النص المفهرس

صفحات 421-440

- آل عمران -
بسكونِها. وجعل(١) ابنُ عصفور أنَّ الضرورةَ في البيت الثاني أحسنُ
منها في الأولِ قال: ((لأنه إذهابٌ للحركةٍ وصلتِها فهي جَرْيٌ على الضرورةِ
إجراءً كاملاً)) وإنما ذَكَرْتُ هذه التعليلاتِ لكثرة ورودِ هذه المسألة نحو ((يَرْضَهْ
لكم)) (٢) و((فبهداهم اقتدِهْ))(٣). وقُرىء: ((يُؤْتِه)) بياء الغائب (٤)، والضميرُ الله
تعالى، وكذلك: ((وسَيَجْزي الشاكرين)» بالنونِ والياء.
آ. (١٤٦) قوله تعالى: ﴿وكأَيِّنْ من نبيٍ﴾: هذه اللفظةُ قيل:
مركبةٌ من كافِ التشبيه ومن ((أيٍّ))، وحَدَثَ فيها بعد التركيب معنى التكثيرِ
المفهومُ من (كم) الخبرية، ومثلُها في التركيب وإفهامِ التكثير: ((كذا)» في
قولهم: ((له عندي كذا كذا درهماً)) والأصلُ: كاف التشبيه و((ذا)) الذي
هو اسمُ إشارةٍ، فلمَّا رُكِبا حَدَثَ فيهما معنى التكثير، وكم الخبريةُ و((كأَيِّن»
و ((كذا)» كلُّها بمعنى واحد، وقد عَهِدْنا في التركيب إحداثَ معنى آخرَ، ألا
تَرَى أنَّ ((لولا)) حَدَثَ لها معنىٍّ جديد. وكأيِّن مِنْ حقِّها (٥) على هذا أَنْ يُوقَفَ
عليها بغير نونٍ، لأنَّ التنوين يُحْذَفُ وقفاً، إلا أنَّ الصحابة كتبتها: ((كأيِّن))
بثبوتِ النونِ، فَمِنْ ثَمَّ وَقَفَ عليها جمهورُ القراء بالنون إتباعاً لرسم
المصحف. ووقف (٦) أبو عمرو وسَوْرة بن مبارك (٧) - عن الكسائي - عليها:
(١) كذا في الأصل، والأنسب: ((وزعم)) كما في نسخة ي.
(٢) الآية ٧ من الزمر.
(٣) الآية ٩٠ من الأنعام.
(٤) الشواذ ٢٢؛ والبحر ٧٠/٣، وهي قراءة الأعمش.
(٥) أي على كونها مركبة من الكاف وأيّ .
(٦) انظر فيها وفي لغاتها وقراءاتها: السبعة ٢١٦؛ الكشف ٣٥٧/١؛ النشر ٢٣٤/٢؛
الشواذ ٢٢؛ البحر ٧٢/٣.
(٧) سورة بن مبارك روى عن الكسائي، وروى عنه أحمد بن زكريا، ولم تذكر سنة وفاته.
الطبقات ٣٢١/١.
٤٢١

- آل عمران ـ
(كأي)) من غير نونٍ على القياس. واعتلَّ الفارسي(١) لوقفِ النونِ بأشياءَ طَوَّل
بها، منها: أنَّ الكلمةٍ لَمَّا رُكَّبت خَرَجَتْ عن نظائرِها، فَجُعِل التنوينُ كأنه
حرفٌ أصلي من بنية الكلمة. وفيها لغاتٌ خمس. أحدها: ((كَأَيِّنْ)) وهي
الأصل، وبها قرأ الجماعة إلَّ ابنَ كثير. وقال الشاعر(٢):
١٤٥٦- كَأَيِّنْ في المعاشِر من أُنِاسِ
أخوهُمْ فوقَهم وهمُ كِرَامُ
والثانية: ((كائِنْ)) بزنةِ ((كاعِنْ)) وبها قرأ ابن كثير وجماعةٌ، وهي أكثرُ
استعمالاً من ((كَأَيِّن)) وإنْ كانت تلك الأصلَ. قال الشاعر(٣):
١٤٥٧_ وكائن بالأباطحِ مِنْ صديقٍ
يَراني لو أُصِبْتُ هو المُصَابَا
وقال : (٤)
١٤٥٨_ وكائِنْ رَدَدْنا عنكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ
واختلفوا في توجيهِ هذه القراءة، فنُقل عن المبرد أنها اسم فاعل من :
كان يكون فهو كائن، واستبعده مكي (٥) قال: ((لاتيانِ ((مِنْ)) بعده ولبنائِه على
(١) الحجة (خ) ٢ /٢٤٠.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٧٢/٣.
(٣) البيت لجرير وهو في ديوانه ٢٤٤/١؛ والمقرب ١١٩/١؛ وابن يعيش ١١٠/٣؛ والمغني
٥٤٨؛ وشواهده ٨٧٥؛ والقمع ٦٨/١.
(٤) البيت لعمرو بن شأس وعجزه:
۔۔
يجيءُ أمام الرَّكْبِ يَرْدِي مُقَنَّعَاً
وهو في الكتاب ٢٩٧/١؛ والقرطبي ٢٢٨/٤؛ والهمع ٢٥٦/١؛ والدرر ٢١٣/١
والمدحِّج: اللابس السلاح، يردي: يمشي متبختراً، والمقنع: الذي تقنع بالسلاح
(٥) المشكل ١٦١/١.
٤٢٢

