النص المفهرس

صفحات 141-160

- النساء -
إلى حذف مضاف، بل أقول: لا يجوز تقدير هذا المضاف لأنه يقتضي أنهم
نقضوا الميثاق فرفَع اللَّهُ الطورَ عليهم عقوبةً على فِعْلهم النقضَ، والقصةُ
تقتضي أنَّهم هَمُّوا بنقضِ الميثاق، فرفعَ اللَّهُ عليهم الطور، فخَافوا فلم يَنْقُضوه،
وإن كانوا قد نَقَضوه بعد ذلك. وقد صَرَّح أبو البقاء (١) بأنهم نقضوا الميثاق،
وأنه تعالى رفع الطور عقوبةً لهم فقال: ((تقديرُه: بنقض ميثاقهم، والمعنى:
ورَفَعْنا فوقَهم الطور تخويفاً، لهم بسببٍ نقضهم الميثاقَ)). وفيه ذلك النظرُ
المتقدم، ولقائل أن يقول: لَمَّا هَمُّوا بنقضه وقاربوه صح أن يقال: رَفَعْنا
الطور فوقهم لنقضهم الميثاق أي: لمقاربتهم نقضَه، لأنَّ ما قارب الشيء أُعْطِي
حكمه، فتصِحُّ عبارةُ مَنْ قدَّر مضافاً كأبي البقاء وغيره. والميثاق مصدر مضاف
لمفعوله. و((سُجَّداً) حالٌ من فاعل ((ادخلوا)).
قوله: ((لا تَعْدُوا)) قرأ الجمهور: ((تَعْدُوا)) بسكون العين وتخفيفِ الدال
مِنْ عَدا يعدو، كغزا يغزو، والأصل: ((تَعْدُوُوا)) بواوين: الأولى لام الكلمة
والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فَحُذِفَتْ، فالتقى
بِحَذْفِها ساكنان، فَحُذِفَ الأول وهو الواو الأولى، وبقيت واو الفاعلين، فوزنه:
تَفْعُوا. وقرأ نافع (٢) بفتح العين وتشديد الدال، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون
عن نافع: فرووا عنه تارة بسكون العين سكوناً محضاً، وتارة إخفاء فتحة
العين. فأما قراءة نافع فأصلها: تَعْتَدوا، ويدل على ذلك إجماعُهم / على: [٢٢٧/ب]
((اعتذَوا منكم في السبت))(٣) كونه من الاعتداء وهو افتعالٌ من العدوان، فأُريد
إدغامُ تاء الافتعال في الدال فنُقِلَتْ حركتُها إلى العين وقُلبت دالاً وأدغمت.
وهذه قراءةً واضحة. وأما ما يُروى عن قالون من السكون المحض فشيءٌ
لا يراه النحويون لأنه جَمْعٌ بين ساكنين على غيرِ حَدِّهما. وأمَّا الاختلاسُ
(١) الإملاء ٢٠٠/١.
(٢) السبعة ٢٤٠؛ والكشف ٤٠١/١؛ الشواذ ٣٠؛ البحر ٣٨٨/٣.
(٣) الآية ٦٥ من البقرة.
١٤١

- النساء-
فهو قريب للإِتيان بحركة ما، وإن كانت خفيَّةً، إلا أنَّ الفتحةَ ضعيفةٌ في نفسِها
فلا ينبغي أن تُخْفى لِتُزَادَ ضعفاً، ولذلك لم يُجزِ القراء رَوْمَها وقفاً لضعفِها.
وقرأ الأعمش: ((تَعْتَدُوا﴾ بالأصل الذي أُدْغَمُه نافع.
آ. (١٥٥) قوله تعالى: ﴿فيما نقضِهم ميثاقَهم﴾: في ((ما)) هذه
وجهان، أحدهما: أنها زائدةً بين الجار ومجروره تأكيداً، والثاني: أنها نكرة
تامة، و((نقضِهم)) بدلُ منه، وهذا كما تقدَّم في ((فبما رحمةٍ من الله))(١).
و ((نقض)) مصدرٌ مضاف لفاعله، و((ميثاقهم)) مفعوله، وفي متعلّق الباءِ الجارةِ
لـ (ما)) هذه وجهان، أحدهما: أنه ((حَرَّمنا)) المتأخر في قوله: ((فبظلم من الذين
هادوا خَرَّمنا))(٢) وعلى هذا فيقال: ((فبظلم)) متعلق بـ ((حَرَّمْنا)) أيضاً فيلزم أن
يتعلق حرفا جر متحدان لفظاً ومعنى بعامل واحد، وذلك لا يجوز إلا مع
العطف أو البدل. وأجابوا عنه بأن قولَه ((فبظلمٍ)) بدل من قوله ((فيما)) بإعادة
العامل. فيقال: لو كان بدلاً لما دخلت عليه فاء العطف؛ لأن البدل تابع بنفسِه
من غير توسُّط حرف عطف. وأُجيب عنه بأنه لَمَّا طال الكلام بين البدل
والمبدل منه أعادَ الفاء للطول، ذكر ذلك أبو البقاء(٣) والزجاج(٤)
والزمخشري(٥) وأبو بكر(٦) وغيرهم.
وقد رَدَّه الشيخ(٧) بما معناه أن ذلك لا يجوز لطول الفصل بين المبدل
والبدل، وبأنَّ المعطوفَ على السبب سببٌ فيلزمُ تأخّرُ بعض أجزاء السبب الذي
(١) الآية ١٥٩ من آل عمران.
(٢) في الآية ١٦٠.
(٣) الإِملاء ٢٠٠/١.
(٤) معاني القرآن ١٣٩/٢.
(٥) الكشاف ٥٧٨/١.
(٦) لعله يعني به أبا بكر بن الانباري.
(٧) البحر ٣٨٨/٣.
١٤٢

