النص المفهرس
صفحات 81-100
- النساء - والآيةُ أقوى من هذا لتقدُّم الشرط قبل المعطوف))، يعني أن النصب بإضمار ((أن)) إنما يقع بعد الواو والفاء في جواب الأشياء الثمانية أو عاطفٍ، على تفصيلٍ موضوعه كتب النحو(١)، والنصبُ بإضمار ((أن)) في غير تلك المواضع ضرورةٌ كالبيتِ المتقدم، وكقول الآخر(٢): ١٦٤٤- ويَأْوي إليها المستجيرُ فُيُعْصَما وتبع الزمخشري (٣) أبا الفتح في ذلك، وأنشد البيت الأول. وهذه المسألة جَوَّزها الكوفيون لمدركٍ آخرَ وهو أن الفعلَ الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم إذا وقع بعد الواو والفاء، واستدلُّوا بقول الشاعر (٤): ١٦٤٥- ومَنْ لا يُقَدِّمْ رِجْلَه مطمئنةٌ فَيُنْبِتَها في مستوى القاعِ يَزْلَقِ وقول الآخر(٥): ١٦٤٦- ومَنْ يَقْتَرِبْ منا ويخضعَ نُؤْوِهِ ولا يَخْشَ ظلماً ما أقامَ ولا هَضْما / [٢١٨/ب] وإذا ثبت ذلك في الواو والفاء فليَجُزْ في ((ثم)) لأنها حرف عطف. وقرأ (١) انظر: المقتضب ١٤/٢؛ ابن عقيل ٢٧٤/٢. (٢) تقدم برقم ٦٩٩. (٣) الكشاف ٥٥٨/١. (٤) البيت لزهير وهو في ديوانه ٢٥٠، كما يُنسب لكعب وليس في ديوانه، والكتاب ٤٤٧/١؛ والمقتضب ٢٣/٢؛ والبحر ٣٣٧/٣. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في المغني ٦٢٥؛ والشذور ٣٥١؛ والأشموني ٢٥١/٤؛ والتصريح ٢٥١/٢. ٨١ - النساء ت النخعي وطلحة بن مصرف برفع الكاف، وخَرَّجها ابن جني(١) على إضمار مبتدأ أي: ((ثم هو يدركُه الموت))، فعطفَ جملةً اسمية على فعلية، وهي جملة الشرط: الفعلُ المجزومُ وفاعلُه، وعلى ذلك حَمَل يونس قولَ الأعشى(٢): ١٦٤٧ - إنْ تركّبوا فركوبُ الخيل عادتُنا أو تَنْزِلون فإنَّا معشرٌّ نُزُلُ أي: وأنتم تنزلون، ومثله(٣): ١٦٤٨- إِنْ تُذْنِبوا ثم تأتيني بَقِيَّتُكُمْ فما عليَّ بذنبٍ عندكم حُوبُ أي: ثم أنتم تأتيني. قلتُ: يريدُ أنه لا يُحْملُ على إهمالِ الجازمِ فُرْفَعُ الفعلُ بعدَه، كما رُفِعَ في ((ألم يأتِيك)) فلم يَحْذِفِ الياء، وهذا البيت(٤) أنشده النحويون على أنَّ علامَّةَ الجزمِ حَذْفُ الحركةِ المقدرة في حرفِ العلةِ، وضَمُّوا إليه أبياتاً أُخَرَ، أَمَّا أنهم يزعمون أنَّ حرف الجزم يُهْمل وَيَسْتدلون بهذا البيت فلا. ومنهم مَنْ خَرَّجها(٥) على وجه آخر، وهو أنه أراد الوقفَ على الكلمة فنقلَ حركةَ هاءِ الضمير إلى الكافِ الساكنةِ للجزم، كقولِ الآخر(٦): ١٦٤٩ - عَجِبْتُ والدهرُ كثيرٌ عَجَبُهْ مِنْ عَنْزِيِّ سَبَّني لم أَضْرِبُهْ (١) المحتسب ١٩٥/١. (٢) تقدم برقم ١٥٢٣. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: بقي. والحوب: الهلاك أو الإثم. (٤) وهو قولُه: ألم يأتيك والأنباءُ تَنْمي بما لاقَتْ لَبونُ بن زياد وهو في الكتاب ١٥/١. (٥) أي قراءة رفع «يدركه)). (٦) تقدم برقم ٨٩٣. ٨٢ : - النساء - يريد ((لم أَضْرِبْه)) بسكون الباء للجازم، ثم نَقْلَ إليها حركة الهاء فصار اللفظُ (ثم يُدْرِكُهْ)) ثم أَجْرى الوصلَ مُجْری الوقفِ فالتقى ساكنان(١)، فاحتاج إلى تحريكِ الأولِ وهو الهاءُ، فَحَرَّكها بالضمّ؛ لأنه الأصلُ وللإتباعِ أيضاً، وهذه الأوجهُ تَشْحَذُ الذِّهِنَ وتنقِّحُه. أ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُروا﴾: هذا على حذفِ الخافض أي: في أَنْ تَقْصُروا، فيكونُ في محلٌّ ((أَنْ)) الوجهان المشهوران، وهذا الجارّ يتعلقُ بلفظِ ((جُناح)) أي: فليس عليكم جُنَاحٌ فِي قَصْرِ الصلاة. والجمهور على (تَقْصُروا)) من ((قَصَر)) ثلاثياً. وقرأ ابن عباس(٢): ((تُقْصِروا)) من ((أَقْصر)) وهما لغتان: قَصَر وأقصر، حكاهما الأزهري(٣)، وقرأ الضبي عن رجاله بقراءة ابن عباس. وقرأ الزهري: ((تُقَصِّروا)) مشدداً على التكثير. قوله: ((مِنْ الصلاةِ) في ((مِنْ)) وجهان، أظهرُهما: أنها تبعيضيةً، وهذا معنى قول أبي البقاء(٤) وزعم أنه مذهبُ سيبويه وأنها صفةٌ لمحذوفٍ، تقديرُه: شيئاً من الصلاة. والثاني: أنها زائدةً وهذا رأيُ الأخفش(٥) فإنه لا يشترط في زيادتِها شيئاً. و((أن يَقْتِنْكم) مفعول ((خِفْتم)). وقرأ عبد الله(٦) بن مسعود وأبي: ((من الصلاة أن يَفْتنكم)، بإسقاط الجملة الشرطية، و((أَنْ يفْتنكم)) على هذه القراءة مفعولٌ من أجله، ولغةُ الحجاز ((فَتَن)) ثلاثياً، وتميم وقيس: ((أفتن)) رباعياً. و ((لكم)) متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه حالٌ من ((عَدُوّا))، فإنه في الأصل صفةُ (١) هاء يدركه ولام الموت. (٢) البحر ٣٣٩/٣؛ الشواذ ٢٨. (٣) انظر: تهذيب اللغة: ٣٦١/٨. (٤) الإملاء ١٩٢/١. (٥) لم يشر إلى إعرابها هنا في معاني القرآن. وانظر مذهبه في زيادة من: ٩٨/١. (٦) القرطبي ٣٣٩/٣؛ القرطبي ٣٦١/٥. ٨٣ - النساء :- نكرةٍ ثم قُدِّم عليها، وأجاز أبو البقاء(١) أن يتعلَّق بـ((كان))، وفي المسألةِ خلافٌ مرَّ تفصيلُه. وأفرد ((عَدُوّا)) وإن كان المرادُ به الجمعَ لِما تقدَّمَ تحقيْقُه في البقرة(٢)، وجواب الشرطِ محذوفٌ يدل عليه ما قبله. وقيل: الكلامُ تَمَّ عند قولِه ((من الصلاة))، والجملةُ الشرطيةُ مستأنفةٌ، حتى قيل: إنها نزلت بعد سنةٍ من نزول ما قبلها، وحينئذ فجوابُه أيضاً محذوفٌ، لكن يُقَدِّرُ مِنْ جِنْس ما بعده، وهذا قولٌ ضعيفٌ، وتأخيرُ نزولها لا يقتضي استئنافاً. آ. (١٠٢) والضمير في ((فيهم)» يعودُ على الضاربين في الأرض، وقيل: على الخائفين، وهما محتملان، والضميرُ في ((وليأخذوا)) الظاهر عَوْدُه على ((طائفة)) لقُربه منها، ولأنَّ الضمير في قوله ((سجدوا)) لها. وقيل: يعود على طائفة أخرى وهي التي تحرس المُصَلِّية. واختار الزجاج(٣) عَوْدَه على الجميع قال: ((لأنه أَهْيَبُ للعدو)). والسلاح: ما يُقاتَل به وجمعُه أَسْلِحَة وهو مذكر، وقد يُؤَنَّث باعتبار الشوكة، قال الطرماح (٤): ١٦٥٠ - يَهُزُّ سِلاحاً لم يَرِثُها كَلالةً يشكُّ بها منها غموضَ الْمَغَابِنِ فأعاد الضميرَ عليه كضمير المؤنثة، ويقال: سلاح كحِمار، وسِلْح كضِلْح، وسُلَح كصُرَد (٥)، وسُلْحان كسُلْطان نقله أبو بكر بن دريد (٦). والسَّلِيح نبت إذا رَعَتْه الإِبل سَمِنَتْ وغَزُرَ لبنُها، وما يُلْقيه البعير من جوفه يقال له (١) الإملاء ١٩٣/١. (٢) انظر: الآية ٣٦. (٣) معاني القرآن ١٠٥/٢. (٤) اللسان: سلح؛ والبحر ٣٣٨/٣، يذكر ثوراً يهزُّ قرنَه للكلاب ليطعنها به . (٥) صرد: اسم طائر. (٦) انظر: الجمهرة ١٥٥/٢. ٨٤ - النساء- ((سُلاح)) بزنة غُلام، ثم عُبِّر به عن كل عَذِرة حتى قيل في الحُبارى: «سِلَاحُه سلاحه)». قوله: ((لم يُصَلُّوا)) الجملة في محل رفع لأنها صفة لـ ((طائفة)) بعد صفةٍ، ويجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصب على الحال؛ لأنَّ النكرة قبلها تخصَّصت بالوصف بأخرى. وقرأ الحسن(١): ((فَلِتَقُمْ)) بكسر لام الأمر، وهو الأصل. وقرأ أبو حيوة (٢) ((وليأت)) بناء على تذكير الطائفة. ورُوي عن أبي عمرو (٣) الإِظهار والإِدغامُ في ((ولتأت طائفة))، ووجوهُ هذه واضحة. وفي قوله ((وليأخذوا حِذْرَهم وأسلحتهم)) مجازٌ حيث جعل الحِذْر - وهو معنى من المعاني - مأخوذاً مع الأسلحة فجَعَلَه كالآلة، وهو كقوله تعالى: («تَبَوَّءوا الدارَ والإِيمان))(٤) في أحدِ الأوجه. وقد تقدَّم الكلامُ في ((لو)) الواقعةِ بعد ((وَدَّ» هنا وفي البقرة(٥). وقرىء (٦) ((أَمْتِعاتِكم)، وهو في الشذوذِ من حيث إنه جمع الجمعِ كقولهم: أَسْقِيات وأَعْطِيات. وقوله: ((أَنْ تَضَعُوا)) كقوله: ((أن تَقْصُروا)) وقد تقدم. آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿قياماً وقُعوداً﴾: حالان من فاعل ((اذكروا))، وكذلك ((وعلى جُنوبكم)) فإنه في قوة مُضطجعين، فيتعلق بمحذوف. وقوله: ((فإذا اطْمَأْنْتُم)» قد تقدَّم الكلامُ على هذه المادة في البقرة(٧) واختلافُ الناس فيها، وهل هي مقلوبةٌ أم لا؟ وصَرَّح أبو البقاء (٨) هنا (١) الشواذ ٢٨؛ البحر ٣٤٠/٣. (٢) الشواذ ٢٨؛ البحر ٣٤٠/٣. (٣) البحر ٣٤٠/٣. (٤) الآية ٩ من الحشر. (٥) الآية ١٠٩ من البقرة. (٦) قراءة سعيد بن حميد. الشواذ ٢٨؛ البحر ٣٤١/٣. (٧) الآية ٢٦٠ . (٨) الإملاء ١٩٣/١. ٨٥ - النساء بأنَّ الهمزة أصلٌ وأن وزن الطُّمَأْنينة: فُعَلِّلَة، وأن ((طأمن)) أصل آخر برأسه، وهذا مذهبُ الجرميّ. و «موقوتاً)) صفةٌ لـ ((كتاباً)) بمعنى محدوداً بأوقات، فهو من وَقَت مخففاً كمضروب من ضرب، ولم يقل ((مَوْقوتة)» بالتاء مراعاة لـ ((كتاب)) فإنه في الأصل مصدر. آ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿وَلا تَهْنُوا﴾: الجمهورُ على كسر الهاء، والحسن(١) فتحها من ((وَهِن)) بالكسر في الماضي، أو من وَهَن بالفتح، وإنما فُتِحت العين لكونها حلقيةً فهو نحو: يَدَع. وقرأ عبيد بن عمير: ((تُهانوا)) من الإِهانة مبنياً للمفعولِ ، ومعناه: لا تَتَعاطَوا من الجبنِ والخَوَر ما يكون سبباً في إهانِكم كقولهم: («لا أُرَيَنَّك ههنا))، (٢) والأعرج(٣): ((أن تكونوا)) بالفتح على العلة. وقرأ يحيى (٤) بن وثاب