النص المفهرس
صفحات 121-140
- النساء- والشأن، أي: أنَّ الأمر والشأن إذا سمعتم الكفر والاستهزاء فلا تقعدوا. قال الشيخ(١): ((وما قَدَّره أبو البقاء(٢) من قوله: ((أنكم إذا سمعتم)) ليس بجيد، لأن ((أن)) المخففة لا تعمل إلاّ في ضمير الشأن، إلا في ضرورة كقوله(٣). ١٦٦٢ - فلو أَنْكِ في يومِ الرخاءِ سَأَلْتِني طلاقَك لم أبخّلْ وأنتِ صديقُ هكذا قال، ولم أَرَه أنا في إعراب أبي البقاء إلا أنه بالهاء دون الكاف والميم. والجملةُ الشرطية المنعقدةُ من ((إذا)) وجوابها في محل رفع خبراً لـ((أَنْ))، ومن مجيء الجملة الشرطية خبراً لـ (أنْ)) المخففة قوله (٤): ١٦٦٣- فعلمْتُ أَنْ ما تَتَّقُّوه فإنه جَزْرٌ لِجامعةٍ وَفَرْخِ عقابِ فـ ((ما) شرطيةٌ و ((فإنه)) جوابُها، والجملةُ خبرٌ لـ ((أن)) المخففةِ. قوله: ((يُكْفَر بها)) في محلِّ نصبٍ على الحال من الآيات، و((بها)) في محلِّ رفعٍ لقيامِه مقامَ الفاعلِ ، وكذلك في قولِه ((ويُسْتهزأ بها)) والأصل: يَكفر بها أحدٌ، فلمَّا حُذِف الفاعلُ قام الجارَّ والجرورُ مقامه، ولذلك رُوعي هذا الفاعلُ المحذوف، فعاد عليه الضميرُ من قوله ((معهم)) ((حتى يخوضوا)» كأنه قيل: إذا سمعتم آياتِ الله يَكْفُر بها المشركون ويستهزىء بها المنافقون فلا تَقْعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيرِه أي: غيرٍ حديث الكفر والاستهزاء، فعاد الضمير في ((غيره)) على ما دلَ عليه المعنى. وقيل: الضمير (١) البحر ٣٧٤/٣. (٢) الإملاء ١٩٨/١، بالهاء كما سيورده السمين. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الإنصاف ٢٠٥؛ وابن يعيش ٧١/٨؛ والخزانة ٤٦٥/٢؛ والعيني ٣١١/٢؛ والهمع ١٤٣/١؛ والدرر ١٢٠/١. (٤) لم أهتد إلى قائله؛ وهو في البحر ٣٧٤/٣؛ والخامعة: الضبع. ١٢١ - النساء :- في ((غيره)) يجوزُ أَنْ يعودَ على الكفر والاستهزاء المفهومَيْن من قوله ((يكفر بها)» و (يستهزأ بها))، وإنما أفرد الضمير وإن كان المراد به شيئين لأحد أمرين: إمَّا لأنَّ الكفرَ والاستهزاء شيءٌ واحدٌ في المعنى، وإمَّا لإِجراءِ الضميرِ مُجْرِى اسمِ الإشارةِ نحو: ((عُوَانٌ بين ذلك))(١) و[قوله: ](٢) ١٦٦٤ - كأنَّه في الجِلْدِ تولِيعُ الْبَهَقْ وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة. و((حتى)) غايةٌ للنهي، والمعنى: أنه يجوز مجالستهم عند خوضِهم في غيرِ الكفر والاستهزاء. وقوله: ((إنكم إذاً مثلُهم)) ((إذنْ)) هنا مُلْغَاةً لوقوعها بين مبتدأ وخبر. والجمهور على رفعِ اللام في ((مثلُهم)) على خبرِ الابتداء. وقرىء(٣) شاذاً بفتحها، وفيها تخريجان، أحدهما : - وهو قولُ البصريين - أنه خبر أيضاً، وإنما فُتِح لإِضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى: ((إنه لحقّ مثلَ: ما أنْكِم تنطقون»(٤) بفتح اللام، وقول الفرزدق(٥): ١٦٦٥- . وإذمامثلهم بشرُ ٠ في أحدٍ الأوجه. والثاني : - وهو قولُ الكوفيين - أن ((مثل)) يجوز (١) الآية ٦٨ من البقرة، والمسألة هي عَوْدُ اسم الإشارة إلى المفرد على أكثر من شيء واحد . (٢) تقدم برقم ٥٣٩. (٣) البحر ٣٧٥/٣ من دون نسبة. (٤) الآية ٢٣ من الذاريات. (٥) تمامه : إذ هم قريشٌ . فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم وهو في ديوانه ٢٢٣؛ والكتاب ٢٩/١؛ ومجالس العلماء ١١٣؛ والمقرب: ١٠٢/١؛ ورصف المباني ٣١٢؛ والمغنى ٨٧. وقد اضطررنا إلى ذلك لأن الشاعر نصب الخبر مع أن «ماه الحجازية ملغاة لتقدم الخبر. ١٢٢ - النساء - نصبُها على المحل أي الظرف، ويجيزون: ((زيد مثلك)) بالنصب على المحل أي: زيدٌ في مثلِ حالك. وأفرد ((مثل)) هنا وإن أخبر به عن جمع ولم يُطابق به كما طابق ما قبله في قوله: ((ثم لا يكونوا أمثالكم)) (١)، وقوله ((وحورٌ عین كأمثال)»(٢): قال أبو البقاء(٣) وغيرُه: ((لأنه قَصَدَ به هنا المصدرَ فوحّد كما وحَّد في قوله: ((أنؤمن لبشرَيْن مثلِنا))(٤). وتحرير المعنى: أن التقدير: إن عصيانكم مثلُ عصيانهم، إلا أنَّ تقدير المصدرية في قوله ((لبشرين مثلنا)) قلق . آ .. (١٤١) قولُه تعالى: ﴿الذين يتربَّصون﴾: فيه ستة أوجه، أحدها: أنه بدلٌ من قوله: ((الذين يتخذون))، فيجيء فيه الأوجه المذكورة هناك. الثاني: أنه نعتٌ للمنافقين على اللفظ فيكون مجرورَ المحل. الثالث: أنه تابعٌ لهم على الموضعِ فيكونُ منصوبَ المحلِّ، وقد تقرر أنَّ اسمَ الفاعلِ العاملَ إذا أُضيفَ إلى معموله جاز أن يُتْبَعَ معمولُه لفظاً وموضعاً، تقول: «هذا ضاربُ هندٍ العاقلةِ والعاقلةَ)) بجرِّ العاقلة ونصبها. الرابع: أنه منصوبٌ على الشتم. الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمر أي: هم الذين. السادس : - وذكره أبو البقاء _(٥) أنه مبتدأ، والخبرُ قولُه: ((فإنْ كان لكم فتحٌ))، وهذا ضعيفٌ لنبوِّ المعنى عنه ولزيادةِ الفاءِ في غيرِ محلُّها، لأنّ هذا الموصولَ غيرُ ظاهرِ الشبهِ باسم الشرط . قوله: ((ونمنعْكم)) الجمهورُ على جزمه عطفاً على ما قبله. وقرأ(٦) ابن (١) الآية ٣٨ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم. (٢) الآية ٢٢ من سورة الواقعة. (٣) الإملاء ١٩٨/١. (٤) الآية ٤٧ من المؤمنون. (٥) الإملاء ١٩٩/١. (٦) الشواذ ٢٩؛ البحر ٣٧٥/٣. ١٢٣ - النساء - أبي عبلة بنصب العين وهي ظاهرةٌ، فإنه على إضمار ((أن)) بعد الواو المقتضية للجمع في جوابِ الاستفهامٍ كقول الحطيئة (١): ١٦٦٦ - ألم أُ جَرَكِمْ ويكونَ بيني وبينكمُ المودةُ والإِخـاءُ وعَبَّر ابنُ عطية بعبارة الكوفيين فقال(٢): ((بفتحِ العين على الصرف)) ويعنون بالصرف عدمَ تشريكِ الفعلِ مع ما قبلَه في الإعراب. وقرأ أُبَي : ((ومنعناكم) فعلًا ماضياً وهي ظاهرةٌ أيضاً لأنه حُمِلَ على المعنى، فإن معنى ((ألم نستحوذ)): إنَّا قد استحوذنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نفي قَرَّرِهِ، ومثلُه: ((ألم نشرَحْ لكَ صِدَرَك ووضعنا))(٣) لَمَّا كان ((ألم نشرح)) في معنى ((قد شرحنا)) عُطِفَ عليه ((وَوضَعْنَا)). [١/٢٢٥] ونستحوذ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً وفَصُحَ استعمالاً / لأنَّه مِنْ حقه نَقْلُ حركةٍ حرفِ عليّه إلى الساكن قبلها، وقَلْبُها ألفاً كاستقام واستبان وبابه، وقد قدمت تحقيق هذا في قوله: ((نستعين))(٤) في الفاتحة، وقد شَذَّت معه ألفاظٌ أُخَرُ نحو: ((أَغْيَمتْ وأَغْيلت(٥) المرأة وأَخْيلت(٦) السماء)) قصرها النحويون على السماع، وقاسَها أبوزيد(٧). والاستحواذ: التغلّب على الشيء والاستيلاءُ عليه. ومنه: ((استحوذ عليهم الشيطان)) (٨). ويقال: ((حاذَ وأحاذ) بمعنى، والمصدرُ الحَوْذ. (١) ديوانه ٩٨؛ والكتاب ٤٢٥/١؛ والعيني ٤١٧/٤؛ والهمع ١٣/٢؛ والدرر ١٠/٢. (٢) المحرر ٢٨٧/٤. (٣) الآية ١ من الانشراح (٤) الآية ٤. (٥) أغيلت ولدها: سقته اللبن. (٦) أخيلت السماء: تهيأت للمطر. (٧) انظر: الممتع في التصريف ٤٨٢/٢. (٨) الآية ١٩ من المجادلة. ١٢٤ - - النساء- وقوله: ((يحكم بينكم)) قيل: هنا معطوفٌ محذوف أي: وبينهم کقوله(١): ١٦٦٧- فما كانَ بين الخيرِ لو جاء سالماً أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قلائِلُ أي: وبيني، والظاهرُ أنه لا يَحْتاج لذلك، لأن الخطاب في ((بينكم» شاملٌ للجميع، والمرادُ المخاطبون والغائبون، وإنما غَلَّبَ الخطاب لِما عَرَفْتَ من لغة العرب. قوله: ((على المؤمنين)) يجوز أن يتعلقَ بالجَعْلِ، ويجوز أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنه في الأصلِ صفةٌ لـ ((سبيلا)) فلمَّا قُدَّم عليه انتصبَ حالاً عنه . آ. (١٤٢) وقوله تعالى: ﴿يُخادِعِون﴾: قد تقدَّم اشتقاقُه ومعنى المفاعلة فيه أول البقرة(٢). قوله: ((وهو خادِعُهم)) فيها ثلاثةُ أوجه أحدها: - ذكره أبو البقاء (٣) - وهو أنَّها نصبٌ على الحال. والثاني: أنها في محل رفع عطفاً على خبر ((إنَّ)). والثالث: أنها استئناف إخبار بذلك. قال الزمخشري (٤): ((وخادٍع)) اسمُ فاعل من خادَعْتُه فَخَدَعْتُه إذا غلبتَه وكنتَ أخدع منه. قوله: ((وإذا قاموا)) عطف على خبرِ ((إنَّ)) أخبر عنهم بهذه الصفاتِ الذَّميمة. و((كُسالى)) نصبُ على الحال من ضمير ((قاموا)) الواقع جواباً. والجمهورُ على ضم الكاف، وهي لغة أهل الحجاز. وقرأ(٥) الأعرج بفتحها، وهي لغةُ تميم وأسدٍ، وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ: ((كَسْلى)) وَصَفَهم بما تُوصف به (١) تقدم برقم ٧٤٦. (٢) الآية ٩. (٣) الإملاء ١٩٩/١. (٤) الكشاف ٥٧٣/١. (٥) الشواذ ٢٩؛ البحر ٣٧٧/٣. ١٢٥ -النـــاء- المؤنثة المفردةُ اعتباراً بمعنى الجماعة كقوله: ((وتَرَى الناسَ سَكْرِى)) (١). والكسلُ: الفتورُ والتواني، وأَكْسَل: إذا جامَعَ وفَتَر ولم يُنْزِل. قوله: ((يُراؤُوْن)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها حالٌ من الضمير المستتر في (كُسالى)). الثاني: أنها بدلٌ من ((كُسالى)) ذكره أبو البقاء(٢)، فيكونُ حالاً من فاعل ((قاموا)) وفيه نظرٌ، لأنَّ الثاني ليس الأولَ ولا بعضه ولا مشتملا عليه. الثالث: أنها مستأنفةٌ أَخْبر عنهم بذلك. وأصلُ يُراؤُونٍ: يُرائِيُن فأُعِلَّ كنظائرِهِ. والجمهور على ((يُراؤُون)) من المفاعلةِ قال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلت: ما معنى المراءاة وهي مُفَاعَلَة من الرؤية؟ قلت: لها وجهان أحدهما: أنَّ المرائِيَ يُريهم عمله وهم يُرُوْنه الاستحسانَ. والثاني: أنْ تكونَ من المفاعلةِ بمعنى التفعيل (٤)، يقال: نعَّمه وناعمه، وفَنَّقه(٥) وفانَقَه، وعيش مُفَانِقٍ، وروى أبو زيد: ((رأَت المَرْأَةُ المِرْآة))(٦) إذا أَمْسَكَتْها له ليرى وجهه، ويدل عليه قراءةُ ابن أبي اسحاق(٧): ((يُرُّؤُونهم)) بهمزةٍ مشددةٍ مثلَ: يُدَعُونهم، أي: يُبَصِّرونهم ويُرَاؤُوْنهم كذلك، يعني أنّ قراءةً ((يُرُونَهم)) مِنْ غير ألفٍ بل بهمزةٍ مضمومةٍ مشددةٍ توضِّح أنَّ المُفَاعلةَ هنا بمعنى التفعيل. قال ابن عطية(٨): ((وهي - يعني هذه القراءة - أقوى من ((يراؤون)) في المعنى؛ لأنَّ معناها يَحْمِلُون الناسَ على أَنْ يَرَوْهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة ويُبْطِنُون النفاقَ)) وهذا منه ليس بجيد؛ لأنَّ المفاعلة إنْ كانت على (١) على قراءة حمزة والكسائي للآية ٢ من الحج؛ انظر: السبعة ٤٣٤. (٢) الإملاء ١٩٩/١. (٣) الكشاف ٥٧٤/١. (٤) قال: ((فيقال راءى الناس يعني رآهم». (٥) أفنق: تنعَّم، وعيش مفانق: ناعم. (٦) قوله ((المرآة)) كذا في الأصل لعله مقحم. انظر: الصحاح ((رأي)). (٧) البحر ٣٧٧/٣؛ الشواذ ٢٩. (٨) المحرر ٤ /٢٨٩. ١٢٦ - النساء - بابها فهي أبلغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرة، وإنْ كانت بمعنى التفعيل فهي وافيةٌ بالمعنى الذي أراده، وكأنه لم يعرف أنَّ المفاعلة قد تجيء بمعنى التفعيل. ومتعلَّقُ المراءاةِ محذوفٌ لِيَعُمَّ كلَّ مايُراءَى به. والأحسن أن تُقَدِّر يُراؤون الناس بأعمالهم. وقوله: ((قليلاً)) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو لزمان محذوف أي: ذكراً قليلاً أو زمناً قليلاً، والقلةُ هنا على بابِها، وجَوَّز الزمخشري(١) وابن عطية(٢) أن تكون بمعنى العَدَم، ويأباه كونُه مستثنى، وقد تقدَّم الردُّ عليهما في ذلك. وقوله: ((ولا يذكرون)) يجوز أن يكونَ عطفاً على ((يُراؤُون)) وأن يكون حالاً من فاعل ((يُراؤون)) وهو ضعيفٌ لأنَّ المضارع المنفي بـ((لا)) كالمثبت، والمُثْبَتُ إذا وَقَع حالاً لا يَقْتَرِنُ بالواوِ، فإِنْ جَعَلَها عاطفةٌ جاز. آ. (١٤٣) قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِين﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنه حال مِنْ فاعل ((يُراؤون)). الثاني: أنه حالٌّ من فاعل ((ولا يَذْكُرُون)). الثالث: أنه منصوبٌ على الذمّ والجمهور على ((مذبذبين)) بميمٍ مضمومة وذالين معجمتين ثانيتهما مفتوحةٌ على أنه اسم مفعول، من ذبذبته فهو مُذَبْذَب أي: متحيِّر. وقرأ (٣) ابن عباس وعمروبن فائد بكسر الذال الثانيةِ اسمَ فاعل، وفيه احتمالان، أحدهما: أنه من ((ذَبْذَبَ)) متعدِّياً فيكونُ مفعولُه محذوفاً أي : مُذَبْذِبين أنفسهم أودينَهم أو نحو ذلك. والثاني: أنه بمعنى تَفَّعْلَل نحو: ((صَلْصَلَ)) فيكون قاصراً، ويَدُلُّ على هذا الثاني قراءةٌ أُبَيّ وما في مصحف عبد الله: ((مُتَذَبْذِبين)) فلذلك يُحْتَمَلُ أن تكونَ قراءةُ ابنِ عباس بمعنى متذبذبين. وقرأ الحسن البصري (مَذَبْذَبِين)) بفتح الميم. قال ابن عطية(٤): (١) الكشاف ٥٧٤/١. (٢) المحرر ٢٨٩/٤ وعبارته: ((قال الحسن: قلَّ لأنه كان لغير الله)). (٣) الشواذ ٢٩؛ البحر ٣٧٨/٣؛ القرطبي ٤٢٤/٥. (٤) المحرر ٢٩٠/٤. ١٢٧ - النساء ب ((وهي مردودة)) ولَعَمْري لقد صدق، ولا ينبغي أن تَصِحَّ عنه. واعتذر الشيخ(١) عنها لأجل فصاحة الحسن واحتجاج الناس بكلامه بأنَّ فتح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال قال: ((وإذا كانوا قد أتبعوا في ((مِنْتِن)) حركة الميم بحركة التاء مع الحاجز بينهما، وفي نحو ((منحدُر)» أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حالة الرفع مع أنَّ حركةَ الإِعرابِ غيرُ لأزمة فَلَأَنْ يُتْبعوا في نحو ((مَذَبذبين) أولى. وهذا [٢٢٥/ب] فاسدٌ لأن / الإتباع في الأمثلة التي أوردها ونظائرِها إنما هو إذا كانت الحركةُ قويةً وهي الضمةُ والكسرةُ، وأمَّا الفتحةُ فخفيفةٌ فلم يُتْبِعُوا لأجلها. وقرأ ابن القعقاع بدالين مهملين من الدُّبَّة وهي الطريقة، يقال: ((خَلَّني ودُبَّتِي)) أي: طريقتي. قال (٢). ١٦٦٨ - طَها هُذْرُبانٌ قَلَّ تغميضُ عينِه على دُبَّةٍ مثلِ الخَنيفِ المُرَعْبَلِ وفي حديث ابن عباس: ((اتَّبِعوا دُبَّ قريش)) أي: طريقها، فالمعنى على هذه القراءة: أنْ يأخذَ بهم تارةً دُبَّةً وتارة دُبَّةً أخرى، فَتْبَعُون متحِّرين غِيرَ ماضين على طريق واحد. ومُذَبْذَب وشبهُه نحو: مُكَبْكَب ومُكَفْكَف مِمَّا ضُعِّف أولُه وثانيه وصَحَّ المعنى بإسقاط ثالثِه فيه مذاهبٌ، أحدُها : - وهو قولُ جمهورِ البصريين - أنَّ الكلَّ أصولٌ، لأنَّ أقلَّ البنية ثلاثةُ أصولٍ وليس أحدُ المكررين أَوْلى بالزيادةِ من الآخر. الثاني - ويُعْزَى للزجاج - أنَّ ما صَحَّ إسقاطُه زائدٌ. الثالث: - وهو قول الكوفيين - أن الثالث بدل من تضعيف الثاني، ويزعمون أن أصل كفكف: كَفَّفَ بثلاث فاءات، وذبذب: ذَبَّب بثلاث باءات فاستثْقِل توالي (١) البحر ٣٧٨/٣. