) يجوز أَنْ يتعلَّق بـ ((جاء))، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حال من ((نور)) قُدِّمَتْ صفةُ النكرة عليها فنُصِبَتْ حالا . آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿يَهْدِي): فيه خمسة أوجه، أظهرها: انه في محل رفع لأنه صفة ثانية لـ ((كتاب))، وَصَفه بالمفرد ثم بالجملة وهو الأصل. الثاني: أن يكون صفة أيضاً لكن لـ ((نور))، ذَكَرَه أبو البقاء(١)، وفيه نظر، إذ القاعدة أنه إذا اجتمعت التوابعُ قُدِّم النعتُ على عطف النسق تقول: ((جاء زيدٌ العاقلُ وعمرو) ولا تقول: ((جاء زيدٌ وعمرو العاقل)) ولأن فيه إلباساً أيضاً. الثالث: أن يكونَ حالاً من ((كتاب)) لأنَّ النكرة لَمَّا تخصصت بالوصفِ قَرُبَتْ من المعرفة، وقياسُ قول أبي البقاء أنه يجوز أن يكونَ حالاً من ((نور)) كما جاز أن يكون صفة له. الرابع: أنه حال من ((رسولنا)) بدلاً من الجملة الواقعة حالاً له وهي قوله ((يبين)). الخامس: أنه حالٌ من الضمير في ((يبِّن)) ذكرهما (١) الإملاء ٢١٢/١. ٢٢٨ - المائدة - أبو البقاء (١)، ولا يَخْفى ما فيهما من الفصل، ولأنَّ فيه ما يُشْبه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه. والضميرُ في ((به)) يعودُ على مَنْ جَعَلَ ((يَهْدي)) حالاً منه أو صفة له، قال أبو البقاء (٢): ((فلذلك أُفْرِد، أي: إنَّ الضمير في ((به)) أتى به مفرداً، وقد تقدَّمه شيئان، وهما نورٌ وكتابٌ، ولكنْ لَمَّا قَصَد بالجملة من قوله ((يهدي)) الحالَ أو الوصفَ من أحدهما أفردَ الضمير، وقيل: الضمير في ((به)) يعودُ على الرسول. وقيل: يعودُ على السلام، وعلى هذين القولين لا تكونُ الجملة من قوله ((يهدي)) حالاً ولا صفةً لعدم الرابط. و((مَنْ)) موصولةٌ أو نكرة موصوفة، وراعى لفظَها في قوله ((اتّبع)) فلذلك أفرد الضمير، ومعناها، فلذلك جَمَعَه في قوله: «ويخرجهم» . وقرأ(٣) عبيد بن عمير ومسلم بن جندب والزهري: ((بهُ)) بضمٌّ(٤) الهاء حيث وقع، وقد تقدم أنه الأصل. وقرأ(٥) الحسن: ((سُبْل)) بسكون الباء، وهو تخفيف قياسي به كقولهم في ((عُنُق)): ((عُنْق))، وهذا أولى لكونه جمعاً، وهو مفعول ثان لـ ((يهدي)) على إسقاط حرف الجر أي: إلى سبل، وتقدم تحقيق نظيره، ويجوز أن ينتصب على أنه بدلٌ من ((رضوانه)): إمَّا بدلُ كل مِنْ كل؛ لأن ((سبل السلام)) هي رضوان الباري تعالى، وإمَّا بدل اشتمال لأن الرضوان مشتمل على سبل السلام، أو لأنها مشتملة على رضوان الله تعالى، وإما بدل بعض من كل، لأنَّ سبل السلام بعض الرضوان. و((بإذنه)) متعلق (١) الإملاء ٢١٢/١. (٢) الإِملاء ٢١٢/١. (٣) البحر ٤٤٨/٣ . (٤) أي الهاء من (به الله)). (٥) الشواذ ٣١؛ البحر ٤٤٨/٣. ٢٢٩ - المائدة - بـ ((يخرجهم)) أي بتيسيره أو بأمره، والباء للحال أي: مصاحبين لتيسيره، أو للسببية، أي: بسببٍ أمرِه المنزل على رسوله. آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يملكُ﴾: الفاءُ عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملة مقدرة قبلها، والتقديرُ: قل كذبوا - أوليس الأمر كذلك - فمن يملك؟ وقوله: ((من الله)) فيه احتمالان، أظهرهما: أنه متعلق بالفعل قبله. والثاني: ذَكَرِه أبو البقاء(١) أنه حال من ((شيئاً)) يعني من حيث إنه كان صفةً في الأصل النكرة فِقُدِّم عليها فانتصب حالاً، وفيه بُعْدٌ أو منعً. وقوله: ((فَمَنْ)) استفهامُ توبيخ وتقرير، وهو دال على جواب الشرط بعده عند الجمهورِ. وقوله: ((ومَنْ في الأرض)) من باب عطف العام على الخاص حتى يبالِغَ في نفي الإِلّهية عنهما، فكأنه نصَّ عليهما مرتين مرة بذكرهما مفردين(٢)، ومرةً باندراجِهِما في العموم(٣). و((جميعاً)) حالٌ من المسيح وأمه ومَنْ في الأرض، أو من ((مَنْ)) وحدها لعمومها، ويجوز أن تكونَ منصوبةً على التوكيد مثل ((كل))، وذكرها بعض النحويين من ألفاظ التوكيد. وقوله: ((يَخْلُق)) جملةٌ لا محلَّ لها لاستئنافھا. آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿فَلِمْ﴾: هذه الفاءُ جوابُ شرط مقدر وهو ظاهرُ كلام الزمخشري (٤) فإنه قال: ((فإنْ صَحَّ أنكم أبناء الله وأحباؤه فلِمَ تُذْنبون وتُعَذَّبون؟)) ويجوز أن تكون كالفاء قبلها في كونها عاطفة على جملة مقدرة أي: كَذَبْتُمْ فِلِمَ يعذبكم؟ والباء في ((بذنوبكم)) سببية. و ((مِمِّن خلقٍ)) صفةٌ لـ ((بشر)) فهو في محل رفع متعلق بمحذوف. (١) الإملاء ٢١٢/١. (٢) وهو قوله: ((المسيح ابن مريم وأمه)). (٣) وهو قوله: ((مَنْ في الأرض جميعاً». (٤) الكشاف ٦٠٢/١. ٢٣٠ - المائدة - آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ لكم﴾: تقدَّم نظيره(١). وقوله: ((على فترة)) فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه متعلقٌ بـ ((جاءكم)) أي: جاءكم / على [٢٣٩/ب] حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، ذكره الزمخشري(٢). والثاني: أنه حال من فاعل ((يبين)) أي: يبين في حال كونه على فترة. والثالث: أنه حال من الضمير المجرور في ((لكم))، فيتعلّق على هذين الوجهين بمحذوفٍ. و((من الرسل)» صفةٌ لـ ((فترة)) على أن معنى ((من)) ابتداءُ الغاية أي: فترةٍ صادرة من إرسال الرسل. قوله: ((أن تقولوا)) مفعول من أجله، فقدَّره الزمخشري (٣): ((كراهة أن تقولوا)). وأبو البقاء(٤): مخافةً أن تقولوا، والأول أَوْلى. وقوله: ((يبيِّن)) يجوز ألَّ يُرادَ له مفعول البتة، والمعنى: يبذل لكم البيانَ، ويجوز أن يكون محذوفاً: إمَّا لدلالة اللفظ عليه وهو ما تقدَّم من قوله: ((يبين لكم كثيراً))(٥) وإمَّا لدلالة الحال أي: يبيّن لكم ما كنتم تختلفون فيه. و((من بشير)) فاعل، زِيْدَتْ فيه ((مِنْ)) لوجود الشرطين و((لا نذير)) عطف على لفظه، ولو قرىء برفعه مراعاةٌ لموضعه جاز. وقوله: ((فقد جاءكم)) عطف على جملة مقدرة أي: لا تعتذروا فقد جاءكم. وما بعد هذا من الجمل واضحُ الإِعراب لِما تقدم من نظائره. آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿على أدباركم﴾: حالٌ من فاعل («ترتدَّوا)) أي: لا ترتدَّوا منقلبين، ويجوز أن يتعلَّق بنفس الفعل قبله، وقوله: ((فتنقلبوا)) فيه وجهان أظهرهما: أنه مجزومٌ عطفاً على فعل النهي. