النص المفهرس
صفحات 661-680
- النساء - الأول تقديرُه: ليبيِّنْهَا لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم، والسُّنَّة: الطريقة، ويؤيد هذا أن المفسرين نقلوا أنَّ كل ما بَيّن لنا تحريمه وتحليلَه من النساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكمُ كذلك أيضاً في الأمم السالفة، أو أنه بيِّن لكم المصالحَ؛ لأنَّ الشرائعَ وإنْ كانت مختلفةً في نفسِها إلا أنها متفقةً في المصلحة . آ. (٢٧) وزَعم بعضُهم أنَّ في قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يريدُ أَنْ يتوبَ عليكم﴾: تكريراً لقوله: ((ويتوبَ عليكم)) المعطوفَ على ((ليبين)). قال أبن(١) عطية: ((وتكرارُ إرادة الله للتوبة على عباده تقويةُ للإِخبار الأول، وليس القصدُ في الآيةِ إلا الإِخبارَ عن إرادة الذين يتَبعون الشهوات، فَقُدِّمت إرادةُ اللَّهِ توطئةً مُظْهِرَةً لفسادِ إرادةٍ مُتَبعي الشهوات)). وهذا الذي قاله إنما يتمثَّى على أنَّ المجرور باللام في قوله ((ليبين)) مفعول به للإرادة لا على كونه علةٍ، وقد تقدَّم أن ذلك قولُ الكوفيين وهو ضعيف، وقد ضَعَّفه هو أيضاً. وإذا تقرّر هذا فنقولُ: لا تكرار في الآية؛ لأنَّ تعلُّقَ الإِرادة بالتوبة في الأولِ على جهة العِلِّيَّة، وفي الثاني على جهةِ المفعولية، فقد اختلف المتعلَّقان. قوله: ((ويريد الذين)) بالرفعِ عطفاً على ((والله يريد)) عَطَفَ جملةً فعلية على جملة اسمية، ولا يجوز أن ينتصِبَ لفساد المعنى، إذ يصير التقدير: ((والله يريدُ أن يتوبَ ويريدُ أن يريدَ الذين)). واختار الراغب أن الواوَ للحال تنبيهاً على أنه يريد التوبةً عليكم في حال ما يريدون أن تَميلوا، فخالف بين الإخبارين (٢) في تقديمِ المُخْبَرِ عنه في الجملة الأولى وتأخيره في الثانية، (١) المحرر ٤ /٨٩. (٢) الإِخباران هما: والله يريد، ويريد الذين، والمخالفة بأنَّ الأولى اسمية والثانية فعلية، وتقديم المخبر عنه يعني بـ ((والله)) وتأخيره، يعني أنه أتى به بعد الفعل فقال: ويريد الذین. ٦٦١ - البنساء - ليبين أنَّ الثاني ليس على العَطفِ)). وقد رُدَّ عليه بأن إرادةَ اللَّهِ التوبةً ليست مقيدةً بإرادةٍ غيرِهِ الميلَ، وبأن الواوَ باشَرَتِ المضارعَ المثبت(١). وأَتِى بالجملةِ الأولى اسميةً دلالةً على الثبوتِ، وبالثانيةِ فعليةً دلالةِ على الحُدوث. آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿يريدُ الله أن يُخَفَّف﴾: في هذه الجملة احتمالان أحدهما : -، وهو الأصحُّ - أنها مستأنفة لا محل لهامن الإعراب. والثاني: أنها حالٌ من قوله: ((والله يريدُ أن يتوبَ)) العامل فيها ((يريد)) أي: واللَّهُ يريدُ أن يتوبَ عليكم يريد أن يخفف عنكم. وفي هذا الإِعرابِ نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنه يؤدِّي إلى الفصل بين الحال وبين عاملها بجملةٍ معطوفة على جملةِ العامل في الحال ضِمْنَ تلك الجملة المعطوف عليها، والجملةُ المعطوفة وهي ((ويريد الذين يتبعون)) جملةٌ أجنبية من الحال وعامِلها. والثاني: أن الفعل الذي وقع حالاً رفع الاسم الظاهرَ فوقعَ الربطُ [٢٠٧/أ] بالظاهر، لأنَّ ((يريد)) رَفَعَ اسم الله / وكان من حقه أن يرفع ضميرَه، والربطُ بالظاهر إنما وقع في الجملة الواقعة خبراً أو صلة، أما الواقعةُ حالاً وصفةً فلا، إلا أَنْ یَرِدَ به سماع، ويصير هذا الإِعراب نظير: ((بکر یخرج یضربُ بکر خالدً)). ولم يذكر مفعولَ التخفيف فهو محذوفٌ فقيل: تقديرُه: يخفف عنكم تكليفَ النظرِ وإزالةَ الحيرة. وقيل: إثمَ ما ترتكبون. قوله ((ضعيفاً)) في نصبه أربعة أوجه، الأظهر: أنه حال من ((الإِنسان)) وهي حال مؤكدة. الثاني: أنه تمييز قالوا: لأنه يَصْلُح لدخول ((مِنْ)) وهذا غلط. الثالث: أنه على حذف حرف الجر، والأصل: خُلِق من شيء ضعيف أي: من ماء مهين أو من نطفة، فلما حُذف الموصوف وحرف الجر وَصَل الفعل إليه بنفسه فنصبه. والرابع : - وإليه أشار ابن عطية(٢) - أنه منصوبٌ على (١) وهذا ممنوع عند الجمهور، وإذا جاء أُوَّل على إضمار مبتدأ. (٢) المحرر ٩٠/٤: ٦٦٢ - النساء - أنه مفعول ثان بـ ((خلق))، قالوا: ويَصِحُ أن يكون ((خُلِق)» بمعنى ((جُعِل)) فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، فيكون قوله ((ضعيفاً)) مفعولاً ثانياً، وهذا الذي ذكره غريبٌ لم نرهم نصُّوا على أن ((خلق)) يكون كـ ((جعل)» فيتعدى لاثنين مع حَصْرهم الأفعال المتعدية لاثنين، بل رأيناهم يقولون: إن ((جعل)) إذا كانت بمعنى ((خلق» تَعَذَّتْ لواحد. آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تكون﴾: في هذا الاستثناء قولان، أحدهما : - وهو