النص المفهرس
صفحات 61-80
- النساء- والإِركاس: الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس للرجيع، قال عليه السلام في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها: ((إنها رِكْس))(١). وقال أمية بن أبي الصلت(٢): ١٦٣٣- فَأُرْكِسوا في جحيم النار إِنَّهِمُ كانوا عصاةً وقالوا الإِفْكَ والزورا أي: رُدُّوا، وقال الراغب(٣): ((الرِّكْس والنِّكْس: الرَّدْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ، لأن النِّكسَ ما جُعِل أعلاه أسفله، والرِّكسَ ما صار رجيعاً بعد أن كان طعاماً. وقيل: أَرْكسه أَوْبِقَه، قال(٤): ١٦٣٤- بشُؤْمِك أَرْكَسْتَني في الخَنا وَأَرْمَيْتَني بضروبِ العَنا وقيل: الإِركاس : الإضلال، ومنه (٥): ١٦٣٥- وأَرْكَسْتَنِي عن طريق الهدى وصَيَّرْتَنِي مَثَلاً للعِدى وقيل: هو التنكيسُ، ومنه(٦) : ١٦٣٦- رُكِّسوا في فتنةٍ مظلمةٍ كسوادِ الليلِ يَتْلُوها فِتَنْ ويقال: أَرْكس وَرَكَّس بالتشديد ورَكَس بالتخفيف: ثلاث لغات بمعنى واحد، وارتكس هو أي: رجع. وقرأ(٧) عبدالله: (ركَسَهم)) ثلاثياً، وقرىء (١) رواه البخاري الوضوء (الفتح) ٢٥٦/١؛ الترمذي (التحفة ٨٢/١)؛ المسند ٣٨٨/١. (٢) ديوانه ٣٦؛ الطبري ٧/٩؛ البحر ٣١١/٣. (٣) ليس في مفرداته . (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣١١/٣. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣١١/٣. (٦) البيت لعبدالله بن رواحة، وهو في القرطبي ٣٠٧/٥؛ والبحر ٣١١/٣. (٧) الشواذ ٢٧؛ البحر ٣١٣/٣؛ القرطبي ٣٠٧/٥. ٦١ -النساء ((رَكَّسهم - رُكِّسو))(١) بالتشديد فيهما. وقال أبو البقاء(٢): ((وفيه لغةٌ أخرى (رَكَسه الله)) من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحداً قرأ به)) قلت: قد تقدَّم أنّ عبد الله قرأ ((والله ركسهم)) من غير همز ولا تشديد، وكلام أبي البقاء مُخلِّصَ فإنه إنما ادَّعى عدمَ العلمِ بأنها قراءةٌ لا عدمَ القراءة بها. قال الراغب(٣): (إلا أن ((أركسه)) أبلغُ من ((رَكَسه)) كما أنَّ أَسْفَله أبلغُ من سُفْلَه)) وفيه نظر. آ. (٨٩) قوله تعالى: ﴿لو تكفرون﴾: «لو» یجوزُ فیھا وجهان، أحدهما: أن تكونَ مصدرية. والثاني: أنها على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، فعلى الأول تتقدَّر مع ما بعدَها بمصدر، وذلك المصدرُ في محل المفعول لـ ((وَدُّوا))، وحينئذ فلا جوابَ لها، والتقدير: وَدُّوا كفركم، وعلى الثاني يكون مفعولُ ((وَدَّ)) محذوفً، وجوابُ ((لو) أيضاً محذوف، لدلالةِ المعنى عليهما، والتقدير: وَدُّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا لسُرُّوا بذلك .. و ((كما كفروا)» نعت لمصدر محذوف تقديره: كفراً مثلَ كفرهم، أو حالٌ [٢١٦/ب] من ضمير ذلك المصدر كما هو مذهب سيبويه(٤)، / و((فتكونوا)) عطف على (( تكفرون)) والتقدير: وَدُّوا كفركم فكونَكم مستوين معهم في شَرْعهم. قال الزمخشري(٥): ((ولو نُصِب على جواب التمني لجاز)) وجعل الشيخ(٦) فيه نظراً من حيث إن النصبَ في جواب التمني إذا كان التمني بلفظ الفعل يَحْتاج إلى سماع من العرب، بل لوجاء لم تتحقَّقَ فيه الجوابيةُ، لأنَّ ((ودَّ) التي بمعنى التمني متعلقها المصادر لا الذوات، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعيِّنْ أن (١) وذلك في الآية ٩١ من السورة. (٢) الإملاء ١٩٠/١. (٣) لم يرد هذا القول في مفرداته. (٤) الكتاب ١١٦/١. (٥) الكشاف ٥٥١/١. (٦) البحر ٣١٤/٣. ٦٢ - النساء- تكون فاء جواب، لاحتمال أن يكونَ من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به فيكون من باب(١): ١٦٣٧- لَلُبْس عباءةٍ وتَقَرَّ عيني يعني كأنَّ المصدر المفعولَ بـ ((يود)) ملفوظٌ به، والمصدرُ المقدَّرُ بـ ((أن)) والفعلِ عطفُ عليه، فَجَعَلَ المصدرَ المحذوفَ ملفوظاً به في مقابلةٍ المقدَّرِ بـ((أَنْ)) والفعلِ، وإلاّ فالمصدرُ المحذوفُ ليس ملفوظاً به إلا بهذا التأويلِ المذكورِ، بل المنقولُ أنَّ الفعلَ ينتصبُ على جوابِ التمني إذا كان بالحرفِ نحو ((ليت))، و((لو)) و((ألا)) إذا أُشْربتا معنى التمني. وفيما قاله الشيخ نظر؛ لأن الزمخشري لم يَعْنِ بالتمني المفهومَ من فعل الوَدادةِ، بل المفهومَ من لفظ ((لو)) المشعرة بالتمني، وقد جاء النصب في جوابها كقوله: ((فلو أنَّ لنا كرة فنكونَ))(٢)، وقد قَدَّمْتُ تحقيقَ هذه المسألةِ، فقد ظَهَر ما قاله الزمخشري من غير توقُّفٍ. و((سواءً)) خبر ((تكونون)) وهو في الأصل مصدرٌ واقعٌ موقعَ اسمِ الفاعلِ بمعنى مُسْتوين؛ ولذلك وُحِّد نحو: ((رجال عَدْلٌ)). آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿إلا الذين يَصِلُون﴾: فيه قولان، أظهرُهما: أنه استثناءٌ متصلٌ، والمستثنى منه قولُه ((فَخُذوهم واقتلوهم)) والمُسْتَثْنَوْن على هذا قومٌ كفارٌ، ومعنى الوَصْلةِ هنا الوَصْلَةُ بالمعاهدَةِ والمهادَنَةِ. وقال أبو عبيد: ((هو اتصالُ النسب)». وغَلَّطه النحاس(٣) بأن النسبَ كان ثابتاً بين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم والصحابة وبين المشركين، ومع ذلك لم يَمْنَعْهم ذلك من قتالهم. والثاني: أنه منقطعٌ - وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، واختيار (١) تقدم برقم ٧٠١. (٢) الآية ١٠٢ من الشعراء. (٣) ليس في كتابه ((إعراب القرآن)). ٦٣ - النساء= الراغب - قال أبو مسلم: ((لَمَّا أوجبَ اللَّهُ الهجرةَ على كلٍّ مَنْ أسلمَ استثنى مَنْ له عذرٌ فقال: ((إلا الذين يَصِلون)) وهم قوم قصدوا الهجرة إلى الرسول ونصرته، وكان بينهم وبين المسلمين عَهْدٌ فأقاموا عندهم إلى أن يمكّنهم الخلاصُ، واستثنى بعد ذلك مَنْ صار إلى الرسول وإلى أصحابِه لأنه يَخافُ اللَّهَ فيه، ولا يقاتِلُ الكفارَ أيضاً لأنهم أقاربُه، أو لأنه يخاف على أولاده الذين هم في أيديهم»، فعلى هذا القولِ يكون استثناءً منقطعاً، لأن هؤلاء المستثنين لم يدخُلوا تحت قوله: ((فما لكم في المنافقين فئتين)) والمستثنَوْن على هذا مؤمنون . و (بينكم وبينهم ميثاقٌ)) يجوز أن يكونَ جملةً من مبتدأ وخبر في محل جرِّ صفةٌ لـ ((قوم))، ويجوز أن يكونَ ((بينكم)) وحده صفةً لـ(«قوم))، فيكونَ فِي محلِّ جر ويتعلَّقُ بمحذوفٍ، و((ميثاق)) على هذا رفعٌ بالفاعلية؛ لأنَّ الظرفَ اعتمد على موصوفٍ، وهذا الوجهُ أقربُ؛ لأنَّ الوصفَ بالمفردِ أصلٌ للوصفِ بالجملة . قوله: ((أو جاؤوكم)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفُ على الصلة، كأنه قيل: أو إلا الذين جاؤوكم حَصِرَتْ صدورُهم، فيكون المستثنى صنفين من الناس، أحدهما واصلٌ إلى قومٍ معاهِدين، والآخر مَنْ جاء غيرَ مقاتِلٍ للمسلمين ولا لقومِه. والثاني: أنه عطفُ على صفةِ ((قوم)) وهي قولُه ((بينكم وبينهم ميثاق))، فيكون المستثنى صنفاً واحداً يختلف باختلافِ مَنْ يصل إليه من معاهِدٍ وكافرٍ. واختارِ الأولَ الزمخشري وابن عطية (١)، قال الزمخشري(٢): ((الوجهُ العطفُ على الصلةِ لقوله: ((فإنْ اعتزلوكم فلم يقاتلوكم)» بعد قوله: ((فَخُذُوهم واقتُلوهم)) فَقرَّر أنَّ كفَّهم عن القتال أحدُ سبي استحقاقِهم لنفي (١) المحرر ٢٠٣/٤. (٢) الكشاف ٥٥١/١. ٦٤ - الناء - التعرُّض لهم، وتَرْكِ الإِيقاع بهم. فإن قلت: كلَّ واحد من الاتصالين له تأثيرٌ في صحة الاستثناء واستحقاقٍ تَرْكِ التعرضِ للاتصال بالمعاهِدين والاتصالِ بالكافِّين، فهلا جَوَّرْتَ أن يكونَ العطفُ على صفةِ ((قوم))، ويكون قولُه: ((فإن اعتزلوكم» تقريراً لحكمِ اتّصالهم بالكافِّين واختلاطِهم بهم وجَرْيِهم على سُنَتِهِم؟ قلت: هو جائز، ولكنّ الأولَ أظهرُ وأجْرى على أسلوب الکلام». انتھی . وإنما كان أظهرَ لوجهين، أحدهما من جهة الصناعة، والثاني من جهة المعنى: أمَّ الأولُ فلأنَّ عطفَه على الصلة لكون النسبة فيه إسناديةً، وذلك أن المستثنى مُحَدَّثٌ عنه محكومٌ له بخلاف حكم المستثنى منه، فإذا قَدَّرْتَ العطفَ على الصلة كان مُحَدَّثً عنه بما عَطَفْتَه بخلاف ما إذا عَطَفْتَه على الصفة، فإنه يكونُ تقييداً في ((قوم)) الذين هم قيدٌ في الصلةِ المُحَدَّثِ عن صاحبها، ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسناديةً وبين أن تكون تقييدية كان جعلُها إِسناديةً أَوْلِى لاستقلالها. والثاني من جهة المعنى: وذلك أنَّ العطفَ على الصلة يؤدي إلى أنَّ سببَ تَرْكِ التعرُّض لهم تركُهم القتالَ وكَفُّهم عنه، وهذا سببٌ قريب، والعطفُ على الصفة يؤدي إلى أنَّ سببَ تركِ التعرضِ لهم وصولُهم إلى قوم كافِّين عن القتال وهذا سببٌ بعيدٌ، وإذا دار الأمرُ بين سببٍ قريبٍ وآخرَ بعيدٍ فاعتبارُ القريبِ أَوْلَی. والجمهورُ على إثبات ((أو))، وفي مصحف أُبَيّ(١): ((جاؤوكم)) من غير ((أو))، وخَرَّجها الزمخشري (٢) على أحد أربعة أوجه: إمَّا البيانِ لـ ((يَصِلون))، أو البدلِ منه، أو الصفةِ لقومٍ بعد صفة، أو الاستئنافِ. (١) القرطبي ٣٠٩/٥؛ البحر ٣١٦/٣. (٢) الكشاف ٥٥٢/١. ٦٥ - النساء- قال الشيخ(١): ((وهي وجوهُ محتملةً وفي بعضِها ضعفٌ وهو البيانُ والبدلُ، لأنَّ البيانَ لا يكون في الأفعال، ولأن البدل لا يتأنَّى لكونه ليس إياه ولا بعضَه ولا مشتملاً عليه)». انتهى. ويحتاج الجوابُ عنه إلى تأمُّل ونظر. قوله ((حَصِرَتْ صدورهم)) فيه سبعة أوجه، أحدها: أنه لا محلّ لهذه الجملة، بل جيء بها للدعاء عليهم بضيق صدورهم عن القتال، وهذا منقولٌ عن المبرد(٢)، إلَّ أنَّ الفارسيَّ رَدَّ عليه بأنَّا مأمورُون بأَنْ ندعوَ على الكفارِ بإلقاءِ العداوة بينهم فنقولُ: ((اللهم أَوْقِعِ العداوةَ بين الكفار)» لكن يكونُ قوله: ((أو يقاتِلوا قومَهم)) نَفْيَ ما اقتضاه دعاءُ المسلمين عليهم. وقد أجابَ عن هذا الردِّ بعضُ الناس، فقال ابن عطية (٣): ((يُخَرَّجُ قولُ المبرد على أن الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيزٌ لهم، والدعاءُ عليهم بأن لا يقاتِلوا قومّهم تحقيرٌ لهم أي: هم أقلّ وأحقرُ ومستغنىَّ عنهم، كما تقول إذا أردت هذا المعنى: ((لا جعل الله فلاناً عليَّ ولا معي)) بمعنى أُسْتَغْنِي عنه وأستقلُّ دونَهِ)). وأجابَ غيرُه بأنه يجوزُ أن يكونَ سؤالاً لموتهم على أنَّ قولَه ((قومهم)) قد يُحْتمل أن يُعَبَّرِ به عَمَّنْ ليسوا منهم، بل عن مُعادِيهم)). الثاني: أنَّ ((حَصَرِت)) حالٌ من فاعل ((جاؤوكم))، وإذا وقعت الحال فعلاً ماضياً ففيها خلافٌ: هل يحتاج إلى اقترانِه بـ («قد» أم لا؟ والراجحُ عدمُ الاحتياجِ لكثرة ما جاء منه، فعلى هذا لا تُضْمَرُ ((قد)) قبل ((حَصِرَتْ))، ومَنٍ اشترط ذلك قَدَّرها هنا. والثالث: أَنَّ ((حَصِرَتْ)) صفةٌ لحالٍ محذوفةٍ تقديرُه: أو جاؤوكم قوماً حَصِرَتْ صدورُهم. وسَمَّاها أبو البقاءِ(٤) حالاً مُوَطَِّة، وهذا (١) البحر ٣١٧/٣. (٢) المقتضب ١٢٤/٤. (٣) المحرر ٢٠٣/٤. (٤) الإِملاء ١٩٠/١. ٦٦ - النساء - الوجهُ يُعْزَى للمبرد أيضاً /. الرابع: أن يكون في محل جَرِّ صفةً لقوم بعد [٢١٧/أ] صفة، و((أو جاؤوكم)) معترضٌ. قال أبو البقاء: ((يَدُلُّ عليه قراءةُ مَنْ أسقط ((أو)) وهو أُبَيٍّ، كذا نقله عنه الشيخ(١)، والذي رأيتُه في إعرابه إسقاطُ (أو جاؤوكم)) جميعه وهذا نَصُّه(٢) قال: ((أحدهما: هو جَرِّ صفةً لقوم وما بينهما صفة أيضاً، و((جاؤوكم)) معترضٌ، وقد قرأ بعضُ الصحابة بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم، بحذف (أو جاؤوكم)) هذا نَصُّه، وهو أوفق لهذا الوجهِ. الخامس: أن يكونَ بدلاً من «جاؤوكم)) بدلَ اشتمال لأن المجيء مشتملٌ على الحَصْر وغيرِه، نقله الشيخ(٣) عن أبي البقاء(٤) أيضاً. السادس: أنه خبرٌ بعد خبر، وهذه عبارة الزجاج(٥)، يعني أنها جملة مستأنفة، أَخْبر بها عن ضيقِ صدور هؤلاء عن القتال بعد الإخبار عنهم بما تقدَّم. قال ابن عطية (٦) بعد حكاية قولِ الزجاج: ((يُفَرَّق بين الحال وبين خبر مستأنف في قولك: (جاء زيد ركب الفرسَ)) أنك إذا أردت الحال بقولك ((رَكَب الفرس)» قَدَّرْتَ ((قد))، وإن أردت خبراً بعد خبر لم تحتج إلى تقديرها)). السابع: أنه جواب شرط مقدر تقديره: إن جاؤوكم حصرت، وهو رأي الجرجاني، وفيه ضَعْفٌ لعدم الدلالة على ذلك. وقرأ الجمهور: ((حَصِرَتْ)) فعلًا ماضياً، والحسن(٧) وقتادة ويعقوب: (١) البحر ٣١٧/٣. (٢) الإملاء ١٨٩/١. (٣) البحر ٣١٧/٣. (٤) ليس في الإملاء. (٥) معاني القرآن ٩٦/٢. (٦) المحرر ٢٠٣/٤. (٧) الشواذ ٢٧ - ٢٨؛ البحر ٣١٧/٣؛ القرطبي ٣٠٩/٥، وتجرأ المبرد (المقتضب ٤ /١٢٥) وقال: إنها القراءة الصحيحة. ٦٧ - النساء- (حَصِرةً)) نصباً على الحال بوزن (نَبِقَة)) وهي تؤيد كونَ ((حَصِرت)) حالاً، ونقلها المهدوي عن عاصم في رواية حفص، ورُوي عن الحسن أيضاً: ((حَصِراتٍ)) و((حاصراتٍ)). وهاتان القراءتان تحتملان أن تكونَ «حَصِراتٍ)) و ((حاصراتٍ)) نصباً على الحال، أو جراً على الصفة لـ «قوم))، لأنَّ جمع المؤنث السالم يستوي جرّه ونصبه، إلا أنَّ فيهما ضعفاً من حيث إنَّ الوصف الرافعَ لظاهرٍ الفصيحُ فيه أن يُؤَحَّد كالفعلِ أو يُجْمَعَ جَمْعَ تكسير ويَقِلُّ جمعُه تصحيحاً، تقول: مررت بقومٍ ذاهب جواريهم، أو قيام جواريهم، ويَقِلُّ: ((قائماتٍ جواربهم)). وقرىء ((حَصِرةٌ) بالرفع على أنه خبر مقدم، و((صدورهم)) مبتدأ، والجملة حال أيضاً. وقال أبو البقاء (١): ((وإن كان قد قرىء ((حصرةٌ)) بالرفع، فعلى أنه خبر، و ((صدورهم)) مبتدأ، والجملةُ حال)». قوله: (أن يقاتلوكم)) أصلُه: عن أَنْ، فلمًّا حُذف حرف الجر جری الخلاف المشهور: أهي في محل جر أو نصب؟ والحَصْرُ: الضيق، وأصلُه في المكان ثم تُوُسِّع فيه، قال(٢): ١٦٣٨- ولقد تَسَقَّطَني الوشاةُ فصادَفُوا حَصِراً بسِرُّكِ يا أُميمُ ضَنِيْنَاً وقوله: ((فَلَقَاتلوكم)) اللام جواب ((لو)» لعطفِه على الجواب، وقال ابن عطية (٣): ((هي لامُ المحاذاة والازدواج بمثابة الأولى، لو لم تكن الأولی کنت تقول ((لقاتلوكم)). وهي تسميةٌ غريبة، وقد سبقه إليها مكي (٤). والجمهور على (١) الإملاء ١٩٠/١. (٢) تقدم برقم ١٢٦٢. (٣) المحرر ٢٠٣/٤. (٤) ليس في ((المشكل))، وقد يكون في كتاب آخر أو في موضع آخر. ٦٨ - النساء- (فَلَقاتلوكم)) من المُفاعلة. ومجاهد (١) وجماعة: ((فَلقتلوكم ثلاثيًا))، والحسن والجحدري: ((فلقتّلوكم)) بالتشديد وقرأ(٢) الجحدري: ((السَّلْم)) بفتحِ السين وسكونِ اللام، والحسنُ بكسرها وسكون اللام. قوله: ((لكم عليهم سبيلاً)» (كم)) متعلق بـ (جَعَل))، و((سبيلاً)) مفعولُ ((جَعَل))، و((عليهم)) حالٌ من ((سبيلاً)) لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، ويجوز أن تكونَ ((جعل)) بمعنى ((صَيَّر))، فيكونُ ((سبيلا)) مفعولاً أولَ، و((عليهم)) مفعولٌ ثان قُدِّم. آ. (٩١): والسين في ﴿ستجدون﴾: للاستقبال على أصلها. قالوا: وليست هنا للاستقبال بل للدلالةِ على الاستمرار، وليس بظاهر. وقرأ عبدالله (٣): ((رُكِسوا) فيها ثلاثياً مخففاً، ونقل ابن جني(٤) عنه ((رُكِسُوا)) بالتشديد . آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن﴾: قد تقدَّم نظيرُ هذا التركيب: ((ما كان لهم أن يَدْخُلوها إلا خائفين))(٥). و((إلا خَطَأ)) فيه أربعة أوجه، أحدُها: أنه استثناء منقطع - وهو قولُ الجمهور - إنْ أُريد بالنفي معناه، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ متصلاً إذ يصير المعنى: إلا خطأ فله قتلُه. والثاني: أنه متصلٌ إنْ أريد بالنفي التحريمُ، ويصير المعنى: إلا خطأ بأن عَرَفَه كافراً فقتله ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. الثالث: أنه استثناء مفرغ، ثم في نصبه ثلاثة احتمالات، الأول: أنه مفعولٌ له أي: ما ينبغي له أن يقتلَّه لعلة من العلل إلا للخطأ وحدَه. الثاني: أنه حال أي: ما ينبغي له أن يقتلَّه في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. الثالث: أنه نعتُ مصدرٍ محذوف أي: إلا قَتْلاً خطأ، ذكر (١) الشواذ ٢٨؛ البحر ٣١٨/٣. (٢) الشواذ ٢٨؛ البحر ٣١٨/٣. (٣) الشواذ ٢٧؛ البحر ٣١٩/٣. (٤) المحتسب ١٩٤/١. (٥) الآية ١١٤ من البقرة. ٦٩ - النساءت هذه الاحتمالاتِ الزمخشري(١). الرابع من الأوجه: أن تكونَ ((إلا)) بمعنى ((ولا)) والتقدير: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ، ذَكَره بعضُ أهل العلم، حكى أبو عبيدة عن يونس قال: ((سألتُ رؤبة بن العجاج عن هذه الآيةِ فقال: ((ليس له أن يقتله عمداً ولا خطأ))، فأقام ((إلا)) مقامَ الواوِ، وهو كقول الشاعر(٢): ١٦٣٩- وكلُّ اخ مفارِقُه أخوه لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدانِ إلا أن الفراء ردَّ هذا القول بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استثناء آخر فيكونُ الثاني عطفاً عليه كقوله(٣): ١٦٤٠- ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا وهذا رأي الفراء(٤)، وأمَّا غيرُه فيزعم أن ((إلا)) تكون عاطفة بمعنى الواو من غير شرط، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله: ((لئلا يكونَ للناس عليكم حجةٌ إلا الذين))(٥). والجمهور قرأ ((خَطَأ)) مهموزاً بوزن ((نبأ)»، والزهري(٦): ((خَطًا)» بوزن عصا، وفيها تخريجان، أحدهما: أنه حذف لام الكلمة تخفيفاً، كما حذفوا لام دم ويد وأخ وبابِها. والثاني: أنه خَفَّف الهمزة بإبدالها ألفاً، فالتقت مع (١) الكشاف ٥٥٢/١. (٢) تقدم برقم ٥٧٩. (٣) تقدم برقم ٧٧٥. (٤) انظر: معاني القرآن ٩٠/١؛ والإنصاف ٢٦٦. (٥) الآية ١٥٠ من البقرة (٦) انظر في قراءاتها الشاذة: الشواذ ٢٨؛ البحر ٣٢١/٣. ٧٠ - النساء - التنوينِ فَحُذِفت لالتقاء الساكنين، كما يُفْعَل ذلك بسائر المقصور، والحسن قرأ: ((خَطاءً)) بوزن ((سَماء)». قوله: ((فتحريرُ)) الفاء جواب الشرط، أو زائدةٌ في الخبر إنْ كانت ((مَنْ)) بمعنى الذي، وارتفاعُ («تحريرُ»: إمَّا على الفاعلية، أي: فيجبُ عليه تحریرُ وإما على الابتدائية والخبر محذوف أي: فعليه تحريرُ، أو بالعكس أي: فالواجبُ تحريرُ. والدِّيَةُ في الأصل مصدر، ثم أُطْلِقَ على المال المأخوذ في القتل، ولذلك قال: ((مُسَلَّمَةٌ إلى أهله))، والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الاعيان، تقول: وَدَى يَدِي دِيةً ووَدْياً كوشَى يشي شِيَّةً، فحذفت فاء الكلمة، ونظيره في الصحيح اللام ((زنة)) و((عِدة)). و((إلى أهله)) متعلق بـ ((مُسَلَّمة)) تقول: سَلَّمت إليه كذا، ويجوزُ أن يكونَ صفةً لـ ((مُسَلَّمة)) وفيه ضعفٌ. و((خطأ)) في قوله: ((ومن قتل مؤمناً خطأ)) منصوبٌ: إمَّا على المصدر أي: قتلاً خطأ، وإمَّا على أنه مصدرٌ في موضع الحال أي: ذا خطأ أو خاطئاً. قوله: ((إلاَّ أن يَصَّدَّقُوا)) فيه قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع. والثاني: أنه متصلٌ، قال الزمخشري(١): ((فإنْ قلت: بمَ تَعَلَّق ((أَنْ يصَّدَّقوا)) وما محلُّه؟ قلت: تَعَلَّق بـ((عليه)) أو بـ((مُسَلَّمَةٌ) كأنه قيل: وتَجِبُ عليه الدِّية أو يسلِّمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلَّها النصب على الظرف بتقديرٍ حذف الزمان، كقولهم: ((اجلِسْ ما دام زيد جالساً))، ويجوز أن يكون حالاً من ((أهله)) بمعنى إلا متصدقين)). وخَطَّه الشيخ(٢) في هذين التخريجين /، أما الأول [٢١٧/ب] فلأنَّ النحويين نَصُّوا على منع قيام ((أَنْ)) وما بعدَها مقامَ الظرف، وأنَّ ذلك ما تختص به ((ما)) المصدريةُ لوقلت: ((آتيك أن يصيحَ الديك)» أي: وقت صياحِه لم يجز. وأما الثاني فنصَّ سيبويه على منعه أيضاً، قال(٣) في قول (١) الكشاف ٥٥٣/١. (٢) البحر ٣٢٣/٣. (٣) الكتاب ١٩٥/١. ٧١ - النساء - العرب: ((أنت الرجل أن تنازلَ، أو أن تخاصمَ)) أي: أنت الرجل نزالاً ومخاصمة: ((إنَّ انتصابَ هذا انتصابُ المفعول من أجله، لأنَّ المستقبل لا يكون حالاً)»، فكونُه منقطعاً هو الصوابُ. وقال أبو البقاء (١): ((وقيل: هو متصلٌ، والمعنى: فَعليه دِيَةٌ في كل حال إلا في حال التصدُّق عليه بها». والجمهور على ((يَصِّدَّقوا)) بتشديد الصاد، والأصل يتصدَّقوا، فأدغمت التاء في الصاد. ونقل (٢) عن أُبيّ هذا الأصلُ قراءةً، وقرأ أبو عمرو في روايةٍ عبدالوارث - وتُعْزى للحسن وأبي عبدالرحمن -: ((تَصَدَّقوا)) بتاء الخطاب والأصل: تَتصدقوا بتاءين، فَأُدغمت الثانية. وقُرىء: ((تَصْدُقوا)) بتاء الخطاب وتخفيف الصاد، وهي كالتي قبلها، إلا أنَّ تخفيفَ هذه بحذفٍ إحدى التاءين: الأولى أو الثانية على خلاف في ذلك، وتخفيفَ الأولى بالإِدغام . قوله: ((فَمِنْ لَمْ يَجِدْ)) مفعولُه محذوفٌ أي: فَمَنْ لم يجِدْ رقبة، وهي بمعنى وجدان الضالّ، فلذلك تَعَدَّتْ لواحدٍ. وقوله: ((فصيامُ شهرين)) ارتفاعُه على أحدِ الأوجه المذكورة في قوله: ((فتحريرُ رقبة)) وقد مَرَّ. أي: فعليه صيامُ أو: فيجبُ عليه صيام أو فواجبُه صيام. قال أبو البقاء(٣): ((ويجوزُ في غير القرآنِ النصبُ على ((فليصم صومَ شهرين)). وفيه نظرٌ لأنَّ الاستعمالَ المعروفَ في ذلك أَنْ يُقالَ: ((صمتُ شهرين ويومين))، ولا يقولون: صمتُ صومَ ۔۔ ولا صیام ــ شھرین. قوله: ((توبةً)) في نصبه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله تقديره: شَرَعَ ذلك توبةٌ منه. قال أبو البقاء(٤): ((ولا يجوز أن يكون العامل (١) الإملاء ١٩٠/١. (٢) الشواذ ٢٨؛ البحر ٣٢٤/٣. (٣) الإملاء ١٩٠/١. (٤) الإملاء ١٩٠/١. ٧٢ - النساء- ((صوم) إلا على حذف مضاف، أي: لوقوع توبة أو لحصول توبة)) يعني أنه إنما احتاج إلى تقدير ذلك المضاف ولم يقل إن العامل هو الصيام؛ لأنه اختلّ شرطٌ من شروطِ نصبه؛ لأنَّ فاعلَ الصيام غيرُ فاعل التوبة. الثاني: أنها منصوبةٌ على المصدر أي: رجوعاً منه إلى التسهيل حيث نُقَلكم من الأثقلِ إلى الأخفِّ، أو توبة منه أي: قَبُولاً منه، مِنْ تاب عليه إذا قَبِل توبته، فالتقدير: تابَ عليكم توبةً. الثالث: أنها منصوبةٌ على الحال ولكن على حذف مضافٍ تقديرُه: فعليه كذا حالَ كونِه صاحبَ توبةٍ، ولا يجوز ذلك من غيرِ تقدير هذا المضافِ لأنك لو قلتَ: ((فعليه صيامُ شهرينٍ تائباً من الله)) لم يَجُزْ. و ((مِن الله)) في محلِّ نصبٍ لأنه صفةٌ لـ ((توبة)) فيتعلَّقُ بمحذوف. آ. (٩٣) و﴿متعمِّداً﴾: حالٌ من فاعل ((يَقتلْ))، وروي عن الكسائي سكون التاء(١) كأنه فَرَّ من توالي الحركات. و((خالداً)) نصب على الحال من محذوف، وفيه تقديران، أحدهما: ((يُجْزاها خالداً فيها)»، فإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من الضميرِ المنصوب أو المرفوع، والثاني: ((جازاه)) بدليل ((وغضب الله عليه ولعنه)) فعطفَ الماضي عليه، فعلى هذا هي حالٌ من الضمير المنصوب لا غيرُ، ولا يجوز أن تكون حالاً من الهاء في ((جزاؤه)» لوجهين، أحدهما: أنه مضاف إليه، ومجيء الحال من المضاف إليه ضعيفٌ أو ممتنع. والثاني: أنه يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي وهو خبرُ المبتدأ الذي هو (جهنم)). آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنوا﴾: قرأ الأخوان(٢) من التثبّت، والباقون من البيان، قيل: هما متقاربان لأن مَنْ تَثَّت في الشيء تبينه، قاله (١) أي: تاء «متعمداً))، قال في البحر ٣٢٧/٣: إنها رواية عبدان عنه، وانظر: الشواذ ٢٨. (٢) السبعة ٢٣٦؛ الكشف ٣٩٤/١. ٧٣ - النشاء- أبو عبيد، وصحَّحه ابن عطية (١). وقال الفارسي(٢): ((التثبت هو خلاف الإِقدام والمراد التّأَنّي، والتثبت أشد اختصاصاً بهذا الموضع، يدل عليه قوله: (وأشدَّ تثبيتً)(٣) أي: أشدُّ وقعاً لهم عَمَّا وُعِظوا به بأَنْ لا يقدُموا عليه)) فاختارَ قراءة الأخوين. وعكس قومٌ فرَجَّحوا قراءة الجماعة قالوا: لأن المتثبّت قد لا يتبيّن، وقال الراغب: ((لأنه قلَّ ما يكون إلا بعد تثبت، وقد يكون التثبت ولا تبيّنَ، وقد قوبل بالعجلة في قوله عليه السلام: ((التّبيُّن من الله والعجلةُ من الشيطان)»(٤). قلت: فهذا يقوي قراءة الأخوين أيضاً. وتَفَعَّل في كلتا القراءتين بمعنى استفعل الدال على الطلب أي: اطلبوا التثبت أو البيان. وقوله: ((لِمَنْ ألقى)) اللام للتبليغ هنا، و((مَنْ)) موصولة. أو موصوفةٌ، و((ألقى)) هنا ماضي اللفظِ، إلا أنه بمعنى المستقبل أي: لمن يُلْقي، لأنَّ النهيَ لا يكونُ عَمَّا وقع وانقضى، والماضي إذا وقع صلة صَلَح للمضيِّ والاستقبال. وقرأ(٥) نافع وابن عامر وحمزة: ((السَّلَم)) بفتح السين واللام من غير ألف، وباقي السبعة: ((السلام)) بألف، ورُوي عن عاصم (٦): ((السِّلْم) بكسر السين وسكون اللام. فأما ((السلام)) فالظاهر أنه التحية. وقيل: الاستسلام والانقياد، والسَّلَم - بفتحهما - الانقياد فقط، وكذا ((السِّلْم)) بالكسر والسكون. والجحدري بفتحها وسكون اللام، وقد تَقَدَّم القول فيها في البقرة(٧) فعليك بالالتفات إليه. والجملة من قوله ((لست مؤمناً) في مخل (١) المحور ٢١٧/٤. (٢) الحجة (خ) ٢ /٢٩٤. (٣) من الآية ٦٦ من النساء .. (٤) رواه الترمذي: البر والصلة (التحفة) ١٥٣/٦ وفيه ((الأناة)) وليس فيه ((فتبينوا))، وانظر: النهاية في غريب الحديث ١٧٥ . (٥) السبعة ٢٣٦؛ الكشف ٣٩٥/١؛ البحر ٣٢٨/٣؛ الشواذ ٢٨. (٦) رواية أبان بن زيد عنه كما في البحر ٣٢٨/٣. (٧) الآية ٢٠٨ . ٧٤ - النساء - نصب بالقول. والجمهور على كسر الميم الثانية من ((مؤمنا)) اسم فاعل، وأبو جعفر(١) بفتحها اسمَ مفعول أي: لا نُؤَّمِّنك في نفسك، وتُروى هذه القراءة عن علي وابن عباس ويحيى بن يعمر. قوله ((تَبْتَغون)) في محل نصب على الحال من فاعل ((يقولوا)) أي: لا تقولوا ذلك مبتغين. قوله: ((كذلك)» هذا خبر لـ ((كان)» قُدِّم عليها وعلى اسمها أي: كنتم من قبل الإِسلام مثلَ مَنْ أقدم ولم يَتَثَبَّتْ. وقوله ((فَمَنَّ الله)) الظاهر أن هذه الجملة من تتمة قوله ((كذلك كنتم من قبل)) فهي معطوفة على الجملة قبلها. وقيل: بل هي من تتمة قوله ((تبتغون)) والأولُ أظهر. وقوله: ((فتبيَّنوا)) قرئت كالتي قبلها فقيل: هي تأكيد لفظي للأولى، وقيل: ليست للتأكيد لاختلاف متعلقهما، فإنَّ تقدير الأول: ((فتبيّنوا في أمر مَنْ تقتلونه))، وتقدير الثاني : فتبينوا نعمةَ الله، أو تثبّتوا فيها، والسياقُ يدل على ذلك، ولأنَّ الأصل عدم التأكيد. والجمهورُ على كسر همزة ((إنَّ الله))، وقرىء (٢) بفتحها على أنها معمولة لـ ((تبيَّنوا)) أو على حذف لام العلةِ، وإن كان قد قرىء بالفتح مع التثبت فيكونُ على لام العلة لا غير. والمغانم: جمع ((مَغْنَم))، وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان، ثم يُطلق على [كل] ما يؤخذ من مال العدو في الغزو، إطلاقاً للمصدر على اسم المفعول نحو: ((ضَرْب الأمير)). آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿من المؤمنين﴾: متعلق بمحذوف لأنه حال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه القاعدون، فالعامل في الحال في الحقيقة يستوي، والثاني: أنه الضمير المستكنُّ في ((القاعدون)) لأن ((أل)) بمعنى الذي، أي: الذين قعدوا في هذه الحال، ويجوز أن