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار ((أنْ)) بعد الفاء في جواب النهي، و((خاسرين)) حال. وقرأ(٦) ابن (١) انظر: الآية ١٥ من المائدة. (٢) الكشاف ٦٠٢/١. (٣) الكشاف ٦٠٢/١. (٤) الإملاء ٢١٢/١. (٥) من الآية ١٥ من المائدة. (٦) البحر ٤٥٣/٣. ٢٣١ - المائدة :- محيصن هنا وفي جميع القرآن: ((يا قومُ)) مضمومَ الميم، ويُروى قراءةٌ عن ابن كثير، ووجهُها أنها لغةٌ في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم كقراءة: «قل ربُّ احكمْ بالحق))(١)، وقد بَيِّنْتُ هذه المسألة قبل ذلك. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: («یا قوميّ ادخلوا)) بفتح الياء . آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿فإنَّا داخِلُون﴾: أي: فإنَّا داخلون الأرضَ حَذَفَ المفعولَ للدلالة عليه. أ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿من الذينَ يخافون﴾: هذا الجار والمجرور في محل رفعٍ صفةً لـ ((رجلان))، ومفعولُ ((يخافون)) محذوفٌ، تقدیرُه: يخافون اللَّهَ أو يخافون العدوَّ، ولكن ثَبَّتهما الله تعالى بالإِيمان والثقة به حتى قالوا هذه المقالةَ، ويُؤْيِّد التقديرَ الأول التصريحُ بالمفعول في قراءة ابن مسعود: ((يخافون الله))، وهذان التأويلانِ بناءً على ما هو المشهور عند الجمهور مِنْ كَوْنِ الرجلين القائلَيْن ذلك مِنْ قومَ موسى وهما يُوشع وكالب، وقيل: الرجلان من الجبارين، ولكن أنعم الله عليهما بالإِيمان حتى قالا هذه المقالة يُحرِّضونهم على قومهم لمعاداتهم لهم في الدين، وعلى هذا القول فيحتمل أن يكونَ مفعولُ ((يخافون)) كما تقدَّم، أي: يخافون الله أو العدو، والمعنى كما تقدَّم، ويحتمل أن يكون المفعول ضميراً عائداً على الموصول ويكونُ الضميرُ المرفوع في ((يخافون)» ضميرَ بني اسرائيل، والتقدير: من الذين يخافهم بنو اسرائيل، وأيَّد الزمخشري(٢) هذا التأويل بقراءة(٣) مَنْ قرأ (يُخافون)) مبنياً للمفعول، وبقوله أيضاً: ((أنعم الله عليهما)) فإنه قال: ((وقراءةٌ (١) الآية ١١٢ من الأنبياء، وهي قراءة ابن محيصن أيضاً كما في القرطبي ٣٥١/١١. وقرأ ابن اليتيم هنا عن أبي حفص عن حفص عن عاصم ((قال)) والباقون بغير ألف. السبعة ٤٣٢. (٢) الكشاف ٦٠٤/١ (٣) الشواذ ٣١؛ البحر ٤٥٥/٣. ٢٣٢ - المائدة - مَنْ قرأ ((يُخافون)) بالضم شاهدة له، ولذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: مِنْ المُخَوَّفين)) انتهى. والقراءة المذكورة مرويةٌ عن ابن عباس وابن جبير: ومجاهد، وأبدى الزمخشري أيضاً في هذه القراءةِ احتمالاً آخر وهو أن تكون . من الإِخافة، ومعناه: من الذين يُخَوِّفُون