الأصح - أنه استثناء منقطع لوجهين، أحدهما: أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى عنها، سواء فَسَّرت الباطل بغير عوض أو بغير طريق شرعي. والثاني: أن المستثنى كون، والكونُ ليس مالاً من الأموالِ. والثاني: أنه متصلٌ ، واعتلَّ صاحب هذا القول بأن المعنى : لا تأكلوها بسببٍ إلَّ أَنْ تكونَ تجارةً. قال أبو البقاء (١): ((وهو ضعيف، لأنه قال: ((بالباطل))، والتجارةُ ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذفُ مضاف تقديره: إلا في حال كونها تجارةٌ أو في وقت كونها تجارةً)). انتهى. فـ ((أن تكون)) في محلُّ نصبٍ على الاستثناء وقد تقدَّم لك تحقيقُ ذلك. وقرأ الكوفيون(٢): ((تجارةُ)) نصباً على أنَّ ((كان)) ناقصة، واسمُها مستتر فيها يعود على الأموال، ولا بد من حذف مضاف من ((تجارة)) تقديره: إلا أن تكون الأموال أموالَ تجارة، ويجوز أن يُفَسَّر الضمير بالتجارة بعدها(٣) أيَ: أن تكون التجارةُ تجارةٌ كقوله(٤): ١٥٧٦- إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْنعا (١) الإملاء ١٧٧/٠. (٢) السبعة ٢٣١؛ والكشف ٣٨٦/١، والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي. (٣) أي: بعد كان. (٤) تقدم برقم ١١٣٤. ٦٦٣ - النساء أي: إذا كان اليومُ يوماً، واختار أبو عبيد قراءة الكوفيين. وقرأ الباقون (تجارةٌ)) رفعاً على أنها (كان)) التامة. قال مكي(١): ((الأكثرُ في كلام العرب أنَّ قولهم: ((إلا أن تكون)) في الاستثناء بغيرِ ضمير فيها، على معنى يَحْدُث ويَقَعُ)). وقد تقدم القول في ذلك في البقرة. و((عن تراضٍ)) متعلق بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ «تجارة))، فموضعه رفع أو نصب على حَسَبِ القراءتين. وأصل ((تراض)) ((تراضِوٌ) بالواو، لأنه مصدر تراضى تفاعل من رَضِي، وَرَضِي من ذوات الواو بدليل الرُّضوان، وإنما تطرّفت الواو بعد كسرة فقلبت ياء فقلت: تراضياً. و((منكم)) صفة : ((تراضٍ)) فهو في محل جر، و ((من)) لابتداء الغاية. وقرأ علي (٢). رضي الله عنه: (تُقْتَّلوا)) بالتشديد على إلتكثير، والمعنى: لا يقتلْ بعضكم بعضاً. آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿ومَنْ يفعلْ﴾: ((مَنْ)) شرطية مبتدأ، والخبر: ((فسوف))، والفاء هنا واجبة لعدم صلاحية الجواب للشرط، و((ذلك)) إشارةٌ إلى قَتْل الأنفس. و((عدواناً وظلماً)) حالان أي: معتدياً ظالماً أو مفعولٌ من أجلِها، وشروطُ النصب متوفرة .. وقرىء(٣): ((عدواناً)) بكسر العين." وقرأ الجمهور ((نُصْليه)) من أصلى والنون للتعظيم. وقرأ(٤) الأعمش: ((نُصَلِّيه)) مشدداً، وقرىء (٥) ((فَصليه)) بفتح النون، من صَلَيْتُه النار. ومنه: ((شأة مَصْلِيَّة)). و((يَصْليه)) بياء الغيبة. وفي الفاعلِ احتمالان، أحدُهما: أنه ضمير الباري تعالى. والثاني: أنه ضمير عائد على ما أشير بـ ((ذلك)) إليه من القتل، لأنه سببٌ في ذلك. ونَكَّر ((ناراً)) تعظيماً. (١): لم أجد هذا القول في المشكل والكشف. (٢) البحر ٢٣٣/٢؛ الشواذ ٢٥. (٣) البحر ٢٣٣/٣؛ الكشاف ٥٢٢/١ (٤) الشواذ ٢٥؛ البحر ٢٣٣/٣. (٥) نسبها في الشواذ ٢٥ إلى الأعمش وحميد. ٦٦٤٠ - النساء - آ. (٣١) وقرأ(١) ابن جبير وابن مسعود ﴿كبير﴾: بالإِفراد، والمراد به الكفر. وقرأ المفضل(٢) ((يُكَفِّرْ)) و((يُدْخِلْكم)) بياء الغيبة لله تعالى. وابن عباس(٣) ((مِنْ سيئاتكم)) بزيادة ((من)). وقرأ(٤) نافع وحده هنا وفي الحج(٥): ((مَدْخَلًا)) بفتح الميم، والباقون بضمها، ولم يختلفوا في ضم التي في الإِسراء (٦). فأما المضمومُ الميمِ فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أنه مصدر، وقد تقرَّر أن اسم المصدر من الرباعي فما فوقَه كاسمِ المفعول، والمَدْخول فيه على هذا محذوفٌ أي: ويُدْخِلْكم الجنة إدخالاً. والثاني: أنه اسم مكان الدخول، وفي نصبه حينئذ احتمالان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على الظرف، وهو مذهبُ سيبويه(٧). والثاني: أنه مفعولٌ به وهو مذهب الأخفش(٨). وهكذا كلُّ مكان مختص بعد ((دخل)) فإن فيه هذين المذهبين. وهذه القراءةُ واضحةٌ؛ لأنَّ اسم المصدر والمكان جاريان على فعلیھما . وأمّا قراءة نافع فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن المفتوح الميم إنما هو من الثلاثي، والفعلُ السابق لهذا - كما رأيت - رباعي، فقيل: إنه منصوب بفعلٍ مقدر مطاوع لهذا الفعل، والتقدير: يُدْخلكم فتدخلون مَدْخلًا، و ((مَدْخلاً)) منصوب على ما تقدم: إمَّا المصدريةِ وإمَّا المكانيةِ بوجهيها. (١) البحر ٢٣٤/٣؛ القرطبي ١٥٩/٥؛ الشواذ ٢٥. (٢) البحر ٢٣٥/٣؛ الكشاف ٥٢٢/١. (٣) البحر ٢٣٥/٣. (٤) السبعة ٢٣٢؛ الكشف ٣٨٦/١. (٥) الآية ٥٩. (٦) الآية ٨٠. (٧) الكتاب ١٥/١ - ١٦. (٨) لم يشر إلى إعرابها هنا في ((معاني القرآن)» واكتفى بالحديث عن حركة الميم. ٦٦٥ - النساء: وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد نحو: ((أَنْبتكم من الأرض نَبَاتاً))(١) على أحد القولين. آ. (٣٢) و﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿وما فَضَّل الله﴾: موصولةٌ أو نكرة موصوفة، والعائدُ الهاءُ في ((به)). و((بعضَكم)) مفعول بـ ((فَضَّلْ)) و (علی بعض)) متعلق به. قوله: ((واسألوا)) الجمهورُ على إثباتِ الهمزة في الأمر من السؤال الموجّه نحو المخاطب إذا تقدَّمه واو أو فاء نحو: ((فاسألِ الذين))(٢) ((واسألوا الله من فضله))(٣). وابن كثير (٤) والكسائي بنَقْل حركةِ الهمزة إلى السين تخفيفاً لكثرة استعماله. فإنْ لم تتقدَّمْه واو ولا فاء فالكل على النقل نحو: ((سَلْ بني إسرائيل))(٥)، وإن كان لغائب فالكل على الهمز نحو: ((وليَسْألُوا ما أنفقوا))(٦). ووهم ابن عطية (٧) فنقل اتفاقَ القراء على الهمز في نحو: ((واسألوا ما أنفقتم))(٨) وليس اتفاقهم في هذا بل في ((وليسألوا ما أنفقوا)) كما تقدم. وتخفيفُ الهمز لغة الحجاز، ويحتمل أن يكون ذلك من لغةٍ مَنْ يقول. ((سال يسال)) بألفٍ محضة، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة عند ((سَلْ بني إسرائيل)) فعليك بالالتفات إليه، وهذا إنما يتأتّى في ((سل)) و((فسل)) وأما ((وسَلوا)) فلا يتأتّى فيه ذلك؛ لأنه كان ينبغي أن يُقال: سالوا كخافوا، وقد يقال: إنه التزَم الحذفَ لكثرةِ الدَّوْر. (١) الآية ١٧ من نوح. (٢) الآية ٩٤ من يونس. (٣) الآية ٣٢ من النساء وهي الآية التي يعربها. (٤) السبعة ١٣٢؛ الكشف ٣٨٧/١. (٥) الآية ٢١١ من البقرة. (٦) الآية ١٠ من الممتحنة (٧) المحرر ١٠٠/٤. (٨) الآية ١٠ من الممتحنة ٦٦٦ ? - النساء - وهو يتعذَّى لاثنين، والجلالةَ مفعول أول، وفي الثاني قولان، أحدهما: أنه محذوف فقدَّره ابن عطية (١): ((أمانيّكم))، وقدره غيره: شيئاً من فضله، فحذف الموصوف وأبقى صفته نحو: ((أطعمته من اللحم)) أي: شيئاً منه، و((مِنْ)) تبعيضية. والثاني: أن (مِنْ)) زائدة، والتقدير: ((واسألوا اللّه فضلَه))، وهذا إنما يتمشّى على رأي الأخفش لفقدانِ الشرطين، وهما تنكيرُ المجرور وكونُ الكلام غيرَ موجَبٍ . آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿ولكلِّ جعلنا﴾: فيه ستة أوجه، وذلك يستدعي مقدمة قبله، وهو أن ((كل)) لا بُدَّ لها من شيءٍ تُضاف إليه. واختلفوا في تقديرِه: قيل: تقديرُه: ولكلَّ إنسانٍ))، وقيل: لكل مال، وقيل: لكل قوم، فإنْ كان التقدير: ((لكلِّ إنسان)) ففيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: ((ولكلِّ إنسانٍ موروثٍ جعلنا مواليَ)) أي: وُرَّاثاً مِمَّا ترك، ففي ((ترك)) ضمير عائد على ((كل)) وهنا تم الكلام، ويتعلق ((مِمَّا ترك)» بـ ((مواليَ)) لِما فيه من معنى الوراثة، أو بفعل مقدَّرٍ أي: يَرِثون مما. و((مواليَ)) مفعول أول لـ ((جعل)» بمعنى صَيَّر، و((لكل)) جارٌ ومجرور هو المفعول الثاني قُدِّم على عامِلِه، ويرتفع ((الوالدان)» على خبر مبتدأ محذوف، أو بفعل مقدر أي: يَرِثون مما، كأنه قيل: ومَنْ الوارث؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون، والأصل: ((وجعلنا لكلّ ميتٍ وُرَّاثاً يَرِثون ممَّا تركه هم الوالدان والأقربون . والثاني: أنَّ التقديرَ: ((ولكلِّ إنسانٍ موروثٍ جَعَلنا وُرَّانً مما ترك ذلك الإِنسان))، ثم بَيَّنَ الإِنسانَ المضافَ إليه ((كل)) بقوله: الوالدان، كأنه قيل: ومَنْ هو هذا الإِنسانُ الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون. والإِعرابُ كما تقدَّم في الوجهِ قبله. وإنما الفرق بينهما أن الوالدين في الأول وارثون، وفي الثاني [٢٠٧/ب] (١) المحرر ١٠٠/٤. ٦٦٧ - النساء- مَوْروثون، وعلى هذين الوجهين فالكلام جملتان، ولا ضمير محذوف في ((جعلنا))، و ((موالي)) مفعول أول، و ((لكل)) مفعول ثان. الثالث: أن يكون التقدير: ولكل إنسان وارثٍ مِمَّنْ تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي: موروثين، فيُراد بالمَوْلى الموروثُ، ويرتفع ((الوالدان)) بـ «ترك))، وتكون ((ما)) بمعنى ((مَن))، والجار والمجرور صفةٌ للمضافِ إليه ((كل))، والكلامُ على هذا جملةٌ واحدة، وفي هذا بُعْدٌ كبير. الرابع: وإنْ كان التقدير: ((ولكل قوم)) فالمعنى: ولكل قوم جعلناهم مواليَ نصيبٌ مِمَّا تركه والدُهم وأقربوهم، فـ((لكل)) خبر مقدم، و(نصيب) مبتدأ مؤخر، و((جَعَلْناهم)) صفةٌ لقوم، والضمير العائد