- آل عمران -
السكون)). وكذلك أبو البقاء (١) قال: ((وهو بعيدُ الصحة، لأنه لو كان كذلك
لكان مُعْرباً، ولم يكن فيه معنى التكثير)) لا يقال: هذا يُحْمَلُ على المبرد، فإنَّ
هذا لازمٌ لهم أيضاً، فإنَّ البناءَ ومعنى التكثير عارضان أيضاً، لأنَّ التركيبَ عُهِد
فيه مثلُ ذلك كما تقدم في ((كذا)) و((لولا)) ونحوهما، وأمَّا لفظٌ مفردٌ يُنقل إلى
معنى ويُبْنى من غير سبب فلم يُوجَدْ له نظير. وقيل: هذه القراءةُ أصلُها
(كأيِّنْ)) كقراءة الجماعة إلا أنَّ الكلمةَ دخلها القلبُ فصارَتْ ((كائِن)) مثل
((جاعن).
واختلفوا في تصييرها بالقلبِ كذلك على أربعةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه
قُدِّمت الياءُ المشددة على الهمزةِ فصار وزنُها كَعْلَف لأنك قَدَّمْتَ العين واللامَ
وهما الياءُ المشددة(٢)، ثم حُذِفَتِ الياءُ الثانية لِثِقَلِها بالحركة والتضعيف كما
قالوا في ((أيُّهما)): أيْهُما، ثم قُلِيت الياءُ الساكنة ألفاً كما قَلَبُوها في نحو: ((آية)»
والأصل: أَيَّة، وكما قالوا: طائي، والأصل: طَيْئِي، فصارَ اللفظُ: كائِن
كجاعِن كما ترى، ووزنُه ((كَعْفٍ))؛ لأنَّ الفاءَ أُخِّرت إلى موضعِ اللامِ ، واللامُ قد
حُذِفَتْ.
الوجه الثاني: أنه حُذِفَتِ الياءُ الساكنةُ التي هي عينٌ وَقُدِّمَتِ المتحركةُ
التي هي لامٌ، فتأخَّرتِ الهمزةُ التي هي فاءٌ، وقُلِبَت الياءُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحٍ
ما قبلَها فصارَ («كائِن)» ووزنُه : كَلْفٍ.
الوجه الثالث : - ويُعْزى للخليل - أنه قُدِّمَتْ إحدى الياءَين في موضع
الهمزةِ فَحُرِّكت بحركة الهمزة وهي الفتحةُ، وصارَت الهمزةُ ساكنةٌ في موضعٍ
الياء، فَتَحَرَّكتِ الياءُ وانفتح ما قبلَها فَقُلِبَتْ ألفاً، فالتقى ساكنان: الألفُ المنقلبةُ
(١) الإِملاء ١٥٢/١.
(٢) أصله أيّ، فالفاء الهمزة، والياء الأولى عين، والياء الثانية لام.
٤٢٣

- آل عمران : -
عن الياءِ والهمزةُ بعدها ساكنةٌ، فكُسِرت الهمزةُ على أصل التقاءِ الساكنين،
وبقيت إحدى الياءين متطرفةً فأذهبها التنوينُ بعد سَلْبِ حركتِها کیاءِ قاضٍ
وغازٍ.
الوجه الرابع: أنه قُدِّمَتِ الياءُ المتحركةُ فانقلبت ألفاً، وبقيت الأخرى
ساكنةٌ فحذفها التنوينُ: مثل قاضٍ ، ووزنُه على هذين الوجهين أيضاً كَلْفٍ لِما
تقدَّم مِنْ حَذْفِ العينِ وتأخيرِ الفاء، وإنما الأعمالُ تختلف.
اللغة الثالثة: ((كَأَين)» بياء خفيفةٍ بعد الهمزة على مثالٍ: كَعْین، وبها قرأ
ابن محيصن والأشهب العقيلي، ووجْهُها أنَّ الأصلَ: كَأَيِّن كقراءة الجماعةِ:
فَحُذِفَتِ الياء الثانيةُ استثقالاً فالتقى ساكنان: الياءُ والتنوينُ، فَكُسِرَتِ الْيَاءُ
لالتقاءِ الساكنين ثم سَكَنَتِ الهمزةُ تخفيفاً لثقلِ الكلمةِ بالتركيبِ فصارَتْ
کالكلمة الواحدة كما سَكَّنوا: ((فهو)) و ((فھي)).
اللغة الرابعة: ((كَيْئِن)» بياء ساكنةٍ بعدَها همزةٌ مكسورةٌ، وهذه مقلوبُ
القراءةِ التي قبلَها، وقرأ بها بعضُهم.
واللغةُ الخامسةُ: ((كَئِنْ)) على مثال كَعٍ، ونَقَلها الداني قراءةٌ عن ابن
محيصن أيضاً. وقال الشاعر(١):
١٤٥٩- كَئِنْ مِنْ صديقِ خِلْتُه صادقَ الإِخا
أبانَ اختباري أنَّه لي مُداهِنُ
وفيها وجهان أحدُهما: أنه حَذَفَ الياءَيْن دفعةً واحدةٌ لامتزاجِ الكلمتين
بالتركيبِ، والثاني: أنْهِ حَذَفَ إحدى الياءَيْن على ما تقدَّم تقريرُه، ثم حَذَفٍ
الأخرى لالتقائِها ساكنةٌ مع التنوينِ، ووزنُه على هذا: ((كَفٍ)) لِحَذْفِ العِينِ
[١٨٣/ب] واللام منه. /
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٧٢/٣.
٤٢٤

- آل عمران -
واختلفوا في ((أيِّ)): هل هي مصدرٌ في الأصل أم لا؟ فذهب جماعةٌ
إلى أنها ليسَتْ مصدراً وهو ظاهرُ قولِ أبي البقاء(١) فإنه قال: ((وكأَيِّن الأصلُ
فيه: ((أي)) التي هي بعض من كل، أُدْخِلَتْ عليها كافُ التشبيه)) وفي عبارتِهِ
عن ((أي)) بأنها بعض من كلُّ نظرٌ، لأنها ليست بمعنى بعض من كل، نعم إذا
أُضيفت إلى معرفةٍ فحكمُها حكمُ ((بعض)» في مطابقةِ الخبرِ وَعْودِ الضميرِ
نحو: أيُّ الرجلين قام؟ ولا تقول: (قاما)»، وليست هي التي ((بعض)) أصلاً.
وذهب ابن جني(٢) أنها في الأصل مصدر ((أَوَى يَأْوي)) إذا انضمّ
واجتمع، والأصلُ: أَوْيٌّ نحو: طَوَى يَطْوِي طَيًَّ، الأصلُ: طَوْي، فاجتمعت
الياءُ والواو وسَبَقَتْ إحداهما بالسكونِ فَقُلِبَت الواوُ ياءً وأُدْغمت في الياء، وكأنَّ
ابن جني ينظر إلى معنى المادة من الاجتماع الذي يدل عليه «أيّ)) فإنها
للعمومِ ، والعمومُ يستلزمُ الاجتماع.
وهل هذه الكافُ الداخلةُ على ((أي)) تتعلَّق بشيء كغيرها من حروف
الجرِّ أم لا؟ والصحيحُ أنها لا تتعلَّقُ بشيء أصلاً لأنَّها مع ((أي)) صارتا بمنزلةٍ
كلمةٍ واحدةٍ وهي ((كم))، فلم تتعلَّقْ بشيءٍ؛ ولذلك هُجِر معناها الأصلي
وهو التشبيه .
وزعم الحوفي أنها تتعلَّق بعاملٍ، ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لتقفَ عليه فإنه
كلام غريب. قال: ((أما العاملُ في الكاف فإن جَعَلْنَاها على حكمِ الأصل
فمحمولٌ على المعنى، والمعنى: أصابتْكم كإصابةِ مَنْ تقدَّم مِن الأنبياء
وأصحابِهِم، وإنْ حَمَلْنا الحكمَ على الانتقالِ إلى معنى ((كم)) كان العاملُ
بتقديرِ الابتداء وكانت في موضعِ رفع، و((قُتِل)) الخبر، و((مِنْ)) متعلقة بمعنى
(١) الإملاء ١ /١٥١.
(٢) المحتسب ١٧١/١.
٤٢٥