تكون ((مِنْ)) للبيان. (١) الشواذ ٢٨؛ القرطبي ٣٣٨/٥؛ البحر ٣٢٨/٣. (٢) البحر ٣٣٠/٣ من دون نسبة. ٧٥ - النساء- . قوله ((غيرُ أولي الضَّرر)) قرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم ((غير)) بالرفع، والباقون بالنصب، والأعمش بالجر. والرفع من وجهين، أظهرهما: أنه على البدل من ((القاعدون)) وإنما كان هذا أظهرَ لأن الكلام نفي، والبدلُ معه أرجحُ لِما قُرِّر في علم النحو. والثاني: أنه رفع على الصفة لـ ((القاعدون))، ولا بد من تأويل ذلك لأن ((غير)» لا تتعَرَّفُ بالإِضافة، ولا يجوز اختلافُ النعت والمنعوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله: إمَّا بأن القاعدين لَمَّا لم يكونوا ناساً بأعيانهم بل أُريد بهم الجنسُ أَشْبَهوا النكرة فَوُصِفُوا كما توصف، وإمَّا بأن ((غير)) قد تتعرَّف إذا وقعت بين ضدَّين، وهذا كما تقدم في إعراب ((غيرِ المغضوب عليهم))(٢) في أحد الأوجه، وهذا كلَّه خروج عن الأصول المقررة فلذلك اخترت الأول، ومثله(٣) :. ١٦٤١ - وإذا أُقْرِضْتَ قَرْضاً فاجْزِهِ إنما يَجْزي الفتى غيرُ الجَمَلْ برفع ((غير)) كذا ذكره أبو علي، والرواية ((ليس الجمل)) عند غيره. [٢١٨/أ] / والنصبُ على أحد ثلاثة أوجه، الأول: النصبُ على الاستثناء من (القاعدون)) وهو الأظهرُ لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني: من ((المؤمنين)) وليس بواضحٍ، والثالث: على الحال من ((القاعدون)). والجرُّ على الصفة للمؤمنين، وتأويلُه كما تقدم في وجه الرفع على الصفة. وقوله ((في سبيل الله بأموالهم)) كلا الجارَّيْن متعلقٌ بـ ((المجاهدون)» و((المجاهدون)) عطف على ((القاعدون)). قوله: ((درجةً)) فيها أربعة أوجه، أحدها: أنها منصوبة على المصدر لوقوع ((درجة)) موقعَ المَرَّة من التفضيل كأنه (١) السبعة ٣٣٧؛ الكشف ٣٩٦/١؛ البحر ٣٣٠/٣. (٢) الآية ٦ من الفاتحة. (٣) تقدم برقم ١١١٥. ٠ ٧٦ - النساء - قيل: فَضَّلهم تفضيلةً نحو: ((ضربته سوطاً)) الثاني: أنها حال من ((المجاهدين)) أي: ذوي درجة. الثالث: أنها منصوبة انتصابَ الظرف أي: في درجة ومنزلة. الرابع: انتصابها على إسقاط الخافض أي: بدرجة. قوله: ((وَكُلَا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى)) ((كلَّ)) مفعول أول لـ((وعد)» مقدماً عليه، و((الحسنى)) مفعول ثان. وقرىء(١): و((كلَّ)) على الرفع بالابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: وعده، وهذه كقراءة ابن عامر في سورة الحديد: ((وكلَّ وعد الله الحسنى))(٢). قوله (أجراً)) في نصبه أربعة أوجه، أحدها: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه؛ لأن معنى ((فَضَّل الله) آجرَ. الثاني: النصب على إسقاطِ الخافض أي: فضَّلهم بأجر. الثالث: النصب على أنه مفعولٌ ثانٍ؛ لأنه ضَمَّن ((فضَّل)) أعطى، أي: أعطاهم أجراً تَفَضَّلاً منه. الرابع: أنه حال من ((درجات)). قال الزمخشري(٣): ((وانتصب ((أجرا)) على الحال من النكرة التي هي ((درجات)) مقدَّمةً عليها)) وهو غير ظاهر؛ لأنه لو تَأَخَّر عن «درجات)) لم يجز أن يكون نعتاً لـ «درجات)) لعدم المطابقة، لأنَّ ((درجات)) جمع، و((أجر)) مفرد. كذا ردَّه بعضهم (٤)، وهي غفلة، فإنَّ ((أجراً)) مصدرٌ، والأفصحُ فيه أن يُوَجَّدَ ويُذَكَّر مطلقاً . آ. (٩٦) قوله تعالى: ﴿درجاتٍ﴾: فيه ستة أوجه: الأربعة المذكورة في (درجة))، والخامس: أنه بدلٌ من ((أجراً)). السادس : - ذكره ابن عطية(٥) - أنه منصوبٌ بإضمار فعل على أن يكون تأكيداً للأجر كما تقول: («لك عليَّ (١) البحر ٣٣٣/٣ من دون نسبة. (٢) الآية ١٠، وانظر: السبعة ٦٢٥. (٣) الكشاف ٥٥٦/١. (٤) وهو صاحب البحر ٣٣٣/٣. (٥) المحرر ٢٢٢/٤. ٧٧ - النساء - ألفُ درهمٍ عُرْفً)) كأنك قلت: أعرفها عُرْفاً، وفيه نظر. و((مغفرة ورحمة)) عطف على درجات، ويجوز فيهما النصب بفعلهما أي: وغفر لهم مغفرةُ ورحمهم رحمةٌ. آ. (٩٧) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين توفّاهم): ((توفّاهم)» يجوز أن يكون ماضياً، وإنما لم تلحق علامة التأنيث للفعل لأن (١) التأنيث مجازي، ويدل على كونِه فعلاً ماضياً قراءةُ ((توفّتْهم))(٢) بتاء التأنيث، ويجوز أن يكون مضارعاً حُذِفت إحدى التاءين منه، والأصلُ: تتوفاهم. و ((ظالمي)) حالٌ من ضمير ((توفَّاهم)) والإضافةُ غير محضة، إذ الأصل: ظالمين أنفسَهم. وفي خبر ((إنَّ)) هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه محذوفٌ تقديرُه: إنَّ الذين توفَّاهم الملائكةُ هَلَكوا، ويكون قوله: ((قالوا: فيم كنتم» مبيّناً لتلك الجملةِ المحذوفةِ. الثاني: أنه ((فأولئك مأواهم جهنم)) ودخلت الفاءُ زائدةً في الخبر تشبيهاً للموصول باسمِ الشرط، ولم تمنع ((إنَّ)(٣) مِن ذلك، والأخفش يمنعه، وعلى هذا فيكون قولُه: ((قالوا: فيم كنتم» إمَّا صفةً لـ ((ظالمي)) أو حالاً للملائكة، و((قد)) معه مقدرةٌ عند مَنْ يشترط ذلك، وعلى القول بالصفة فالعائد محذوف أي: ظالمين أنفسَهم قائلاً لهم الملائكة. والثالث: أنه ((قالوا فيم كنتم))، ولا بد من تقدير العائد أيضاً أي: قالوا لهم كذا، و ((فيم)) خبر ((كنتم))، وهي (ما)) الاستفهامية حُذِفت ألفها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك عند قوله: ((فلِمَ تقتلون أنبياء الله)) (٤) والجملة من قوله: ((فيمَ كنتم)) في محل نصب بالقول. و((في الأرض)) متعلقٌ بـ ((مستضعفين))، (١) الأصل: ((ولأن)) بإقحام الواو. (٢) البحر ٣٣٤/٣، الكشاف ٥٥٦/١. (٣) في قوله ((إن الذين)) .. (٤) الآية ٩١ من البقرة. ٧٨ - النساء - ولا يجوز أن يكون ((في الأرض)» هو الخبرَ، و((مستضعفين)) حالاً، كما يجوز ذلك في نحو: ((كان زيدٌ قائماً في الدار)» لعدمِ الفائدة في هذا الخبر. قوله: ((فَتُهَاجِرُوا)) منصوبٌ في جوابِ الاستفهام، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وقال أبو البقاء (١): ((ألم تكن)) استفهام بمعنى التوبيخ، ((فتهاجروا)) منصوبٌ على جواب الاستفهام، لأنَّ النفيَ صار إثباتاً بالاستفهام)). انتهى. قولُه: (لأنَّ النفي)) إلى آخره لا يَظْهر تعليلاً لقوله ((منصوبٌ على جواب الاستفهام)) لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه علةً لقوله ((بمعنى التوبيخ)). و((ساءت)): قد تقدم القول في (ساء)) (٢)، وأنها تجري مَجْرى (بِئْس)) فيُشْترط في فاعلها ما يُشترط في فاعل تيك. و((مصيراً)) تمييز. آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿إلا المستضعفين﴾: في هذا الاستثناءِ قولان، أحدهما: أنه متصلٌ، والمستثنى منه قولُه: ((فأولئك مأواهم جهنم)). والضمير يعودُ على المتوفَّيْن ظالمي أنفسِهم، قال هذا القائل: كأنه قيل: فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، فعلى هذا يكون استثناء متصلاً. والثاني - وهو الصحيح - أنه منقطعٌ؛ لأن الضمير في (مَأواهم)) عائد على قوله: ((إنَّ الذين توفَّاهم))، وهؤلاء المتوفّوْن: إمَّا كفارٌ أو عصاة بالتخلف، على ما قال المفسرون، وهم قادرون على الهجرة فلم يندرجْ فيهم المستضعفون فكان منقطعاً. و((من الرجال)) حالٌ من المستضعفين، أو من الضمير المستتر فيهم، فيتعلّقُ بمحذوف. قوله: ((لا يستطيعون حِيلة)) في هذه الجملة أربعة أوجه، أحدها: أنها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما وجهُ استضعافِهم؟ فقيل: كذا. (١) الإملاء ١١٢/١. (٢) انظر: الآية ٢٢ من النساء. ٧٩ - النساء - والثاني: أنها حالٌ. قال أبو البقاء(١): ((حالٌ مبيّنة عن معنى الاستضعاف)) قلت: كأنه يشير إلى المعنى الذي قَدَّمتْهُ في كونها جواباً لسؤال مقدر. والثالث: أنها مفسرةٌ لنفسِ المستضعفين؛ لأنَّ وجوه الاستضعاف كثيرة فبيّن بأحد محتملاتِه كأنه قيل: إلا الذين استُضْعِفوا بسبب عجزهم عن كذا وكذا. والرابع: أنها صفة للمستضعفين أو للرجال ومَنْ بعدَهم، ذكره الزمخشري (٢)، واعتذر عن وَصْف ما عُرِّف بالألف واللام بالجمل التي في حكم النكرات بأن المُعَرَّف بهما لما لم يكن مُعَيِّناً جاز ذلك فيه كقوله(٣): ١٦٤٢- ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني وقد قَدَّمْتُ تقرير المسألة مراراً. آ. (١٠٠) و ﴿مهاجراً﴾: نصبٌ على الحال من فاعل ((يَخْرِج))(٤). قوله: «ثم يُدْرِكْه)) الجمهورُ على جزم ((يدركْه)) عطفاً على الشرط قبله، وجوابه ((فقد وقع))، وقرأ(٥) الحسن البصري بالنصب. قال ابن جني (٦): ((وهذا ليس بالسهل وإنما بابُه الشعر لا القرآنُ، وأنشد(٧). ١٦٤٣ _ وسأترك منزلي لبني تميم وألحقُ بالحجازِ فأستريحا : (١) الإملاء ١٩٢/١. (٢) الكشاف ١ / ٥٥٧. (٣) تقدم برقم ٦٩٧. (٤) بعده كلام مخروم بقدر سطر، كتب على جانب الصفحة، وأغفلته جميع النسخ، ويبدو أنه يشرح فيه قوله تعالى: ((مراغمً» شرحاً لغوياً، آخره قول الجَعْدي: كطودٍ يُلاذُ بأركانِه عزيزِ المراغمِ والمذهبِ (٥) البحر ٣٣٧/٣؛ الكشاف ٥٥٨/١. (٦) المحتسب ١٩٧/١. (٧) تقدم برقم ٦٩٨. ٨٠