- النساء-
للتحريم في الوقت عن وقت التحريم، فلا يمكن أن يكون سبباً أو جزء سببٍ
إلا بتأويل بعيد، [وذلك أن قولهم: ((إنَّا قتلنا المسيحَ)) وقولهم على مريم](١)
البهتانَ إنما كان بعد تحريم الطيبات. قال: ((فالْأُوْلى أن يكونَ التقدير:
لعنَّاهم. وقد جاء مصرَّحاً به في قوله: ((فبما نقضهِم ميثاقَهم لعنَّاهم)).
والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، فقدَّره ابنُ عطية (٢): لعنَّهم وأَذْلَلْناهم
وختمنا على قلوبهم. قال: ((وحَذْفُ جوابٍ مثلِ هذا الكلام بليغٌ)) وتسميةُ مثل
هذا ((جواب)) غيرُ معروف لغةً وصناعة. وقَدَّره أبو البقاء(٣): ((فيما نقضهم
ميثاقهم طُبع على قلوبهم، أو لُعِنوا. وقيل: تقديرُه: فيما نقضِهم لا يؤمنون،
والفاء زائدةٌ)). انتهى. [وهذا الذي أجازه أبو البقاء تعرَّضَ له الزمخشري (٤)
وردَّه فقال: ((فإِنْ قلت: فهلَّ زَعَمْتَ أنَّ المحذوف الذي تعلَّقَتْ به الباء](٥)
ما دل عليه قولُه ((بل طَبَع اللَّهُ، فيكون التقديرُ: فبما نقضِهم طَبَع اللَّهُ على
قلوبهم، بل طَبَع الله عليها بكفرهم ردِّ وإنكارٌ لقولهم: ((قلوبُنا غُلْفٌ)) فكانَ
متعلقاً به)). قال الشيخ(٦): ((وهو جوابٌ حسنٌ، ويمتنع من وجهٍ آخرَ وهو أنَّ
العطفَ بـ ((بل)) للإضرابِ، والإضرابُ إبطالٌ أو انتقالٌ، وفي كتابِ الله في
الإِخبار لا يكون إلا للانتقال، ويُسْتفاد من الجملةِ الثانية ما لايُسْتفاد من الأولى،
والذي قَدَّره الزمخشري(٧) لا يَسُوغ فيه الذي قررناه، لأنَّ قولَه: ((فبما نقضِهم
ميثاقَهم وكُفْرِهم بآيات الله وقولِهم قلوبنا غلفُ طَبَع الله)) هو مدلولُ الجملة
(١) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل.
(٢) المحرر ٣٠١/٤.
(٣) الإِملاء ٢٠٠/١.
(٤) الكشاف ٥٧٨/١.
(٥) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
(٦) البحر ٣٨٩/٣.
(٧) أي: وهو يرفض كلام أبي البقاء المتقدم.
١٤٣

- النساء-
التي صَحِبِتها ((بل))، فأفادَتِ الثانية ما أفادت الأولى، ولو قلت: ((مَرَّ زيد
بعمرو، بل مَرَّ زيد بعمرو)) لم يَجُزْ)). وقَدَّره الزمخشري ((فَعَلْنا بهم ما فعلنا».
قوله: (بل طَبَع)) هذا إضرابٌ عن الكلام المتقدم أي: ليس الأمرُ كما
قالوا مِنْ قولهم: ((قلوبنا غلف)). وأظهرَ القرَّاءُ لامَ بل في ((طبع)» إلا
الكسائي(١) فأدغم من غيرِ خلاف، وعن حمزة خلاف. والباء في ((بكفرهم))
يُحتمل أن تكون للسببية، وأن تكون للآلة كالباء في ((طبعت بالطين على
الكيس)) يعني أنه جعل الكفر كالشيء المطبوع به أي مُغَطّاً عليها، فيكونُ
كالطابع. وقوله: ((إلا قليلاً)) يحتمل النصبَ على نعت مصدر محذوف أي:
إلا إيماناً قليلاً، ويحتملُ كونَه نعتاً لزمان محذوف أي: زماناً قليلاً، ولا يجوزُ
أن يكونَ منصوباً على الاستثناءِ من فاعل ((يؤمنون)) أي: إلا قليلاً منهم فإنهم
يؤمنون، لأنَّ الضمير في ((لا يؤمنون)) عائدٌ على المطبوع على قلوبهم، ومن
طَبَع على قلبه بالكفر فلا يقع منه الإِيمان ..
آ (١٥٦) قوله تعالى: ﴿وبكفرِهم﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه
معطوف على ((ما)) في قوله: ((فيما نقضِهم)) فيكونُ متعلقاً بما تعلق به الأول.
الثاني: أنه عطفُ على ((بكفرهم)) الذي بعد ((طبع)). وقد أوضح
الزمخشري(٢) ذلك غايةَ الإِيضاح، واعترض وأجابَ بأحسنٍ جواب، فقال:
(فإن قلت: علامَ عَطَفَ قَولَه ((وبكفرهم))؟ قلت: الوجهُ أن يُعْطَفَ على ((فيما
نقضِهم)) ويُجْعَلَ قولُه: ((بل طَبَع الله عليها بكفرهم) كلاماً يَتْبع قوله: ((وقولهم
قلوبُنا غلف)) على وجهِ الاستطراد، ويجوزُ عطفُه على ما يليه من قوله
((بكفرِهم)). فإنْ قلت: فما معنى المجيءِ بالكفر معطوفاً على ما فيه ذِكْرُه؟
سواءً عطف على ما قبل الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: ((وكفرهم بآيات
(١) انظر: السبعة ١٢٣.
(٢) الكشاف ٥٧٨/١.
١٤٤

- النساء -
الله)) وقوله ((بكفرهم)). قلت: قد تكرر منهم الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى ثم
بعيسى ثم بمحمدٍ، فعطف بعضَ كفرِهم على بعض، أو عَطّف مجموعٌ
المعطوفِ على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل: فبجمعهم بين نقضٍ
الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتلِ الأنبياء، وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعِهم بين
كفرهم وبُهْتِهِم مريمَ وافتخارِهم بقتلِ عيسى عاقبناهم، أوبل طبع الله عليها
بکفرهم وجمعهم بین کفرهم كذا وكذا)».
قوله: (بُهْتاناً)) في نصبهِ خمسةُ أوجه، أظهرُها: أنه مفعول به، فإنه
مُضَمِّنٌ معنى («كلام)) نحو: قلت خطبة وشعراً. الثاني: أنه منصوبٌ على نوع
المصدر كقولهم: ((قَعَد القرفصاء)) يعني أن القول يكون بُهتاناً وغيرَ بهتان.
الثالث: أن ينتصبَ نعتاً لمصدر محذوف أي: قولاً بُهتاناً، وهو قريبُ من معنى
الأول. الرابع: أنه منصوبٌ بفعل مقدرٍ من لفظه أي: بَهَتوا بُهْتاناً. الخامس:
أنه حال من الضمير المجرور في قولهم أي: مباهتين، وجازَ مجيءُ الحال من
المضاف إليه لأنه فاعل معنىٍّ، والتقدير: وبأن قالوا ذلك مباهتين.
آ. (١٥٧) وقوله تعالى: ﴿وقولهِم): عطفٌ على ((وكفرهم))
و ((عيسى)) بدلٌ من ((المسيح)) أو عطفُ بيان، وكذلك ((ابن مريم))، ويجوز أن
يكونَ صفةً أيضاً، وأجاز أبو البقاء(١) في ((رسول الله)) هذه الأوجه الثلاثةَ، إلا
أنَّ البدل بالمشتقات قليل. وقد يُقال: إنَّ ((رسول الله)) جرى مَجْرى الجوامد / [٢٢٠٠/أ]
وأجاز فيه أن يَنْتصب بإضمارِ (أعني))، ولا حاجةً إليه. قوله ((شُبِّه لهم)): ((شُبِّه))
مبني للمفعول وفيه وجهان، أحدهما: أنه مسند للجار بعده كقولك: ((حِيل
إليه، ولُبس عليه)). والثاني: أنه مسندٌ لضمير المقتول الذي دَلَّ عليه قولهم:
((إنَّا قتلْنا)) أي: ولكن شُبِّه لهم مَنْ قتلوه. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يعودَ على
المسيح؟ فالجواب أن المسيح مشبه به لا مشبه .
(١) الإملاء ٢٠١/١.
١٤٥