- آل عمران -
الاستقرار، والتقدير الأول أَوضحُ لحَمْل الكلام على اللفظ دون المعنى بما
يجب من الخفض في ((أي))، وإذا كانَتْ ((أي)) على بابها من معاملة اللفظِ
فـ (مِنْ)) متعلقةٌ بما تعلَّقت به الكافُ من المعنى المدلولِ عليه)». انتهى.
واختار الشيخ(١) أَنَّ ((كأَيْنْ)) كلمةٌ بسيطةٌ غيرُ مركبةٍ وأنَّ آخرَها نون هي
من نفس الكلمة لا تنوينٌ، لأنَّ هذه الدَّعاوي المتقدمة لا یقومُ عليها دليل،
والشيخُ سَلَكَ في ذلك الطريقَ الأسهلَ، والنحويون ذَكَروا هذه الأشياءَ محافظةً
على أصولِهم، مع ما ينضَّمُّ إلى ذلك مِنَ الفوائِدِ وتشحيذِ الذهن وتمرينِه. هذا
ما يتعلَّق بـ ((كأيّن)» من حيث الإِفرادُ.
أمّا ما يتعلق بها من حيث التركيب فموضعُها رفعٌ بالابتداء وفي خبرِها
أربعةُ أوجه، أحدُها: أنه ((قُتِل)) فإنَّ فيه ضميراً مرفوعاً به يعودَ على المبتدأ
والتقدير: كثيرٌ من الأنبياء قتل. قال أبو البقاء(٢): ((والجيدُ أَنْ يعودَ الضميرُ
على لفظِ ((كأيِّنْ)) كما تقولُ: ((مئة نبي قُتِل)) فالضميرُ للمئة، إذ هي المبتدأ.
فإنْ قلت: لو كان كذلك لأنَّثْتَ فقلت: ((قُتِلَتْ. قيل: هذا محمولٌ على
المعنى، لأنَّ التقديرَ: كثير من الرجالِ قُتِل. انتهى)) كأنه يعني بغير الجيد عَوْدَه
على لفظ ((نبي))، فعلى هذا يكون «معه ربِيُّون)) جملةً في محلٌّ نصبٍ على
الحال من الضمير في ((قُتِل)) [وهو أَوْلَى لأنه من قبيلِ المفردات، وأصلُ الحالِ
والخبرِ والصفة أن تكونَ مفردةً](٣). ويجوزُ أَنْ يكونَ((معه)) وحده هو الحالَ
و ((رِبُّون)) فاعِلّ به، ولا يَحْتاج هنا إلى واوِ الحال لأنَّ الضمير هو الرابطُ،
أعني الضمير في ((معه))، ويجوز أن يكونَ حالاً من ((نبي)) وإن كان نكرة
لتخصيصه بالصفةِ حينئذ، ذكره مكي (٤)، وعَمِل الظرفُ هنا لاعتماده على ذي
(١) البحر ٧٣/٣.
(٢) الإملاء ١٥٢/١.
(٣). ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
(٤) المشكل ١٦٢/١.
.-
٤٢٦

- آل عمران -
الحال. قال الشيخ (١): ((وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ فلذلك ارتفع ((ربُّون)) بالظرف
وإن كان العاملُ ماضياً لأنه حكى الحال الماضية كقوله تعالى(٢): ((وكلبُهم
باسطُ ذراعيه) وهذا على رأي البصريين، وأما الكسائي فيُعْمِل اسمَ الفاعلِ
العاري من أل مطلقاً). وفيه نظرُ لأَنَّا لا نسلّم أنَّ الظرفَ يتعلق باسم فاعل حتى
يَلْزَمَ عليه ما قال من تأويلِه اسمَ الفاعل بحال ماضية، بل نَدَّعي تعلقَه بفعل
تقديره: استقر معه ربیون.
الوجه الثاني: أن يكون ((قُتِل)) جملةً في محل جر صفةً لـ ((نبي)) و((معه
ربيون)) هو الخبر، ولك الوجهان المتقدمان في جعله حالاً، أعني إن شئت أن
تجعل ((معه)) خبراً مقدماً و((ربيون)) مبتدأً مؤخراً، والجملةُ خبر ((كأين))، وإن شئت
أن تجعلَ «معه)» وحدَه هو الخبرَ، و («ربيون)) فاعلٌ به، لاعتمادِ الظرف على
ذي خبر.
الوجه الثالث: أن يكونَ الخبرُ محذوفاً تقديره: ((في الدنيا)) أو ((مضى))
أو ((صائر)) ونحوه، وعلى هذا فقولُه: ((قتل)) في محلِّ جر صفة لـ((نبي))،
و ((معه ربيون)) حال من الضمير في ((قتل)» على ما تقدم تقريره، ويجوز أن
يكون («معه ربيون)) صفةً ثانية لـ ((نبي)) وُصِفَ بصفتين: بكونه ((قتل)) ويكونه
«معه ربیون)).
الوجه الرابع: أن يكون ((قُتِل)) فارغاً من الضمير مسنداً إلى ((ربيون))،
وفي هذه الجملة حينئذ احتمالان، أَحدُهما: أن تكونَ خبراً لـ ((كائن))،
والثاني: أن تكونَ في محلُّ جر صفة لـ ((نبي))، والخبر محذوف على
ما تقدَّم، وادِّعاءُ حذفِ الخبرِ ضعيفٌ لاستقلال الكلام بدونه. وقال
(١) البحر ٧٢/٣.
(٢) الآية ١٨ من الكهف.
٤٢٧

