النص المفهرس
صفحات 181-200
- المائدة - المتلوِّ عليهم، وغَرَّهم في ذلك كونُه كتب ((محلِّي)) بالياء، وقدَّروه هم أنه اسم فاعل من ((أحلَّ)) وأنه مضاف إلى الصيد إضافةً اسم الفاعلِ المتعدِّي إلى المفعول، وأنه جَمْعٌ حُذِف منه النونُ للإضافة، وأصلُه: ((غيرَ محلين الصيد)) إلا في قولِ مَنْ جعله حالاً من الفعل المحذوف فإنه لا يُقَدِّر حذف نون، بل حذفَ تنوين(١). وإنما يزول الإِشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله ((مُحِلّي الصيد)) من باب قولهم ((حسان النساء))، والمعنى: النساء الحسان فكذلك هذا، أصلُه: غيرَ الصيدِ المُحِلّ، والمُحِلُّ صفة للصيد لا للناس ولا للفاعل المحذوف. ووصفُ الصيد بأنه مُحِلٍّ على وجهين، أحدهما: أن يكون معناه دَخَل في الحل، كما تقول: ((أَحَلَّ الرجلُ)) إذا دخل في الحِلِّ، وأَحْرم إذا دخل في الحرم. والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حِلّ، أي: حَلالاً بتحليلِ الله، وذلك أنَّ الصيدَ على قسمين: حلالٌ وحرام، ولا يختصُّ الصيدُ في لغةٍ العرب / بالحلال لكنه يختصُّ به شرعاً، وقد تَجَوَّزت العربُ فأطلقت الصيد [٢٣٣/أ] على ما لا يوصف بحِلٍّ ولا حُرْمة كقوله(٢): ١٦٨٤- لَيْثُ بعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا ما الليثُ كَذَّب عن أقرانِه صَدَقًا وقولِ الآخر(٣): ١٦٨٥- وقد ذَهَبَتْ سَلْمَى بعقلِك كلِّه فهل غيرُ صِيدٍ أَحْرَزَتْهُ حبائِلُهْ (١) لأن النون تدلُّ على الجمع والفاعل مفرد وهو ((الله). (٢) البيت لزهير، وهو في ديوانه ٥٤؛ والمنصف ١٢١/٣؛ وابن يعيش ٦١/١؛ وشواهد الكشاف ٤٦٩/٤. وعثر: مكان. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤١٧/٣. ١٨١ - المائدة - وقولِ امرىء القيس (١). ١٦٨٦ - وهِرٌّ تصيدُ قلوبَ الرجالِ وأَقْلَتَ منها ابنُ عمروٍ حُجُرْ ومجيءُ ((أَفْعَل)) على الوجهين المذكورين كثيرٌ في لسان العرب، فَمِنْ مجيء أفعل لبلوغِ المكان ودخولِه قولُهم: أحرمَ الرجلُ وأَعْرِق وأَشْأَم وَأَيْمن وأَنّهم وأنْجد، إذا بلغ هذه الأماكن وحَلَّ بها، ومن مجيء أفعل بمعنى صار ذا كذا قولهم: ((أعشبت الأرض، وأبقلت، وأَغَدَّ (٢) البعير، وأَلْبنت الشاة وغيرها، وأَجْرت الكلبة(٣)، وأَصْرم النخل(٤)، وأَتْلَت الناقة(٥)، وأَحْصَدَ الزرع، وأَجْرب الرجل، وأنجبت المرأة)). وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه مُحِلّ باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بَلَغ أو صار ذا حِلّ اتضح كونُه استثناء ثانياً ولا يكون استثناء من استثناء. إذ لا يمكن ذلك لتناقض الحكم ، لأنَّ المستثنى من المُخَلَّلَ مُحَرَّم، والمستثنى من المحرم مُحَلَّل، بل إنْ كان المعنيُّ بقوله («بهيمة الأنعام)) الأنعامَ أنفسها فيكونُ استثناء منقطعاً، وإن كان المرادُ الظباءَ وبقرَ الوحش وحمره، فيكون استثناء متصلاً على أحد تفسيري. المُحِلّ، استثنى الصيد الذي بلغ الحِلَّ في حال كونهم مُحْرمين. فإن قلت: ما فائدةُ هذا الاستثناءِ بقيدِ بلوغِ الحِلُّ، والصيد الذي في الحرم لا يَحِلَّ أيضاً؟ قلت: الصيدُ الذي في الحَرَم لا يَحِلُّ للمحرم ولا لغير المحرم، وإنما يَحِلُّ لِغير المحرم الصيدُ الذي في الحِلّ، فنَّه بأنه إذا كان الصيد الذي في الحِلِّ يَحْرُم على المُجْرِم - وإن كان حلالاً لغيره - فأحرى أن يَحْرُم عليه (١) ديوانه ١٥٥؛ والبحر ٤١٧/٣. (٢) أُغَدَّ: صار ذا غدة. (٣) أجرت: صار ذات جُرْوٌ. (٤) أصرم النخل: حان له أن يقطع. .(٥) أتلت: صار لها ولدٌ يتلوها. ١٨٢ - المائدة - الصيدُ الذي هو بالحَرَم، وعلى هذا التفسير يكون قوله: ((إلا ما يُتلى عليكم)) إنْ كان المراد به ما جاء بعده من قوله: ((حُرِّمت عليكم)» الآية استثناءً منقطعاً، إذ لا تختص الميتة وما ذُكِر معها بالظباء وبقرِ الوحش وحمره فيصير: ((لكن ما يتلى عليكم - أي: تحريمُه - فهو مُحَرَّم))، وإن كان المرادُ ببهيمة الأنعام. الأنعامَ والوحوشَ فيكون الاستثناءان راجِعَيْن إلى المجموع على التفصيل فيرجع (ما يتلى عليكم)) إلى ثمانية الأزواج، ويرجع ((غيرَ مُحِلّي الصيد)) إلى الوحوش، إذ لا يمكن أن يكون الثاني استثناء من الاستثناء الأول، وإذا لم يمكن ذلك وأمكن رجوعه إلى الأول بوجهٍ ما رجع إلى الأول، وقد نص النحويون أنه إذا لم يمكن استثناءُ بعضِ المستثنيات من بعض جُعِل الكلُّ مستثنَّى من الأول نحو: ((قام القومُ إلا زيداً إلا عمرواً إلا بكراً». فإن قلت: ما ذكرته من هذا التخريج وهو كونُ المُحِلِّ من صفة الصيد لا من صفة الناس ولا من صفة الفاعل المحذوف يأباه رسمه في في المصحف ((مُحِلّي)) بالياء، ولو كان من صفة الصيد دون الناس لكتب ((مُحِلّ)» من غير ياء، وكونُ القراء وقفوا عليه بالياء أيضاً يأبى ذلك. قلت: لا يعكر ذلك على التخريج، لأنهم قد رسموا في المصحف الكريم أشياءَ تخالف النطق بها ككتابتهم ((لا أَذْبَحَنَّه))(١)، و((لا أَوضَعوا))(٢) ألفاً بعد لام الألف، وكتابتهم ((بأَيْيد))(٣) بياءين بعد الهمزة، وكتابتهم ((أولئك)) بزيادة واو، ونقصِ ألفٍ بعد اللام، وكتابتهم ((الصالحات)) ونحوه بسقوط الألفين إلى غير ذلك. وأمَّا وقفُهم عليه بالياء فلا يجوزُ، إذ لا يوقف على المضافِ دون المضاف إليه، وإنْ وقف واقف فإنَّما يكون لِقَطْع نَفَسٍ أو اختبار، وعلى أنه يمكن توجيه كتابته بالياء (١) الآية ٢١ من النمل. (٢) الآية ٤٧ من التوبة: ((ولأوْضَعُوا خلالكم يَبْغُونَكم الفتنةَ)) غير أني لم أجد ذلك في المصحف، ورسمت بدن ألف. (٣) الآية ٤٧ من الذاريات ((بَنَيْناها بأيْدٍ)). ١٨٣ - المائدة ـ والوقف عليه بها وهو أنَّ لغةً الأزد يقفون فيها على ((بزيدٍ)): بزيدي، بإبدال التنوين ياءً فكتب ((مُحِلِّي)) على الوقف على هذه اللغة بالياء، وهذا توجيهُ شذوذٍ رَسْمي، ورسمُ المصحف مما لا يقاس عليه)) انتهى . وهذا الذي ذكره واختاره وغَلَّط الناس فيه ليس بشيء، وما ذكره من توجيه ثبوت الياء خطاً ووقفاً فخطأ محض؛ لأنه على تقدير تسليم ذلك في تلك اللغة فأين التنوينُ الذي في ((مُحِل))؟ وكيف يكون فيه تنوين وهو مضاف حتى يقول: إنه قد يُوَجَّه بلغة الأزد، وما ذكره من كونه يحتمل مما يكونون قد كتبوه كما كتبوا تلك الأمثلة المذكورة فشيء لا يُعَوَّل عليه، لأنَّ خط المصحف سُنَّةٌ متبعة لا يقاس عليه فكيف يقول: يحتمل أن يقاس هذا على تلك الأشياء؟ وأيضاً فإنهم لم يُعْربوا (غير)) إلا حالاً، حتى نقل بعضهم الإجماع على ذلك، وإنما اختلفوا في صاحب الحال، فقوله: إنه استثناء ثان مع هذه الأوجه الضعيفة خرقٌ للإِجماع، إلا ما تقدم نَقْلُه عن بعضهم من أنه استثناء ثانِ، وعزاه للبصريين، لكن لا على هذا المَدْرَك الذي ذكره الشيخ. وقديماً وحديثاً استشكل الناسُ هذه الآيةَ. قال ابن عطية(١): ((وقد خَلَط الناس في هذا الموضع في نصب ((غير)) وقدَّروا تقديمات وتأخيرات، وذلك كله غير مُرْضٍ ، لأنَّ الكلام على اطراده فيمكن استثناء بعد استثناء)). وهذه الآية مما اتضح للفصحاء البلغاء فصاحتُها وبلاغتها، حتى يُحْكّى أنه قيل للكندي(١): ((أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن)) فقال: (نعم أعملُ لكم مثلَ بعضِهِ))، فاحتجب أياماً كثيرة، ثم خَرَجَ فقال: ((واللهِ لا يَقْدِرُ أحد على ذلك، إنني [٢٣٣/ب] فتحت المصحفَ فخرجت سورةُ المائدة / فإذا هو قد نَطَّقَ بالوفاء ونهى عن (١) المحرر ١٠/٥. (٢) يعقوب بن إسحاق، فيلسوف نشأ في البصرة، له كتب في شتى العلوم. توفي سنة ٢٦٠؛ انظر: الأعلام ٢٥٥/٩ . ١٨٤ - المائدة - النكث وحَلَّل تحليلاً عاماً ثم استثنى استثناءً بعد استثناء، ثم أَخْبَرَ عن قُدْرَتِه وحکمته في سطرین)). والجمهور على نصب ((غير))، وقرأ(١) ابن أبي عبلة برفعه، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه نعت لـ ((بهيمة الأنعام)) والموصوف بـ ((غير)) لا يلزم فيه أن يكونَ مماثلاً لما بعدها في جنسه، تقول: مررت برجلٍ غيرِ حمار)» هكذا قالوه، وفيه نظر، ولكن ظاهر هذه القراءة يدلُّ لهم. والثاني: أنه نعتٌ للضمير في ((يُتْلى)) قال ابن عطية (٢): ((لأنَّ ((غير محلي الصيد)) في المعنى بمنزلة ((غير مُسْتَحَلّ ء إذا كان صيداً)) وقيه تكلُّفُ. والصيد في الأصل مصدر صاد يصيد ويُصاد، ويُطْلق على المصيد كـ «درهمّ ضَرْبُ الأميرِ»، وهو في الآية الكريمة يحتمل الأمرين: أعني مِنْ كونه باقياً على مصدريته، كأنه قيل: أَحَلَّ لكم بهيمة الأنعام غيرَ محلِّين الاصطيادَ وأنتم مُحْرِمون، ومن كونه واقعاً موقع المفعول أي: غيرَ محلِّين الشيء المصيد وأنتم مُخْرمون. وقوله: ((وأنتمْ حُرُمٌ)) مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، وما هو صاحبُ هذه الحال؟ فقال الزمخشري(٣): ((هي حال عن («مُحِلّ الصيد) كأنه قيل: أَحْلَلْنا لكم بعضَ الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم مُحْرِمون لئلا نتحرِّج عليكم)). قال الشيخ(٤): ((وقد بَيِّنًا فساد هذا القول بأنَّ الأنعامَ مباحةً مطلقاً لا بالتقييد بهذه الحال)). وهذا الردُّ ليس بشيء لأنه إذا أَحَلَّ لهم بعضَ الأنعام في حالِ امتناعِهم من الصيد فأنْ يُحِلُّها لهم وهم غيرُ (١) البحر ٤١٨/٣. (٢) المحرر ٩/٥. (٣) الكشاف ٥٩١/١. (٤) البحر ٤١٨/٣. ١٨٥ - المائدة - مُحْرِمين بطريقِ الأولى. و ((حُرُمٌ)) جمعَ حرام بمعنى مُحْرِمٍ قال(١): ١٦٨٧- فقلْتُ لها فيئي إليك فإنني حَرَامٌ وإني بعد ذاك لبيبُ أي: مُلَبّ، وأَخْرَمَ: إذا دَخَل في الحَرَم أو في الإِحرامِ. وقال مكي(٢) بن أبي طالب: (هو في موضع نصب على الحال من المضمر في ((محلي))، وهذا هو الصحيح، وأما ما ذكره أبو القاسم فلا يَظْهَرُ(٣)، وفيهِ مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة. وقرأ(٤) يحيى بن وثاب وإبراهيم والحسن: ((حُرْم)) بسكون الراء، قال أبو الحسن: ((هي لغة تميم)) يعني يسكِّنون ضم ((فُعُل)) جمعاً نحو: ((رُسْل)) .. آ. (٢) قوله تعالى: ﴿ولا القلائدَ﴾: ولا ذوات القلائد، ويجوز أن يكونَ المرادُ القلائدَ حقيقة، ويكون فيه مبالغةً في النهي عن التعرض للهَدْي المقلَّد، فإنه إذا نَهَى عِن قِلادته أن يُتَعَرَّض لها فبطريق الَأوْلى أن يُنْهى عن التعرض للهَدْي المُقَلَّد بها، وهذا كما قال تعالى: ((ولا يُبْدِين زينتهن)(٥) لأنه إذا نَهَى عن إظهار الزينة فما بالك بمواضعها من الأعضاء. وقوله: ولا آمِّيْنَ)) أي: ولا تُحِلُّوا قوماً آمِّينَ، ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي: لا تُحِلُّوا قتالَ قوم أو أذى قوم آمِين. وقرأ عبدالله(٦) ومَنْ تبعه: ((ولا آمِّي البيتِ)) بحذف (١) البيت للمخبل السعدي أو المضرب بن كعب، وهو في أمالي القالي ١٧١/٢؛ وأمالي الشجري ١٧٤/١؛ والقرطبي ٣٦/٦؛ واللسان: ((ليب)) والخزانة ٢٧٠/١. (٢) المشكل ٢١٧/١. (٣) أبو القاسم هو الزمخشري، وكان قد قَبِل كلامه من جهة المعنى، ويرفض الآن التوجيه الصناعي . (٤) الشواذ ٣١؛ والقرطبي ٣٦/٦. (٥) الآية ٣١ من النور. (٦) الشواذ ٣٠؛ القرطبي ٤٢/٦؛ البحر ٤٢٠/٣. ١٨٦ - المائدة - النون وإضافة اسم الفاعل إلى معموله. و((البيت)) نصبٌ على المفعول به بـ ((آمين)) أي قاصدين البيتَ، وليس ظرفاً. وقوله: ((يبتغون)) حالٌ من الضمير في ((أَمِّين)) أي: حالَ كون الأَمِّين مبتغين فَضْلًا، ولا يجوزُ أن تكونَ هذه الجملة صفة لـ ((آمين)) لأن اسم الفاعل متى وُصف بَطَل عمله على الصحيح(١)، وخالف الكوفيون في ذلك، وأعرب مكي (٢) هذه الجملةَ صفةً لـ ((آمِّين)) وليس بجيد لِما تقدم، وكأنه تبع في ذلك الكوفيين. وهنا سؤال: وهو أنه لِم لا قيل (٣) بجوازٍ إعماله قبل وصفِه كما في هذه الآية قياساً على المصدر فإنه يَعْمل قبلَ أن يُوصف نحو: يعجبني ضربٌ زيداً شديدٌ؟ والجمهور على ((يبتغون)) بتاء الخطاب، على أنه خطاب للمؤمنين وهي قَلِقة لقوله: ((من ربهم))، ولو أريد خطاب المؤمنين لكان تمامُ المناسبة: ((تبتغون فضلاً من ربكم)). و((من ربهم)) يجوز أن يتعلق بنفس الفعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ ((فضلًاً)) أي: فضلا كائناً من ربهم. وقد تقدم(٥) الخلاف في ضم راء ((رضوان)) في آل عمران. وإذا عَلَّقنا ((من ربهم)) بمحذوفٍ على أنه صفة لـ ((فضلاً)) فيكون قد حَذَفَ صفة ((رضوان)) لدلالةِ ما قبله عليه أي: ورضواناً من ربهم، وإذا عَلَّقناه بنفس الفعل لم يحتجْ إلی ذلك. قوله: ((وإذا حَلَلْتُمْ فاصطادوا)) قُرىء(٦): ((أَحْللتم)) وهي لغة في ((حَلَّ))، (١) لأن اسم الفاعل إذا وُصِف خرجٍ عن شبه الفعل، لأن الفعل لا يوصف، وإذا خرج الوصف عن شبه الفعل ينبغي ألا يعمل. انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري ٢٨٣/١. (٢) المشكل ٢١٧/١. (٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: لا يقال. (٤) الشواذ ٣١؛ البحر ٤٢٠/٣. (٥) انظر: الآية ١٥. (٦) البحر ٤٢١/٣. ١٨٧ - المائدة - ويقال: ((أحَلَّ من إِحْرامِه)) كما يقال: حَلَّ. وقرأ(١) الحسن بن عمران(٢) وأبو واقد(٣) ونبيح (٤) والجراح بكسر الفاء العاطفة، وهي قراءةً ضعيفة مشكلة، وخَرَّجها الزمخشري(٥) على أن الكسر في الفاء بدلٌ من كسر الهمزة في الابتداء. وقال ابن عطية(٦): ((هي قراءةٌ مشكلة، ومن توجيهها أن يكونَ راعى كسر ألف الوصل إذا ابتدأ، فكسرَ الفاءَ مراعاةً وتذكَّراً