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: رعبل؛ والبحر ٣٧٩/٣. والخنيف: الرديء، ورعبل: قطع . ١٢٨ - النساء- ثلاثةِ أمثالٍ فَأَبْدَلُوا الثالثَ من جنس الأول، ولهذه المذاهب موضوعٌ غيرُ هذا حَرَّرْتُ مباحثَهم فيه، أمَّا إذا لم يَصِحَّ المعنى بحذفٍ الثالث نحو: سِمْسم ويُؤْيؤ(١) ووْوَع(٢) فإنَّ الكلِّ يزعمون أصالةَ الجميعِ. والذبذبة في الأصل: الاضطرابُ والتردُّد بين حالتين. قال النابغة (٣): ١٦٦٩- ألم تَرَّ أنَّ اللّهَ أَعْطاك سُورةٌ تَرَى كُلَّ مَلْكِ دونَها يَتَذَبْذَبُ وقال آخر(٤). ١٦٧٠ - خيالٌ لأمِّ السَّلْسبيل ودونَها مسيرةُ شهرٍ للبعيرِ المُذَّبْذِبِ بكسر الذال الثانية. قال ابن جني(٥): ((أي القَلِقِ الذي لا يستقر)». قال الزمخشري(٦): ((وحقيقةُ المذبذب الذي يُذَبُّ عن كلا الجانبين أي يُزاد ويُدْفع فلا يقرُّ في جانبٍ واحد، كما يقال: ((فلان يُرْمَى به الرَّحَوان))، إلا أنَّ الذبذبة فيها تكريرٌ ليس في الذَبِّ، كأنَّ المعنى: كلما مالَ إلى جانبٍ ذَبَّ عنه)» . و ((بين)) معمولٌ لقوله: ((مُذَبْذَبين)) و((ذلك)) إشارةً إلى الكفر والإِيمانِ المدلول عليهما بذكر الكافرين والمؤمنين ونحو(٧): (١) يؤيؤ: طائر ذو مخلب. (٢) وعوع: مصدر وعوع: إذا صَوَّت. (٣) تقدم برقم ٢٧٣ . (٤) البيت للبعيث بن حريث؛ وهو في المحتسب ٢٠٣/١؛ والحماسة ٢١٨/١؛ وشواهد الكشاف ٣٢٣/٤؛ والبحر ٣٧٧/٣. (٥) المحتسب ٢٠٣/١. (٦) الكشاف ٥٧٤/١. (٧) تقدم برقم ١٣٨٧. ١٢٩ - النساء - ١٦٧١ - إذا نُهِي السفيهُ جَرَى إليه أي: إلى السَّفَهِ لدلالةِ لفظ السفيه عليه. وقال ابن عطية (١): ((أشير إليه وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ لتضمن الكلام له، نحو: ((حتى توارَتْ بالحجاب))(٢) (كلُّ مَنْ عَليها فَانٍ))(٣) يعني توارَت الشمسُ وكَلَّ مَنْ على الأرض. قال الشيخ(٤): ((وليس كذلك، بل تقدَّم ما يَدُلُّ عليه)) وذكر ما قَدَّمْتُه. وأشير بـ ((ذلك)) وهو مفردٌ لاثنين لِما تقدَّم في قوله ((عَوانٌ بين ذلك))(٥). قوله: ((لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)) ((إلى) في الموضعين متعلقةٌ بمحذوف، وذلك المحذوفُ هو حالٌ حُذِفَ لدلالةِ المعنى عليه، والتقدير: مُذَبْذَبين لا منسوبين إلى هؤلاء ولا منسوبين إلى هؤلاء، فالعاملُ في الحال نفسُ ((مُذَبْذَبين)). قال أبو البقاء(٦): ((وموضعُ ((لا إلى هؤلاء)) نصبٌ على الحالِ من الضمير في مذبذبين أي: يتذبذبون متلوُّنين)) وهذا تفسير معنى لا إعراب. آ. (١٤٤) قوله تعالى: ﴿سلطاناً﴾: السلطان يُذَكَّرُ ويؤنث، فتذكيرُه باعتبار البرهان، وتأنيتُه باعتبار الحجة، إلا أن التأنيث أكثرُ عند الفصحاء، كذا قاله الفراء(٧)، وحكى: ((قَضَتْ عليك السلطان)) و((أَخَذَتْ فلاناً السلطانُ)) وعلى هذا فكيف ذُكِّرت صفته فقيل: مبيناً دون: مبينة؟ والجواب أن الصفة هنا رأسُ فاصلة فلذلك عَدَلَ إلى التذكير دون التأنيث. وقال ابن عطية(٨) ما يخالف ما حكاه الفراء فإنه قال: ((والتذكيرُ أشهرُ، وهي لغة القرآن حيث (١) المحرر ٢٩٠/٤. (٢) الآية ٣٢ من ص (٣) الآية ٢٦ من الرحمن. (٤) البحر ٣٧٨/٣. (٥) الآية ٦٨ من البقرة: (٦) الاملاء ١٩٩/١ . (٧) المذكر والمؤنث ٨٣. (٨) المحرر ٤ /٢٩١. ١٣٠ - النساء - وقع)). و((عليكم)) يجوزُ تعلَّقه بالجَعْل، أو بمحذوف على أنه حال من ((سلطان))؛ لأنه صفة له في الأصل وقد تقدَّم نظيره. آ. (١٤٥) قوله تعالى: ﴿في الدَّرْك﴾: قرأ الكوفيون(١) - بخلاف عن عاصم - بسكونِ الراء، والباقون بفتحِها، وفي ذلك قولان، أحدُهما: أنَّ الدَّرْك والدَّرَكِ لغتان بمعنى واحدٍ كالشَّمْع والشَّمَع، والقَدْر والقَدَر. والثاني: أنَّ الدَّرَك بالفتح جمعُ ((دَرَكة)) على حدٍّ بَقَر وبَقَرة، واختار أبو عبيد الفتحَ قال: ((لأنه لم يَجِىءُ في الآثار ذِكْرُ ((الدَّرَك)) إلا بالفتحِ، وهذا غيرُ لازمٍ لمجيء الأحاديثِ بإحدى اللغتين. واختار بعضُهم الفتحَ لجَمْعِه على أَفْعال، قال الزمخشري(٢): ((والوجهُ التحريكُ لقولِهم «أدراك جهنم)»، يعني أنَّ أفعالاً منقاسٌ فِي فَعَل بالفتحِ دونَ فَعْل بالسكون، على أنه قد جاء أَفْعال في فَعْل بالسكون نحو: فَرْخ وأَفْراخ، وزَنْد وأَزْناد، وفَرْد وأَفْراد. وقال أبو عبد الله الفاسي في شرحِ القصيد: ((وقال غيرُه - يعني غيرَ عاصم - محتجَّأَ لقراءة الفتحِ قولُهم في جَمْعِه: ((أَدْراك)) بَدُلُّ على أنه ((دَرَك)) بالفتح، ولا يَلْزم ما قال أيضاً، لأنَّ فَعَلَا بالتحريك قد جُمِع على أَفْعال كقَلَم وأَقْلام، وجَبَل وأَجْبال)» انتهى، وهذه غفلةٌ منه لأن المتنازعَ فيه إنما هو فَعْل بالتسكين: هل يُجْمَعُ على أَفْعال أم لا؟ وأما فَعَلَ بالتحريك فَأَفْعال قياسُه، وكأنه قَصَدَ الرَدَّ على الزمخشري فوقَع في الخلطِ، وكان ينبغي له أن يقول: وقد جُمِع فَعْل بالسكون على أَفْعال نحو: فَرْخ وأفراخ كما ذكرته لك. وحُكِي عن عاصم / أنه قال: [٢٢٠/أ] (لو كان ((الدرّك)) بالفتح لكان ينبغي أن يقال السُّفْلى لا الأسفل» قال بعض النحويين: ((يعني أن الدَرَك بالفتح جمع «دَرَكة) كَبَقَر جمع بقَرَة، والجمعُ يُعامل معاملةَ المؤنثة. وهذا غيرُ لازمٍ لأنَّ اسمَ الجنسِ الفارقُ بين واحدِه (١) السبعة ٢٣٩؛ الكشف ١ /٤٠١. (٢) الكشاف ٥٧٥/١. ١٣١ - النساء - وجمعِه تاءُ التأنيث يجوز تذكيرُه وتأنيثُه إلا ما استُثْنِيَ وجوبُ تذكيرِه أو تأنيثه، والدرَك ليس منه، فيجوز فيه الوجهان، هذا بعد تسليم كون ((الدرك)) جمع ((ذَرَكة)) بالسكون كما تقدم. والدَّرَكُ مأخوذٌ من المُداركة وهي المتابعةُ، وسُمِّيت طبقاتُ النار: ((دَرَكات)) لأنَّ بعضَها مدارك لبعض أي: متتابعة. قوله: ((من النار)) في محلّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: أنه ((الدرك)) والعامل فيها الاستقرار، والثاني: أنه الضميرُ المستتر في ((الأسفل)) لأنه صفةٌ فيتحمل ضميراً .. آ. (١٤٦) قوله تعالى: ﴿إلا الذين﴾: فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ على الاستثناءُ مِنْ قوله: ((إنَّ المنافقين)). الثاني: أنه مستثنى من الضميرِ المجرورِ في ((لهم)). الثالث: أنه مبتدأٌ، وخبرُه الجملةُ من قوله: ( فأولئك مع المؤمنين)). قيل: ((ودَخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ لشبهِ المبتدأ باسم الشرط قال أبو البقاء(١) ومكي(٢) وغيرُهما: ((مع المؤمنين)) خبرُ («أولئك))، والجملةُ خبر (إلا الذين)) والتقدير: فأولئك مؤمنون مع المؤمنين، وهذا التقديرُ لا تقتضيه الصناعة، بل الذي تقتضيه الصناعة أن يُقَدَّر الخبرُ الذي يتعلق به هذا الظرف شيئاً يليق به، وهو ((فأولئك مصاحبون أو كائنون أو مستقرون)) ونحوه، فتقدِّرُه كوناً مطلقاً أو ما يقاربه! قوله: ((وسوف يؤت الله)) رُسِمت ((يؤت)) دون ((ياء)» وهو مضارعٌ مرفوع فحقُّ يائه أن تثبت لفظاً وخطاً، إلا أنها حذفت لفظاً في الوصل لالتقاء الساكنين فجاءٌ الرسم تابعاً للفظ، وله نظائر تقدم بعضها. والقراءُ يقفون عليه دون ياء اتباعاً للخط الكريم، إلا يعقوبَ فإنه يقف بالياء نظراً إلى الأصل، ورُوي ذلك أيضاً عن الكسائي وحمزة. وقال أبو عمرو: ((ينبغي أن لا يُوقَّفَ (١) الإملاء ١٩٩/١. (٢) المشكل ٢١٠/١. ١٣٢ - الناء - عليها، لأنه إنْ وُقف عليها كما في الرسم دون ياء خالف النحويين، وإن وقف بالياء خالف رسم المصحف)» ولا بأسَ بما قال، لأن الوقف ليس ضرورياً، فإن اضْطُرَّ إليه واقفٌ لقَطْعِ نَفَس ونحوه فينبغي أن يُتَابَعِ الرسمُ، لأنَّ الأطرافَ قد كَثُر حَذْفُها، ومِمَّا يشبه هذا الموضعَ قولُه: ((ومَنْ تَقِ السيئاتِ يومئذ))(١) فإنه رسم ((تَقِ)) بقافٍ دون هاءٍ سكت، وعند النحويين أنه إذا حُذِف من الفعل شيئً حتى لم يبق منه إلا حرفٌ واحد ووُقِف عليه وَجَبَ الإِتيانُ بهاء السكت في آخره جبراً له نحو: ((قِهْ)) و((لم يقه)) و((عِه)) و((لم يَعِه))، ولا يُعْتَدُّ بحرف المضارعة لزيادته على بنية الكلمة فإذا تقرر هذا فنقول: ينبغي ألَّ يوقف عليه؛ لأنه إنْ وُقِف بغير هاءِ سكت خالف الصناعة النحوية، وإنْ وُقِفَ بهاء خالف رسم المصحف. آ (١٤٧) قوله تعالى: ﴿ما يفعلُ الله بعذابکم﴾: في (ما)) وجهان، أحدهما: أنها استفهامية فتكون في محل نصب بـ ((يفعل)) وإنما قُدِّم لكونه له صدر الكلام. والباءُ على هذا سببيةٌ متعلقةً بـ ((يفعل))، والاستفهام هنا معناه النفي، والمعنى: أنّ الله لا يفعل بعذابكم شيئاً؛ لأنه لا يجلب لنفسِه بعذابكم نفعاً ولا يدفع عنها به ضراً، فأيُّ حاجة له في عذابكم؟ والثاني: أن ((ما)) نافية كأنه قيل: لا يعذبكم الله، وعلى هذا فالباء زائدة ولا تتعلق بشيء. وعندي أن هذين الوجهين في المعنى شيءٌ واحدٌ، فينبغي أن تكون سببية في الموضعين أو زائدة فيهما، لأن الاستفهام بمعنى النفي فلا فرق، والمصدر هنا مضاف لمفعوله. وقوله: ((إنْ شكرتم)) جوابه محذوف لدلالةِ ما قبله عليه أي: إنْ شكرتم وآمنتم فما يفعلُ بعذابكم؟ آ. (١٤٨) قوله تعالى: ﴿لا يحبُّ الله الجهرَ بالسوء): ((بالسوء)) متعلق بالجهر، وهو مصدر معرف بـ ((أل)) استدل به الفارسي على جوازٍ (١) الآية ٩ من غافر. ١٣٣ النساء إعمالٍ المصدر المعرف بأل. قيل: ولا دليلَ فيه لأنَّ الظرف والجار يعمل فيهما روائح الأفعال .. وفاعلُ هذا المصدرِ محذوفٌ أي: الجهر أحد، وقد تقدم أن الفاعل يَطَرد حَذْفُه في صورٍ منها المصدر، ويجوز أن يكون الجهرُ مأخوذاً من فِعْل مبني للمفعول على خلاف في ذلك، فيكون الجار بعده في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، لأنك لو قلت: لا يحب الله أن يُجهر بالسوءِ، كان((بالسوء)) قائماً مقامَ الفاعل ولا تعلُّقَ له حينئذٍ به. و ((مِن القول)) حال من ((السوء)). قوله: ((إلا مَنْ ظُلِم)) في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه متصل والثاني: أنه منقطع، وإذا قيل بأنه متصل فقيل: هو مستثنى من ((أحد)) المقدر الذي هو فاعلٌ للمصدر، فيجوز أن تكون ((مَن)) في محلِّ نصبٍ على أصل الاستثناء أو رفعٍ على البدل من ((أحد)) وهو المختار، ولو صُرِّح به لقيل: لا يحبُّ اللهَ أن يَجْهَرِ أحدٌ بالسوء إلا المظلومُ، أو المظلومَ رفعاً ونصباً، ذكر ذلك مكي (١) وأبو البقاء (٢) وغيرهما. قال الشيخ(٣): ((وهذا مذهب الفراء(٤)، أجاز في ((ما قام إلا زيدٌ)) أن يكون ((زيد)) بدلاً من ((أحد))، وأمَّا على مذهب الجمهور فإنه يكون من المستثنى الذي فُرِّغ له العامل فيكون مرفوعاً على الفاعلية بالمصدر، وحَسَّنَ ذلك كونُ الجهر في حَيِّز النفي، كأنه قيل: لا يَجْهَرُ بالسوء من القول إلا المظلومُ)) انتهى. والفرقُ ظاهر بين مذهب الفراء وبين هذه الآية، فإن النحويين إنما لم يَرَوا بمذهب الفراء قالوا: لأن المحذوف صار نَسْياً منسياً، وأما فاعل المصدر هنا فإنه كالمنطوقِ به ليس منسياً، فلا يلزمُ من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعلِ المقدر أن يكونوا تابعين لمذهب الفراء لما ظهر من الفرق. وقيل: هو مستثنى مفرغ، فتكون (١) المشكل ٢١٠/١. (٢) الإملاء ٢٠٠/١. (٣) البحر ٣٨٢/٣. (٤) الذي في معاني القرآن ١٦٧/١ وجه واحد وهو إعمال ما قبل ((إلا)) فيما بعدها. ١٣٤ - النساء - (مَنْ)) في محل رفع بالفاعلية كما تقدَّم تقريرُه في كلام الشيخ، والتفريغُ لا يكون إلا في / نفي أو شبهه، ولكنْ لَمَّا وقع الجهر متعلقاً للحبِّ الواقعِ [٢٢٦/ب] في حَيِّز النفي ساغ ذلك. وقيل: هو مستثنى من الجَهْر على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: إلا جَهْرَ مَنْ ظُلِم، فهذه ثلاثة أوجه على تقديرِ كونه متصلاً، تحصَّل منها في محل ((مَنْ)) أربعةُ أوجه: الرفع من وجهين وهما البدل من ((أحد)) المقدر، أو الفاعلية على كونه مفرغاً، والنصبُ على أصلِ الاستثناء من (أحد)) المقدَّر أو من الجهر على حَذْفِ مضاف. والثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، تقديرُه: لكنْ مَنْ ظُلِم له أن ينتصف من ظالمه بما يوازي ظلامتَه فتكون ((مَنْ)) في محل نصب فقط على الاستثناء المنقطع. والجمهورُ على ((إِلَّ مَنْ ظُلِمَ)) مبنياً للمفعول، وقرأ(١) جماعة كثيرة منهم ابن عباس وابن عمر وابن جبير والحسن: ((ظَلَم)) مبنياً للفاعل، وهو استثناء منقطع، فهو في محل نصب على أصل الاستثناء المنقطع، واختلفت عبارات العلماء في تقدير هذا الاستثناء، وحاصل ذلك يرجع إلى أحد تقديرات ثلاثة: إِمَّا أن يكون راجعاً إلى الجملة الأولى كأنه قيل: لا يحب اللَّهُ الجهرَ بالسوء، لكنَّ الظالمَ يحبه فهو يفعله، وإما أَنْ يكونَ راجعاً إلى فاعل الجهر أي: لا يحبُّ اللَّهُ أن يَجْهَر أحدٌ بالسوء، لكن الظالم يَجْهر به، وإمَّا أن يكون راجعاً إلى متعلق الجهر وهو ((مَنْ يُجاهَرُ ويُواجَه بالسوء)) أي: لا يحب الله أن يُجْهَر بالسوء لأحد لكن الظالم يُجْهَرُ له به، أي: يُذكر ما فيه من المساوىء في وجهه، لعله أن يَرْتدع. وكونُ هذا المستثنى في هذه القراءة منصوبَ المحل على الانقطاع هو الصحيح، وأجاز ابن عطية(٢) والزمخشري(٣) أن (١) الشواذ ٣٠؛ والبحر ٣٨٢/٣؛ والقرطبي ٣/٦. (٢) المحرر ٢٩٥/٤. (٣) الكشاف ١ /٥٧٦. ١٣٥ - النساء - يكونَ في محلٌّ رفع على البدلية، ولكن اختلف مدركُهما فقال ابن عطية: ((وإعراب ((مَنْ)) يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من ((أحد)) المقدر)) يعني أحداً المقدرَ في المصدر كما تقدَّم تحقيقُه. وقال الزمخشري: ((ويجوز أن يكون ((مَنْ)) مرفوعاً كأنه قيل: لا يحبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسوء إلا الظالمُ، على لغةٍ مَنْ يقول: ((ما جاءني زيدٌ إلا عمروٌ)) بمعنى: ما جاءني إلا عمرو، ومنه ((لا يَعْلَم مَنْ في السمواتِ والأرضِ الغيبَ إلا اللَّهُ))(١). ورد الشيخ(٢) عليهما فقال: ((وما ذكره - يعني ابن عطيةً - من جوازِ الرفع على البدل لا يَصِحُّ، وذلك أن المنقطع قسمان: قسمٌ يتوجه إليه العامل نحو: ((ما فيها أحدٌ إلا حمار)) فهذا فيه لغتان: لغة الحجاز وجوب النصب، ولغةُ تميم جوازُ البدل، وإن لم يتوجه عليه العامل وجب نصبُه عند الجميع نحو: ((المالُ ما زاد إلا النقصَ)) أي: لكن حصل له النقص، ولا يجوز فيه البدل، لأنك لووجهت إليه العامل لم يصح)) قال: ((والآية من هذا القسمِ، لأنك لوقلت: ((لا يحبُّ اللَّهُ أَنْ يَجْهَرَ بالسوءِ إلا الظالمُ)) - فتسلُّطُ ((يجهر)) على ((الظالم)). وقال: ((وهذا الذي جَوَّزه - يعني الزمخشري - لا يجوز لأنه لا يمكن أن يكون الفاعلُ لغواً ولا يمكنُ أن يكونَ الظائمُ بدلاً من ((الله)) ولا ((عمرو)) بدلاً من ((زيد))(٣) لأنَّالبدلَ في هذا البابِ يَرْجِع إلى بدل بعض من كل حقيقة نحو: ((ما قام القومُ إلا زيدٌ)) أو مجازاً نحو: ((ما فيها أحدٌ إلا حمارٌ))، والآيةُ لا يجوز فيها البدلُ حقيقةٌ ولا مجازاً، وكذا المثالُ المذكور، لأن الله تعالى عَلَمُ وكذا زيدٌ فلا عمومَ فيهما ليُتَوَهَّمَ دخولُ شيءٍ فيهما فيُسْتثنى، وأمَّا ما يجوزُ فيهِ البدلُ من الاستثناء المنقطع فلأنَّ ما قبلهِ عامُّ يُتْوَهَّم دخولُه فيه فيَبْدِل ما قبله مجازاً، وأمَّا قولُه على (١) الآية ٦٥ من النمل. (٢) البحر ٣٨٣/٣. (٣) وذلك في مثال الزمخشري: ((ما جاءفي زيدٌ إلا عمرو)). ١٣٦ - النساء - لغةٍ مَنْ يقول: ((ما جاءني زيد إلا عمروُ)) فلا نعلمُ هذه لغةً إلا في كتاب سيبويه (١) بعد أَنْ أنشد أبياتاً في الاستثناء المنقطع آخرُها (٢): ١٦٧٢ - عَشِيَّةَ ما تُغْني الرماحُ مكانَها ولا النبلُ إلا المشرفيُّ المُصَمَّمُ ما نصّه: ((وهذا يقوِّي: ((ما أتاني زيدٌ إلَّ عمروٌ، وما أعانَه إخوانُكم إلا إخوانُه)) لأنها معارفُ ليست الأسماء الآخرة بها ولا بعضَها)) ولم يصرِّح ولا لَّوَّح أن ((ما أتاني زيدٌ إلا عمروٌ) من كلام العرب، قال مَنْ شَرَح كلام سيبويه: ((فهذا يُقَوِّي ((ما أتاني زيدٌ إلا عمرو)) أي: ينبغي أن يَثْبُتَ هذا من كلام العرب لأن النبلَ معرفةٌ ليس بالمشرفي، كما أن زيداً ليس بعمرو، كما ان إخوة زيد ليسوا إخوتك. قال الشيخ: ((وليس ما أتاني زيدٌ إلا عمرو)) نظير البيت؛ لأنّه قد يُتَخَيَّل عمومٌ في البيت إذ المعنى: لا يُغْني السلاح، وأمَّا ((زيد)) فلا يُتَوهم فيه عموم على أنه لوورد من كلامهم: ((ما أتاني زيدٌ إلا عمرو)) لأمكن أن يَصِح على (٣) ((ما أتاني زيد ولا غيره إلا عمروٌ) فحُذِفٍ المعطوفُ لدلالة الاستثناء عليه، أمَّا أن يكونَ على إلغاء الفاعل أو على كون ((عمرو) بدلاً من ((زيد)» فإنه لا يجوز، وأمَّا الآية فليست مِمَّا ذَكّر، لأنه يحتمل أن تكونَ ((مَنْ)) مفعولاً بها، و «الغيبَ)» بدلٌ منها بدلُ اشتمال، والتقديرُ: لا يعلم غيبَ مَنْ في السمواتِ والأرضِ إلا اللَّهُ أي: سِرَّهم وعلانيتهم لاَ يَعْلَمهما إلا الله، ولو سُلُّم أنَّ ((مَنْ)) مرفوعةُ المحل فيتخيل فيها عمومٌ فُبدل منها ((الله)) مجازاً كأنه قيل: لا يَعْلَمُ الموجودون الغيبَ إلا اللَّهُ، أو يكونُ على سبيلٍ المجازِ في الظرفية بالنسبة إلى الله تعالى، إذ جاء ذلك عنه في القرآن والسنة (١) الكتاب ٣٦٦/١. (٢) البيت للحصين بن الحمام، وهو في الكتاب ٣٦٦/١؛ والمفضليات ٦٥؛ وشواهد الكشاف ٥٣٦/٤. والمشرفي المصمم: السيف القاطع المحدد. (٣) أي: على تأويله بهذا التقدير. ١٣٧ - النساء - نحو: ((وهو اللَّهُ في السمواتِ وفي الأرض))(١) ((وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إله))(٢)، قال: ((أين الله)) قالت: ((في السماء»(٣)، ومِنْ كلامِ العرب: (لاوذو في السماءِ بيتُه)) يعنون اللَّهَ، وإذا احتملت الآيةُ هذه الوجوه لم يتعيّنْ حملُها على ما ذكره) انتهى ما رَدَّ به عليهما. [١/٢٢٧] . أمَّا ردُّه على ابن عطية فواضحٌ، وأمَّا رُّه على الزمخشري / ففي بعضه نظر، أما قوله ((لا نعلمها لغةً إلا في كتاب سيبويه)» فكفى به دليلاً على صحة استعمالٍ مثله، ولذلك شرح الشراح لكتاب سيبويه هذا الكلامَ بأنه قياسُ كلام العرب لِما أَنْشد من الأبيات. وأمَّا تأويلُه ((ما أتاني زيدٌ إلا عمروٌ)) بـ ((ما أتاني زيد ولا غيرُه)) فلا يتعيَّنَ ما قاله، وتصحيحُ الاستثناء فيه أنَّ قولَ القائل ((ما أتاني زيد)) قد يُوهم أن عمراً أيضاً لم يَجِئه فنفى هذا التوهمَ، وهذا القَدْر كافٍ في الاستثناء المنقطع، ولو کان تأويل «ما أتاني زید إلا عمروٌ)) على ما