- آل عمران -
:
أبو البقاء(١): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ ((قُتِل)) صفة(٢) لربيين، فلا ضمير فيه على
هذا، والجملة صفة ((نبي)) ويجوز أن تكون خبراً، فيصير في الخبر أربعةٌ
أوجه، ويجوزُ أن تكونَ صفة لـ ((نبي)) والخبرُ محذوفٌ على ماذكرنا)). أَمَّا
قولُه ((صفة لـ ((ربيين)) يعني أن القتل من صفتهم في المعنى. وقوله: ((فيصير
فيه أربعة أوجه)) يعني مع ما تقدَّم له من أوجهٍ ذكرها. وقولُه: ((فلا ضميرَ فيه
على هذا، والجملةُ صفةٌ نبي)) غلطً لأنَّه يبقى المبتدأ بلا خبرٍ. فإنْ قلت: إنَّما
يزعم هذا لأنهُ يُقَدِّر خيراً محذوفاً. قلت: قد ذَكَر هذا وجهاً آخرَ حيث قال:
((ويجوزُ أَنْ يكونَ صفةً لـ ((نبي)) والخبرُ محذوفٌ على ما ذكرنا)).
وَرَجَّح كونَ ((قُتِل)) مسنداً إلى ضميرِ النبي أنَّ القصةَ بسبب غزوة أحد
وتجادل المؤمنين حين قيل: إنَّ محمداً قد مات مقتولاً، ويؤيِّدهُ قولُه: ((أفإِنْ
مَات أو قُتِل))(٣) وإليه ذهب ابنِ عباسٍ والطبري(٤) وجماعةً، وعن ابن عباس
في قوله: ((وما كان النبيُّ أنْ يَغُلَّ))(٥): ((النبي يُقْتل فكيف لا يُخان؟ وذهب
الحسن وابن جبير وجماعة إلى أنَّ القَتْلَ للربّين قالوا: لأنه لم يُقْتَلْ نبيٍّ في
حربٍ قط. ونَصَر الزمخشري(٦) هذا بقراءة ((قُتِّل)) بالتشديد، يعني أن التكثير
لا يتأتّى في الواحد وهو النبي. وهذا الذي ذَكَرَه الزمخشري سَبَقَهُ إليه ابن
جني (٧)، وسيأتي تأويل هذا.
وقرأ(٨) ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ((قُتِل)) مبنياً للمفعول، وقتادة كذلك
(١) الإملاء ١٥٣/١.
(٢) عبارة المطبوعة: ((قتل مسنداً لربيين)) وهي أوضح.
(٣) الآية ١٤٤ من آل عمران.
(٤) تفسير الطبري ٢٦٤/٧ .
(٥). الآية ١٦١ من آل عمران.
(٦): الكشاف ١ /٤٦٩.
(٧) المحتسب ١٧٣/١.
(٨) السبعة ٢١٧؛ الكشف ٣٥٩/١؛ والشواذ ٢٢؛ والبحر ٧٣/٣.
٤٢٨

- آل عمران -
إلا أنه شدَّد التاء، وباقي السبعة: ((قاتَل))، وكلُّ مِنْ هذه الأفعال يَصْلُح أَنْ
يرفَعَ ضمير ((نبي)) وأن يرفعَ ربِّيِّين على ما تقدَّم تفصيلُه. وقال ابن جني(١):
(إنَّ قراءة ((قُتِّل)) بالتشديد يتعيَّن أن يُسْنَدَ الفعل فيها إلى الظاهر، أعني
ربيين. قال: ((لأنَّ الواحدَ لا تكثيرَ فيه)). قال أبو البقاء(٢): ((ولا يمتنعُ أَنْ
يكونَ فيهِ ضمير الأول(٣) لأنه في معنى الجماعة)) انتهى. يعني أنَّ ((من نبي))
المرادُ به الجنسُ فالتكثيرُ بالنسبة لكثرةِ الأشخاصِ لا بالنسبةِ إلى كلِّ فردٍ
فردٍ، إذ القتلُ لا يتكثَّر في كلِّ فرد. وهذا الجوابُ الذي أجابَ به أبو البقاء
استشعر به أبو الفتح وأجابَ عنه. قال: (فإن قيل: يُسْنَدُ إلى ((نبي)) مراعاةٌ
المعنى ((كم)) فالجوابُ: أنَّ اللفظَ قد فَشَا على جهةِ الإِفرادِ في قوله: ((من
نبي))، ودلَّ الضميرُ المفردُ في ((معه)) على أن المرادَ إنما هو التمثيلُ بواحدٍ،
فخرج الكلامُ عن معنَى ((كم)). قال: ((وهذه القراءةُ تُقَوِّي قولَ مَنْ قال: إنَّ
((قُتِل)) و((قاتَل)) يُسْندان إلى الرَّبِّيِّن.
قال الشيخ (٤): ((وليس بظاهر لأنَّ ((كأين)) مثلُ ((كم))، وأنت إذا قلت:
(كم مِنْ عاٍ فككتُه)) [فأفرَدْتَ](٥) راعَيْت لفظَها، ومعناها جَمْعٌ، فإذا قلت:
((فَكَكْتُهم)) راعيتَ المعنى، فلا فرق بين ((قُتل معه ربيون)) و ((قُتِل معهم رِبُِّّون))،
وإنما جاز مراعاةُ اللفظِ تارةً والمعنى أخرى في ((كم)) و((كأين)) لأنَّ معناهما
((جَمْعٌ))، و((جَمْعٌ)) يجوزُ فيه ذلك، قال تعالى: ((أم يقولون: نحن جميعٌ
مُنْتَصِر، سيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّون الدُّبُر))(٦) فراعى اللفظَ في قوله: ((منتصِرُ))
والمعنى في قوله: ((يُؤَلُّون)).
(١) المحتسب ١٧٣/١.
(٢) الإملاء ١٥٣/١.
(٣) أي: أن يعود على ((نبي)).
(٤) البحر ٧٣/٣.
(٥) زيادة من البحر.
(٦) الآيتان ٤٤ - ٤٥ من القمر.
٤٢٩

- آل عمران -
ورجَّح بعضُهم قراءةَ ((قاتل)) لقوله بعد ذلك: ((فما وَهَنوا)) قال: ((وإذا
قُتِلوا فكيف يُوصفون بذلك؟ إنما يُوصف بهذا الأحياءُ، والجوابُ: أنَّ معناه
(قُتِل بعضُهم))، كما تقول: ((قُتل بنوفلان في وقعة كذا ثم انتصروا)). وقال
ابن عطية (١): ((قراءةُ مَنْ قرأ ((قاتل)) أعمُّ في المدح، لأنه يدخُل فيها مَنْ قُتِل
ومَنْ بقي، ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ إسنادُ الفعلِ إلى الربّيِّين، وعلى
[١٨٤/أ] قراءة ((قُتِل)) إسنادُه إلى ((نبي)). قال الشيخ(٢): ((بل ((قُتِل)) أمدحُ / وأبلغُ في
مقصودِ الخطاب، فإنَّ ((قُتِل)) يستلزم المقاتلة من غير عكس)).
وقوله: ((من نبي)) تمييز لـ ((كأيِّن)) لأنها مثل ((كم) الخبرية. وزعم
بعضُهم أنه يلزمُ جَرُّه ◌َبـ ((مِنْ))، ولهذا لم يَجِيءٌ في التنزيل إلا كذا، وهذا
هو الأكثرُ الغالِبُ كما قال، وقد جاء تمييزها منصوباً. قال(٣):
١٤٦٠ - اطْرُدِ اليأسَ بالرجاء فكائِنْ
آلِماً حُمَّ يُسْرُهُ بعدَ غُسْرِ
وقال آخر (٤):
١٤٦١_ وكائِنْ لنا فَضْلاً عليكم ورحمةً
قديماً ولا تَدْرُون ما مَنُّ مُنْعِمٍ
وأمَّا جُرُّه فممتنع لأنَّ آخرَها تنوينٌ وهو لا يَثْبُتُ مع الإِضافةِ.
--
والربيُّونَ: جمعُ ((رِبِّي)) وهو العالمُ منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وإنما كُسرت
راؤه تغييراً في النسب نحو: ((إمْسِيّ)) بالكسرِ منسوبٌ إلى ((أَمْس)). وقيل: كُِرِ
للإِتباع، وقيل: لا تغييرَ فيه وهو منسوبٌ إلى الرُّبَّة وهي الجماعةُ. وهذه
(١) المحرر ٢٥٤/٣.
(٢) البحر ٧٣/٣.
(٣) تقدم برقم ١٠٢٧.
(٤) البيت للأعشى وهو ديوانه ١٢٧؛ والهمع ٢٥٥/١؛ والدرر ٢١٢/١.
٤٣٠