ومنصور(٥) بن المعتمر: ((تِئْلمون فإنهم يِئْلَمُون كما تِئْلمون)» بكسر حرف المضارعة، وابن السَّمَيْفَع بكسر تاء الخطاب فقط وهذه لغة ثابتة، وكنت قد قَدَّمْتُ في الفاتحة(٦) أنَّ مَنْ يكسِرُ حرفَ المضارعة [٢١٩/أ] / يستثني التاء، وذكرت شذوذ ((تِيجل)» ووجهه، فعليك بالالتفات إليه، وزاد أبو البقاء (٧) في قراءةٍ كسر حرف المضارعة قَلْبَ الهمزةِ ياء، وغيرُه أُطلق ذلك. أ. (١٠٥) قوله تعالى: ﴿بالحق﴾: في محل نصبٍ على الحال (١) البحر ٣٤٢/٣. (٢) الكتاب ٤٥٣/١. (٣) القرطبي ٣٧٥/٥؛ البحر ٣٤٣/٣؛ الشواذ ٢٨. (٤) القرطبي ٣٧٥/٥؛ البحر ٣٤٣/٣. (٥) منصور بن المعتمر السلمي الكوفي، عرض على الأعمش، وعرض عليه حمزة، توفي سنة ١٧٣. انظر: الطبقات ٣١٤/٢. (٦) انظر: الآية ٥ من الفاتحة. (٧) الإِملاء ١٩٣/١. ٨٦ - النساء - المؤكِّدة فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحالِ هو الكتابُ أي: أنزلناه ملتبساً بالحق. و(لتحكمْ)) متعلق بـ ((أَنْزلن))، و((أراك)) متعدٍّ لاثنين أحدهما العائدُ المحذوفُ، والثاني كافُ الخطابِ أي: بما أراكه الله. والإِراءَةُ هنا يجوزُ أن تكون من الرأي كقولك: ((رأيتُ رَأْيَ الشافعي)» أو من المعرفة، وعلى كلا التقديرين فالفعلُ قبلَ النقل بالهمزة متعدٍّ لواحد وبعدَه متعدٍّ لاثنين كما عَرَفْتَ. و((للخائنين)) متعلِّق بـ ((خصيماً)) واللامُ للتعليلِ على بابها، وقيل: هي بمعنى ((عن))، وليس بشيء لصحة المعنى بدون ذلك. ومفعولُ (خصيماً)) محذوفٌ تقديرُه: ((خصيماً البرآء))(١)، وخصيم يجوز أن يكون مِثالَ مبالغةٍ كضريب، وأن يكون بمعنى مُفاعِل نحو: خَلِيط وجَلِيس بمعنى مُخاصِم ومُخالِطِ ومُجالِس. آ. (١٠٨) و﴿يَسْتخفون): فيها وجهان، أظهرهما: أنها مستأنفة لمجرد الإِخبار بأنهم يطلبون التستّر من الله تعالى بجهلهم. والثاني: أنها في محلّ نصب صفةً لـ ((مَنْ)) في قوله: ((لا يحبُّ مَنْ كان خَوَّانً) وجُمع الضمير اعتباراً بمعناها إنْ جَعَلْتَ ((مَنْ)) نكرةً موصوفة، أو في محل نصب على الحال مِنْ ((مَنْ)) إِنْ جَعَلْتَها موصولةً، وجُمِعَ الضميرُ باعتبار معناها أيضاً. ((وهو معهم)) جملة حالية: إمّا من الله تعالى أو من المُسْتَخْفِين، و((إذ)) منصوبٌ بالعاملِ في الظرف الواقع خبراً وهو ((معهم)). آ. (١٠٩) وتقدَّم الكلامُ في نحو ﴿ها أنتم هؤلاء﴾: وقولُه: ((فَمَنْ يُجَادِلُ)) مَنْ)) استفهامية في محل رفع بالابتداء، و((يجادل)) خبره، و((أم)) منقطعة وليست بعاطفة. وظاهرُ عبارة مكي(١) أنها عاطفة فإنه قال: ((وأم من يكونُ مثلُها عطف عليها)) أي: مثلُ ((مَنْ)) في قوله: ((فَمَنْ يجادلُ)) وهو في محلٌّ نظرٍ، لأنَّ في المنقطعة خلافاً: هل تُسَمَّى عاطفة أم لا؟. (١) فيكون التقدير: ولا تكن لأجل الخائنين خصيماً للبرآء. (٢) المشكل ٢٠٥/١. ٨٧ - النساء :- آ. (١١٢) قوله تعالى: ﴿ثم يَرْمِ به﴾: في هذه الهاءِ أقوالٌ، أحدها: أنها تعود على ((إثماً))، والمتعاطفان بـ((أو)): يجوز أن يعودَ الضمير على المعطوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه كقوله: ((وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفَضُّوا إليها))(١). والثاني: أنها تعودُ على الكَسْب المدلول عليه بالفعلِ نحو: ((اعدلوا هو أقرب للتقوى))(٢). الثالث: أنها تعود على أحد المذكورين الدالَّ عليه العطفُ بـ ((أو)) فإنه في قوة ((ثم يَرْمِ بأحد المذكورين)). الرابع: أنَّ في الكلام حذفً، والأصل: ((ومَنْ يكسِبْ خطيئة ثم يرم بها، وهذا كما قيل في قوله: ((والذين يَكْنِزُون الذهبَ والفضةً ولا يُنْفِقَونها)» أي: يكنزون الذهبَ ولا ينفقونه. و((أو)) هنا لتفصيلِ المُبْهَمِ، وتقدَّم له نظائرُ. وقرأ (٤) معاذ بن جبل: ((يَكِسِّبْ)) بكسر الكاف وتشديد السين، وأصلها: يَكْتَسِبْ فأدغمت تاءُ الافتعال في السينِ وَكُسِرت الكافُ إتباعاً، وهذا شبيه بـ ((يَخِطِّف))(٥)، وقد تقدَّم توجيهُه في البقرةِ. والزهري(٦): ((خَطِيّة)» بالتشديد وهو قیاسُ تخفيفها. قوله: ((ولولا فَضْلُ اللَّهِ» في جواب ((لولا)) وجهان، أظهرهما: أنه مذكورٌ وهو قولُه: (لَهَمَّتْ)) والثاني: أنه محذوفٌ أي: لأضلُّوك، ثم استأنف جملةً فقال: (لَهَمَّتْ)) أي: لقد هَمَّتْ. قال أبو البقاء(٧) في هذا الوجه: ((ومثلُ حذفِ الجوابِ هنا حَذْفُه في قوله: ((ولولا فَضْلُ الله عليكم ورحمتُه وأنَّ اللَّهَ (١) الآية ١١ من الجمعة. (٢) الآية ٨ من المائدة. (٣) الآية ٣٤ من التوبة. (٤) البحر ٣٤٦/٣. (٥) الآية ٢٠ من البقرة. (٦) البحر ٣٤٦/٣. (٧) الإملاء ١٩٤/١. ٨٨ - النساء - توابٌ حكيم))(١) وكأنَّ الذي قَدَّر الجوابَ محذوفاً استشكل كونَ قولِه ((لهمَّتْ)) جواباً لأنَّ اللفظَ يقتضي انتفاءَ هَمِّهم بذلك، والغرضُ أنَّ الواقع كونُهم هَمُّوا على ما يُروى في القصة فلذلك قَدَّره محذوفاً، والذي جعله مثبتاً أجابَ عن ذلك بأحدٍ وجهين: إمَّا بتخصيص الهَمِّ أي: لَهَمَّتْ هَمَّاً يؤثِّر عندك، وإمَّا بتخصيص الإضلال أي: يضلونك عن دينِك وشريعتِك، وكلا هذين الهمّيْنِ لم يقع. و((أَنْ يُضِلَّوك)) على حذف الباء أي: بأن يُضِلُّوك، ففي محلُّها الخلافُ المشهور، و («مِنْ)) في (من شيءٍ)) زائدةً، و((شيء)» يراد به المصدرُ أي: وما يَضُرُّونك ضرراً قليلاً ولا كثيراً. آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ أَمَر﴾: في هذا الاستثناءِ قولان، أحدهما: أنه متصلٌ، والثاني: أنه منقطعٌ، وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يُرادَ بها المصدرُ كالدَّعْوى فتكون بمعنى التناجي، وأَنْ يُرادَ بها القومُ المتناجُون إطلاقاً للمصدرِ على الواقع منه مجازاً نحو: ((رجلٌ عَدْل وصَوْمٍ)) فعلى الأول يكون منقطعاً لأنَّ مَنْ أَمَر ليس تناجياً، فكأنه قيل: لكنْ مَنْ أَمْر بصدقةٍ ففي نجواه الخيرُ، والكوفيون يقدِّرون المنقطع بـ ((بل))، وجَعَلَ بعضُهم الاستثناءَ متصلاً وإنْ أُريد بالنجوى المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مضافٍ كأنه قيل: إلا نجوى مَنْ أَمَر، وإنْ جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلاً. وقد عَرَفْتَ مِمَّا تقدَّم أن المنقطع منصوبٌ أبداً في لغة الحجاز، وأنَّ بني تميم يُجْرونه مُجْرى المتصل بشرط توجُّهِ العاملِ عليه، وأنَّ الكلامَ إذا كان نفياً أو شبهَه جاز في المستثنى الإِتباعُ بدلاً وهو المختار، والنصبُ على أصل الاستثناء، فقوله ((إلا مَنْ أَمَر»: إما منصوبٌ على الاستثناءِ المنقطع إنْ جَعَلْتَه منقطعاً في لغة الحجاز، أو على أصلِ الاستثناءِ إنْ جَعَلْتَه متصلاً، وإمَّ مجرورٌ على البدلِ من ((كثير)) أو مِنْ ((نجواهم)) أو صفةٌ لأحدهما، كما تقول: ((لا تَمُرَّ (١) الآية ١٠ من النور. ٨٩ - النساء- بجماعة من القوم إلا زيد)) إِنْ شئتَ جَعَلْتْ زيداً تابعاً للجماعةِ أو للقومِ . ولم يَجْعلْه الزمخشري تابعاً إلا ((لكثير)) قال(١): ((إلا نَجْوَى مَنْ أَمر على أنه مجرورٌ بدلٌ من ((كثير)) كما تقولُ: ((لا خيرَ في قيامِهم إلا قيامِ زيدٍ)» وفي التنظيرٍ بالمثال نظرٌ لا تَخْفَى مبايتُه للآية، هذا كله إنْ جَعَلْنَا الاستثناءَ متصلًا بالتأويلين المذكورين أو منقطعاً على لغة تميم. وتلخّص فيه ستة أوجه: النصب على الانقطاع في لغةِ الحجاز أو على أصل الاستثناءِ، والجرُّ على البدل من ((كثير)) أو مِنْ ((نجواهم)) أو على الصفةِ لأحدهما. و ((مِنْ نجواهُمْ)) متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ((كثير)) فهو في مجلِّ جر، والنجوى في الأصلِ مصدرٌ كما تقدم، وقد يُطْلَقُ على الأشخاص مجازاً [قال تعالى: وإذْهم نَجْوى](٢)، ومعناها المُسَارَّة، ولا تكون إلا من اثنين فأكثرَ، وقال الزجاج(٣): ((النجوى ما تَفَرَّد به الاثنانُ فأكثرُ سراً كان أو ظاهراً. وقيل: النجوى جمع نَجِيّ نقله الكرماني. قوله: ((بين)) يجوز أن يكون منصوباً بنفس ((إصلاح)) تقول: ((أصحلت بين القوم)) قال تعالى: ((فَأَصْلِحُوا بين أخويكم))(٤). [٢١٩ /ب] وأَنْ يتعلق / بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((إصلاح)). و((ابتغاءَ)) مفعولٌ من أجله. وألف ((مرضاة)) عن واوٍ، وقد تقدَّم تحقيقُه. وقرأ أبو عمرو(٥) وحمزة: ((فسوف يُؤتيه)) بالياءِ نظراً إلى الاسم الظاهر في قوله ((مرضات الله))، والباقون بالنون نظراً لقوله بعدُ؛ ((نُولِّه ونُصْلِه)) وهو أوقعُ للتعظيمِ. .