من الله بالتذكرة والموعظةِ أو يُخَوِّفهم وعيدُ اللّه بالعقاب. وتحتملُ القراءةُ أيضاً وجهاً آخر: وهو أن يكونَ المعنى: (يُخافون)) أي: يُهابون ويُوَقَّرون، ويُرْجَعُ إليهم الفضلِهم وخيرِهم، ومع هذين الاحتمالين الأخيرين فلا ترجيحَ في هذه القراءة لكونِ الرجلين من الجبارين. وأما قوله(١): وكذلك ((أنعم الله عليهما)) أي: في كونه مرجِّحاً أيضاً لكونهما من الجبارين فغيرُ ظاهرٍ، لكون هذه الصفةِ مشتركةً بين يوشع وكالب وبين غيرِهما مِمِّن أنعمَ الله عليه. قوله: ((أنعم الله عليهما)) في هذه الجملةِ خمسةُ أوجه، أظهرها: أنها صفةٌ ثانيةٌ فمحلُّها الرفعُ، وجِيء هنا بأفصحِ الاستعمالين من كونه قَدَّم الوصفَ بالجارِّ على الوصف بالجملةِ لقُرْبه من المفرد. والثاني: أنها معترضةً، وهو أيضاً ظاهرٌ. الثالث: أنها حالٌ من الضمير في ((يَخافون)) قاله مكي(٢). الرابع: أنها حالٌ من ((رجلان))، وجاءت الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالوصفِ. الخامس: أنها حالٌ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورُ، وهو ((مِنَ الذين)) لوقوعِه صفةً لموصوف، وإذا جَعَلْتَها حالاً فلا بُدَّ من إضمارٍ ((قد)» مع الماضي على خلافٍ سَلّف في المسألة(٣). آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿ما داموا فيها﴾: ((ما)) مصدريةٌ ظرفيةٌ، و ((داموا)) صلتُها، وهي ((دام) الناقصةُ، وخبرُها الجارُّ بعدَه، وهذا الظرفُ بدل من ((أبداً) وهو بدلُ بعضٍ من كل؛ لأنَّ الأبَدَ يَعُمُّ الزمنَ المستقبل كلُّه، ودوامُ (١) أي قول الزمخشري السابق. (٢) المشكل ٢٢٤/١. (٣) انظر المسألة في: الإنصاف ١٦٠؛ والمقتضب ١٢٤/٤؛ والبحر ٣١٧/٣. ٢٣٣ - المائدة - الجبارين فيها بعضُه، وظاهرُ عبارة الزمخشري يحتمل أن يكون بدلَ كل من كل أو عطفَ بيان، والعطفُ قد يقع بين النكرتين على كلامٍ فيه تقدَّم، قال الزمخشري(١): ((وأبداً) تعليقٌ للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، و((ما داموا فيها)) بيانُ الأمر)»، فهذه العبارة تحتمل أنه بدلُ بعضٍ من كل، لأنَّ بدلَ البعض من الكل مبيِّنُ للمراد نحو: ((أكلت الرغيف ثلثه))، ويَحْتمل أن يكونَ بدلَ كل من كل فإنه بيانٌ أيضاً للأولِ وإيضاحٌ له، نحو: ((رأيت زيداً أخاك))، ويحتمل أن يكونَ عطف بيان. قوله: ((وربُّك)) فيه أربعة أوجه، أحدهما: أنه مرفوع عطفاً على الفاعل [٢٤٠/أ] المستتر في ((اذهب))، وجازّ ذلك للتأكيد بالضمير. الثاني: أنه مرفوعٌ بفعل محذوف أي: وليذهب ربك، ويكون من عطف الجمل، وقد تقدم لي نقلُ هذا القول والردُّ عليه ومخالفته لنصِّ سيبويه عند قوله تعالى: ((اسكُنْ أنت وزوجُك الجنة))(٢). الثالث: أنه مبتدأ والخبرُ محذوفٌ والواوُ للحالِ. الرابع: أن الواوَ للعطفِ وما بعدها مبتدأ محذوفُ الخبرِ أيضاً، ولا محلّ لهذه الجملةِ لكونها دعاءً، والتقدير: وربُّك يعينُك. قوله: ((ههنا