- آل عمران -
القراءةُ بكسر الراء قراءة الجمهور، وقرأ(١) علي وابن مسعود وابن عباس
والحسن: (رُبُّّون)) بضمَّ الراء، وهو من تغييرِ النسب إنْ قلنا هو منسوبُ إلى
الرَّبِّ، وقيل: لا تغييرَ وهو منسوب إلى الرُّبَّة وهي الجماعةُ، وفيها لغتانٍ:
الكسر والضم، وقرأ ابن عباس في رواية قتادة: ((رَبُّيُّون)) بفتحِها على الأصل،
إِنْ قلنا: منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وإلَّ فَمِنْ تغييرِ النسب إنْ قلنا: إنَّه منسوبٌ إلى
الرُّبَّة. قال ابن جني(٢): ((والفتحُ لغة تميم)). وقال النقاش: ((هم المُكْثِرون
العلمَ من قولهم: ((رَبا يربُو)) إذا كَثُر)). وهذا سَهْوٌ منه لاختلافِ المادتين، لأنَّ
تَيْكَ من راء وباء وواو، وهذه من راء وباء مكررةٍ. و((كثيرٌ)) صفة لـ ((ربيّون))
وإنْ كان بلفظِ الإِفراد لأنَّ معناه جمعٌ.
قوله: ((فما وَهَنوا)) الضميرُ في ((وَهَنوا)» يعودُ على الرِّبِّين بجملتهم إنْ
كان ((قُتِل)) مسنداً إلى ضمير النبي، وكذا في قراءة ((قاتل)) سواء كان مسنداً
إلى ضمير النبي أو إلى الربّيِّين، وإنْ كان مسنداً إلى الربيين فالضميرُ يعودُ
على بعضِهم، وقد تقدَّم ذلك عند الكلام في ترجيح قراءة ((قاتل)).
والجمهورُ على ((وَهَنوا)) بفتحِ الهاء، والأعمش(٣) وأبو السَّمِّال بكسرِها،
وهما لغتان: وَهَنْ يَهِنُ، كوعَد يَعِدُ، وَوَهِنَ يَوْهَن كَوَجِلِ يَوْجَل، ورُوِي عن
أبي السَّمَّال أيضاً وعكرمة: ((وَهْنوا)) بسكونِ الهاء، وهو من تخفيفِ فَعِل لأنه
حرفُ حلق نحو: نَعْم وشَهْد في : نَعِم وشَهِد.
و((لَمَّ) متعلُّقٌ بـ ((وَهَنوا)، و((وما)) يجوزُ أَنْ تَكونَ موصولةً اسميةٌ
أو مصدريةً أو نكرةً موصوفةً. والجمهورُ قرؤوا: ((ضَعُفوا)) بضمُّ العَيْن،
(١) الشواد ٢٢؛ القرطبي ٢٣٠/٤؛ البحر ٧٤/٣.
(٢) المحتسب ١٧٣/١.
(٣) الشواذ ٢٢؛ القرطبي ٢٣٠/٤؛ والبحر ٧٤/٣.
٤٣١

- آل عمران -
وقُرىء(١): ((ضَعَفوا)) بفتحها، وحكاها الكسائي لغةً.
قوله: ((وما استَكانُوا)) فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه استَفعل من الكونِ،
والكونُ: الذُّلُّ، وأصلُه: اسْتَكْوَن، فَنُقِلَتْ حركةُ الواو على الكاف، ثم قُلِبَتِ
الواوُ ألفاً. وقال الأزهري(٢) وأبو عليّ: ((هو من قول العرب: ((بات فلان بِكَيْنَةٍ
سوءٍ» على وزنِ ((جَفْنةٍ)) أي: بحالةِ سوءٍ» فألفُّه على هذا من ياءٍ، والأصلُ:
اسْتَكْيَنَ، ففُعِل بالياء ما فُعِل بأختها.
الثالث: قال الفراء: ((وزنُه افْتَعَل من السكون، وإنما أُشْبعت الفتحةُ
فتولدُ منها ألفٌ كقوله(٣):
١٤٦٢ - أعوذُ باللَّهِ من العَقْرابِ
الشَّائِلاتِ عُقَدَ الْأَذْنَابِ
يريد: العَقْرَبِ الشائلةَ)). ورُدَّ على الفراء بأنَّ هذه الألفَ ثابتةٌ في
جميع: تصاريفِ الكلمةِ نحو: استكانَ يَسْتكين فهو مُسْتَكِين ومُسْتَكان إليه
استكانةً، وبأنَّ الإِشباعَ لا يكونُ إلا في ضرورةٍ. وكلاهما لا يَلْزَمُه: أمَّاً
الإِشباعُ فواقعٌ في القراءاتِ السبعِ كما سيمُّ بك، وأمَّا ثبوتُ الألفِ في
تصاريف الكلمةِ فلا يَدُلُّ أيضاً؛ لأنَّ الزائد قد يلزَمُ ألا ترى أنَّ الميمَ في
تَمَنْدل (٤) وتَمَذْرَعَ زائدةٌ، ومع ذلك هي ثابتةٌ في جميعِ تصاريفِ الكلمةِ
قالوا: تَمَنْدَل يَتَمَنْدَلُ تَمَنْدُلًا فهو مُتَمَنْدِلُ ومُتَمَنْدَلٌ بهِ، وكذا تَمَذْرَع، وهما من
النَّدْل والدُّرْعِ. وعبارةُ أبي البقاء أحسنُ في الردِّ فإنه قال(٥): (لأنَّ الكلمة فى
جميعٍ تصاريفِها ثبتّتْ عينُها والإِشباعُ لا يكونُ على هذا الحدِّ)).
(١) ذكرها في البحر ٧٤/٣ من دون نسبة.
(٢) انظر: تهذيب اللغة ٣٧٤/١٠.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: سبسب؛ والمغني ٤١٢؛ ورصف المباني ١٢ .
(٤) تمندل: تمسح بالمنديل.
(٥) الإملاء ١٥٣/١.
٤٣٢

