النص المفهرس
صفحات 301-320
- آل عمران - ١٣٥١- كيفَ نومي على الفراشِ ولَمًّا. تَشْمَلِ الشامَ غارةٌ شَعْوَاءُ وقول الآخر: (١) ١٣٥٢- فهذي سيوفُ يا صُدَّيُّ بنُ مالكٍ كثيرٌ ولكن كيف بالسيفِ ضارِبُ قوله: ((وشَهِدوا)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها معطوفةٌ على ((كفروا)) و((كفروا)» في محلِّ نصبٍ نعتاً لقوماً، أي: كيف يهدي مَنْ جَمَعَ بين هذين الأمرين، وإلى هذا ذهب ابنُ عطية(٢) والحوفي وأبو البقاء(٣)، إلا أنَّ مكيّاً(٤) قد رَدَّ هذا الوجهَ فقال: ((لا يجوزُ عطفُ ((شهدوا)) على ((كفروا)» لفسادٍ المعنى))، ولم يُبَيِّن جهةَ الفسادِ فكأنه فَهِمَ الترتيبَ بين الفكرة والشهادة، فلذلك فَسَدَ المعنى، وهذا غير لازمٍ ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً، ولذلك قال ابن عطية: (٥) (المعنى مفهومُ أنَّ الشهادةَ قبل الكفرِ والواوُ لا تُرَتِّب)». الثاني: أنها في محلُّ نصبٍ على الحال من واو((كفروا))، والعاملُ فيها الرافعُ لصاحبِها، و((قد)» مضمرةٌ معها على رأي، أي: كفروا وقد شهدوا، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري(٦) وأبي البقاء(٧) وغيرهما، قال أبو البقاء: ((ولا يجوز أن يكون العامل ((يَهْدي)) لأنه يهدي مَنْ شَهِدَ أن الرسول حق، يعني أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من ((قوماً)، والعاملُ في الحال ((يَهْدِي)» لِما ذَكّر من فساد المعنى /. [١٦٤/أ] (١) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن للفراء ١٦٤/١؛ وأمالي الشجري ٢٦٧/١؛ والبحر ٥١٨/٢. (٢) المحرر ١٥٢/٣. (٣) الإِملاء ١٤٣/١. (٤) ليس في المشكل. (٥) الكشاف ٤٤٢/١. الإملاء ١٤٣/١. (٦) ٣٠١ - آل عمران ــ الثالث: أن يكونَ معطوفاً على ((إيمانهم)) لما تضمَّنه من الانحلال لجملةٍ فعلية، إذ التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، وإلى هذا ذهب جماعة، قال الزمخشري(١): ((أن يُعْطف على ما في ((إيمانهم)) من معنى الفعل، لأن معناه: بعد أن آمنوا، كُقولِه تعالَى: ((فَأَصَّدَّفَ وأكنْ))(٢) وقوله(٣): ١٣٥٣ - مشائيمُ ليسُوا مُصْلِحِين عشيرةً ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها انتهى. وجهُ تنظيره ذلك بالآية والبيت تَوَهُمُ وجودِ ما يُسَوِّغُ العطفَ عليه في الجملة، كذا يقول النحاة: جُزِم على التوهم أي: لسقوط الفاء، إذ لو سقطت لانجزم في جوابِ التحضيض، وكذا يقولون: تَوَهَّم وجودَ الباءِ فَجَرَّ، وفي العبارة بالنسبة إلى القرآن سوء أدبٍ، ولكنهم لم يقصِدوا ذلك حاش لله، وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أَوْلى كقوله: ((إِنَّ المُصَّدِّقِين والمُصَّدِّقاتٍ وأَقْرضوا))(٤)، إذهو في قوة: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وفي هذه الآيةِ بحثٌ سيمر بك إن شاء الله تعالى. وقال الواحدي: ((عُطِف الفعلُ على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعل تقديرُه: كفروا بالله بعد أَنْ آمنوا، فهو عطفٌ على المعنى كما قال(٥): ١٣٥٤ - لَلُبْسُ عباءةٍ وَتَقَرِّ عيني أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشّفوفِ معناه: لِأَنْ ألبس وتقرَّ عيني) فظاهرُ عبارة الزمخشري والواحدي أن (١) الكشاف ٤٤٢/١. (٢) الآية ١٠ من المنافقون. (٣) البيت للأخوص الرياحي، وهو في الكتاب ٨٣/١؛ والخصائص ٣٥٤/٢؛ وابن يعيش ٥٢/٢؛ وإملاء العكبري ٢١٠/١. (٤) الآية ١٨ من الحديد. (٥) تقدم برقم ٧٠١. ٣٠٢ - آل عمران - الأولَ يُؤَوَّل لأجل الثاني، وهذا ليس بظاهر، لأَنَّا إنما نحتاج إلى ذلك لكونٍ الموضع يطلبُه فعلًا كقوله: ((إنَّ المُصَّدِّقين)) لأنَّ الموصول يَطْلُبُ جملةً فعلية فاحتجْنا أَنْ نتأوَّل اسمَ الفاعل بفعلٍ، وعَطَفْنا عليه ((وأقرضوا))، وأما ((بعد إيمانهم)) وقوله ((للبس عباءة)) فليس مكانُ الاسمِ محتاجاً إلى فعل، فالذي ينبغي : أن نتأول الثاني باسمٍ ليصِحَّ عطفُه على الاسم الصريح قبله، وتأويلُه بأن نأتي معه بـ ((أن)) المصدرية مقدرةً، تقديرُه: بعد إيمانهم وأَنْ شَهِدوا، أي: وشهادتهم، ولهذا تأوَّل النحويون قولَها: (لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ»: وأَنْ تقرَّ، إذ التقدير: وقرةُ عيني، وإلى هذا الذي ذكرته ذهب أبو البقاء(١) فقال: ((التقدير: بعد أَنْ آمنوا وأن شهدوا، فيكونُ في موضعٍ جَرٍّ)). انتهى، يعني أنه على تأويلِ مصدرٍ معطوفٍ على المصدر الصريح المجرور بالظرف، وكلام الجرجاني فيه ما يَشْهد لهذا ويَشْهَدُ لتقدير الزمخشري فإنه قال: ((قوله ((وشَهِدوا)) منسوقٌ على ما يمكنُ في التقدير، وذلك أنَّ قولَه ((بعد إيمانهم)) يمكن أن يكونَ بعد ((أن آمنوا)) وأَنْ الخفيفة مع الفعلِ بمنزلةِ المصدرِ كقولهِ : ((وأَنْ تصوموا خير لكم))(٢) أي: والصوم، ومثلُه مِمَّا حُمِل فيه على المعنى قوله تعالى: ((وما كان لبشرٍ أن يُكَلِّمه الله إلَّ وحياً أو من وراء حجابٍ أو يُرْسِلَ))(٣) فهو عطفٌ على قوله: ((إلا وحياً))، ويمكن فيه: إلا أن يُوحى إليه، فلما كان قوله ((إلا وحياً) بمعنى: إلا أَنْ يُوحَى إليه حَمَله على ذلك، ومثله من الشعر قوله(٤). ١٣٥٥ - فَظَلَّ ◌ُهاةُ اللحم من بين مُنْضِجٍ صَفِيفَ شِواءٍ أو قديرٍ مُعَجَّلٍ - (١) الإملاء ١٤٣/١. (٢) الآية ١٨٤ من البقرة. (٣) الآية ٥١ من الشورى. (٤) من معلقة امرىء القيس، وهو في ديوانه ٢٢. والقدير: المطبوخ في القدر. وانظر بحثاً للنحاس حول هذا البيت في: شرح القصائد التسع ١٨٣/١. ٣٠٣ - آل عمران - خَفَضَ قولَه ((قدير)) لأنه عَطْفُ على ما يمكن في قوله ((منضج)) لأنه أمكن أن يكون مضافاً إلى الصفيف فَحَمَله على ذلك))(١) قلت: فإنْيَانُه بهذا البيتِ نظيرُ إتيان الزمخشري بالآية الكريمة والبيت المتقدمين، لأنه جَرَّ ((قدير)) هنا على التوهم، كأنه تَوَهَّم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله تخفيفاً فَجَرَّ على التوهم، كما تَوَهَّم الآخِرُ وجودَ الباءِ في قوله: ((ليسوا مصلحين))، لأنها كثيراً ما تزاد في خبر ليس. وقوله: ((أن الرسول)) الجمهورُ على أنه وصف بمعنى المُرْسَل، وقيل: هو بمعنى الرسالة فيكون مصدراً وقد تقدَّم ذلك. آ. (٨٧) قوله تعالى: ﴿جزاؤهم﴾: يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ مبتدأ ثانياً، و((أنَّ عليهم)) إلى آخره في محلِّ رفعٍ خبراً لجزاؤهم، والجملةُ خبر لأولئك. والثاني: أن يكونَ ((جزاؤهم)) بدلاً من ((أولئك)) بدلً اشتمال، و((أَنَّ عليهم)) إلى آخره خبرُ أولئك. وقال هنا: ((جزاؤهم أنَّ عليهم لعنةُ الله)) وهناك(٢): ((أولئك عليهم)) دون ((جزاؤهم)) قيل: لأنَّ هناك وَقَعَ الإِخبارُ عَمَّن توفي على الكفر، فمن ثَم حَتَّم الله عليه اللعنةَ بخلافه هنا، فإنَّ سببَ النزولِ في قومٍ ارتدُّوا ثم رجعوا للإِسلام. ومعنى ((جزاؤهم)) أي: جزاءُ كفرِهم وارتدادهم. وتقدَّم قراءةُ الحسنِ ((والناس