عليهم مفعولٌ ((جَعَل)» و ((مواليَ)): إمَّا ثانٍ وإِمَّ حالٌ، على أنها بمعنى ((خلقنا))، و((مِمَّا تَرِكِ)) صفةٌ للمبتدأ، ثم حُذِفِ المبتدأ وبقيتٍ صفتُه، وحُذِف المضاف إليه ((كل)) وبقيت صفتُه أيضاً، وحُذِف العائد على الموصوفِ. ونظيرُه: ((لكلِّ خلقه الله إنساناً مِنْ رزق الله)) أي: لكل أحد خلقه الله إنساناً نصيبٌ من رزق الله . الخامس: وإنْ كان التقدير: ((ولكلِّ مال)) فقالوا: يكون المعنى: ولكلّ مال مِمَّا تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي: وُرَّاثاً يَلُونه ويجوزونه، وجعلوا ((لكل)) متعلقةً بـ ((جعل))، و((مما ترك)) صفة لـ ((كل))، والوالدان فاعل بـ ((ترك)) فيكون الكلام على هذا وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإن كان حسناً إلا أن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بجملةٍ عاملةٍ في الموصوف. قال الشيخ(١): ((وهو نظير قولك: ((بكلِّ رجلٍ مررت تميميٍ)) وفي جواز ذلك نظر)). قلت: ولا يحتاج إلى نظر؛ لأنه قد وُجد الفصلُ بِيْنُ الموصوف وصفته بالجملة العاملة في المضاف إلى الموصوف، كقوله تعالى : (١) البحر ٢٣٧/٢. ٦٦٨ - النساء - (قل أغيرَ الله أَتَّخِذُ ولياً فاطر السموات(١)) فـ ((فاطر)) صفةٌ لـ((الله))، وقد فُصِل بينهما بـ ((أَنَّخِذُ)) العامل في ((غير)) فهذا أولى. السادس: أَنْ يكونَ ((لكلِّ مال)) مفعولاً ثانياً لـ ((جعل)) على أنها تصييرية، و((مواليَ)) مفعول أول، والإِعراب على ما تقدم. وهذا نهايةُ ما قيل في هذه الآية فلله الحمد. قوله: ((والذين عاقدت))(٢) في مَحَلِّه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه مبتدأ والخبر قوله: ((فأتوهم)). الثاني: أنه منصوب على الاشتغال بإضمار فعل، وهذا أرجحُ من حيث إنَّ بعده طَلَباً. والثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على ((الوالدان والأقربون)) فإنْ أريد بالوالدين أنهم موروثون عادَ الضميرُ مِنْ ((فأتوهم)) على ((موالي))، وإِنْ أُريد أنهم وارثون جازَ عَوْدُه على ((مواليَ)) وعلى الوالدين وما عُطف عليهم. الرابع: أنه منصوبٌ عطفاً على ((مواليَ))، قال أبو البقاء(٣): ((أي وَجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ وُرَّاثاً، وكان ذلك ونُسِخ))، وَرَدَّ عليه الشيخ (٤) بفساد العطفِ، قال: ((إذ يصير التقدير: ولكلٍّ إنسان، أو لكل شيءٍ من المالِ جَعَلْنا وُرَّاثاً والذين عاقَدَتْ أَيْمانكم)) ثم قال: ((فإِنْ جُعِل من عطفِ الجمل وحُذِفَ المفعولُ الثاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك أي: جَعَلْنا وُرَّاثاً لكلِّ شيءٍ من المالٍ، أو لكلِّ إنسانٍ، وجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ أيمانكم وراثاً، وفيه بعد ذلك تكلف)). انتهى. وقرأ (٥) الكوفيون: ((عَقَدَتْ)) والباقون: ((عاقَدَتْ)) بألف، ورُوِيَ عن (١) الآية ١٤ من الأنعام. (٢) كتبها المؤلف على قراءة غير الكوفيين كما سيأتي. (٣) الإملاء ١٧٨/٠. (٤) البحر ٢٣٨/٣ . (٥) السبعة ٢٣٣؛ الكشف ٣٨٨/١. والكوفيون هم عاصم وحمزة والكسائي. ٦٦٩ - النساء- حمزة التشديد في ((عَقَّدت)). والمفاعلة هنا ظاهرة لأن المراد المخالفةُ. والمفعولُ محذوفٌ على كلٍّ من القراءات، أي: عاقَدْتَهم أو عَقَدْتَ حِلْفهم ونسبةُ المعاقدةِ أو العقدِ إلى الأيمان مجازٌ، سواءً أُريد بالأيمان الجارحةُ أُمْ القَسَمِ. وقيل: ثَمَّ مضاف محذوف أي: عقدت ذوو أيمانكم. آ. (٣٤) وقوله تعالى: ﴿على النساء﴾: متعلُّقٌ بـ ((قَوَّامون)) وكذا ((بما))، والباء سببية، ويجوز أن تكونَ للحال، فتتعلَّق بمحذوف؛ لأنها حال من الضمير في ((قُوَّامون)) تقديرُه: مستحقين بتفضيل الله إياهم. و((ما)) مصدريةٌ وقيل: بمعنى الذي. وهو ضعيفُ لحَذْفِ العائد من غير مُسَوِّغ. والبعضُ الأولُ المرادُ به الرجال والبعضُ الثاني النساء، وعَدل عن الضميرين فلم يَقُلْ: بما فَضَّلهم الله عليهنَّ للإِبهَام الذي في ((بعض)). و((بما أنفقوا)) متعلقٌ بما تعلّق به الأولُ. و «ما)) يجوز هنا أن تكونَ بمعنى الذي من غيرِ ضَعْفٍ؛لأنَّ للحذفَ مسوغاً أي: وبما أنفقوهٍ مِنْ أموالهم. و((مِنْ أموالهم)» متعلقٌ بـ((أَنْفَقوا))؛ أو بمحذوف على أنه حال من الضمير المحذوف. قوله: ((فالصالحات قانتاتٌ حافظات)) ((الصالحات)): مبتدأ وما بعده خبران له. و((للغيب)) متعلق بـ ((حافظات)). وأل في ((الغيب)) عوضٌ مِن الضمير عند الكوفيين كقوله: ((واشتعلَ الرأس شيباً)(١) أي: رأسي. وقوله(٢). ١٥٧٧ - لَمْيَاءُ في شَفَتيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللِّئاتِ وفي أَنْيَابِها: شَنَبُ أي : لِئاتِها . والجمهورُ على رفع الجلالة من ((حَفِظ اللَّهُ)). وفي ((ما)) على هذه (١) الآية ٤ من مريم. (٢) تقدم برقم ٧٢. ٦٧٠ - النساء - القراءةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها مصدريةٌ والمعنى: بحِفْظِ الله إياهن أي: بتوفيقه لهن أو بالوصية منه تعالى عليهن. والثاني: أن تكونَ بمعنى الذي والعائد محذوف أي: بالذي حفظه الله لهنَّ مِنْ مهورٍ أزواجِهِنَّ والنفقة عليهن قاله الزجاج(١). والثالثُ: أن تكونَ ((ما)) نكرة موصوفةً، والعائد محذوف أيضاً كما تقرر في الموصولة بمعنى الذي. وقرأ أبو جعفر(٢) بنصبِ الجلالة، وفي ((ما)) ثلاثةُ أوجهً أيضاً، أحدُها: أنها بمعنى الذي، والثاني: نكرة موصوفة، وفي ((حَفِظ)) ضميرٌ يعود على ((ما)) أي: بما حَفِظ من البر والطاعة. ولا بد من حذف مضافٍ تقديرُه: بما حفظ دينَ الله أو أَمْرَ الله، لأنَّ الذاتَ المقدسةَ لا يحفظها أحد. والثالث: أن تكونَ (ما) مصدريةً، والمعنى: بما حفظن الله في امتثال أمره، وساغَ عودُ الضميرِ مفرداً على جمعِ الإناثِ لأنهن في معنى الجنس، كأنه قيل: مِمِّنْ صَلَحَ، فعادَ الضميرُ مفرداً بهذا الاعتبار، ورد الناسُ هذا الوجه بعدم مطابقة الضمير لما يعود عليه وهذا جوابه. وجعله ابن جني(٣) مثلَ قول الشاعر (٤): ١٥٧٨۔ فإنَّ الحوادِثَ أودى بها أي: أَوْدَيْنَ، وينبغي أن يقال: الأصلُ بما حَفِظَتِ اللَّهَ، والحوادث أَوْدَت؛ لأنها يجوز أن يعود الضمير على جمع الإناث كعوده على الواحدة منهن، تقول: ((النساءُ قامت))، إلا أنَّه شَذَّ حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث. (١) معاني القرآن ٤٨/٢ (٢) القرطبي ١٧٠/٥؛ البحر ٢٤٠/٣. (٣) المحتسب ١٨٨/١ قال: ((على حذف المضاف أي: بما حفظ دين الله))، ولم يستشهد بالبيت المذكور هنا. (٤) تقدم برقم ٣٩٠. ٦٧١ - النساء - وقرأ عبدالله(١) - وهي في مصحفه كذلك - ((فالصوالحُ قوانتٌ حوافِظٌ)) بالتكسير. قال ابن جنبي(٢): ((وهي أشبهُ بالمعنى لإِعطائها الكثرةَ، وهي المقصودةُ هنا))، يعني أنَّ فواعل من جموع الكثرة، وجمعُ التصحيحِ جمعُ قلة ما لم يَقْتَرِنْ بالألفِ واللام. وظاهرُ عبارة أبي البقاء (٣) أنه للقلة وإن اقترن بـ (أل)) فإنه قال: ((وجَمْعُ التصحيح لا يَدُلُّ على الكثرة بوضعه، وقد استُعْمَل فيها كقوله تعالى: ((وهم في الغُرُفات آمِنون))(٤). وفيما قاله أبو الفتح وأبو البقاء نظرٌ، فإنَّ ((الصالحات)) في القراءة المشهورة معرفةٌ بأل، وقد تقدَّم أنه تكونُ للعموم، إلا أنَّ العمومَ المفيدَ للكثرةِ ليس مِنْ صيغةِ الجمع، بل من ((أل))، وإذا ثبت أن الصالحات جمعُ كثرة لزم أن يكون ((قانتات)) ((حافظات)) للكثرة لأنه خبرٌ عن الجميع، فيفيدُ الكثرة، ألا ترى أنك إذا قلت: ((الرجال قائمون)) لَزِم أن يكونَ كلُّ واحدٍ من الرجال قائماً(٥)، ولا يجوز أن يكون بعضهم قاعداً، فإِذاً القراءةُ الشهيرة وافية بالمعنى المقصود. قوله ((في المضاجعِ)) فيه وجهان، أحدهما: أن ((في)) على بابها من الظرفية متعلقة بـ ((اهجروهن)) أي: اتركوا مضاجعتهن أي: النومَ معهن دونَ كلامِهن ومؤاكلتهن. والثاني: أنها للسبب قال أبو البقاء (٦): ((واهجروهُنَّ بسبب المضاجع كما تقول: ((في هذه الجنايةِ عقوبةٌ)) وجَعَل مكي (٧) هذا الوجه متعيناً، ومنع الأول، قال: ((ليس ((في المضاجع)) ظرفاً للهجران، وإنما (١) الشواذ ٢٦؛ البحر ٢٤٠/٣؛ القرطبي ١٧٠/٥. (٢) المحتسب ١٨٧/١. (٣) الإِملاء ١٧٨/١. (٤) الآية ٣٧ من سبأ. (٥) في الأصل «قائم» وهو سھو. (٦) الإملاء ١٧٩/١. (٧) المشكل ١٨٩/١. ٦٧٢ - النساء - هو سبب لهجران التخلف، ومعناه: فاهجروهن من أجلِ تخلُّفِهِنَّ عن المضاجعة معكم)). وفيه نظرٌ لا يَخْفى. وكلامُ الواحدي يُفْهِم أَنه يجوز تعلقُه بـ (نشوزهن)) فإنه قال - بعدما حكى عن ابن عباس كلاماً -: ((والمعنى على هذا: واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع)»، والكلامُ الذي حكاه عن ابن عباس هو قوله ((هذا كلَّه في المضجع إذا هي عَصَتْ أن تضطجع معه)) ولكن لا يجوزُ ذلك؛ لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي. وقَدَّر بعضُهم معطوفاً بعد قوله: ((واللاتي تخافون)» أي: واللاتي تخافون نشوزهن ونَشَزْنَ، كأنه يريد أنه لا يجوز الإِقدامُ على الوعظ وما بعده بمجردِ الخوفِ. وقيل: لا حاجةً إلى ذلك؛ لأن الخوفَ بمعنى اليقين، وقيل: غلبةُ الظنِّ في ذلك كافية / . [١/٢٠٨] قوله: ((فلا تَبْغُوا عليهنَّ سبيلاً)) في نصب ((سبيلاً)) وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به، والثاني: أنه على إسقاط الخافض، وهذان الوجهان مبنيان على تفسير البغي هنا ما هو؟ فقيل: هو الظلم من قوله: ((فَبَغى عليهم))(١)، فعلى هذا يكون لازماً، و((سبيلاً)) منصوبٌ بإسقاط الخافض أي: بسبيل. وقيل: هو الطلب من قولهم: بَغَيْتُه أي طلبته(٢). وفي ((عليهن)) وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ ((تبغو)). والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من ((سبيلاً)) لأنه في الأصل صفةُ النكرة قُدِّم(٣) عليها. آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿شِقاقَ بَيْنِهما﴾: فيه وجهان، أحدهما: أن الشقاق مضاف إلى ((بين)) ومعناها الظرفية، والأصل: ((شقاقاً بينهما)) ولكنه (١) الآية ٧٦ من القصص: ((إنَّ قارون كان من قوم موسى فبغَى عليهم)). (٢) فعلى هذا يكون الفعل متعدياً، و((سبيلاً)) مفعوله. (٣) الأصل ((قدمت)) وهو سهو لأنه عبر عن ((عليهن)) بالمذكر، فلا مساغ للتعبير عنه هنا بالمؤنث . ٦٧٣ - النساء- اتَّسِعَ فيه فَأُضيف الحدث إلى ظرفه، وظرفيتُه باقيةٌ نحو: سَرَّفي مسير الليلةِ، ومنه ((مَكْرُ الليل))(١). والثاني: أنه خرج عن الظرفية، وبقي كسائر الأسماء كأنه أريد به المعاشرةُ والمصاحبة بين الزوجين، وإلى هذا مَيْلُ أبي البقاء (٢). قال: ((والبَيْنُ هنا الوصِلُ الكائنُ بين الزوجين)). و ((مِنْ أهله)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلَّقٌ بـ ((ابعثوا)) فهي لابَدَاءِ الغاية. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنها صفةٌ للنكرةِ أي: كائناً من أهلِه فهي للتبعيضٍ . قوله: ((إنْ يريد!) الضميران في (يُريدا)) و ((بينهما)) يجوز أن يعودا على: الزوجين أي: إنْ يُرِدِ الزوجان إصلاحاً يُوَفِّق الله بين الزوجين، وأَنْ يعودا على الحكمين، وأَنْ يعودَ الأول على الحكمين، والثاني على الزوجين، وأن يكونَ بالعكس، وأُضْمِر الزوجان وإن لم يَجْرِ لهما ذِكْرٌ لدلالة ذِكْرِ الرجال والنساء عليهما. وجَعَل أبو البقاء (٣) الضمير في ((بينهما)) عائداً على الزوجين فقط، سواءً قيل بأن ضمير ((يريدا)) عائد على الحكمين أو الزوجين. آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾: تقدَّم نظيرتها في البقرة(٤)، إلا أنَّ هنا قال ((وبذي القربى)) بإعادة الباء، وذلك لأنها في حَقُّ هذه الأمةِ فالاعتناءُ بها أكثرُ، وإعادةُ الباءِ يَدُلُّ على زيادة تأكيد فناسب ذلك هنا بخلافِ آية البقرة فإنها في حق بني إسرائيل. وقرأ ابن أبي(٥) عبلة ((إحسانٌ)) بالرفع، على أنه مبتدأ وخبرُه الجار قبله، والمرادُ بهذه الجملةِ الأمرُ بالإِحسان وإن كانت خبريةً كقوله: ((فصبرٌ جميل))(٦). (١) الآية ٣٣ من سبأ ((بل مكر الليل والنهار)). (٢) الإملاء ١٧٩/١. (٣) الإملاء ١٧٩/١ (٤) انظر: الآية ٨٣ من البقرة. (٥) البحر ٢٤٤/٣. (٦) الآية ٨٣ من يوسف ٦٧٤ - الناء - قوله: ((والجارِ ذي القربى)) الجمهورُ على خفض ((الجار)» والمراد به القريبُ النسب، وبالجارِ الجَنْبِ البعيدُ النسب. وعن ميمون(١) بن مهران: ((والجارِ ذي القربى أريد به جار القريب» قال ابن عطية(٢): ((وهذا خطأً لأنه على تأويله جمع بين ((أل))(٣) والإِضافة، إذ كان وجه الكلام («وجارٍ ذي القربى)). ويمكنُ تصحيحُ كلام ابن مهران على أن ((ذي القربى)» بدلٌ من ((الجار)) على حذف مضاف أي: والجار جارٍ ذي القربى كقوله (٤): ١٥٧٩ - نَضَرِ اللَّهُ أعظماً دفنوها بسجستانَ طلحةِ الطَّلَحاتِ أي: أعظمَ طلحة، ومِنْ كلامهم: ((لو يعلمون: العلمُ الكبيرةِ سنةٌ)) أي: علم الكبيرة سنة، فَحَذَف البدلَ لدلالةِ الكلام عليه. وقرأ بعضُهم(٥): ((والجارَ ذا القربى)) نصباً. وخَرَّجه الزمخشري(٦) على الاختصاص كقوله: ((حافظوا على الصلواتِ والصلاة الوسطى))(٧). والجُنُب صفةٌ على فُعُل نحو: ناقة سُرُح، ويستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع مذكراً ومؤنثاً نحو: رجال جُنُب، قال تعالى: وإن كنتم جنباً)(٨)، (١) ميمون بن مهران الرقيّ، عالم الجزيرة، غزا مع معاوية إلى قبرص، وكان ثقة في الحديث. توفي سنة ١١٧. انظر: تذكرة الحفاظ ٩٣/١؛ الأعلام ٣٠١/٨. (٢) المحرر ٤ /١١١. (٣) أل في كلمة ((الجار)) والإِضافة إلى كلمة ((القريب)) التي وضعها. (٤) تقدم برقم ٧٣. (٥) قراءة أبي حيوة. انظر: الشواذ ٢٦؛ البحر ٢٤٥/٣. (٦) الكشاف ٥٢٦/١. (٧) الآية ٢٣٨ من البقرة والشاهد في قوله ((والصلاة الوسطى)) حيث إنه خَصَّ بالأهمية هذه الصلاة المعينة، وقد يكون الشاهد في نصب ((الصلاة)) على قراءة محمد بن أبي سارة كما في الشواذ ٥، ويكون نصبها على الاختصاص. (٨) الآية ٦ من المائدة. ٦٧٥ - النساء ـ وبعضُهم يُثَنِّه ويجمعه، ومثله: شُلُل. وعن