قاعدون)) ((هنا) وحده هو الظرف المكاني الذي لا يتصرَّفُ إلا بجرِّه بـ ((مِنْ)) و((إلى))، و((ها)) قبله للتنبيه كسائر أسماءِ الإِشارةِ، وعاملُه ((قاعدون))، وقد أُجيز أن يكونَ خبزَ ((إنَّ)، و((قاعدون)) خبرٌ ثان وهو بعيدٌ، وفي غير القرآن إذا اجتمع ظرف يصلح الإِخبار به مع وصفٍ آخرَ يجوزُ أن يُجْعَلَ الظرفُ خبراً والوصفُ حالاً، وأنّ يكونَ الخبرُ الوصفَ والظرفُ منصوبٌ به كهذه الآية. آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿وأخي﴾: فيه ستة أوجه أظهرها: أنه منصوب عطفاً على ((نفسي)) والمعنى: ولا أملك إلا أخي مع مِلْكي لنفسي دون غيرنا. (١) الكشاف ٦٠٤/١. (٢) الآية ٣٥ من البقرة. ٢٣٤ - المائدة - الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على اسم ((إِنَّ))، وخبرُه محذوفٌ للدلالة اللفظية عليه أي: وإنَّ أخي لا يملك إلا نفسَه. الثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على محل اسم (إنَّ)) لأنه بعد استكمالِ الخبر، على خلافٍ في ذلك، وإن كان بعضُهم قد ادَّعى الإجماعَ على جوازِه. الرابع: أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ للدلالة المتقدمة، ويكون قد عَطَف جملةً غيرَ مؤكدة على جملة مؤكّدة بـ((إِنَّ). الخامس: أنه مرفوع عطفاً على الضمير المستكنَّ في ((أملك))، والتقدير: ولا يَمْلِكُ أخي إلا نفسَه، وجاز ذلك للفصلِ بقوله: (إلا نفسي)) وقال بهذا الزمخشري(١) ومكي(٢) وابن عطية(٣) وأبو البقاء(٤). وردّ الشيخ(٥) هذا الوجه بأنه يلزم منه أن موسى وهرون لا يملكان إلا نفس موسى فقط، وليس المعنى على ذلك)). وهذا الردُّ ليس بشيءٍ، لأن القائلَ بهذا الوجهِ صرَّح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف، وأيضاً اللَّبْسُ مأمون، فإنَّ كلَّ أحدٍ يتبادر إلى ذهنه(٦) أنه يملك أمرَ نفسِه. السادس: أنه مجرورٌ عطفاً على الياء في ((نفسي)) أي: إلا نفسي ونفسَ أخي، وهو ضعيفٌ على قواعد البصريين للعطف على الضمير المجرورِ مِنْ غيرِ إعادةِ الجارّ(٧)، وقد تقدَّم ما فيه(٨). والحسن (٩) البصري يَقْرأ بفتحِ ياء ((نفسي)) و ((أخي)). وقرأ (١٠) يوسف ابن ١ (١) الكشاف ٦٠٥/١. (٢) المشكل ٢٢٥/١. (٣) المحرر ٧٣/٥. (٤) الإملاء ٢١٣/١. (٥) البحر ٤٥٧/٣. (٦) سقطت الذال من ((ذهنه)) سهواً في الأصل. (٧) الجار هنا المضاف. (٨) انظر إعرابه للآية ١ من النساء. (٩) الشواذ ٣٢؛ البحر ٤٥٧/٣. (١٠) الشواذ ٣١ - ٣٢؛ البحر ٤٥٧/٣، ولم أهتد إلى ترجمة يوسف بن داود. ٢٣٥ - المائدة - داود وعبيد بن عمير: ((فافرِقْ)) بكسرِ الراء وهي لغة: فَرَق يفرِق كيضرِب. قال الراجز (١): ١٧١٤ - يا ربِّ فافرُقْ بينه وبيني أشدَّ مَا فرَّقْتَّ بين اثنَيْنِ . وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ: ((فَفرِّقْ)) مضعفاً وهي مخالفةٌ للرسم. و((بين» معمولةٌ لـ ((افْرُق))، وكان مِنْ حَقِّها ألَّ تُكَرَّر في العطف، تقول: ((المال بين زيد وعمرو)) وإنما كُرِّرت للاحتياج إلى تكرُّرِ الجار (٢) في العطف على الضمير المجرور، وهو يؤيِّدُ مذهبَ البصريين. آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿أربعينَ سنةً﴾: فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ بـ ((مُحَرَّمة))، فإنه رُوي في القصة أنهم بعد الأربعين دَخَلوها فيكون قد قيَّد تحریمها عليهم بهذه المدةِ، وأخبر أنهم یتیهون، ولم یبیِّن کمیة التیه، وعلى هذا ففي ((يتيهون)) احتمالان، أحدهما: أنه مستأنفٌ، والثاني: أنه حالٌ من الضمير في ((عليهم)). الوجه الثاني: أنَّ ((أربعين)) منصوبٌ بـ ((يتيهون)) فيكونُ قد قَيِّد التيه بالأربعين، وأمَّا التحريمُ فمطلقٌ، فيحتمل أن يكون مستمراً وأن يكون منقطعاً، وأنها أُجِّلَتْ لهم، وقد قيل بكلِّ من الاحتمالين، رُوي أنه لم يَدْخُلْها أحد مِمَّن كان في التيه ولم يَدْخُلُها إلا أبناؤهُم، وأما الآباءُ فماتوا. وما أدري ما الذي حَمَل أبا محمد ابن عطية (٣) على تجويزِه أن يكونُ العاملُ في ((أربعين)) مضمراً يفسِّره ((يتيهون)) المتأخر، ولا ما اضطره إلى ذلك من مانعٍ صناعي أو معنوي؟ وجوازُ الوقف والابتداء بقوله: ((عليهم)) و((يتيهون)) مفهومان ممَّا تقدَّم من الإِعراب. (١) لم أهتد إلى قائله وهو في مجاز القرآن ١٦٠/١؛ والطبري ١٨٨/١٠؛ والبحر ٤٥٧/٣ (٢) الجار ((بين)) والضمير المجرور ((نا)). (٣) المحرر ٧٤/٥ - ٧٥ ٢٣٦ - المائدة - والتِّيه: الخَيْرةُ، ومنه: ((أرضٌ تَيْهاء)) لحَيْرة سالكها، قال(١): ١٧١٥ - بتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنها قُطا الحَزْن قد كانَتْ فراخاً بيوضُها ويقال: ((تاه يتيه)) و((هو أَتْيَّهُ منه)) و((تاه يَتُوه)) و((هو أَتْوَهُ منه)) فقولُ مَنْ قال: ((يتيه)) و((تَوَّهْتُه)) من التداخل(٢)، ومثله: ((طاح)) في كونِه سُمع في عينِه الوجهان، وأنَّ فيه التداخلَ أيضاً، فإنَّ مَنْ قال ((يطيح)) قال ((طَوّحته)) و «هو أَطْوَحُ منه)). والأسى: الحُزْن، يقال: أَسِي - بكسر العين - يَأْسَى، بفتحها. ولامُ الكلمة تحتمل أن تكونَ من واوٍ، وهو الظاهرُ لقولهم: ((رجل أَسْوان)) بزنة سَكْران، أي: كثير الحزنِ، وقالوا في تثنية الأسى: أَسَوان، وإنما قُلبت الواوُ في ((أَسِيَ)) ياءً لانكسارِ ما قبلَها، ويُحْتمل أن تكون ياءً فقد حُكى ((رجل أسْيان)) أي كثيرُ الحزن، فتثنيتُه على هذا ((أَسَيان)). وعادةُ الناسِ يَسْأَلُون هنا سؤالاً: وهو - كما قال الزمخشري _(٣) «كيف نُوَفِّقُ بين قوله تعالى: ((فإنها مُحَرَّمةٌ عليهم)) وبين قوله: ((التي كَتَبَ اللَّهُ لكم))؟ وأجابَ بوجهين، أحدُهما: أن يكونَ كَتَبها لهم بشرط أن يجاهدوا فلم [يجاهدوا]، والثاني: أنَّ التحريم كان مؤقتاً بمدة الأربعين، فلما انتهت دَخَلُوها / . [٢٤٠/ب] آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿بالحقِّ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه حال من فاعل ((اتلُ)) أي: اتلُ ذلك حالَ كونِك ملتبساً بالحق أي: بالصدق. (١) تقدم برقم ٣٦٤. (٢) أي: هاتان اللغتان من التداخل. (٣) الكشاف ٦٠٥/١. ٢٣٧ - المائدة - الثاني: أنه حالٌ من مفعولِهِ وهو ((نبأ)» أَي: اتلُ نبأَهما ملتبساً بالصدق موافقاً لِما في كتب الأولين لتثبتَ عليهم الحجةُ برسالتك. الثالث: انه صفةٌ لمصدرٍ ((اتلُ)) أي: اتل ذلك تلاوةُ ملتبسةً بالحقِّ والصدق، وكأنه اختيار الزمخشري(١)، إذ به بدأ، وعلى الأوجهِ الثلاثةِ فالباء للمصاحبة، وهي متعلقةً بمحذوفٍ. وقرأ(٢) أبو عمرو بسكون الميم من ((آدم)) قبل باءِ ((بالحق))، وكذا كلُّ ميمٍ قبلها متحرك وبعدها باءٌ. قوله: ((إذا قرَّبا)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وبه بدأ الزمخشري(٣) وأبو البقاء ـ(٤) أن يكونَ متعلقاً بنفسِ النبأ، أي: قصتُهما وحديثهما في ذلك الوقتِ، وهذا واضحٌ. الثاني: أنه بدلٌ من ((نبأ)» على حذف مضافٍ تقديرُه: واتلُ عليهم النبأَ نباً ذلك الوقتِ، كذا قَدَّره الزمخشري(٥). قال الشيخ (٦): ((ولا يجوزُ ما ذَكَر لأنَّ ((إذ)) لا يُضافُ إليهما إلا الزمانُ، و((نبأ)» ليس بزمانِ. الثالث : - ذكّره أبو البقاء _(٧) أنه حالٌ من ((نبأ)) وعلى هذا فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، لكن هذا الوجهَ غيرُ واضحٍ ، قال أبو البقاء: ((ولا يكونُ ظرفاً لـ «اتلُ)). قلت: لأنَّ الفعلَ مستقبل و((إذ)) وقتٌ ماضٍ فكيف يتلاقيان؟ والقُرْبان: فيه احتمالان، أحدُهما : - وبه قال الزمخشري -(٨) انه اسمٌ لِما يُتَقَرَّب به، قال: ((كما أنَّ الحُلْوان اسم ما يُحَلِّي أو يُعْطي يقال: ((قَرَّبَ (١) الكشاف ٦٠٦/١. (٢) انظر: السبعة ١١٧ (٣) الكشاف ٦٠٦/١. (٤) الإملاء ٢١٣/١. (٥) الكشاف ٦٠٦/١. (٦) البحر ٤٦١/٣. (٧) الإملاء ٢١٣/١. (٨) الكشاف ١ /٦٠٦. ٢٣٨ - المائدة - صدقةً وتقرَّب بها))، لأن ((تقرَّب)) مطاوعُ ((قَرَّب)). قال الأصمعي: ((تَقَرَّبوا قِرْفَ القِمَع))(١) فيُعَدَّى بالباء حتى يكون بمعنى قَرَّب)) أي: فيكونُ قوله: ((إذ قَرِّبا قُرْبانا)) يَطْلُبُ مطاوعاً له، فالتقدير: إذ قَرَّباه فتقرَّبا به، وفيه بُعْدٌ. قال الشيخ (٢): ((وليس (تقرّب بصدقة)) مطاوع ((قَرَّب صدقة)) لاتحاد فاعلِ الفعلين، والمطاوعةُ يختلف فيها الفاعل يكونُ من أحدِهما فعلٌ ومن الآخر انِفِعال نحو: كَسَرْتُه فانكسر، وفَلَقْتُه فانفلق، فليس قَرَّب صدقته وتقرّب بها من هذا الباب، فهو غلط فاحش)). وفيما قاله الشيخ نظرً، لأَنَّا لا نُسَلَّم هذه القاعدة. والاحتمال الثاني: أن يكونَ في الأصلِ مصدراً ثم أُطلق على الشيء المتقرَّب به كقولهم: ((نَسْج اليمن)) و((ضَرْب الأمير)» ويؤيِّد ذلك أنه لم يُثَنَّ والموضعُ موضعُ تثنية؛ لأنَّ كلّ من قابيل وهابيل له قُرْبان يَخُصُّه، فالأصلُ: إِذْ قَرَّبا قربانين وإنما لم يُثَنَّ لأنه مصدرٌ في الأصل. وللقائل بانه