- آل عمران -
ولم يَذْكُر متعلَّقَ الاستكانة والضعف فلم يَقُل ((فما ضَعُفُوا عن كذا،
وما استكانوا لكذا)) للعلم به أو للاقتصارِ على الفعلين نحو: ((كلوا واشربوا))(١)
لِيَعُمَّ ما يَصْلُحُ لهما.
آ. (١٤٧) قوله تعالى: ﴿وما كان قولهم﴾: الجمهورُ على نصبٍ
(قولَهم)) خبراً مقدماً، والاسمُ هو ((أَنْ)) وما في حَيِّزها تقديرُه: وما كان قولَهم
إلا قولُهم هذا الدعاءَ، أي: هو دَأْبُهم ودَيْدَنُهم. وقرأ(٢) ابن كثير وعاصم في
روايةٍ عنهما برفع ((قولُهم)) على أنه اسم، والخبر ((أَنْ)) وما في حَيِّزها. وقراءةُ
الجمهور أَوْلِى؛ لأنه إذا اجتمعَ معرفتان فالْأَوْلى أن يُجْعَلِ الأعرفُ اسماً،
و ((أن)) وما في حَيِّزها أعرفُ، قالوا: لأنها تُشْبِهُ المُضْمَرَ مِنْ حيثُ إنها لا تُضْمَرُ
ولا تُوصَفُ ولا يُوصف بها، و((قولهم)) مضافٌ لمضمرٍ فهو في رتبة العَلَم
فهو أقلُّ تعريفاً.
وَرَجَّح أبو البقاء(٣) قراءة الجمهور بوجهين، أحدهما هذا، والآخر: أنَّ
ما بعد ((إلّ)) مُثْبَتٌ، والمعنى: كان قولُهم: ربنا اغفر لنا دَأْبَهم في الدعاء
وهو حسن، والمعنى: وما كان قولُهم شيئاً من الأقوال إلا هذا القولَ الخاص.
و ((في أمرنا» يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالمصدر قبله
يقال: أسْرَفْت في كذا. والثاني: أنه يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حال منه أي :
حالَ كونِه مستقراً في أمرنا، والأولُ أَوْجَهُ.
((إنْ)). (١٤٨) وقرأ الجحدري (٤): ﴿فأثابهم﴾: من لفظِ الثواب.
(١) الآية ٦٠ من البقرة.
(٢) الشواذ ٢٣؛ والبحر ٧٥/٣، وهي رواية حماد عن ابن كثير وأبو بكر عن عاصم فيما
ذكره المهدويّ، ولم يذكرها صاحب السبعة.
(٣) الإملاء ١٥٣/١.
(٤) البحر ٧٦/٣؛ القرطبي ٢٣١/٤.
٤٣٣

۔
- آل عمران ـ
آ. (١٤٩) وقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكم): جوابُ ((إِنْ تطيعوا)).
و ((خاسرين)) حال.
آ. (١٥٠) قوله تعالى: ﴿بل اللَّهُ مَوْلاكم﴾: مبتدأ وخبر، وقرأ
الحسن(١): ((اللَّهَ)) بنصب الجلالة على إضمار فعل يَدُلُّ عليه الشرط الأول،
والتقدير: ((لا تُطيعوا الذين كفروا بل أطيعوا الله)). و ((مولاكم)) صفته. قال
مكي (٢): ((وأجاز الفراء(٣): بل اللَّهَ بالنصب)) كأنه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة.
آ. (١٥١) قوله تعالى: ﴿سَنُلْقي﴾: الجمهورُ بنون العظمة
وهو التفات من الغيبة في قوله: ((وهو خير الناصرين»، وذلك للتنبيه على عِظَم
ما يُلقيه تعالى. وقرأ(٤) أيوب السختياني: ((سيُلقي)) بالغيبة جَرْياً على الأصل.
وقُدِّم المجرورُ على المفعول به اهتماماً بذكر المحلِّ قبل ذِكْرِ الحالِّ. والإِلقاء
هنا مجاز لأن أصله في الأجرام، فاستعير هنا كقوله(٥):
١٤٦٣- هما نَفَئا في فِيِّ مِنْ فَمَوَيْهِما
على النابحِ العاوي أشدُّ رِجَامٍ
وقرأ(٦) ابن عامر والكسائي: ((الرُّعُب)) و((رُعُباً)) بالضم، والباقون
بالإِسكان(٧) .. فقيل: لغتان، وقيل: الأصلُ: الضمُّ وخُفِّف، وهذا قياسٌ
(١) القرطبي ٢٣٢/٤؛ البحر ٧٦/٣؛ الشواذ ٢٢.
(٢) المشكل ١٦٣/١.
(٣) معاني القرآن ٢٣٧/١.
(٤) الشواذ ٢٢؛ القرطبي ٢٣٢/٤؛ البحر ٧٧/٣.
(٥) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٧٧١؛ والكتاب ٨٣/٢؛ والمحتسب ٢٣٨/٢؛ واللسان:
فوه؛ والإنصاف ٣٤٥؛ والدرر ٢٦/١. والرجام: مصدر رجمه بالحجارة، والبيت في
ذكر إبليس وابنه .
(٦) السبعة: ٢١٧؛ الكشف ٣٦٠/١.
(٧) أي: إسكان العين.
٤٣٤

- آل عمران -
مُطَّرد، وقيل: الأصلُ السكونُ، وضُمَّ إتباعاً كالصُّبْحِ والصُّبُح، وهذا عكسُ
المعهودِ من لغة العرب.
[والرعبُ: الخَوْفُ. يقال: رَعَبْتُه فهو مَرْعُوب، وأصلُه من الامتلاء،
يقال: رَعَبْتُ الحوض أي: ملأتُه، وسيل راعِب، أي: ملأ الوادي.
والسلطان: الحُجَّة والبرهان، واشتقاقُه: إمَّا مِنْ سَلِيطِ السَّراج الذي يُوقَدُ به(١)
. (٢)، لإِنارتِه ووضوحه، وإمَّ من السَّلاطة وهي الحِدَّةُ والقَهْر](٣).
و ((في قلوب)) متعلُّقُ بالإِلقاءِ. وكذلك ((بما أَشْركوا))، ولا يَضُرُّ تعلُّق
الحرفين لاختلافِ معناهما، فإنَّ ((في)) الظرفية والباءً للسببية. و((ما))
مصدريةٌ. و((ما )) الثانيةُ مفعولٌ به لـ((أَشْركوا))، وهي موصولةٌ بمعنى الذي،
أو نكرةٌ موصوفة. والراجعُ الهاءُ في ((به))، ولا يجوز أن تكونَ مصدريةً عند
الجمهور لعَوْد الضمير عليها. وتَسَلَّط النفيُ على الإِنزال لفظاً والمقصودُ نفيُ
السلطان، أي: الحُجَّة، كأنه قيل: لا سلطانَ على الإِشراكِ فَيُنَزَّلَ كقوله(٤):
١٤٦٤_
ولا تَرَى الضَبَّ بها يَنْجَحِرْ
أي: لا ينجحر الضبُّ بها فيُرى، وقولِه: (٥)
١٤٦٥- على لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بمَنارِه
أي: لا منارَ له فيُهْتدى به، فالمعنى على نفيِ السلطان والإِنزالِ معاً.
و ((سلطاناً)) مفعول لـ «یُنْزِّل)».
(١) وهو ما يضاء به كالدهن والزيت.
(٢) كلمة لم أتبينها في النسخ كافة، رسمت ((سننه)). وانظر اللسان: سلط.
(٣) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل.
(٤) تقدم برقم ١٠٨٩.
(٥) تقدم برقم ١٠٨٨.
٤٣٥