- النساء-
[قوله]: ((لفي شك منه)): ((منه)) في محل جر صفة لـ ((شك)» يتعلَّقُ
بمحذوف، ولا يجوز أن تتعلَّق فَضْلة بنفس ((شك))؛ لأن الشك إنما يتعدّى
بـ ((في)) لا بـ ((من))، ولا يقال: إنَّ (مِنْ)) بمعنى ((في)) فإن ذلك قولٌ مرجوح،
ولا ضرورةً لنا به هنا ..
وقوله: ((ما لَهَم به من علم)) يجوز في ((من علم)) وجهان، أحدهما: أنه
مرفوع بالفاعلية والعاملُ أحد الجارَّيْن: إمّا ((لهم)) وإما (به))، وإذا جُعِل
أحدُهما رافعاً له تعلَّق الآخر بما تعلَّق به الرافع من الاستقرارِ المقدر. و ((مِنْ))
زائدةً لوجودِ شرطَي الزيادةِ. والوجه الثاني: أَن يكونَ ((من علم)) مبتدأُ زِيدت
فيه ((من)) أيضاً، وفي الخبر احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ ((لهم)) فیکون «به)).
إمَّا حالاً من الضمير المستكنّ في الخبر، والعاملُ فيها الاستقرارُ المقدر، وإمَّا
حالاً من ((عِلْم)) وإنْ كان نكرةً لتقدُّمها عليه ولاعتمادِه على نفي. فإن قيل : يلزمُ
تقدُّمُ حالِ المجرور بالحرف عليه وهو ضرورةٌ لا يجوزُ في سَعة الكلام(١).
فالجوابُ أَنَّا لا نُسَلِّم ذلك، بل نقل أبو البقاء (٢) وغيره أنَّ مذهب أكثر
البصريين جوازُ ذلك، ولئِنْ سلَّمنا أنه لا يجوز إلا ضرورة لكن المجرور هنا
مجرورٌ بحرف جر زائد، والزائد في حكم المُطّرَح، وأمَّا أن يتعلَّق بمحذوفٍ
على سبيل البيان أي: أعني به، ذكره أبو البقاء(٣)، ولا حاجةً إليه، ولا يجوزُ
أن يتعلقَ بنفس ((علم)) لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه. والاحتمال الثاني:
أن يكون (به)) هو الخبر، و((لهم)) متعلق بالاستقرار كما تقدم، ويجوز أن
تكون اللام مبيّنةً مخصصة كالتي في قوله: ((ولم يكن له كفواً أحد)»(٤). وهذه
الجملةُ المنفية تحتمل ثلاثة أوجه: الجر على أنها صفةٌ ثانية لـ ((شك)) أي:
(١) انظر المسألة في: الكتاب ٢٧٧/١؛ المقتضب ٣٠٢/٤؛ وأمالي الشجري ٢٨٠/٢
(٢) الإملاء ٢٠١/١.
(٣) الإِملاء ٢٠١/١. والأفصح ((فذكره)).
(٤) الآية ٤ من الإِخلاص.
١٤٦

- النساء -
غيرِ معلوم. الثاني: النصب على الحالِ من ((شك))، وجازّ ذلك وإنْ كان
نكرةً لتخصَّصِه بالوصف بقوله ((منه)). الثالث: الاستئناف، ذكره أبو البقاء(١)،
وهو بعید.
قوله: ((إلا اتباع الظن)) في هذا الاستثناء قولان، أحدهما:
وهو الصحيح الذي لم يذكر الجمهورُ غيرَه أنه منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من
جنس العلم، ولم يُقْرأ فيما علمت إلا بنصبِ ((اتباع)) على أصل الاستثناء
المنقطع، وهي لغةُ الحجاز، ويجوزُ في تميم الإِبدالُ من «علم)) لفظاً فيجُرُّ،
أو على الموضع فُيُرفَعُ لأنه مرفوعُ المحل كما قَدَّمته لك، و«من» زائدة فيه.
والثاني - قاله ابن عطية (١) -: أنه متصل قال: ((إذ العلم والظن يضمهما
جنسُ أنهما من معتقدات اليقين، يقول الظانُّ على طريق التجوُّز: ((علمي في
هذا الأمر كذا)) إنما يريد ظني)) انتهى. وهذا غيرُ موافَقٍ عليه لأن الظنَّ
ما ترجّح فيه أحد الطرفين، واليقين ما جُزِم فيه بأحدهما، وعلى تقدير التسليم
فاتباعُ الظن ليس من جنس العلم، بل هو غيره، فهو منقطع أيضاً أي: ولكنَّ
اتباعَ الظن حاصلٌ لهم.
قوله: ((وما قتلوه يقيناً)) الضمير في ((قتلوه)) فيه أقوال أظهرها أنه لعيسى،
وعليه جمهور المفسرين. والثاني : - وبه قال ابن قتيبة(٢) والفراء _(٣) أنه يعودُ
على العلم أي: ما قتلوا العلم يقيناً، على حد قولهم: ((قتلت العلم والرأي
يقيناً) و((قتلته علماً))، ووجه المجاز فيه أن القتل للشيء يكون عن قهر
واستعلاء، فكأنه قيل: وما كان علمهم علماً أُحيط به، إنما كان عن ظن
وتخمين. الثالث : - وبه قال ابن عباس والسدي وطائفة كبيرة - أنه يعود
(١) المحرر ٣٠٤/٤.
(٢) تأويل مشكل القرآن ١٥٢.
(٣) معاني القرآن ٢٩٤/١.
١٤٧