اسمُ ما يُتَقَرَّب [به] لا مصدرٌ أن يقولَ: إنما لم يُثَنَّ،، لأنَّ المعنى - كما قاله أبو علي الفارسي - إذ قَرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما قرباناً كقوله تعالى: ((فاجلدوهم ثمانين جَلْدة))(٣) أي: كلَّ واحدٍ منهم. وقوله: ((قال لأقتلنَّك)) أي: قال الذي لم يُتْقَبَّلْ منه للمقبول منه. وقرأ الجمهور: ((لأقتلنَّك)) بالنون الشديدة. وهذا جوابُ قسم محذوف، وقرأه(٤) زيد بالخفيفة. قال: إنما يتقبّل الله)) مفعولُه محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه أي: قرابينَهم وأعمالَهم، ويجوز ألَّ يُراد له مفعول كقوله: ((فأمَّا مَنْ أَعْطى (١) قال في اللسان: ((قرف)): ((يعني بالقمع قمع الوطْب - سقاء اللبن - الذي يصبُّ فيه اللبن، وقِرْفُه ما يُلْزَقُ به من وسخِ اللبن، فأراد أن هؤلاء المخاطبين أوساخ، ونصبُه على النداء». (٢) البحر ٤٦١/٣. (٣) الآية ٤ من النور. (٤) البحر ٤٦١/٣ وهو زيد بن علي وتقدمت ترجمته. ٢٣٩ : : - المائدة - واتقى))(١) هذه الجملةُ قال أبو محمد بن عطية (٢): ((قبلها كلامٌ محذوف، تقديره: لِمَ تَقْتُلني وأنا لم أَجْنِ شيئاً ولا ذنبَ لي في تقبُّل الله قرباني دونَ قربانِك؟)) وذكّر كلاماً كثيراً. وقال غيرُه: ((فيه حذْفٌ يَطُول)) وذكرَ نحوه، ولا حاجة إلى تقديرِ ذلك كله، إذ المعاني المفهومةُ من فَحْوى الكلام إذا قُدْرَتْ قصيرةً كان أحسنَ، والمعنى هنا: قال لأقتلنك حسداً على تقبُّل قربانك فعرّض له بأنَّ سببَ التقُّل التقوى. وقال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلت: كيف كان قولُه: ((إنما يتقبَّلُ الله من المتقين)) جواباً لقوله: (لأقتلنّك))؟ قلت: لَمَّا كان الحَسَدُ لأخيه على تقبُّل قربانه هو الذي حَمَله على توعُدِه بالقتل، قال: إنما أُتيت مِنْ قِبل نفسك الانسلاخِها من لباس التقوى)) انتهى. وهذا ونحوه من تفسير المعنى لا الإِعراب. وقيل: إن هذه الجملةَ اعتراضٌ بين كلام القاتل وبين كلام المقتول. والضمير في ((قال)) إنما يعود على الله تعالى، أي: قال الله ذلك لرسوله فيكونُ قد اعترضَ بقوله: ((إنما يتقبّل الله)) بين كلام. قابيل وهو: ((قال لأقتلنَّك)) وبين كلامِ هابيل، وهو (لئن بَسَطْتَ)) إلى آخره، وهو في غايةِ الْبُعْد لتنافِرِ النظم. آ. (٢٨) واللاُ في قوله: ﴿لَئِنْ﴾: هي الموطئةُ. وقوله: (ما أنا بباسط)) جوابُ القسم المحذوف، وهذا على القاعدة المقرّرة من أنه إذا اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ أُجِيب سابقُهما إلا في صورة تقدَّم التنبيه عليها(٤). وقال الزمخشري (٥): ((فإن قلت: لِمَ جاء الشرطُ بلفظِ الفعلِ، والجزاء بلفظِ اسمِ الفاعلِ وهو قولُه: ((لَئِنْ بَسَطْتَ، ما أنا بباسطٍ))؟ قلت: ليفيدَ أنه (١) الآية ٥ من الليل. (٢) المحرر ٧٨/٥. (٣) الكشاف ٦٠٦/١. (٤) وهي أن يتقدم ذو خبر، فإنْ تقدم رَجَح الشرط. (٥) الكشاف ٦٠٧/١. ٢٤٠