_ آل عمران :-
وقوله: ((وبئسَ مَثْوى الظالمين)» المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي:
مثواهم، أو النار. والمَثْوى: مَفْعَل من ثَوَيْتُ أي: أَقَمْتٌُ، فلامه ياء، وقُدِّم
المأوى - وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان - على المَثْوى - وهو مكانُ
الإقامةِ، لأنه على الترتيبِ الوجودي يأوي ثم يَثْوي، ولا يلزم من المأوى
الإقامةُ، بخلافٍ عَكْسِه.
آ. (١٥٢) قوله تعالى: ﴿صَدَقَكم﴾: ((صَدَقَ)) يتعدَّى لاثنين،
أحدهما بنفسِه والآخرُ بالحرفِ، وقد يُحْذَفُ كهذهِ الآيةِ، والتقدير: صَدَقَكم
في وعدِه كقولهم: ((صدقتُه الحديث))، و((في الحديث)). و((إِذ تَحُسُّونهم))
معمولٌ لـ (صَدَقَكم)) أي: صَدَقَكم في ذلك الوقت، وهو وقتُ حَبُّهم أي
قَتْلِهِم. وأجاز أبو البقاء(١) أن يكون معمولاً للوعد في قوله: «وعدَه))، وفيه نظرٌ.
لأنَّ الوعدَ متقدم على هذا الوقت. يقال: ((حَسَسْتُهُ أَحُسُّهِ) أي: قتلتُه. وقرأ
أبو عبيد(٢): ((تُحِسُّونهم)) رباعياً أي: أذهبتم حِسَّهم بالقتل. و((بإذنه)) متعلّقٌ
بمحذوفٍ لأنه حال من فاعل ((تُحِسُّونهم)) أي: تقتلونهم مأذوناً لكم في
[١٨٤/ب] ذلك /.
قوله: ((حتى إذا فَشِلْتم)) في ((حتى)) هذه قولان، أحدهما: أنها حرف
جر بمعنى ((إلى)) وفي متعلّقها حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنها متعلقةٌ
بـ (تَحُسُّونهم)) أي: تُقتلونهم إلى هذا الوقت. والثاني: أنها متعلقةٌ
بـ ((صدقكم))، وهو ظاهرُ قول الزمخشري(٣) قال: ((ويجوز أن يكونَ المعنى:
صَدَقَكم اللَّهُ وعَدَه إلى وقت فشلكم)). والثالث: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ دَلَّ
عليه السياق، قال أبو البقاء (٤): ((تقديره: دامَ لكم ذلك إلى وقتِ فشلكم))
(١) الإملاء ١٥٤/١.
(٢) نسبها في البحر ٧٨/٣ إلى عبيد بن عمير ولعله الصواب لأن أبا عبيد ليس بالقارىء.
(٣) الكشاف ٤٧١/١.
(٤) الإملاء ١٥٤/١.
٤٣٦

- آل عمران -
القول الثاني: أنها حرفُ ابتداءٍ داخلةً على الجملة الشرطية، و((إذا))
على بابها من كونها شرطية، وفي جوابها حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه
((وتنازعتم)» قال الفراء (١): ((وتكونُ الواوُ زائدةً)». والثاني: أنه ((ثُمَّ صَرَفَكُمْ))
و (ثُمَّ)) زائدةٌ، وهذا القولان ضعيفان جداً. والثالث- وهو الصحيح -: أنه
محذوفٌ، واختلفت عبارتهم في تقديره، فقدَّره ابن عطية(٢): ((انهزمتم))،
وقَدَّره الزمخشري (٣): ((مَنْعَكم نَصْرَه))، وقَدَّره أبو البقاء(٤): ((بان لكم أمرُكم))،
ودل على ذلك قوله: ((منكم مَنْ يريد الدنيا ومنكم مَنْ يريد الآخرة»، وقَدَّره
غيره: ((امتُحِنْتُم))، وقَدَّره الشيخ(٥): ((انقسمتم إلى قسمين، ويَدُلُّ عليه
ما بعده، وهو نظير: ((فلمَّا نَجَّاهم إلى البرِّ فمنهم مُقْتَصِدٌ))(٦). قال الشيخ:
((لا يُقال كيف يقال: انقسمتم إلى مريدِ الدنيا وإلى مريد الآخرة فيمَنْ فَشِل
وتنازع وعصى؛ لأنَّ هذه: الأفعالَ لم تصدُرْ من كلُّهم بل من بعضِهم)).
واختلفوا في ((إذا)» هذه، هل هي على بابها أم بمعنى ((إذ))؟ والصحيح
الأول سواءً قلنا إنها شرطيةٌ أم لا .
قوله: ((ثم صَرَفكم)» عطفٌ على ما قبله، والجملتان من قوله: ((منكم
مَنْ يريد الدنيا ومنكم مَنْ يريد الآخرة)» اعتراضٌ بين المتعاطفين. وقال
أبو البقاء (٧): ((ثم صرفكم)) معطوفٌ على الفعل المحذوف)) يعني الذي قَدَّره
جواباً للشرط، ولا حاجة إليه. (وليبتلِيَكم)) متعلِّقٌ بـ((صرفكم)) و ((أَنْ)) مضمرةٌ
بعد اللام.
(١) معاني القرآن ٢٣٨/١.
(٢) المحرر ٢٦٣/٣.
(٣) الكشاف ٤٧١/١.
(٤) الإملاء ١٥٤/١.
(٥) البحر ٧٩/٣.
(٦) الآية ٣٢ من لقمان.
(٧) الإملاء ١٥٤/١.
٤٣٧