لكسر ألف الوصل)). وقال الشيخ (٧): ((وليس عندي هو كسراً محضاً بل هو إمالة محضةً لتوهُّم وجود كسرة همزة الوصل، كما أمالوا فاء ((فإذا)) لوجود كسر الهمزة». قوله: ((ولا يَجْرِمَنَّكم)) قرأ الجمهور: ((يَجْرِمَنَّكم)) بفتح الياء من ((جرمٌ)) ثلاثياً، ومعنى ((جَرَمَ)) عند الكسائي وثعلب: حمل، يقال: ((جَرَمه على كذا)» أي: حمله عليه، فعلى هذا التفسير يتعدَّى ((جرم)) لواحد، وهو الكاف والميم، ويكون قوله: ((أَنْ تَعْتدوا)) على إسقاطِ حرف الخفض وهو ((على)) أي: ولا يَحْملنكم بُغْضكم لقوم على اعتدائكم عليهم، فيجيء في محلِّ ((أَنْ)) الخلافُ المشهور، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة. ومعناه عند أبي عبيد والفراء (٨) كسب، ومنه ((فلان جريمةُ أهله)) أي: كاسبهُم، وعن (١) الشواذ ٣٠؛ البحر ٤٢١/٣. (٢) الحسن بن عمران ثقة، روى عن سعيد بن عبدالرحمن ومكحول، ولم تذكر وفاته. انظر: تهذيب التهذيب ٣١٢/٢. (٣) أبو واقد الليثي، الحارث بن مالك، روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، توفي سنة ٦٨. انظر: تهذيب الكمال ١٦٥٧/٣. (٤) نبيح بن عبدالله العنزي الكوفي، روى عن ثلة من الصحابة، وروى عنه الأسود بن قيس، ثقة، لم تذكر وفاته. انظر: تهذيب التهذيب ٤١٧/١٠. (٥) الكشاف ٥٩٢/١. (٦) المحرر ١٦/٥. (٧) البحر ٤٢١/٣. (٨) معاني القرآن ٢٩٩/١. ١٨٨ - المائدة - الكسائي أيضاً: أنَّ جرم وأجرم بمعنى كَسَب غيره، وعلى هذا فيحتمل وجهين، أحدهما: أنه متعد لواحد. والثاني: أنه متعد لاثنين، كما أن (كَسَب)) كذلك، وأما في الآية الكريمة فلا يكون إلا متعدياً لاثنين أولُهما ضميرُ الخطاب. الثاني: ((أن تعتدوا)) أي: لا يَكْسِبَنَّكم بغضُكم لقومٍ الاعتداءَ عليهم . وقرأ عبدالله(١): ((يُجْرِمَنَّكم)) بضم الياء من أجرم رباعياً، وقيل: هو بمعنى جَرَم كما تقدم نَقْلُه عن الكسائي، وقيل: ((أجرم)) منقول من ((جرم)) بهمزة التعدية. قال الزمخشري(٢): ((جَرَمَ يجري مجرى كسب في تعديته إلى مفعول واحد وإلى اثنين، تقول: (جَرَم ذنباً) نحو: كَسَبه، وجرمته ذنباً أي: كَسَبته إياه، ويقال: أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين كقولك: ((أكسبته ذنباً)، وعليه قراءةُ عبدالله: ((ولا يُجْرمنكم))، وأولُ المفعولين على القراءتين / ضميرُ المخاطَبين، والثاني: ((أَنْ تعتدوا)). انتهى. [١/٢٣٤] وأصلُ هذه المادةِ - كما قال ابن عيسى الرماني - القطعُ، فجرم ((حَمَل على الشيء)) لقطعِه عن غيره، وجَرَم ((كَسَب)) لانقطاعه إلى الكسب، وجَرَم بمعنى ((حَقٌ)) لأن الحق يُقطع عليه. قال الخليل: ((لا جَرَم أن لهم النار))(٣) أي: لقد حق، هكذا قاله الرماني، فجَعَل بين هذه الألفاظ قَدْراً مشتركاً، وليس عنده من باب الاشتراك اللفظي . سمير و ((شَنَانُ: معناه بُغْض، وهو مصدر شَنِىء أي: أبغض. وقرأ(٤) ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ((شَنان)» بسكون النون، والباقون بفتحها، وجَوَّزوا في كل (١) الشواذ ٣١؛ والقرطبي ٤٥/٦. (٢) الكشاف ٥٩٢/١. (٣) الآية ٦٢ من النحل. (٤) السبعة ٢٤٢؛ الكشف ٤٠٤/١. ١٨٩ - - المائدة ــ منهما أن يكونَ مصدراً وأن يكون وصفاً، حتى يُحْكى عن أبي عليّ أنه قال(١): (مَنْ زَعَم أن ((فَعَلان)) إذا سَكَنت عينه لم يكن مصدراً فقد أخطأ إلا أن فَعْلان بسكون العين قليلٌ في المصادر نحو: ((لَوَيْتُه دَيْنَه ◌َيَّاناً» بل هو كثير في الصفات نحو سَكْرَانِ وبابِهِ، وفَعَلان بالفتح قليلٌ في الصفات قالوا: حمارٌ قَطَوان أي عَسِر السير، وتيس عَدَوان(٢)، قال(٣): كَنَّيْسِ ظِباءِ الحُلُّبِ العَذَوانِ ١٦٨٨- ومثله قولُ الآخر (٤) : - أنشده أبو زيد - ١٦٨٩- وقبلَك ما هابَ الرجالُ ظُلامتي وفَقُّأْتُ عينَ الْأُشْوَسِ الْأَبْيَانِ بفتح الباء والياء، بل الكثيرُ أن يكونَ مصدراً نحو: ((الغَلَيَان والنزوان)»(٥)، فإنْ أُريد بالشنآن الساكن العين الوصفُ فالمعنى: ولا يَجْرمنكم بغيضُ قوم، وبغيض بمعنى مُبْغِض اسم فاعل من أبغض وهو متعدّ، ففعيل بمعنى الفاعل كقدير ونصير، وإضافته لقوم على هذا إضافةُ بيان أي: إنَّ البغيض من بينهم، وليس مضافاً لفاعل ولا مفعول، بخلاف ما إذا قَدُّرْته مصدراً فإنه يكون مضافاً إلى مفعوله أو فاعله كما سيأتي. وقال صاحبُ هذا القول: ((يقال: رجلٌ شَنّان وامرأة شنّانة كَنْدمان وندمانة، وقياسُ هذا أن (١) الحجة ٣٨٥/٢. (٢) يقال: عَذَوان وغَذّوان