- النساء
للظن تقول: ((قتلت هذا الأمر علماً ويقيناً)) أي: تحققت، فكأنه قيل:
وما صَحِّ ظنهم عندهم وما تحققوه يقيناً ولا قطعوا الظن باليقين.
قوله: ((يقيناً» فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي :
قتلاً يقيناً. الثاني: أنه مصدر من معنى العامل قبله كما تقدم مجازه، لأنه في
معناه أي: وما تيقنوه يقيناً. الثالث: أنه حال من فاعل ((قتلوه)) أي: وما قتلوه
متيقنين لقتله. الرابع: أنه منصوب بفعل من لفظه حُذِف للدلالة عليه. أي:
ما تيقّنوه يقينا، ويكون مؤكداً لمضمون الجملة المنفية قبله. وقدّر أبو البقاء(١)
العامل على هذا الوجه مثبتاً فقال: ((تقديره: تيقنوا ذلك يقيناً) وفيه نظر.
الخامس - ويُنْقَل عن أبي بكر بن الأنباري - أنه منصوبٌ بما بعد ((بل)) من
قوله: ((رفعه الله)) وأن في الكلام تقديماً وتأخيراً أي: بل رفعه الله إليه يقيناً،
وهذا قد نَصَّ الخليلِ فَمَنْ دونه على منعِه، أي: إن ((بل)» لا يعمل ما بعدها
فيما قبلها، فينبغي ألا يَصِحَّ عنه، وقوله: ((بل رفعه الله إليه)) ردُّ لما ادُّعَوْهُ مِنْ
قتله وصلبه. والضمير في ((إليه)) عائد على ((الله)) على حَذْفِ مضاف أي: إلى
سمائِه ومحلِّ أمره ونهيه.
آ. (١٥٩) قوله تعالى: ﴿وإنْ من أهل الكتاب﴾: ((إنْ)) هنا نافيةٌ
بمعنى ((ما)) و ((من أهل)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه صفة لمبتدأ محذوف،
والخبرُ الجملةُ القسمية المحذوفة وجوابها، والتقدير: وما أحد من أهل
الكتاب إلا واللّهِ ليؤمِنَنَّ به، فهو كقوله: ((وما مِنَّا إلا له مقامٌ [معلوم](٢)))، أي :
ما أحدٌ منا، وكقوله: ((وإنْ منكم إلا واردُها))(٣) أي: ما أحد منكم إلا واردُها،
هذا هو الظاهر. والثاني : - وبه قال الزمخشري (٤) وأبو البقاء(٥) - أنه في
(١) الإملاء ٢٠١/١.
(٢) الآية ١٦٤ من الصافات.
(٣) الآية ٧١ من مريم.
(٤) الكشاف ١/ ٥٨٠.
(٥) الإملاء ٢٠١/١.
١٤٨

- النساء -
محلِّ الخبر، قال الزمخشري: ((وجملة ((ليؤمِنَنَّ به)) جملةٌ قسمية واقعة صفة
الموصوف محذوف تقديره: وإنْ من أهل / الكتابِ أحدٌ إلا ليؤمنن به، ونحوه: [٢٢٨/ب]
(وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلوم)) ((وإنْ منكم إلا واردُها)) والمعنى: وما من اليهود
أحدٌ إلا ليؤمن)). قال الشيخ(١): ((وهو غلطً فاحش، إذ زعم أن ((ليؤمنن به)) جملة
قسمية واقعةٌ صفةً لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة ((أحد)» المحذوف إنما
[هو] الجار والمجرور كما قَدَّرناه، وأما قوله: ((ليؤمنن به)) فليست صفةً
الموصوف ولا هي جملة قسمية، إنما هي جملة جواب القسم، والقسم
محذوف، والقسمُ وجوابُه خبر للمبتدأ، إذ لا ينتظم من (أحد)) والمجرور إسناد
لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإِسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو محطّ
الفائدة، وكذلك أيضاً الخبرُ هو ((إلّ له مقام))، وكذلك ((إلا واردها)) إذ لا ينتظم
مما قبل ((إلا)) تركيب إسنادي)). وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق
الزمخشري بما زعم أنه غلط وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم
الإِسناد من ((أحد)) الموصوفِ بالجملة التي بعده ومن الجارِّ قبله؟ ونظيرُه أن
تقول: ((ما في الدار رجلٌ إلا صالحٌ)) فكما أن ((في الدار)) خبر مقدم، و ((رجل))
مبتدأ مؤخر، و((إلا صالحٌ)) صفته، وهو كلامُ مفيد مستقيم، فكذلك هذا، غايةٌ
ما في الباب أنَّ ((إلا)) دَخَلَتْ على الصفة لتفيدَ الحصر. وأما ردُّه عليه حيث
قال: جملةٌ قسمية، وإنما هي جوابُ القسم فلا يَحْتاج إلى الاعتذار عنه،
ويكفيه مثلُ هذه الاعتراضات.
واللام في ((ليؤمِنَنَّ)) جوابُ قسمٍ محذوف كما تقدَّم. وقال أبو البقاء(٢):
(ليؤْمِنَنَّ جواب قسم محذوف، وقيل: أكَّد بها في غير القسم كما جاء في
النفي والاستفهام)) فقوله: ((وقيل إلى آخره)) إنما يستقيم ذلك إذا أُعَدْنا
(١) البحر ٢٩٢/٣.
(٢) الإِملاء ٢٠٢/١.
١٤٩