_ آل عمران -
آ. (١٥٣) قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدون﴾: العاملُ في ((إذ)) قيل:
مضمر أي: اذكروا. وقال الزمخشري(١): ((صَرَفَكم إذ ليبتلِيَكم)). وقال
أبو البقاء (٢): ((ويجوز أن تكونَ ظرفاً لـ ((عَصَيْتُمْ)) أو ((تنازَعْتم)) أو ((فَشِلتم)).
وقيل: ((هو ظرفٌ لـ ((عفَا عنكم)). وكلُّ هذه الوجوهِ سائغةٌ، وكونُه ظرفاً
لـ ((صرفكم)) جيدٌ من جهة المعنى، ولـ ((عفا)) جيدٌ من جهة القرب. وعلى
بعض الأقوال تكونُ المسألة من باب التنازع، وتكون على إعمالِ الأخير منها
لعدم الإضمار في الأول، ويكون التنازع في أكثر من عاملين.
والجمهور على ((تُصْعدون)) بضم التاء وكسر العين من أصْعد في الأرض
إذا ذهب فيها، والهمزة فيه للدخول نحو: ((أَصْبح زيدٌ)) أي: دخل في
الصباح، فالمعنى: إذْ تَدْخُلون في الصُّعود، ويِبِيِّن ذلك قراءةُ أُبيّ(٣):
((تُصْعِدون في الوادي)). والحسن والسلمي: ((تَصْعَدون)) من صَعِد في الجبل
أي رَقِي، والجمع بين القراءتين: أنهم أولاً أَصْعَدوا في الوادي، ثم لَمَّا حَزَبهم
العدوُّ صَعِدوا في الجبل، وهذا على رأي مَنْ يفرِّقُ بين: أَصْعَدَ وصَعِد.
وأبو حيوة: (تَصَعَّدُون) بالتشديد، وأصلها: تتَصَعَّدون، فحُذفت إحدى
التاءين: إمَّا تاءُ المضارعة أوتاء تَفَعَّل، والجمع بين قراءته وقراءة غيره كما
تقدم. والجمهور ((تُصْعِدون)) بتاء الخطاب، وابن محیصن(٤) ۔ ویروی عن
ابن كثير - بياء الغَيْبة على الالتفات وهو حسن، ويجوز أن يعود الضمير على
المؤمنين أي: والله ذو فضل على المؤمنين إذ يُصْعِدون، فالعامل في إذ:
((فَضْل)).
(١) الكشاف ١ /٤٧١.
(٢) الإملاء ١٥٤/١.
(٣) القرطبي ٢٣٩/٤، والبحر ٨٢/٣؛ الشواذ ٢٣.
(٤) القرطبي ٢٣٩/٤؛ والبحر ٨٢/٣.
۔۔
..
٤٣٨

- آل عمران -
يقال: أصعد: أبعد في الذهاب، قال القتبي: ((كأنه أبعد كإبعاد
الارتفاع)) قال الشاعر(١):
١٤٦٦ - ألا أيُّهذا السائلي أينَ أَصْعَدَتْ
فإِنَّ لَها في أهل يَثْرِبَ مَوْعدا
وقال آخر (٢):
١٤٦٧ - قد كُنْتِ تبكين على الإِصعادِ
فاليومَ سُرُّحْتِ وصاح الحادي
وقال الفراء(٣) وأبو حاتم: ((الإِصعادُ: ابتداء السفر والمخرج، والصعود
مصدر صَعِد [إذا] رَقِي من سُفْل إلى علوّ) ففرَّقوا (٤) هؤلاء بين صَعِد
وأَصْعد. وقال المفضل: ((صَعِد وصَعَّد وأَصْعد بمعنى واحد، والصعيدُ وجهُ
الأرض».
((ولا تَلْوُون)) الجمهورُ على ((تَلْوون)) بواوين. وقُرىء بإبدال الأولى
همزة(٥) كراهيةَ اجتماعٍ واوين، وليس بقياس لكونِ الضمَّةِ عارضةً، والواوُ
المضمومةُ تُبْدَلُ همزةً(٦) بشروط تقدَّم ذكرها في البقرة: ألَّ تكونَ الضمةُ
عارضةً كهذه الكلمة، وألَّ تكونَ مزيدة نحو: ((تَرَهْوَكَ)(٧)، وألَّ يمكنَ تخفيفُها
نحو: ((سُوُر)) و ((نُور)) جمعُ سِوار ونُوار لأنه يمكن تسكينهما فتقول: سُوْر ونُور
(١) البيت للأعشى وهو في الديوان ١٣٥؛ والهمع ١٧٥/١؛ والدرر ١٥٣/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في مجاز القرآن ١٠٥/١؛ والبحر ٨١/٣.
(٣) معاني القرآن ٢٣٩/١.
(٤) كذا على لغة أكلوني البراغيث.
(٥) البحر ٨٢/٣ من دون نسبة.
(٦) انظر: الممتع ٣٣٦.
(٧) ترهوك في المشي: كان كأنه بموج فيه.
٤٣٩

- آل عمران -
فيخِفُّ اللفظ بها، وألَّا يُدْغَم فيها نحو: ((تَعَوُّد)) مصدر تَعوَّدَ، فنحُو ((فُرُوج))(١)
يَطَّرد إبدالُه لاستكمال الشروط.
ومعنى لا تَلْوون: لا تَرْجعون، يقال: ((لَوَى به)) [أي]: ذهب به، ولَوَى
عليه: عَطَف. قال(٢).
١٤٦٨-
أخو الجَهْد لا يَلْوي على مَنْ تَعَذِّرا
وأصل تَلْوون: تَلْوِيُون فأُعِلَّ بحذفِ اللام، وقد تقدَّم في قوله : ((يَلْوُونَ
ألسنتهم»(٣).
وقرأ الأعمش (٤) : - ورُوِيَتْ عن عاصم - ((تُلْوون)) بضم التاء، من
أَلْوى وهي لغةٌ في ((لَوَى)) فَفَعَل وأَفْعَلَ بمعنىٍّ. وقرأ الحسن: ((تَلُون)) بواوٍ واحدة،
وخَرَّجوها على أنه أَبدلّ الواوَ همزةً، ثم نَقَل حركةَ الهمزةَ على اللام ثم حَذَّف
الهمزةَ على القاعدة، فلم يَبْقَ من الكلمة إلا الفاءُ وهي اللامُ. وقال
ابن عطية(٥): ((وحُذِفَتْ إحدى الواوين للساكنين))، وكان قد قَدَّم أن هذه
القراءةَ مركبةٌ على لغةٍ مَنْ يهمزُ الواو وينقل الحركة، وهذا عجيبٌ بعد أَنْ
يجعلَها من باب نَقْل حركة الهمزة كيف يعود يقول: حُذفت إحدى الواوين؟
(١) فووَج: جمع فوج.
(٢) البيت لامزىء القيس، وصدره:
بسيْر يَضِجُّ العَوْدُ منه ◌َمِنْه
وهو في ديوانه ٦٢؛ واللسان: عذر؛ والبحر ٨٢/٣.
والعود: الجمل المسل: يمنه: يضعفه؛ وأخو الجهد: السائق الشديد.
(٣) الآية ٧٨ من آل عمران.
(٤) القرطبي ٢٣٩/٤؛ والبحر ٨٣/٣.
(٥) المحرر ٢٦٦/٣.
٤٤٠