وكلاهما بمعنى المسرع. انظر: اللسان: ((غذا)). (٣) البيت لامرىء القيس وصدره: مِكرّ مِفَرّ مقبلٍ مدبرٍ معاً وهو في ديوانه ٨٧؛ واللسان: غذا. والحلّب: نباتَ. (٤) البيت لأبي المجشر، وهو في اللسان: ((أبي)). والأشوس: المتكبِّر. (٥) النزوان: الوثوب. ١٩٠ - المائدة - یکون من فعلٍ متعدّ» وحکی: رجل شنآن وامرأة شنآی کسگران وسکری، وقياسُ هذا أن يكون من فِعْلٍ لازم، ولا بُعْدَ في ذلك، فإنهم قد يشتقون من مادة واحدة القاصر والمتعدي، قالوا: ((فَغَرْتُ فاه وفَغَر فُوه)) أي: فتحه فانفتح، وإِنْ أُريد به المصدرُ فواضحٌ، ويكون مضافاً إلى مفعوله أي: بغضُكم لقومٍ، فَحُذِف الفاعل، ويجوز أن يكون مضافاً إلى فاعله أي: بغضُ قوم إياكم فحذف مفعوله، والأول أظهر في المعنى، وحكم ((شنآن)) بفتح النون مصدراً وصفةً حكمُ الساكنِها، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك، ومن مجيءٍ ((شَنَآن)» الساكنِ العينِ مصدراً قول الأحوص(١): ١٦٩٠- وما الحبُّ إلا مَا تَلدُّ وَتَشْتَهي وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنّانِ وفَنِّدا أرادَ الشنَّان بسكون النونِ فنقلَ حركةً الهمزة إلى النون الساكنة، وحذف الهمزة، ولولا سكونُ النونٍ لما جاز النقل، ولو قال قائل: إن الأصل ((الشنآن)» بفتح النون، وخفف الهمزة بحذفها رأساً، كما قرىء ((إنها لأحْدى الكُبر))(٢) بحذفٍ همزة ((إحدى)) لكان قولاً يسقط به الدليل لاحتماله. والشنآن بالفتح مِمَّا شَذُ عن القاعدة الكلية، قال سيبويه(٣): ((كلَّ بناء من المصادر على وزن فَعَلان بفتح العين لم يتعدَّ فعلُه إلا أن يَشِذَّ شيءٌ كالشِّنَآن)» يعني أنه مصدرٌ على فَعَلان بالفتح ومع ذلك فعلُه متعدٍّ، وفعلُه أكثر الأفعال مصادِرَ، سُمِع له ستةَ عشرَ مصدراً قالوا: شَنِىءَ يَشْنَأُ شَيْئاً(٤) وشَنآناً مثلثي الشين فهذه ست (١) ديوانه ٩٩؛ ومجاز القرآن ١٤٧/١؛ والبحر ٤٢٢/٣. (٢) الآية ٣٥ من المدثر، وهي رواية عن ابن كثير. انظر: الشواذ ١٦٥. (٣) الكتاب ٢١٦/٢ . (٤) الأصل: ((شناناً) وليس هذا مثلث الشين. ١٩١ - المائدة- لغات(١). وقرأ(٢) ابن وثاب والحسن والوليد(٣) عن يعقوب: ((يَجْرِمَنْكم)) بسكون النون، جَعَلوها نون التوكيد الخفيفةَ، والنهي في اللفظ للشنآن وهو في المعنى للمخاطَبين نحو: ((لا أُرَبِنَّك ههنا)(٤) و ((لا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون))(٥) قاله مكي (٦) . قوله تعالى: ((أَنْ صَدُّوكم)) قرأ(٧) أبو عمرو وابن كثير بكر ((إِنْ)) والباقون بفتحها، فمَنْ كسر فعلى أنها شرطية، والفتح على أنها علة للشنآن أي: لا يكسبنُكم - أو لا يَحْمِلَنَّكم - بغضُكم لقومٍ لأجل صَدِّهم إياكم عن المسجد الحرام، وهي قراءةٌ واضحة. وقد استشكل الناسُ قراءة الأبوين(٨) من حيث إنَّ الشرط يقتضي أنَّ الأمر المشروط لم يقع، والفرض أنَّ صَدَّهم عن البيت الحرام كان وقد وقع، ونزولُ هذه الآية متأخرً عنه بمدة، فإنَّ الصدَّ وقع عامَ الحديبية وهي سنة ست، والآية نزلت سنة ثمان، وأيضاً فإنَّ مكةً كانت عام الفتح في أيديهم فكيف يُصَدون عنها؟ قال ابن جريج والنحاس(٩) وغيرهما: (هذه القراءة منكرةٌ))، واحتجوا بما تقدم من الإِشكال، ولا إشكالَ في ذلك. فالجواب عما قالوه من وجهين، أحدهما: أنَّا لا نُسَلَّم أن الصدّ كان قبل نزول الآية فإنَّ نزولها عام الفتح ليس مُجْمعاً عليه. وذكر اليزيدي أنها نزلت قبل (١) باقي المصادر: مَشْيِئَةٍ، وشَنْأَة، وشَناءة، ومَثْنَاً، ومَشْنَأَة، ومَثْنُوَّة، وشَناء، وشَنَاناً، وشِيناناً بفتح الشين وكسرها. انظر: اللسان والقاموس: شنا. (٢) البحر ٤٢٢/٣. (٣) الوليد بن حسان البصري، روى عن يعقوب الحضرمي، وروى عنه عرضاً محمد بن الجهم ولم تذكر وفاته. طبقات القراء ٣٥٩/٢. (٤) انظر الكتاب ٤٥٣/١. (٥) الآية ١٣٢ من البقرة. (٦) المشكل ٢١٩/١. (٧) السبعة ٢٤٢؛ الكشف ٤٠٥/١. (٨) لعل هذا من باب التغلیب، حيث إنه يعني أبا عمرو وابن كثير .. (٩) إعراب القرآن ٤٨٠/١. ١٩٢ - المائدة - الصدِّ فصار الصدّ أمراً منتظراً، والثاني: أنه وإنْ سَلَّمنا أن الصدَّ كان متقدماً على نزولها فيكون المعنى: إنْ وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع زمن الحديبية - أو يستديموا ذلك الصدّ الذي وقع منهم ـــ فلا يجرمنكم، قال مكي(١): ((ومثلُه عند سيبويه قول الشاعر - وهو الفرزدق -(٢): ١٦٩١- أتغضَبُ إِنْ أُذْنا قتيبةُ حُزَّتا وذلك شيءٌ قد كان ووقع، وإنما معناه: إنْ وقع مثلُ ذلك الغضب، وجواب الشرطِ ما قبله)) يعني: وجوابُ الشرط دلَّ عليه ما قبلَه، لأن البصريين يمنعون تقديمَ الجوابِ إلا أبا زيد. وقال مكي أيضاً: ((ونظيرُ ذلك أنَّ يقول رجل لامرأته(٣): ((أنت طالق إنْ دخلت الدار)) بكسر ((إن)) لم تَطْلُقَ عليه بدخولها الأول لأنه أمر يُنْتَظَرِ، ولو فتح لَطَلَقَتْ عليه، لأنه أمرٌ كان ووقع، ففتحُ ((أن)) لما هو علة لما كان ووقع، وكَسْرُها إنما هو لأمرٍ يُنْتظر، والوجهان حَسَنان على معنييهما)) وهذا الذي قاله مكي فَصَّل فيه الفقهاء بين مَنْ يعرف النحو وبين مَنْ لا يعرفه. ويؤيد قراءة الأبوين قراءة(٤) عبدالله بن مسعود: ((إنْ يَصُدُّوكم)) قال أبو عبيد: ((حَدَّثنا حجاج عن هرون قال: قرأ ابن مسعود فذكرها، قال: وهذا لا يكونُ إلا على استئنافِ الصدِّ، يعني إنْ وقع صَدِّ آخرُ مثلُ ما تقدم عام الحديبية . ونَظُمُ هذه الآيات على ما هي عليه مِنْ أبلغ ما يكون وأفصحِه، وليس فيها تقديمٌ ولا تأخير كما زعم بعضهم فقال: / أصلُ تركيب الآية الأولى: [٢٣٤/ب] (١) المشكل ٢١٨/١. (٢) ديوانه ٨٥٥ وعجزه: جِهاراً ولم تَغْضَبْ لقتلِ ابن خازم وهو في الكتاب ٤٧٩/١؛ والمغني ٢٢؛ والخزانة ٦٥٥/٣؛ والدرر ١٣/٢. (٣) بعده في مكي: «وقد دخلت داره)). (٤) القرطبي ٤٦/٦؛ البحر ٤٢٢/٣. ١٩٣ - المائدة - (غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم، فإذا حَلَّلْتم فاصطادوا))، وأصل تركيب الثانية: ((ولا آمِّين البيتَ الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً ولا يَجْرمنكم)» ونَظّره بآيةِ البقرة يعني: ((إِنَّ الله يأمركم))(١)، وهذا لا حاجةَ إليه مع أنَّ التقديم والتأخير عند الجمهور من ضرائر الشعر فيجبُ تنزيه القرآن عنه، وليست الجملةُ أيضاً من قوله: ((وإذا حللتم فاصطادوا)) معترضةً بين قوله: ((ولا آمِّين البيتَ الحرام)) وبين قوله: ((ولا يَجْرمنكم))، بل هي مؤسسةٌ ومنشئةً حكماً، وهو حِلُّ الاصطياد عند التحلَّل من الإِحرام، والجملةُ المعترضةُ إنما تفيد توكيداً وتسديداً، وهذه مفيدةٌ حكماً جديداً كما تقدم. وقوله: ((أَنْ تَعْتدوا)) قد تقدَّم أنه من متعلقات ((لا يجرمنكم)) على أنه مفعولٌ ثانٍ أو على حذف حرف الجر، فَمَنْ كسر ((إن صدوكم)) يكونُ الشرطُ وجوابُه المقدر في محلٍّ جر صفةً لـ «قوم)) أي شنآن قوم هذه صفْتُهم، ومَنْ فتحها فمحلُّها الجرّ أو النصب، لأنها على حَذْفِ لام العلة كما تقدم. قال الزمخشري(٢): ((والمعنى: ولا يكسبنكم بغضُ قوم لأنْ صَدُّوكم الاعتداءَ. ولا يَحْملنكم عليه)). قال الشيخ(٣): وهذا تفسيرُ معنى لا تفسير إعراب، لأنه : يمتنع أن يكونَ مدلولُ ((جرم)) حمل وكَسَب في استعمال واحد لاختلافٍ. مقتضاهما، فيمتنعُ أن يكونَ «[أن] تعتدوا)) في محلٌّ مفعول به ومحلِّ مفعولٍ على إسقاط حرف الجر)). وهذا الذي قاله لا يُتُصَوَّر أن يتوهّمه مَنْ له أدنى بصر بالصناعة حتى يُنبِّه عليه. وقد تقدَّم قراءة البزي في نحو: ((ولا تَّعاوَنُوا)) وأنَّ الأصل: ((تتعاونوا)) (١) الآية ٦٧ . (٢) الكشاف ٥٩٢/١. (٣) البحر ٤٢٢/٣. ١٩٤ - المائدة - فأدغم، وحذف الباقون إحدى التاءين عند قوله تعالى: ((ولا تَيِّّموا الخبيث))(١) آ. (٣) وتقدَّم أيضاً إعرابُ ﴿حُرِّمت عليكم الميتةُ﴾ (٢): وأصلُها. وقدم هنا لفظ الجلالة في قوله: ((وما أُهِلَّ لغيرِ الله به)) وأُخُّرت هناك، لأنها في البقرة(٣) فاصلةً أو تشبه الفاصلة بخلافِها هنا، فإنها بعدَها معطوفاتٌ. والموقوذة: هي التي وُقِذَت أي: ضُربت بعصا ونحوها حتى ماتت، مِنْ: وَقَذَه أي: ضَرَبه حتى استرخى، ومنه: ((وقَذَه النعاس)) أي: غَلَبه، ووقَذه الحُلُم أي: سكنه، وكأن المادة دالة على سكون واسترخاء. والمُتَرَدِّيَةُ: مِنْ تَرَدَّى أي: سقط من عُلُوِّ فهلك، ويقال: ((ما يَذْري أين رَدَى)) أي: ذهب، وَرَدّى وَتَردِّى بمعنى هَلك. والنّطيحة: فعيلة بمعنى مفعولة، وكان مِنْ حقها ألّ تدخلها تاءُ التأنيث كقتيل وجريح، إلا أنها جَرَتْ مَجْرى الأسماء أو لأنها لم يُذْكَر موصوفها، كذا قاله أبو البقاء(٤)، وفيه نظرً، لأنهم إنما يُلحقون التاء إذا لم يُذْكر الموصوف لأجلِ اللَّبس نحو: ((مَرَرْتُ بقتيلة بني فلان)) لئلا يُلْبِس المذكرُ بالمؤنث، وهنا اللبسُ منتفٍ، وأيضاً فحكمُ الذكر والأنثى في هذا سواءٌ. و((ما أكل السَّبُعُ)): ((ما)) بمعنى الذي وعائده