- النساء -
الخلاف إلى نون التوكيد؛ لأنَّ نون التوكيد قد عُهِد التأكيدُ بها في الاستفهام
باطراد، وفي النفي على خلاف فيه، وأما التأكيدُ بلام الابتداء في النفي
والاستفهام فلم يُعْهَد البتة. وقال(١) أيضاً قبل ذلك: ((وما مِنْ أهل الكتاب
أحدٌ، وقيل: المحذوف ((مَنْ)) وقد مرَّ نظيره، إلا أنَّ تقدیرَ ((مَنْ)) هنابعیدٌ، لأن
الاستثناء يكون بعد تمام الاسم، و ((مَنْ)) الموصولة والموصوفة غيرُ تامة)) يعني
أنَّ بعضَهم جعل ذلك المحذوفَ لفظَ ((مَنْ)) فيقدِّر: وإنْ مِنْ أهل مَنْ
إلا ليؤْمِنَنَّ، فجعلَ موضع (أحد)) لفظَ ((مَنْ))، وقوله: ((وقد مر نظيره)) يعني قوله
تعالى: ((وإنَّ من أهل الكتاب لَمَنْ يؤمِنُ بالله))(٢) ومعنى التنظير فيه أنه قد
صَرَّح بلفظ ((مَنْ)) المقدَّرة ههنا.
وقرأ أُبَيّ (٣): ((ليؤْمِنُنَّ به قبل موتهم)) بضم النون الأولى مراعاة لمعنى
(أحد)) المحذوف، وهو وإن كان لفظه مفرداً فمعناه جمع. والضمير في ((به))
لعيسى. وقيل: لله تعالى، وقيل: لمحمد عليه السلام. وفي ((موته)) لعيسى.
ويُروى في التفسير أنه حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كلَّ أحد حتى تَصِيرَ
الملةُ كلها إسلاميةٌ . وقيل: يعود على ((أحد)) المقدر، أي: لا يموتُ كتابي
حتى يؤمن بعيسى، ونقل عن ابن عباس ذلك، فقال له عكرمة: ((أفرأيت إنْ خَرَّ
من بيت أو احترق أو أكله سَبُعَ)) قال: لا يموتُ حتى يُحَرِّكَ بها شفتيه أي:
بالإِيمان بعيسى. وقرأ(٤) الفياض بن غزوان: ((وإنَّ من أهل الكتاب)) بتشديد
(إنَّ) وهي قراءةً مردودةٌ لإِشكالها. قوله: ((ويومَ القيامةَ)) العامل فيه ((شهيداً))
وفيه دليلٌ على جوازٍ تقدُّم خبرِ ((كان)) عليها، لأنَّ تقديمَ المعمولِ يُؤْذِن
(١) الإملاء ٢٠١/١.
(٢) الآية ١٩٩ من آل عمران.
(٣) البحر ٣٩٣/٣.
(٤) البحر ٣٩٣/٣.
١٥٠

- النساء -
بتقديمِ العامل. وأجاز أبو البقاء (١) أن يكون منصوباً بـ ((يكون)) وهذا على رأي
مَنْ يجيز لـ ((كان)) أن تعمل في الظرفِ وشبهِه. والضميرُ في ((يكون)) لعيسى،
وقيل: لمحمد عليه السلام.
آ. (١٦٠) قوله تعالى: ﴿فبظلمٍ﴾: هذا الجارُّ متعلق بـ ((حَرَّمْنا))
والباء سببية، وإنما قُدَّم على عاملِه تنبيهاً على قبح سبب التحريم ، وقد تقدَّم
أنَّ قولَه: ((فبظلمٍ)) بدلٌ من قوله: ((فبما نقضهم ميثاقهم))، وتقدَّم الردّ على قائله
أيضاً فأغنى عن إعادته. و((من الذين)) صفة لـ ((ظلم)) أي: ظلمٍ صادرٍ من
الذين هادُوا. وقيل: ثَمَّ صفةٌ للظلم محذوفةً للعلم بها أي: فبظلمٍ أيِّ ظلم،
أو فبظلمٍ عظيمٍ كقوله(٢).
١٦٧٣- فلا وأبي الطيرِ المُرِبَّةِ بالضحى
على خالدٍ لقد وقَعْتِ على لَحْمِ
أي: لحم عظيم.
قوله: ((أُحِلَّتْ لهم)) هذه الجملةُ صفةٌ لـ ((طيبات)) فمحلُّها نصبٌ،
ومعنى وصفِها بذلك أي: بما كانت عليه مِنَ الحِلُّ، ويوضّحه قراءة
ابن عباس (٣): ((كانت أُحِلَّتْ لهم)). قوله: ((كثيراً)) فيه ثلاثة أوجه، أظهرها:
أنه مفعول به أي: بصدِّهم ناساً أو فريقاً أو جمعاً كثيراً. وقيل: نصبُه على
المصدرية أي: صَدَّاً كثيراً. وقيل: على ظرفية الزمان أي: زماناً كثيراً،
والأول أولى، لأنَّ المصادرَ بعدها ناصبةٌ لمفاعيلها، فيجري البابُ على سَنٍ
واحدٍ، وإنما أعيدت الباءُ في قوله: ((وبصدِّهم)) ولم تَعُدْ في قوله: ((وأَخْذِهم))
وما بعده لأنه قد فُصِل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً
(١) الإملاء ٢٠٢/١.
(٢) تقدم برقم ١٢٩.
(٣) البحر ٣٩٤/٣.
١٥١

- النساءب
للمعطوفِ عليه، بل بالعامل فيه وهو ((حَرَّمْنا)) وما تعلق به، فلمَّا بَعُد المعطوف
من المعطوف عليه بالفصل بما ليس معمولاً للمعطوف عليه أُعيدت الباءُ
لذلك، وأمَّا ما بعده فلم يُفْصَل فيه إلا بما هو معمولُ للمعطوفِ عليه
وهو ((الربا)).
آ. (١٦١) والجملةُ من قوله تعالى: ﴿وقد نهوا عنه﴾: في محلّ
نصب لأنها حاليةٌ، ونظيرُ ذلك في إعادة الحرفِ وعدمِ إعادته ما تقدَّم في
قوله: ((فبما نقضِهم ميثاقَهم))(١) الآية. و((بالباطل)) يجوز أن يتعلق بـ ((أَكْلِهِم))
على أنها سببيةٌ أو بمحذوفٍ على أنها حال من ((هم)) في ((أكلهم)) أي:
ملتبسين بالباطل.
آ. (١٦٢) قوله تعالى: ﴿لكنِ الراسخون﴾: جيء هنا بـ ((لكن)
لأنها بين نقيضين، وهما الكفارُ والمؤمنون. و((الراسخون)) مبتدأ، وفي خبره
احتمالان، أظهرُهما: أنه ((يؤمنون))، والثاني: أنه الجملة من قوله: ((أولئك
سنؤتيهم)). و((في العلم)) متعلقٌ بـ ((الراسخون)). و((منهم)) متعلق بمحذوفٍ
لأنه حالٌ من الضميرِ المستكنُّ في ((الراسخون)). قوله: ((والمؤمنون)) عطفُ
على (الراسخون))، وفي خبره الوجهان المذكوران في خبر ((الراسخون))،
[٢٢٩/أ] ولكن إذا جَعَلْنا الخبرِ («أولئك سنُؤْتيهم)) فيكون / يؤمنون ما محلُّه؟ والذي
يَظْهر أنه جملة اعتراضٍ لأنَّ فيه تأكيداً وتسديداً للكلام، ويكون الضمير في
(يؤمنون)) يعود على ((الراسخون)) و((المؤمنون)) جميعاً، ويجوز أن تكون حالاً
منهما، وحينئذ لا يُقال: إنها حال مؤكدة لتقدُّم عاملٍ مشاركٍ لها لفظاً؛ لأنَّ
الإِيمانَ فيها مقيدٌ، والإِيمانُ الأولُ مطلقٌ، فصار فيها فائدةٌ لم تكن في
عاملها، وقد يُقال: إنها مؤكدة بالنسبة لقوله: ((يؤمنون))، وغيرُ مؤكدة بالنسبة
لقوله: ((الراسخون)).
(١) الآية ١٥٥، وانظر أيضاً السبب الذي ذكره في الآية ١٦٠.
١٥٢