عاصم(١): ((والجار الجَنْب)) بفتح الجيم وسكون النون، وهو وصفٌ أيضاً بمعنى المجانب كقولهم: رجلٌ عَدْلٍ. وألفُ الجار عن واو لقولهم: تجاوروا وجاوَرْتُه، ويُجمع على جِيرة وجيرانٍ. والجَنابة : الْبُعْد. قال(٢): ١٥٨٠- فلا تَحْرِمَنِّي نائلاً عن جَنابةٍ فإني امرؤُ وَسْطَ القِبَابِ غريْبُ لأنَّ الإِنسان يُتْرَكُ جانباً، ومنه: ((واجْنُبْنِي وَبَنِيَّ))(٣). قوله: ((بالجَنْب)) يجوز في الباء وجهان أحدهما: أن تكون بمعنى (في). والثاني: أن تكونَ على بابها وهو الأولى، وعلى كلا التقديرين تتعلَّقُ بمحذوف لأنها حال من الصاحب. ((وما ملكت)) يجوز أن يريد غيرَ العبيد والإِماء بـ ((ما))، حَمْلاً على الأنواع كقوله: ((ما طاب لكم))(٤) وأن يكونَ أُريدُ جميعُ ما ملكه الإِنسان من الحيواناتِ فاختلط العاقل بغيره فأتى بـ ((ما)). آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿الذين يَبْخَلون﴾: فيه سبعةُ أوجه، أحدها: أن يكون منصوباً بدلاً من ((مَنْ)) وجُمع حَمْلاً على المعنى. الثاني: أنه نصب على البدل من ((مختالاً) وجُمع أيضاً لما تقدم. الثالث: أنه نصب على الذم. الرابع: أنه مبتدأ وفي خبره قولان، أحدهما: أنه محذوف، فقدَّره بعضهم: ((مُبْغَضُون لدلالة ((إن الله لا يحب))، وبعضهم: ((معذبون)) لقوله: ((وأَعْتُدنا للكافرين عذاباً)، وقُدَّره الزمخشري(٥): ((أَحِقَّاء بكل مَلامة))، وقَدَّره (١) وهي رواية المفضل عنه. انظر: البحر ٢٤٥/٣؛ القرطبي ١٨٣/٥. (٢) البيت لعلقمة، وهو في ديوانه ٤٨؛ والمفضليات ٣٩٤؛ والبحر ٢٣٠/٣ والنائل: العطاء . (٣) الآية ٣٥ من إبراهيم (٤) الآية ٣ من النساء. (٥) الكشاف ١ /٥٢٦. ٦٧٦ : - النساء - أبو البقاء(١): ((أولئك قرناؤهم الشيطان)». والثاني: أنه قوله: ((إن الله لا يَظْلِمُ مثقالَ)) ويكون قوله: ((والذين ينفقون)) عطفاً على المبتدأ والعائد محذوف، والتقدير: الذين يبخلون، والذين يُنْفقون أموالَهم رئاءَ الناس، إن الله لا يظلمهم مثقال ذرة، أو مثقال ذرة لهم، وإليه ذهب الزجاج (٢)، وهذا متكلفٌ جداً لكثرةٍ الفواصل، ولقلق المعنى أيضاً. الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هم الذين. السادس: أنه بدلٌ من الضمير المستكنِّ في ((فخوراً))، ذكره أبو البقاء (٣)، وهو قلقٌ. السابع: أنه صفةٌ لـ((مَنْ))، كأنه قيل: لا يُحِبُّ المختال الفخورَ البخيلَ. و ((بالبخل)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلق بـ ((يأمرون)) فالباءُ للتعدية على حَدٍّ: أمرتك بكذا. والثاني: أنها باء الحالية، والمأمور محذوف، والتقدير: ويأمرون الناس بشكرهم مع التباسهم بالبخل، فيكون في المعنى كقول الشاعر (٤): ١٥٨١- أَجْمَعْتَ أَمْرَيْنِ ضاعَ الحَزْمُ بينهما تِيْهَ الملوكِ وأفعالَ المماليكِ والمُخْتال: التَّهِ الجَهُول، والمُخْتال اسمُ فاعل من اختال يختال أي: تكبِّر وأُعْجب بنفسه، وألفه عن ياءٍ لقولهم: الخُيَلاء والمَخْيِلة، وسُمِع أيضاً: خَالَ الرجلُ يَخال خَوْلاً بالمعنى الأول، فيكون لهذا المعنى مادتان: خَيَل وخَوَل. والفخر: عَدُّ مناقبِ الإِنسان ومحاسنِهِ، وفخور صيغة مبالغة. وفي البخل أربع لغات: فتح الخاء والباء وبها قرأ حمزة (٥) والكسائي، (١) ليس في ((الإملاء)) شيء من هذا وإنما قدره: مبغضون ١٧٩/١. (٢) معاني القرآن ٥٣/٢. (٣) الإملاء ١٧٩/١. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٤٦/٣. (٥) السبعة ٢٣٣؛ الكشف ٣٨٩/١؛ الشواذ ٢٦. ٦٧٧ - النساء ـ ويضمهما، وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر، وبفتح الباء وسكون الخاء وبها قرأ قتادة وابن الزبير، ويضم الباء وسكون الخاء وبها قرأ جمهور الناس. والبُّخْل: والبَخَل كالحُزْن والحَزَن والعُرْبِ والعَرَب. و((مِنْ فضله)) يجوز أن يتعلّق بـ ((آتاهم)) أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((ما)) أو مِنَ العائدِ عليها. آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿والذين ينفقون﴾: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مرفوعاً عطفاً على ((الذين يبخلون)) والخبر (إن الله لا يظلم))، وقد تقدم ذلك وضَعْفُه. الثاني: أنه مجرور عطفاً على ((الكافرين)) أي: أعتدنا للكافرين وللذين ينفقون أموالهم رئاءَ الناس، قاله ابن جرير(١). الثالث: أنه مبتدأ وخبرُه محذوف أي: مُعَذَّبون، أو: قرينهم الشيطان، فعلى الأوَّلين يكونُ من عطفِ المفردات، وعلى الثالث مِنْ عطفِ الجمل. قوله: ((رئاءَ الناس)) فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله، وشروطُ النصب متوفرةُ. والثاني: أنه حالٌ من فاعل ((ينفقون)) يعني