آ. (١١٥): ﴿ومَنْ يُشاقِقِ﴾: تقدَّم أنّ المضارعَ المجزوم والأمرَ من (١) الكشاف ٥٦٣/١. (٢) الآية ٤٧ من الإِسراء، وما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل. (٣) معاني القرآن ١١٤/٢. (٤) الآية ١٠ من الحجرات. (٥) السبعة ٢٣٧؛ الكشف ٣٩٧/١. ٩٠٠ - النساء - نحو ((لم يَرْدُدْ)) و((رَدَّ) يجوزُ فيه الإِدغامُ وتركُه على تفصيلٍ في ذلك وما فيه من اللغات في آل عمران(١)، وكذلك حكمُ الهاء في قوله: ((نُؤْته)) و ((نُصْلِه))، وتقدَّم قوله: ((إن الله لا يَغْفِرُ أن يُشرك به))(٢). وخُتمت تيك بقوله ((فقد افترى)) وهذه بقوله: ((فقد ضَلَّ)) لأنَّ ذلك في غاية المناسبة، فإن الأولى في شأن أهل الكتاب من أنهم عندهم علمٌ بصحة ثبوته، وأن شريعته ناسخةٌ لجميع الشرائع ، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك فافتروا على الله تعالى، وهذه في شأنٍ قومٍ مشركين غير أهلٍ كتابٍ ولا علمٍ فناسَب وصفُهم بالضلال، وأيضاً فقد تقدَّم ذكر الهدى(٣) وهو ضدُّ الضلال. آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿إِلا إناثاً﴾: في هذه اللفظة تسعُ قراءات (٤): المشهورةُ وهي جمع أنْثى نحو رِباب جمعُ رُبّى(٥). والثانية: وبها قرأ الحسن ((أنثى)) بالإِفراد والمرادُ به الجمع. والثالثة : - وبها قرأ ابن عباس وأبو حيوة وعطاء والحسن أيضاً ومعاذ(٦) القارىء وأبو العالية وأبو نهيك -: (إلا أَنْشَاءَ كَرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه، أحدها : - وبه قال ابن جرير(٧) - أنه جمعُ ((إناث)) كثِمار وثُمُر، وإناث جمع أنثى فهو جمع الجمع، وهو شاذ عند النحويين. والثاني: أنه جمع ((أنيث)) كقليب وقُلُب وغدير وغُذُر، والأنيث من الرجال المُخَنَّثُ الضعيفُ، ومنه ((سيف أنيث وميناث وميناثة)) أي: غير قاطع (١) انظر: الآية ١٠٠ من آل عمران. (٢) الآية ٤٨ من النساء. (٣) الآية ٢ من البقرة. (٤) الشواذ ٢٨؛ القرطبي ٣٨٧/٥؛ البحر ٣٥٢/٣. (٥). الربِّى: الشاة إذا ولدت. (٦) معاذ بن الحارث المدني، روى عنه نافع وابن سيرين، توفي سنة ٦٣. انظر: طبقات القراء ٣٠١/٢. (٧) تفسير الطبري ٢٠١/٩. ٩١ - النساء. قال صخر (١): ١٦٥١ - فتخْبِرَه بأنَّ العقلَ عندي جُرازٌ لا أَفَلُّ ولا أَنِيثُ والثالث: أنه مفردٌ أي: يكون من الصفات التي جاءت على فُعُلَ نحو: امرأة حُنُثُ. والرابعة : - وبها قرأ سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو الجوزاء - ((وثَنا)) بفتح الواو والثاء على أنه مفرد يراد به الجمع. والخامسة - وبها قرأ سعيد بن المسيب ومسلم(٢) بن جندب وابن عباس أيضاً - (أَثُنا) بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان، أظهرهما: أنه جمع وثَنَ نحو: ((أَسَدِ وأُسُد)) ثم قَلَبَ الواوَ همزةً لضمِّها ضماً لازِماً، والأصلُ: ((وثُنُ)). ثم أَثْن. والثاني: أن ((وَثَنَ)) المفردَ جُمِع على ((وِثان)) نحو: جَمَل وجِمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع ((وِثان) على ((وُثُن)) نحو: حِمار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةٌ لِما تقدَّم فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عطية (٣) هذا الوجه بأنَّ فِعالاً جمعُ كثرة، وجموعُ الكثرة لا تُجْمع ثانياً، إنما يجمعُ من الجموع ما كان من جموع القلة. وفيه مناقشة من حيث إن الجمع لا يُجمع إلا شاذاً سواءً كان من جموعِ القلة أم من غيرها. والسادسة - وبها قرأ أيوب السختياني -: وُثُنا وهي أصل القراءة التي قبلها. والسابعة والثامنة (٤): (أُثْنَا ووُثْنا)) بسكونٍ الثاء مع الهمزة والواو، وهي تخفيف فُعُل كسُقُف. والتاسعة ــ وبها قرأ أبو السوار(٥)، (١) وهو صخر الغي، والبيت في المفردات ٢٣؛ واللسان: أنث؛ والبحر ٣٥٢/٣. والجراز من السيوف: النافذ الماضي . (٢) مسلم بن جندب الهذلي المدني، تابعي، عرض على عبدالله بن عباس، وعرض عليه نافع، توفي سنة ١٣٠. انظر: الطبقات ٢٩٧/٢ . (٣) المحرر ٢٥٧/٤. (٤) وهي قراءة عطاء كما في الشواذ ٢٨. (٥) أبو السوار الغنوي، رجل فصيح، أخذ عنه أبو عبيدة وكان على عهد ابن الأعرابي، يروي عن العرب. انظر: بغية الوعاة ٦٠٧/١. ٩٢ - النساء - وكذا وُجِدَتْ في مصحف عائشة: ((إلا أَوْثانً)، جمع ((وَثَن)) نحو: جَمَل وَأَجْمال وجَبَل وأَجْبال. وسُمِّيَتْ أصنامهم إناثاً لأنهم كانوا يُلْبسونها أنواعَ الحُلِيّ ويسمونها بأسماءِ المؤنثات نحو: اللات والعزى ومَناةً. وقد رُدَّ هذا بأنهم كانوا يُسَمُون بأسماء الذكور نحو: هُبَل وذي الخَلَصة، وفيه نظر، لأن الغالب تسميتهم بأسماء الاناث. و(«مريداً)) فعيل من ((مَرَّدَ)) أي تُجرَّد للشرِّ، ومنه (شجرة مَرْداء)) أي: تناثر ورقُها، ومنه: الأمْرَدُ لتجرُّدِ وجهِه من الشعر، والصَّرْحُ الممرّد الذي لا يعلوه غبار من ذلك. وقرأ(١) أبو رجاء - ويُرْوى عن عاصم - ((تدْعُون)) بالخطاب. قوله: ((لعنه الله)) فيه وجهان. أظهرُهما: أنَّ الجملة صفة لـ ((شيطاناً)) فهي في محلّ نصب، والثاني: أنها مستأنفةٌ: إمَّا إخبار بذلك، وإمَّا دعاء عليه. وقوله: ((وقال)) فيه ثلاثة أوجه: الصفةُ أيضاً، أو الحالُ على إضمار ((قد)) أي: وقد قال، أو على الاستئناف. و((لأنَّخِذَنَّ)) جوابُ قسم محذوف. و ((من عبادك)) يجوزُ أَنْ يتعلَّق بالفعل قبله أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((نصيباً) لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. آ. (١١٩): ومفعولاتُ الأفعال الثلاثة محذوفةٌ للدلالةِ عليها أي: وَلَأُضِلَّهم عن الهدى ولأُمَّنُّنَّهم بالباطل (٢) ولأمُرَنَّهم بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء(٣)، والأحسنُ أن يُقَدَّر المحذوفُ من جنسِ الملفوظِ به أي: ولاَ مُرَنَّهم بالبَتك، ولامُرَنّهم بالتغيير. وقرأ(٤) أبو عمرو فيما نَقّل عنه ابن عطية(٥): ((ولامُرَنَّهم)) بغيرِ ألفٍ وهو قصرُ شاذٍّ لا يُقاسُ عليه، ويجوز ألاّ يُقَدِّر (١) الشواذ ٢٩؛ البحر ٣٥٢/٣. (٢) الإملاء: الباطل. (٣) الإملاء ١٩٥/١. (٤) البحر ٣٥٤/٣. (٥) المحرر ٢٥٩/٤. ٩٣ - النساء - شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القصدَ الإِخبارُ بوقوع هذه الأفعال من غيرِ نظرٍ إلى متعلَّقاتها نحو: ((كُلوا واشربوا))(١). والبتَكُ: القَطْعُ والشقُّ، والبِتْكَةُ: القطعة من الشيء جَمْعُها بِتَك(٢): ١٦٥٢- حتى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الغلام لها طارَتْ وفي كفِّه مِنْ ريشها بِتَكُ ومعنى ذلك: أنَّ الجاهلية كانوا يَشُقُّون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن آخرُها ذَكَر. آ. (١٢٠) وقُرىء(٣): ﴿يَعِدْهم): بسكونِ الدال تخفيفاً لتوالي الحركات، ومفعولُ الوعدِ محذوفٌ أي: يعِدهُم الباطل أو السلامة والعافية. ((إلا غروراً)) يُحتمل أن يكونَ مفعولاً ثانياً، وأن يكون مفعولاً من أجله، وأن يكون نعتّ مصدرٍ محذوفٍ أي: وعداً ذا غُرور، وأَنْ يكونَ مصدراً على غير الصدرِ لأنَّ ((يَعِدُهم)) في قوةٍ يَغُرُّهم بوعدِه. آ. (١٢١) و﴿عنها﴾: يجوز أن يتعلَّق بمحذوف: إمَّا على الحال من ((محيصاً)) لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التبين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلّقُه بمحذوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى بـ((عن)) ولا بـ («محيصاً))، وإنْ كان المعنى عليه لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يُجَوِّزُ ذلك يُجَوِّزُ تَعَلُّق ((عن)) به. والمحيصُ: اسمُ مصدر من حاصَ يَحِيص إذا خَلَّص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه(٤): (١) الآية ١٩ من الطور .. (٢) البيت لزهير، وهو في ديوانه ١٧٥؛ واللسان: ((بتك)). (٣) قراءة الأعمش كما في البحر ٣٥٤/٣؛ والشواذ ٢٩ . (٤) البيت لجعفر بن علبة الحارثي، وهو في الحماسة ٦٤/١؛ والبحر ٣٤٨/٣. ٩٤ - النساء - ١٦٥٣- ولم نَدْرِ إِنْ حِصْناً من الموتِ حَيْصَةً كم العمرُ باقٍ والمَدَىْ مُتَطاوِلُ / [٢٢٠/أ] ويروي: ((جِضْنا)) بالجيم والضاد المعجمة، ومنه: ((وقعوا في خَيْصَ بَيْصَ))، وحاصَ باصَ، أي: وقعوا في أمرٍ يَعْسَرُ التخلَّص منه، ويقال: مَحِیص ومحاص، قال(١): ١٦٥٤ - أَتَّخِيصُ من حُكْمِ المَنِيَّةِ جاهداً ما للرجالِ عن المُنونِ مَحاصُ ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحياصاً أي: زَايَلِ المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضيق مؤخر العين ومنه الأحْوَصُ. آ. (١٢٢) وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾: يجوزُ فيه وجهان: الرفع على الابتداءِ، والخبر ((سَنُدْخِلُهم))، والنصبُ على الاشتغال أي: سَنُدْخِل الذين آمنوا سندخلهم، وقرىء (٢): ((سيُدْخِلُهم)) بياء الغيْبة. وانتصب ((وعد الله)) على المصدرِ المؤكَّد لنفسِه و((حقاً) على المصدرِ المؤكِّد لغيرِهِ، فـ ((وعدَ)) مؤكدً لقوله ((سندخلهم))، وهو مفهومٌ مما قبله، و((حقاً) مؤكِّدٌ لقوله: ((وعدّ اللّه)). و ((قيلا)) نصبٌ على التمييز. والقيل والقول والقال مصادرُ بمعنى واحدٍ، ومنه قولُه تعالى: ((وقيلِه يا ربِّ))(٣). آ. (١٢٣) قوله تعالى: ﴿ليس بأمانيِّكم﴾: في ((ليس)) ضميرٌ هو اسمُها، وفيه خلافٌ: فقيل: يعودُ على ملفوظٍ به، وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه اللفظُ من الفعلِ ، وقيل: يَدُلُّ عليه سببُ الآية. فأمَّا عَوْدُه