قال لم يكن استثناءً منقطعاً بل متصلاً (٤)، وقد اتفق النحويون على أن ذلك من المنقطع، وأمّا تأويلُ الآية بما ذكره فالتجوُّزُ في ذلك أمرٌ خطرٌ، فلا ينبغي أن يُقْدَمَ على مِثْله. آ. (١٤٩) قوله تعالى: ﴿أو تُخْفوه﴾: الظاهرُ أنَّ الضميرَ المتصوب في ((تُخْفوه) عائدٌ على (خيراً)) والمرادُ به أعمالُ البر كلها. وأجاز بعضُهم أن يعودَ على ((السوء)) أي: أو تُخْفوا السوء، وهو بعيدٌ. أ. (١٥٠) قوله تعالى: ﴿بين ذلك﴾: أُشير بـ ((ذلك)) وهو للمفرد، والمراد به البينية أي: بين الكفر والإيمان، وقد تقدَّم نظيرُه في البقرة(٥) و((بين)) يجوز أن (١) الآية ٣ من الأنعام. (٢) الآية ٨٤ من الزخرف؛ (٣) حديث شريف رواه مسلم: المساجد ٣٨٢/١. الموطأ: العتق ٧٧٦/٢؛ المسند ٤٤٧/٥. (٤) لعل الأنسب: متصلٌ. (٥) انظر: الآية ٦٨. ١٣٨ - النساء - يكونَ منصوباً بـ «يتخذ)) وأن يكونَ منصوباً بمحذوف إذ هو حال من ((سبيلاً)». آ. (١٥١) قوله تعالى: ﴿حقا﴾: فيه أوجهً، أحدها: أنه مصدرٌ مؤكدً لمضمون الجملة قبله فيجب إضمارُ عاملِه وتأخيرُه عن الجملة المؤكِّد لها، والتقدير: أَحُقُّ ذلك حقاً، وهكذا كلُّ مصدر مؤكد لغيره أو لنفسه(١). والثاني: أنه حالٌ من قوله: ((هم الكافرون)) قال أبو البقاء (٢): أي: ((كافرون غير شك)) وهذا يشبه أن يكونَ تفسيراً للمصدر المؤكد. وقد طَعَن الواحدي على هذا التوجيه فقال: ((الكفرُ لا يكون حقاً بوجه من الوجوه)». والجوابُ: أنَّ الحق هنا ليس يُراد به ما يقابل الباطل، بل المرادُ به أنه ثابتٌ لا محالةَ وأنَّ كفرهم مقطوع به. الثالث: أنه نعت لمصدر محذوف أي: الكافرون كفراً حقاً، وهو أيضاً مصدر مؤكد، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول أنَّ هذا عاملُه مذكورٌ، وهو اسمُ الفاعل وذاك عاملُه محذوفٌ كما تقدم. آ. (١٥٢) قوله تعالى: ﴿بين أحد﴾: قد تقدَّم الكلامُ على دخول (بين)) على ((أحد)) في البقرة(٣) فَأَغنى عن إعادته. وقرأ الجمهور: ((سوف نُؤْتِيهم)» بنونِ العظمة على الالتفات ولموافقةِ قوله: ((وأَعْتدنا)). وقرأ(٤) حفص عن عاصم بالياء، أعاد الضمير على اسم الله تعالى في قوله: ((والذين آمنوا بالله)). وقولُ بعضهم: قراءة النون أولَى لأنها أفخم، ولمقابلة ((وأعتدنا)) ليس بجيد لتواتر القراءتين. (١) المؤكد لنفسه: هو الواقع بعد جملةٍ لا تحتمل غيره نحو: ((له على ألف اعترافاً) لأنه مؤكد للجملة قبله وهي نفس المصدر لا تحتمل سواه. والمؤكد لغيره هو الواقع بعد جملة تحتمله وتحتمل غيره فتصير بذكره نصاً فيه، نحو: ((أنت ابني حقاً) فالجملة قبله تصلح للحقيقة والمجاز، فلما قال ((حقاً) صارت الجملة نصاً في البنوّة حقيقة. ابن عقيل ٤٨٣/١. (٢) الإملاء ٢٠٠/١. (٣) الآية ١٣٦. (٤) السبعة ٢٤٠؛ الكشف ٤٠١/١. ١٣٩ - النساء - آ. (١٥٣) قوله تعالى: ﴿فقد سَأَلوا﴾: في هذه الفاءِ قولان، أحدهما: أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطية (١): ((تقديره: فلا تبال يا محمد بسؤالِهم وتشطيطهم فإنها عادتهم، فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك. والثاني: أنها جوابُ شرطٍ مقدر، قاله الزمخشري (٢) أي: إنْ استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا)). و((أكبرَ)) صفةٌ لمحذوف أي: سؤالاً أكبر من ذلك. والجمهور: ((أكبرَ)) بالباء الموحدة، وقراءة الحسن(٣) ((أكثر)) بالثاء المثلثة. وقوله: ((فقالوا أَرِنا)) هذه الجملةُ مفسرةٌ لكبر السؤال وعظمته. و ((جهرة)) تقدَّم الكلام عليها (٤)، إلا أنه هنا يجوز أن تكون ((جهرةٌ)) من صفةٍ القول أو السؤالِ أو مِنْ صفة السائلين أي: فقالوا مجاهرين أو: سألوا مجاهرين، فيكونُ في محلٌّ نصبٍ على الحال أو على المصدر. وقرأ الجمهور ((الصاعقةُ)). وقرأ النخعي: ((الصَّعْفَةُ)) وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة(٥). و ((بظلمِهم)» الباءُ فيه سببيةٌ، وتتعلق بالأخذ. آ. (١٥٤) قوله تعالى: ﴿فوقَهم﴾: فيه وجهان، الظاهرُ منهما أنه متعلق بـ (رَفَعْنا»، وأجاز أبو البقاء(٦) وجهاً ثانياً وهو أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الطور. و((بميثاقهم)» متعلقٌ أيضاً بالرفع، والباءُ للسببية، قالوا: وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: بنقض ميثاقهم. وقال الزمخشري(٧): (بميثاقهم)) بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه))، وظاهر هذه العبارة أنه لا يُحتاج (١) المحرر ٢٩٧/٤. (٢) الكشاف ٥٧٧/١. (٣) البحر ٣٨٦/٣. (٤) انظر: الآية ٥٥ من البقرة. (٥) الآية ٥٥ من البقرة، وانظر: الشواذ ه؛ البحر ٣٨٧/١. (٦) الإملاء ٢٠٠/١. (٧) الكشاف ٥٧٧/١. ١٤٠