- النساء -
قوله: ((والمقيمين)) قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة(١):
((والمقيمون)» بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون
عنه، ومالك بن دينار وعصمة(٢) عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجحدري
وعيسى بن عمر وخلائق. فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها أقوال النحاة،
وفيها ستةُ أقوال، أظهرها : - وعزاه مكي(٣) لسيبويه(٤)، وأبو البقاء(٥)
للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع
النعوت، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن
جُعِل في جملة أخرى، وكذلك القطعُ في قوله ((والمؤتون الزكاة)» على
ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ
قوله: ((يؤمنون))، ولا يجوز أن يكون قوله ((أولئك سنؤتيهم)) لأن القطع إنما يكونَ
بعد تمامِ الكلام. قال مكي (٦): ((ومَنْ جَعَلَ نَصْبَ ((المقيمين)) على المدحِ
جَعَلَ خبرَ ((الراسخين)): ((يؤمنون))، فإنْ جَعَل الخبر ((أولئك سنؤتيهم)) لم يجز
نصب ((المقيمين)) على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام)). وقال
الشيخ (٧): ((ومَنْ جعل الخبرَ: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ)) قلت: هذا غيرُ
لازمٍ، لأن هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ ((المقيمين)) حينئذٍ منصوباً على القطع،
لكنه ضعيفٌ بالنسبة إلى أنه ارتكبَ وجهاً ضعيفاً في تخريج ((المقيمين)) كما
(١) الشواذ ٣٠؛ البحر ٣٩٥/٠.
(٢) عصمة بن عروة البصري، روى عن أبي عمرو والأعمش، وعنه يعقوب بن إسحاق،
ولم تذكر وفاته. انظر: الطبقات لابن الجزري ٥١٢/١.
(٣) المشكل ٢١٢/١.
(٤) الكتاب ٢٤٨/١ - ٢٤٩.
(٥) الإملاء ٢٠٢/١.
(٦) المشكل ٢١٢/١.
(٧) البحر ٣٩٥/٣.
١٥٣

- النساء
سيأتي. وحكى ابنُ عطية(١) عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلٍ حرف
العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلّ
الناسُ بقول الخرنق (٢):
١٦٧٤ - لا يَبْعَدَنَ قومي الذين همُ
سُمُّ العُداةِ وَآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكلِّ معتَركٍ
الأزِّرِ
معاقدَ
والطيبون
على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت
(النازلين)) فنصبته، و((الطيبون)) فرفعَتْه عن قولِها («قومي))، وهذا الفرقُ لا أثرَ
له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه(٣):
١٦٧٥ - ويَأْوِي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ
وشُعْئاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي
فنصب (شعثاً)) وهو معطوف.
الثاني: أن يكونَ معطوفاً على الضمير في «منهم)) أي: لكن الراسخون
في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة. الثالث: أن يكون معطوفاً على الكاف
في ((إليك)) أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء.
الرابع: أن يكونَ معطوفاً على ((ما)) في ((بما أُنْزِل)) أي: يؤمنون بما أنزل إلى
محمد صلى الله عليه وسلم وبالمقيمين، ويُعْزَى هذا للكسائي. واختلفت
(١) المحرر ٣٠٨/٤.
(٢) ديوان الخِرْنق بنت هفان ٢٩؛ الكتاب ١٠٤/١؛ المحتسب ١٩٨/٢؛ أمالي الشجري
٢٤٤/١؛ الانصاف ٤٦٨؛ رصف المباني ٤١٦؛ والمزهر ١٤٥/١؛ والهمع ١١٩/٢؛
والدرر ١٥٠/٢؛ وطيب المعاقد: كناية عن العفة.
(٣) تقدم برقم ١٢٠٣.
١٥٤

- النساء -
عبارة هؤلاء في ((المقيمين)) فقيل: هم الملائكة. قال مكي(١): ((ويؤمنون
بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله: ((يُسَبِّحون الليلَ والنهارَ
لا يَفْتُرون))(٢). وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على حَذْفٍ
مضافٍ أي: وبدين المقيمين. الخامس: أن يكونَ معطوفاً على الكاف في
(قبلك)) أي: ومِنْ قبلِ المقيمين، ويعني بهم الأنبياء أيضاً. السادس: أن
يكونَ معطوفاً على نفسِ الظرف، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي: ومن قبل
المقيمين، فحُذِف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في
تخريجِ هذه القراءةِ.
وقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنها لحنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان
أنها خطأ من جهةٍ غلط كاتبِ المصحفِ، قالوا: وأيضاً فهي في مصحفٍ
ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحف أُبيّ كذلك، وهذا لا يَصحُ
عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قولَ الزمخشري(٣) رحمه الله: ((ولا يُلتفت إلى
ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في
الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص
من الافتنان، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم
في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من أن
يقولوا ثُلْمَةً في كتاب الله ليسُدَّها مَنْ بعدهم، وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يلحق بهم)).
وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.
قوله: ((والمؤتُون)» فيه سبعةُ أوجهٍ أيضاً، أظهرها : أنه على إضمارٍ مبتدأ، ويكون
من باب المدحِ المذكورِ في النصب. الثاني: أنه معطوفٌ على ((الراسخون))،
(١) المشكل ٢١٢/١.
(٢) الآية ٢٠ من الأنبياء.
(٣) الكشاف ٥٨٢/١.
١٥٥