محذوف أي: وما أكلّه السبع، ومحلُّ هذا الموصولِ الرفعُ عطفاً على ما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا غيرُ ماشٍ على ظاهره لأنَّ ما أكله السبع وفرغ منه لا يُذَكَّى، ولذلك قال أبو القاسم الزمخشري (٥): ((وما أكل بعضَه السبع)). وقرأ(٦) الحسن والفياض وأبو حيوة: (١) الآية ٢٦٧ من البقرة. (٢) الآية ١٧٣ من البقرة. (٣) الآية ١٧٣ من البقرة. (٤) الإملاء ٢٠٦/١. (٥) الكشاف ٥٩٢/١. (٦) الشواذ ٣١؛ البحر ٤٢٣/٣؛ القرطبي ٥٠/٦. ١٩٥ - المائدة - ((السَّبْع)) بسكون الباء وهو تسكين للمضموم. ونُقل فتح السين والباء معاً، والسَّبُع: كل ذي ناب ومِخْلب كالأسد والنمر، ويُطْلَقُ على ذي المخلب من الطيور أيضاً، قال(١): ١٦٩٢ - ويسباعُ الطيرِ تَغْدُو بِطاناً تتخطَّاهُمُ فمَا تَسْتَقِلُ قوله: ((إلا ما ذَكَّيتمْ)) فيه قولان، أحدهما: أنه مستثنى متصل، والقائلون بأنه استثناء متصل اختلفوا: فمنهم مَنْ قال: هو مستثنى من قوله: ((والمنخنقة)) إلى قوله: ((وما أكل السَّبعُ)). وقال أبو البقاء(٢): ((والاستثناءُ راجعٌ إلى المتردية والنطيحة وأكيلة السَّبع)) وليس إخراجُه المنخنقة منه بجيدٍ. ومنهم مَنْ قال: (هو مستثنى مِنْ ((ما أكلَ السَّبَع)) خاصة. والقول الثاني: أنه منقطعٌ أي: ولكن ما ذَكَّيْتم من غيرها فحلال، أو فكلوه، وكأنَّ هذا القائلَ رأى أنها وَصَلَتْ بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالةٍ قريبة منه فلم تُفِدْ تَذْكِيتُها عندَه شيئاً. والتذكية: الذَّبْحُ، وذَكَتَ النارُ: ارتفعَتْ، وذَكَى الرجلُ: أَسَنَّ، قال(٣): ١٦٩٣- على أعراقهِ تَجْرِي المَذاكي وليس على تقلَّبِه وجُهْدِهْ قوله: ((وماذُبحَ على النَّصُب)) رُفِع أيضاً عطفاً على ((الميتة)). واختلفوا في النصبِ فقيل: هي حجارةٌ كانوا يَذْبحون عليها فـ ((على)) هنا واضحةٌ، وقيل: هي للأصنام لأنها تُنصَب لتُعْبَدَ، فعلى هذا في ((على)) وجهان، أحدُهما: أنها بمعنى اللام أي: وما ذُبحَ لأجل الأصنام. والثاني: هي على (١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤١٠/٣. (٢) الإملاء ٢٠٦/١. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤١٠/٣. والمذاكي من الخيل: هي التي تُمت قوتها وشبابها. ١٩٦٠ - المائدة - بابها، ولكنها في محلّ نصب على الحال أي: وما ذبح مُسَمَّى على الأصنام، كذا ذكره أبو البقاء (١)، وفيه النظر المعروف وهو كونه قدَّر المتعلق شيئاً خاصاً. والجمهور على ((النَّصُب)) بضمتين فقيل: هو جمع ((نصاب)). وقيل: هو مفرد، ويدل له قول الأعشى(٢): ١٦٩٤ - وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَقْرَبَنَّه ولا تَعْبُدِ الشيطانَ واللَّهَ فاعُبُدا وفيه احتمالٌ. وقرأ(٣) طلحة بن مصرف بضمِّ النون وإسكان الصاد وهي تخفيف القراءة الأولى. وقرأ عيسى بن عمر: ((النَّصَب)) بفتحتين، قال أبو البقاء(٤): ((وهو اسمٌ بمعنى المنصوب كالقبض والنقص بمعنى المقبوض والمنقوص، والحسنُ: ((النَّصْب)) بفتح النون وسكون الصاد، وهو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، ولا يجوز أن تكون تخفيفاً لقراءة عيسى بن عمر لأنَّ الفتحة لا تُخَفَّفُ. / قوله: ((وأَنْ تَسْتَقْسِموا بالأزلام)) ((أن)) وما في حيزها في محلٌّ رفع [٢٣٥/أ] عطفاً على ((الميتة)). والأزلام: القِداح، واحدُها ((زَلْم)) و(«زُلْم)) بفتح الزاي وضمها. والقِداح: سهام كانت العرب تطلب بها معرفة ما قُسم لها من خير وشر، مكتوبٌ على أحدها: ((أمرني ربي)) وعلى الآخر: ((نهاني ربي))، والآخر غُفْل. وقيل: هي سهام الميسر أي: القِمار، ووجهُ ذكرها مع هذه المطاعم أنها كانت تُرفع عند البيت معها. (١) الإِملاء ٢٠٧/١. (٢) الديوان ١٣٧؛ وابن يعيش ٣٩/٩؛ وأمالي الشجري ٣٨٤/١؛ والإنصاف ٦٥٧؛ واللسان: نصب؛ والممتع ٤٠٨؛ والدرر ٩٥/٢. (٣) الشواذ ٣١؛ والقرطبي ٥٧/٦؛ والبحر ٣٢٤/٣. (٤) الإملاء ١ /٢٠٧ . ١٩٧ - المائدة - قوله: ((ذلكم فسقٌ)) مبتدأ وخبر، واسمُ الإشارةِ راجع إلى الاستقسام بالأزلام خاصة، وهو مرويٌ عن ابن عباس. وقيل: إلى جميع ما تقدَّم، لأنَّ. معناه: حَرَّم عليكم تناولَ الميتة وكذا، فرجعَ اسمُ الإِشارة إلى هذا المقدَّر. قوله: ((اليوم يئس الذين كفروا)) ((اليوم)) ظرفٌ منصوبٌ بـ ((يئس))، والألفُ واللام فيه للعهدِ، قيل: أرادَ به يوم عرفة، وهو يوم الجمعة عامَ حجة الوداع، نزلَتْ هذه الآيةُ فيه بعد العصر. وقيل: هو يومَ دخوله عليه السلام مكة سنة تسع، وقيل: ثمان. وقال الزجاج(١) - وتبعه الزمخشري _(٢): إنها ليست للعَهد، ولم يُرد باليوم معيناً، وإنما أراد به الزمانَ الحاضر وما يدانيه من الأزمنة الماضية والآتية كقولك: ((كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم أشيب)) لا تريد بالأمس الذي قبل يومك، ولا باليوم الزمنَ الحاضر فقط، ونحوه: ((الآن)» في قول الشاعر(٣): ١٦٩٥ - الآن لَمَّا ابيضَّ مَسْربتي وعَضَضْتُ مِنْ نابي على جِذْمٍ ومثلُه أيضاً قول زهير(٤): ١٦٩٦ - وأَعلم ما في اليوم والأمسِ قبلَه ولكنني عن علمِ ما في غَدٍ عَمِ لم يُرِد بهذه حقائقَها. والجمهورُ على ((يَئِس)) بالهمز، وقرأ(٥) يزيد ابن (١) معاني القرآن ١٦١/٢ . (٢) الكشاف ١/ ٥٩٣. (٣) البيت الحارث بن وعلة الذهلي، وهو في اللسان سرب، وغريب الحديث ٢٨/٣. والمسربة: الشعر المستدق ما بين اللبة إلى السُّرة. والجدم: أصل الشيء. (٤) ديوانه ٢٩ . (٥) البحر ٤٢٦/٣. ١٩٨ - المائدة - القعقاع: ((يَيس)) بياءين من غير همزة، ورُويت أيضاً عن أبي عمرو، يقال: يَئِس بَيْئَس ويَيْئِسُ بفتح عين المضارع وكسرها وهو شاذ، ويقال: ((أَيِس)) أيضاً مقلوب من يئس فوزنه عَفِل، ويدل على القلب كونُه لم يُعَل، إذ لو لم يقدر ذلك للزم إلغاء المقتضي وهو تحرُّكُ حرف العلة وانفتاحِ ما قبله، لكنه لما كان في معنى ما لم يُعَلَّ صح. واليأس: انقطاع الرجاء، وهو ضد الطمع. و ((من دينكم)) متعلق بـ ((يئس)) ومعناها ابتداءُ الغاية، وهو على حَذْف مضاف أي: من إبطال أمر دينكم. والكلامُ في قوله: ((اليومَ أَكْملت)) كالكلامِ على ((اليوم)» قبله. و((عليكم)) متعلقٌ بـ((أَتْممت))، ولا يجوزُ تعلُّقه بـ ((نعمتي)) وإن كان فعلُها يتعدَّى بـ (على)) نحو: ((أَنْعَمَ الله عليه وأنعمت عليه))(١) لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّم عليه معمولُه، إلا أَنْ ينوبَ منابَه. قال أبو البقاء (٢): ((فإنْ جَعَلْتَّه على التبيين، أي: أتممت أعني عليكم جازّ»، ولا حاجةً إلى ما ادَّعاه. قوله: ((وَرَضِيْتُ لكم الإِسلامَ ديناً) في (رَضي)) وجهان، أحدهما: أنه متعدٌّ لواحدٍ وهو الإِسلام. و((ديناً) على هذا حالٌ. وقيل: هو مُضَمِّن معنى صَيِّر وجَعَل، فيتعدَّى لاثنين أولهما ((الإِسلام))، والثاني: ((دينا)). و((لكم)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ ((رضي))، والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حال من الإِسلام، ولكنه قُدِّم عليه. قوله: ((فمن اضطر)) قد تقدَّم الكلامُ على هذه الآية وما قرىء فيها في البقرة(٣) فأغنى عن إعادته. و((في مَخْمَصَةٍ)) متعلقٌ بـ ((اضْطُرَّ)، والمَخْمَصَةُ: المجاعة لأنها تَخْمُصُ لها البطونُ أي: تَضْمُرُ، وهي صفةً محمودةً في النساء، يقال: رجلٌ خُمْصان (١) الآية ٣٧ من الأحزاب. (٢) الإِملاء ٢٠٧/١. (٣) الآية ١٧٣ . ١٩٩ - المائدة - وامرأةٌ خُمْصانة، ومنه: أَخْمَصُ القدمِ لدقتها، ويُستعمل في الجوع والغَرْث قال(١): ١٦٩٧ - تَبيتون في المَشْتِى مِلاءً بطونُكم وجاراتُكم غَرْثَى يَبِتْنَ خمائضا وقال آخر (٢): ١٦٩٨- كُلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا فإنَّ زمانكم زمنُ خَميصُ وُصِف الزمانُ بذلك مبالغةً کقولهم: «نهارُ صائم ولیله قائم». و «غیرَ» نصب على الحال. والجمهور على ((متجانِفٍ)) بألف وتخفيفِ النون من تّجانَفَ. وقرأ(٣) أبو عبدالرحمن والنخعي ((مُتَجَنَّف)) بتشديد النون دون ألف. قال أبو محمد بن عطية(٤): ((وهي أبلغُ مِنْ («متجانف)) في المعنى لأنَّ شدَّة العين تدلُّ على مبالغةٍ وتوغلٍ في المعنى)). و((إِثم)) متعلق بـ ((متجانف)) واللامُ على بابها، وقيل: هي بمعنى ((إلى)) أي: غيرُ مائل إلى إثم، ولا حاجةً إليه، وقد تقدَّم معنى هذه اللفظة واشتقاقُها عند قوله: ((فَمَنْ خاف من مُوصٍ جَنَفا)»(٥) وقوله: ((فإن الله غفور)) جملةٌ: إمَّا في محلِّ جزم أو رفع على حسب ما قيل في ((من))، وكذلك القولُ في الفاء: إما واجبةٌ أو جائزةً، والعائد على كلا التقديرين محذوف أي: فإن الله غفور له. آ. (٤) وقوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أُحِلٌ لهمٍ﴾: قد تقدَّم الكلام (١) البيت للأعشى، وهو في الديوان ١٤٩؛ والقرطبي ٦٤/٦. (٢) تقدم برقم ١٥٣. (٣) الشواذ ٣١؛ القرطبي ٦٤/٦؛ البحر ٤٢٧/٣. (٤) المحرر ٣٢/٥. (٥) الآية ١٨٢ من البقرة. ٢٠٠