مصدراً واقعاً موقعَ الحال أي مُرائين. والثالث: أنه حالٌ من نفسِ الموصولِ ذكره المهدوي. و((رئاءَ)) مصدرٌ مضاف إلى المفعول. قوله: ((ولا يُؤمنون)) فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مستأنف. والثاني: أنه عطف على الصلة، وعلى هذين الوجهين فلا محلَّ له من الإعراب. والثالث: أنه حالٌ من فاعل ((ينفقون)). إلا أن هذين الوجهين الأخيرين - أعني العطفّ على الصلة والحالية - يمتنعان على الوجه المحكي عن المهدوي، وهو كونُ ((رثاء) حالاً من نفس الموصول؛ لئلا يلزم الفصلُ بين أبعاضِ الصلة أو بين الصلةِ ومعمولِها بأجنبي وهو ((رثاءَ))؛ لأنه خالٌ من الموصولِ لا تعلُّقَ له بالصلة، بخلاف ما إذا جَعَلْناه مفعولاً له أو حالاً من فاعل ((ينفقون)) فإنه على الوجهين معمولٌ لـ ((ينفقون)) فليس أجنبياً، فلم يُبالَ بالفصل به. (١) تفسير الطبري ٣٥٦/٨. ٦٧٨ - النساء - وفي جَعْلِ ((ولا يؤمنون)» حالاً نظرٌ من حيث / إنَّ بعضَهم نصّ على أن [٢٠٨/ب] المضارع المنفيَّ بـ ((لا)) كالمثبت في أنه لا تدخل عليه واو الحال، وهو محلُّ تَوَقُّف. وكررت ((لا)) في قوله: ((ولا باليوم)) وكذا الباء إشعاراً بأن الإِيمان منتفٍ عن كلٍّ على حِدَتِه لو قلت: ((لا أضرب زيداً وعمراً)) احتمل نفيَ الضرب عن المجموع، ولا يلزم منه نفيُّ الضربِ عن كلِّ واحدٍ على انفراده، واحتمل نفيه عن كل واحد بانفرادِه، فإذا قلت: ((ولا عمراً) تعيُّن هذا الثاني. قوله: ((فساءَ قريناً)) في ((ساء)» هذه احتمالان أحدهما: أنها نُقِلَتْ إلى الذمِّ فجرت مَجْرى ((بئس)»، ففيها ضميرٌ فاعل لها مفسَّرٌ بالنكرة بعده، وهي ((قرينا))، والمخصوصُ بالذم محذوف أي: فساء قريناً هو، وهو عائدٌ: إما على الشيطان وهو الظاهر، وإما على ((من)) وقد تقدَّم حكمُ نعم وبئس. والثاني: أنها على بابها فهي متعدية ومفعولُها محذوفٌ، و((قريناً) على هذا منصوبٌ على الحال أو على القطع، والتقديرُ: فساءَه أي: فساءَ الشيطانُ مُصَاحِبَه. واحتجوا للوجه الأول، بأنه كان ينبغي أن يَحْذِف الفاءَ من ((فساء)» أو تقترن به ((قد)) ؛لأنه حينئذ فعل متصرفٌ ماض، وما كان كذلك ووقع جواباً للشرط تجرَّدَ من الفاءِ أو اقترن بـ ((قد))، هذا معنى كلام الشيخ(١). وفيه نظرٌ لقوله تعالى: (وَمَنْ جاء بالسيئة فَكُبَّت))(٢) ((وإنْ كان قميصه قُدَّ مِنْ دُبُر فَكَذَبت))(٣) فما يُؤَوَّلُ به هذا ونحوُه يتأوَّل به هذا. ومِمِّنْ ذهب إلى أنَّ ((قريناً) منصوبٌ على الحالِ ابنُ عطية(٤)، ولكن يحتمل أن يكونَ قائلاً بأنَّ ((ساء)) متعديةً، وأن يكون قائلاً برأي الكوفيين، فإنهم ينصبون ما بعد نعم وبئس على الحال. (١) البحر ٢٤٨/٣. (٢) الآية ٩٠ من النمل. (٣) الآية ٢٧ من يوسف. (٤) المحرر ١١٦/٢ ولكن الذي في المطبوعة نصبه على التمييز وليس الحال. ٦٧٩ _ النساء :- والقرينُ: المصاحِبُ الملازمُ، وهو فَعِيل بمعنى مُفاعل كالخليط والجليس. والقَرْنُ: الحبل، لأنه يُقْرن به بين البعيرين قال(١): ١٥٨٢- وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ فِي قَرَنٍ آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿وماذا عليهم﴾: قد تقدَّم الكلامُ على نظيرتها، وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ الكلامُ قد تَمَّ هنا أي: وأيُّ شيءٍ عليهم: في الإِيمان بالله، أو: وماذا عليهم من الوبالِ والعذابِ يومَ القيامة، ثم استأَنَّفَ بقوله ((لو آمنوا)) ويكونُ جوابُها محذوفاً أي: لحصلت لهم السعادةُ. ويُحتمل أن يكونَ تمامُ الكلام بـ ((لو)) وما بعدها، وذلك على جَعْلِ ((لو)) مصدريةً عند مَنْ يُثْبِتُ لها ذلك أي: وماذا عليهم في الإِيمان، ولا جوابَ لها حينئذٍ. وأجازّ ابنُ عطية (٢) أن يكون (ماذا عليهم)) جواباً لـ ((لو)) فإنْ أرادَ مِنْ جهةِ المعنى فَمُسَلَّم، وإن أراد من جهةِ الصناعةِ ففاسدٌ؛ لأنَّ الجوابَ الصناعيَّ لا يتقدم عند البصريين، وأيضاً فالاستفهامُ لا يُجابُ به ((لو)). وأجاز أبو البقاء(٣): في ((لو) أن تكونَ بمعنى ((إِنْ)) الشرطية كما جاء في قوله: ((ولو أعجبتكم)) (٤) أي: وأيُّ شيءٍ عليهم إنْ آمنوا، ولا حاجةً إلى ذلك. آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿مثقال ذرةٍ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أي: لا يَظْلم أحداً ظلماً وزنَ ذَرةٍ، فحذف المفعول والمصدر وأقام نعتَه مُقامه. ولما ذكر أبو البقاء(٥) هذا الوجه (١) تقدم برقم ٤٧٦. (٢) المحرر ١١٧/٤. (٣) الإملاء ١٨٠/١. (٤) الآية ٢٢١ من البقرة؛ ((ولَأَمَةٌ مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم)). (٥) الإِملاء ١٨٠/١. ٦٨٠