- النساء -
وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأنه إذا قُطِع التابعُ عن متبوعِه لم يَجُزْ أن يعودَ ما بعده إلى
إعراب المتبوع فلا يُقال: ((مررت بزيدٍ العاقلَ الفاضلِ)) بنصب ((العاقل)) وجر
(الفاضل))، فكذلك هذا. الثالث: أنه عطفُ على الضمير المستكنُّ في
(الراسخون))، وجاز ذلك للفصل. الرابع: أنه معطوفٌ على الضمير في
((المؤمنون)). الخامس: أنه معطوفٌ على الضمير في ((يؤمنون)). السادس: أنه
معطوفٌ على ((المؤمنون))، السابع: أنه مبتدأ وخبره ((أولئِك سنؤتيهم))، فيكون
(أولئك)) مبتدأ، و((سنؤتيهم)) خبره، والجملةُ خبرُ الأولِ ، ويجوزُ في ((أولئك))
أن ينتصِبَ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه ما بعده فيكونَ من باب الاشتغال، إلا أنَّ
هذا الوجهَ مرجوحٌ من جهةٍ أنَّ ((زيدٌ ضربته)) بالرفع أجودُ مِنْ نصبه، لأنه
لا يحوج إلى إضمار، ولأنَّ لنا خلافاً في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف
التنفيس في نحو ((سأضربُ زيداً)) مَنْعَ بعضهم («زيداً سأضرب))، وشرطُ
الاشتغالِ جوازُ تسلُّط العامل على ما قبله، فالَأوْلى أَنْ نَحْمِلَه على ما لا خلاف
فيه. وقرأ حمزة(١): ((سيؤتيهم)) بالياء مراعاةٌ للظاهر في قوله: ((والمؤمنون
بالله))، والباقون بالنون على الالتفات تعظيماً، ولمناسبة قوله: ((وأعتَدْنا)) وهما
واضحتان.
[٢٢٩/ب]
آ. (١٦٣) قوله تعالى: ﴿كما أَوْحينا﴾: / الكافُ نعتٌ لمصدرٍ
محذوفٍ أي: إيحاءً مثلَ إيحائنا، أو على أنه حالٌ من ذلك المصدر
المحذوف المقدَّرِ معرفاً أي: أوحيناه أي: الإِيحاءَ حالَ كونِه مشبهاً لإِيحاثنا
إلى مَنْ ذكر. وهذا مذهبُ سيبويه(٢) وقد تقدَّم تحقيقه. و((ما)) تحتمل
وجهين: أن تكونَ مصدريةً فلا تفتقر إلى عائدٍ على الصحيح، وأن تكونَ
بمعنى الذي، فيكونُ العائدُ محذوفاً أي: كالذي أوحيناه إلى نوح. و «من بعده؟
(١) السبعة ٢٤٠؛ البحر ٣٩٧/٣.
(٢) الكتاب ١١٦/١.
١٥٦

- النساء -
متعلقٌّ بـ ((أَوْحينا))، ولا يجوز أن تكونَ ((من)) للتبيين، لأنَّ الحالَ خبرُ في
المعنى، ولا يُخبر بظرف الزمان عن الجثة إلا بتأويل ليس هذا محلّه. وأجاز
أبو البقاء(١) أن يتعلق بنفس ((النبيين))، يعني أنه في معنى الفعل كأنه قيل:
((والذين تنَّؤوا مِنْ بعدِه)) وهو معنى حسن.
وفي ((يونس)) ستُ لغاتٍ (٢) أفصحُها: واو خالصةٌ ونون مضمومة، وهي
لغةُ الحجاز، وحُكِي كسرُ النونِ بعد الواو، وبها قرأ نافع في رواية حبان(٣)،
وحُكِي أيضاً فتحها مع الواو، وبها قرأ النخعي وهي لغة لبعض عقيل، وهاتان
القراءتان جَعَلَهما بعضهم(٤) منقولتين من الفعلِ المبني للفاعل أو للمفعول،
جَعَل هذا الاسمَ مشتقاً من الأنس، وإنما أُبدلت الهمزةُ واواً لسكونِها
وانضمامِ ما قبلها، ويدلُّ على ذلك مجيتُه بالهمزةِ على الأصل في بعض
اللغات كما سيأتي، وفيه نظرٌ، لأنَّ هذا الاسمَ أعجمي، وحُكِي تثليث النون مع
همز الواو، كأنهم قلبوا الواوَ همزةٌ لانضمامٍ ما قبلها نحو(٥):
١٦٧٦ - أَحَبُّ الْمُؤْقِدِينَ إليَّ موسى
وقد تقدَّم تقريرُه، وحُكي أنَّ ضمَّ النونِ مع الهمز لغةُ بعض بني أسد،
إلا أني لا أعلم أنه قُرىء بشيء من لغات الهمز(٦). هذا إذا قلنا: إن هذا
الاسمَ ليس منقولاً من فِعْلٍ مبني للفاعل أو للمفعول حالةً كسر النون
(١) الإملاء ٢٠٣/١.
(٢) انظر في قراءات ((يونس»: الشواذ ٣٠؛ البحر ٣٩٧/٣.
(٣) كذا في الأصل، وليس ثمة قارىء بهذا الاسم عن نافع، لعله - كما في البحر - جماز،
وهو سليمان بن مسلم، عرض على نافع توفي بعد سنة ١٧٠؛ انظر: البحر ٣٩٧/٣؛
الطبقات ٣١٥/١.
(٤) حكاه القرطبي ١٧/٦ عن المهدوي.
(٥) تقدم برقم ١٢٨.
(٦) أثبت ابن خالويه في الشواذ ٣٠ قراءة ((يؤنس)) عن طلحة بن مصرف.
١٥٧