على ملفوظٍ به (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٤٨/٣. (٢) البحر ٣٥٥/٣ من دون نسبة. (٣) الآية ٨٨ من الزخرف. ٩٥ : - النساء- فقيل: هو الوعدُ المتقدِّم في قوله ((وعدَ الله)) وهذا ما اختاره الزمخشري قال(١): ((في ليس ضميرُ وعدَ الله أي: ليس يُنالُ ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب. والخطابُ للمسلمين لأنه لا يُؤمن(٢) بوعِد الله إلا مَنْ آمَن به)) وهذا وجهٌ حسنٌ. وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه اللفظ فقيل: هو الإِيمان المفهومُ من قوله: (والذين آمنوا)) وهو قولُ الحُسنِ وعنه: ((ليس الإِيمانُ بالتمني)). وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السببُ فقيل: يعودُ على مجاورةِ المسلمين مع أهل الكتاب، وذلك أنَّ بعضَهم قال: ((دينُنا قبلَ دينكم، ونبينا قبلَ نبيكم، فنحن أفضلُ))، وقال المسلمون: ((كتابنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتمُ الأنبياء)). فنزلت. وقيل: يعودُ على الثواب والعقاب أي: ليس الثوابُ على الحسنات ولا العقابُ على السيئات بأمانيكم. وقيل: قالت اليهودُ نحن أنبياء الله وأحباؤه، ونحن أصحاب الجنة، وكذلك النصارى. وقالت كفار قريش: لَا نُبْعَثُ، فنزلت أي: ليس ما ادعيتموه يا كفار قريش بأمانیكم. وقرأ(٣) الحسن وأبو جعفر وشيبةُ بن نصاح والحكم(٤) والأعرج: ((أمانِيكم))، ((ولا أمانِي)) بالتخفيف كأنَّهم جَمَعُوه على فعالِل دون فعاليل كما قالوا: قَرْقور وقراقير وفراقِرِ، والعرب تُنْقص من فعاليل الياء، كما تَزِيدُها في فعالِل نحو قوله(٥): ١٦٥٥- تَنْقادَ الصياريف (١) الكشاف ٥٦٥/١. (٢) الکشاف: «لا یتمنى» .. (٣) البحر ٣٥٥/٣. (٤) الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي، روى عن عاصم، ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ١ /٢٥٧. (٥) تقدم برقم ٦٨٧ . ٩٦ - النساء- وقوله: ((مَنْ يعمل)) جملة مستأنفة مؤكدةٌ لحكم الجملة قبلها. وقرأ الجمهور ((ولا يَجِدْ)) جزماً، على عطفه على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر (١) رفعُه، وهو على القطعُ عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي بـ ((لا)) لا يقترن بالواوٍ إذا وقع حالاً. قوله: ((مِن الصالحات مِنْ ذَكّرِ)) ((من)) الأولى للتبعيض لأنَّ المكلّف لا يطيق عمل كل الصالحات. وقال الطبري(٢): ((هي زائدةٌ عند قوم)). وفيه ضعفٌ لعدمِ الشرطين. و((مِنْ)) الثانية للتبيين. وأجاز أبو البقاء(٣) أن تكونَ حالاً، وفي صاحبِها وجهان أحدُهما: أنه الضميرُ المرفوع بـ ((يعمل))، والثاني: أنه الصالحات أي: الصالحات كائنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله: ((لا أُضِيعُ عَمَل عاملٍ منكم مِنْ ذَكَر أو أنثى)»(٤) والكلامُ على ((أو) أيضاً. وقوله: ((وهو مؤمن)) جملة حالية من فاعل ((يعمل)). وقرأ(٥) أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر عن عاصم: ((يُدْخَلون)» هنا وفي مريم(٦) وأول غافر(٧) بضم حرف المضارعة وفتح الخاء مبنياً للمفعول، وانفردَ ابنُ كثير وأبو بكر بثانية غافر(٨)، وأبو عمرو بالتي في فاطر (٩)، والباقون بفتحِ حرفٍ (١) رواية ابن بكار عنه كما في القرطبي ٣٩٩/٥. (٢) تفسير الطبري ٢٤٩/٩. (٣) الإملاء ١٩٥/١. (٤) الآية ١٩٥ من آل عمران. (٥) السبعة ٢٣٧؛ الكشف ٣٩٧/١. (٦) الآية ٦٠. (٧) الآية ٤٠. (٨) الآية ٦٠. (٩) الآية ٣٣. ٩٧ - النساء :- المضارعةِ وضَمِّ الخاءِ مبنياً للفاعل، وذلك للتفَنَّنِ في البلاغَةِ، وقد يظهرُ فروقٌ لا يَسَعُها هذا الكتابُ. آ. (١٢٥) قوله تعالى: ﴿يُّنْ أَسْلَمَ﴾: متعلَّقٌ بـ((أَحْسَنُ)) فهي ((مِنْ)) الجارة للمفضول، و(الله)) متعلقٌ بـ ((أَسْلَم)، وأجاز أبو البقاء(١) أن يتعلّق بمحذوف على أنه حالٌ من ((وجهه)) وفيه نظرٌ لا يخفى. ((وهو مُحْسِنٌ)) حالٌ من فاعل ((أَسْلم))، و(اتَبع)) يجوز أن يكون عطفاً على ((أسلم)) وهو الظاهر، وأن يكونَ حالاً ثانية من فاعل ((أسلم)) بإضمار ((قد)) عند مَنْ يشترط ذلك، وقد تقدَّم الكلام على ((حنيفاً)) في البقرة(٢)، إلا أنه يجوزُ هنا أن يكونَ حالاً من فاعلٍ ((اتّبع)). قوله: ((واتخذ اللَّهُ إبراهيمَ خليلاً)) فيه وجهان، وذلك أن ((اتَّخذ)) إِنْ عَدَّيْناها لاثنين كان مفعولاً ثانياً وإلا كانَ حالاً، وهذه الجملة عطف على الجملةِ الاستفهاميةِ التي معناها الخبرُ نَبَّهَتْ على شرف المتبوع وأنه جديرٌ بأن يُتَّبَعِ لاصطفاءِ الله له بالخُلّة، ولا يجوز عطفها على ما قبلها لعدم صلاحيتها صلةً للموصول. وجعلها الزمخشري (٣) جملةً معترضة قال: ((فإنْ قلت ما محلُّ هذه الجملةِ؟ قلت: لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مِنْ جمل الاعتراضاتِ نحو ما يجيء في الشعر من قولهم ((والحوادثُ جَمَّةً)» فائدتُها تأكيدُ وجوبِ اتّباعٍ مِلَّته، لأنَّ مَنْ بَلَغ من الزُّلفى عند الله أَن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن يُتْبَع)) فإنْ عنى بالاعتراضِ المصطلحَ عليه فليس ثَمَّ اعتراض، إذ الاعتراضُ بين متلازمين كفعلٍ وفاعل ومبتدأ وخبر (١) الإملاء ١٩٥/١. (٢) الآية ١٣٥. (٣) الكشاف ١ /٥٦٦. ٩٨ - النساء- وشرط وجزاء وقسم وجواب، وإن عَنَى غيرَ ذلك احتُمِل، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم: ((والحوادثُ جَمَّةٌ)) يُشْعِر بالاعتراض المصطلح عليه؛ فإن قولهم ((والحوادث جمة)) وَرَدَ في بيتينٍ، أحدُهما بين / فعل وفاعل كقوله(١): [٢٢٠/ب] ١٦٥٦- وقد أَدْرَكَتْني والحوادثُ جَمَّةٌ أَسِنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عُزْلِ والآخرُ يحتمل ذلك، على أن تكونَ الباءُ زائدةً في الفاعل كقوله(٢): ١٦٥٧ - ألا هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ بأنَّ امرأ القيس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا ويحتمل أن يكونَ الفاعلُ ضميراً دلَّ عليه السياق أي: هل أتاها الخبر بأن امرأ القيس، فيكون اعتراضاً بين الفعل ومعموله. والخليلُ: مشتق من الخَلَّة بالفتح وهي الحاجة، أو من الخُلَّة بالضم، وهي المودة الخالصة، أو من الخَلَل. قال ثعلب: ((سُمِّي خليلاً لأن مودته تَتَخَلَّلُ القلبَ)) وأنشد(٣): ١٦٥٨- قد تَخَلَّلْتَ مسلكَ الروحِ مني وبه سُمِّي الخليلُ خليلا وقال الراغب(٤): ((الخَلَّة - أي بالفتح - الاختلالُ العارضُ للنفس: إِمَّا لشَهْوَتِها لشيء أو لحاجتِها إليه، ولهذا فَسَّر الخَلّة بالحاجة، والخُلّة - أي (١) تقدم برقم ٧٤١. (٢) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ٦٦؛ والخصائص ٣٣٥/١؛ ومفردات الراغب ٥٤؛ وابن يعيش ٢٣/٨؛ واللسان: بقر؛ والإنصاف ١٧١. وبيقر: هاجر. (٣) البيت لبشار، وهو في مفردات الراغب ١٥٤؛ والقرطبي ٤٠٠/٥. (٤) المفردات ١٥٤ . ٩٩ - النساء - بالضم - المودة: إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وإما لأنها تُخِلَّ النفس فتؤثِّر فيها تأثيرَ السهم في الرميَّة، وإمَّا لفَرْطِ الحاجة إليها)). آ. (١٢٧) قوله تعالى: ﴿وما يُتْلى﴾: فيه سبعة أوجه، وذلك أن موضع ((ما) يحتمل أن يكون رفعاً أو نصباً أو جراً. فالرفعُ من ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستكنَّ في ((يُفتيكم)) العائدِ على الله تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور مع أن الفصلَ بأحدِهما كافٍ. والثاني: أنه معطوفٌ على لفظ الجلالة فقط، كذا ذكره أبو البقاء(١) وغيرُه، وفيه نظر، لأنه: إمَّا أَنْ يُجعلَ من عطف مفردٍ على مفرد فكان يجب أن يُثَنَّى الخبرُ وإِنْ توسط بين المتعاطفين فيقال: ((يُفْتِيانكم))، إلاّ أنَّ ذلك لا يجوز، ومَنِ ادَّعى جوازَه يَحتاج إلى سماع من العرب فيقال: «زيد قائمان وعمرو))، ومثلُ هذا لا يجوز، وإمَّا أَنْ يُجْعَلَ من عطف الجمل بمعنى أنَّ خبرَ الثاني محذوفٌ أي: وما يتلى عليكم يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوجه الثالث - وقد ذكروه - فيلزم التكرار. والثالث من أوجه الرفع: أنه رفع بالابتداء، وفي الخبر إحتمالان، أحدهما: أنّه الجار بعده وهو ((في الكتاب)) والمرادُ بما يتلى القرآنُ، وبالكتابِ اللوحُ المحفوظ، وتكون هذه الجملةُ معترضةً بين البدل والمبدل منه على ما سيأتي بيانُه. وفائدةُ الاخبارِ بذلك تعظيمُ المتلوِّ ورفعُ شأنِهِ، ونحوه: ((وإنَّه في أُمُّ الكتابِ لدينا لَعَلِيَّ حكيم))(٢). والاحتمال الثاني: أن الخبر محذوف أي: والمتلُّ عليكم في الكتاب يُفْتيكم أو يبيّن لكم أحكامَهن، فهذه أربعة أوجه. وكلام الزمخشري(٣) يحتمل جميع الأوجه، فإنه قال: ((ما يُتْلِى)) في محل الرفع أي: اللّهُ يُفْتيكم والمتلُّ في الكتاب في معنى اليتامى، يعني قولَه: ((وإنْ خِفْتُم ألَّ تُقْسِطوا في اليتامى))(٤) (١) الاملاء ١٩٦/١. (٢) الآية ٤ من الزخرف. (٣) الكشاف ١ /٥٦٧. (٤) الآية ٣ من النساء. ١٠٠ :