- النساء-
أو فتحِها، أمّا إذا قلنا بذلك فالهمزةُ أصليةٌ غيرُ منقلبةٍ من واو لأنه مشتق من
الأنس، وأمَّا مع ضمِّ النونِ فينبغي أن يُقال بأن الهمزة بدلً من الواو لانتفاء
الفعلية مع ضم النون.
قوله: ((زَبورا)) قراءةُ الجمهور بفتح الزاي، وحمزة(١) بضمها، وفيه ثلاثةُ
أوجهٍ، أحدُها: أنه جمعُ ((زَبْر)) قال الزمخشري(٦): ((جمعَ (زَبْر)»،
وهو الكتاب، ولم يَذْكر غيرَه، يعني أنه في الأصل مصدر على فَعْل، ثم جُمع
على فُعول نحو: فَلْسُ وفُلوس، وقَلْس(٣) وقُلُوس، وهذا القول سبقه إليه
أبو علي الفارسي في أحد التخريجين عنه. قال أبو علي (٤): ((ويحتمل أن
يكونَ جمْعَ زَبْرٍ وقع على المزبور، كما قالوا: ضَرْب الأمير ونَسْج اليمن،
كما سُمِّي المكتوب كتاباً) يعني أبو علي أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به كما
مثَّله. والثاني: أنه جمع (زَبُور)) في قراءة العامة، ولكنه على حَذْفِ الزوائد،
يعني حُذِفت الواوُ منه فصار اللفظ: زَبُر، وهذا التخريجُ الثاني لأبي عليّ،
قال أبو علي(٥): ((كما قالوا: ظريف وظُروف، وكَرَوان وكَرْوان، وَوَرَشان(٦)
ووِرْشان على تقدير حذف الياء والألف))(٧)، وهذا لا بأس به، فإنَّ التكسير
والتصغير يَجْريان غالباً مجرئً واحداً، وقد رأيناهم يُصَغِّرون بحذفِ الزوائد
نحو: (زُهَيْرِ وحُمَيْد)) في أزهر ومحمود، ويسميه النحويون ((تصغير الترخيم))،
فكذلك التكسيرُ. الثالث: أنه اسمٌ مفردٌ وهو مصدرٌ جاءَ على فُعول كالدُّخول
(١) السبعة ٢٤٠، الكشف ٤٠٢/١.
(٢) الكشاف ٥٨٢/١.
(٣) القلس: ما خرج من الحَلْق وليس بقيء.
(٤) الحجة (خ) ٣٨٤/٢.
(٥) الحجة (خ) ٣٨٤/٢
(٦) الورشان: طائر شبه الحمام.
(٧) أي: فيكون زَبور جمع زُبور على تقدير حذف الزائد وهو الواو. وانظر: الكشف لمكي
٤٠٢/١؛ والصحاح: ظرف.
١٥٨

- النساء -
والقُعود والجُلوس، قاله أبو البقاء(١) وغيره. وفيه نظر من حيث إن الفُعول
يكون مصدراً للازم، ولا يكون للمتعدي إلا في ألفاظ محفوظةٍ نحو: اللُّزوم
والنَّهوك، وزَبَر - كما ترى - متعدٍ، فيضعفُ جَعْلُ الفُعُول مصدراً له، وقد
تقدم معنى هذه المادة.
آ. (١٦٤) قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قد قَصَصْناهم﴾: الجمهور على
نصب ((رسلاً)) وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب على الاشتغال لوجود
شروطه، أي: وقصصنا رسلاً، والمعنى على حَذْف مضاف أي: قصصنا
أخبارهم، فيكون ((قد قصصناهم)) لا محلّ له لأنه مفسرٌ لذلك العاملِ
المضمر، ويُقَوِّي هذا الوجهَ قراءةُ أُبي: ((ورسل)» بالرفعِ في الموضعينِ،
والنصبُ هنا أرجحُ من الرفع؛ لأن العطف على جملةٍ فعلية وهي: ((وآتينا داودَ
زبوراً)). الثاني: أنه منصوب عطفاً على معنى ((أوحينا إليك كما أوحينا إلى
نوح)). أي: أَرْسَلْنا وَنَبَّأْنا نوحاً ورسلا، وعلى هذا فيكون ((قد قَصَصْناهم)) في
محل نصب لأنه صفةٌ لـ((رسلاً)). الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار فعل أي:
وأرسلنا رسلاً، وذلك أنَّ الآيةَ نزلت رادَّة على اليهود في إنكارهم إرسالَ
الرسل وإنزال الوحي، كما حكى اللَّهُ عنهم في قوله: ((ما أنزل الله على بشر
من شيء))(٢) والجملةُ أيضاً في محل الصفة .
وقرأ أُبي (٣): ((ورسلٌ)) بالرفع في الموضعين، وفيه تخريجان،
أظهرُهما: أنه مبتدأ وما بعده خبرُه، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرةِ لأحدٍ شيئين:
إِمَّا العطفِ كقوله (٤):
(١) الإملاء ٢٠٣/١.
(٢) الآية ٩١ من الأنعام.
(٣) القرطبي ١٨/٦؛ البحر ٣٩٨/٣.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في المغني ٥٢١.
١٥٩

- النساء -
١٦٧٧- عندي اصطبارٌ وشكوى عند قاتلتي
فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤُ سَمِعا
وإما التفصيلِ كقوله (١):
١٦٧٨ - فأقبلتُ زجفاً على الركبتينِ
فيثوبٌ لَبِسْتُ وثوبٌ أَجُرّ
وکقوله(٢):
١٦٧٩ - إذا ما بكى مِنْ خلفِها انصرفَتْ له
بشقٍ وشِقُّ عندنا لم يُحَوَّلِ
والثاني : - وإليه ذهب ابن عطية (٣) - أنه ارتفعَ على خبر ابتداء مضمر
أي: وهم رسلٌ، وهذا غير واضح. والجملة بعد ((رسل)) على هذا الوجه
تكون في محلٌّ رفع لوقوعها صفةً للنكرة قبلها.
قوله: ((ورسلا لم نَقْصُصْهم)) / كالأول. وقوله: ((وكَلَّم اللَّهُ موسى))
[٢٣٠/أ] الجمهور على رفع الجلالة، وهي واضحة. و((تكليماً)) مصدر مؤكد رافعٌ
للمجاز، وهي مسألةٌ يبحث فيها الأصوليون، تحتمل كلاماً كثيراً ليس هذا
موضعه، على أنه قد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز کقول هند بنت
النعمان بن بشير في زوجها روح بن زنباع وزيرٍ عبدالملك بن مروان (٤).
١٦٨٠ - بكى الخَزُّ مِنْ دَوْحٍ وأنكرَ جِلْدَه
وعَجَّتْ عجيجاً مِنْ جُذامَ المطارِفُ
تقول: إنَّ زوجها رَوْحاً قد بكى ثيابُ الخَزِّ من لُبْسه، لأنه ليس من أهل
(١) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ٩٦ برواية فئوياً؛ والكتاب ٤٤/١؛ والمحتسب
١٤٢/٢؛ والمغني ٥٢٤.
(٢) تقدم برقم ٢٢٢.
(٣) المحرر ٣١١/٤.
(٤) تقدم برقم ٢٠٣.
١٦٠.