أجمعون))(٣) وتخريجُها. آ .. (٨٨) وقوله تعالى: ﴿خالدين): حالٌ من الضمير في (عليهم)) والعاملُ فيها الاستقرارُ أو الجارُّ لقيامه مقامَ الفعل وتقدَّمَتْ نظائرُه .. والضمير في ((فيها)) للعنة. و((لا يُخَفَّفُ)) جملةٌ حالية أو مستأنفة. آ. (٨٩) وقوله تعالى: ﴿إلَّ الذين﴾: استثناءٌ متصلٌ. آ. (٩٠) وقوله تعالى: ﴿كفراً﴾: تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية. (١) أي: إنه حمل ((قدير)) على صفيف لو كان مجروراً بالإِضافة. (٢) الآية ١٦١ من البقرة: ((إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله)). (٣) الآية ١٦١ من البقرة. ٣٠٤ - آل عمران - والأصلُ: ثم ازداد كفرهُم، والدالُ الأولى بدلٌ من تاءِ الافتعالِ لوقوعِها بعد الزاي، كذا أعربه الشيخ(١)، وفيه نظرً، إذ المعنى على أنه مفعول به، وذلك أنَّ الفعلَ المتعدِّيَ لاثنين إذا جُعِل مطاوعاً نَقَص مفعولاً، وهذا من ذاك، لأن الأصل: زِدْتُ زيداً خيراً فازداده، وكذلك أصلُ الآية الكريمة، زادهم الله كفراً فازدادوه . ولم يُؤْتَ هنا بالفاء داخلةً على ((لن)) وأتى بها في ((لن)) الثانيةِ. قيل: لأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بالاستحقاق بالوصفِ السابق، لأنه قد صَرِّح بقيدِ موتهم على الكفر / بخلافٍ ((لن)) الأولى فإنه لم يُصَرِّح معها به، فلذلك لم يُؤْتَ بالفاء. [١٦٤/ب] وقرأ عكرمة(٣): ((لن نقبل)) بنونِ العظمة، ((توبتهم)) بالنصب ، فلذلك قرأ: ((فلن نقبل مِنْ أحدِهم ملء)) بالنصب. قوله: ((وأولئك هم الضالون)) في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ في محلِّ رفعٍ عطفاً على خبر إنَّ، أي: إنَّ الذين كفروا لن تُقْبل توبتُهم وإنهم أولئك هم الضالون. الثاني: أن تُجْعَلَ معطوفة على الجملة المؤكدة بإن، وحينئذٍ فلا محلّ لها من الإعرابِ لعطفِها على ما لا محلَّ له. الثالث: وهو أغربُها أن تكونَ الواو للحال، فالجملة بعدها نصب على الحال، والمعنى: لن تُقْبَل توبتُهم من الذنوب والحالُ أنهم ضالون، فالتوبةُ والضلال متنافيان لا يَجْتمعان، قاله الراغب، وهو بعيد في التركيب، وإنْ كانَ قريبَ المعنى. قال الشيخ (٤): ((ويَنْبو عن هذا المعنى هذا التركيبُ، إذ لو أُريد هذا المعنى لم يُؤْتَ باسم الإِشارة». (١) البحر ٥١٩/٢. (٢) وذلك في الآية ٩١. (٣) البحر ٥٢٠/٢. (٤) البحر ٥٢٠/٢. ٣٠٥ - آل عمران -ـ وقوله: ((فلن يُقْبَل)) قد تقدم أن عكرمة [قرأ] ((نقبل)) بالنون(١)، ((ملءَ)) بالنصب مفعولاً به، وقرأ بعضهم (٢): فلن يقبل بالياء من تحت على بنائه للفاعل وهو الله تعالى، و((ملءَ)) بالنصب كما تقدم. وقرأ أبو جعفر وأبو السمّال: ((مِل الأرض)) بطرح همزة ((ملء))، نقل حركتها إلى الساكن قبلها، وبعضُهم يُذْغم نحو هذا، أي: لام ((ملء)) في لام ((الأرض)) بعروضٍ التقائهما . والملءُ مقدارُ ما يملأ الوعاءَ، والمَلْءُ بفتح الميم هو المصدر. يقال: (مَلَأَتُ القِرْبة أملؤها مَلْئَاً))، والمُلاءة المِلْحَفة بضم الميم والمد. و ((ذَهَبا)) العامة على نصبه تمييزاً، وقال الكسائي: ((على إسقاط الخافض)) وهذا كالأول، لأنَّ التمييزَ مقدَّرُ بـ ((مِنْ)) واحتاجت ((ملء)) إلى تفسير لإِبهامها، لأنها دالةٌ على مقدار. كالقَفِيز والصَّاعِ. وقرأ الأعمش ((ذهبُ)) بالرفع، قال الزمخشري(٣): ((رَدّاً على «مِلْءُ)) كما يقال: ((عندي عشرون نفساً رجالٌ)) يعني بالرد البدل، ويكون بدلَ نكرة من معرفة، قال الشيخ (٤): ((ولذلك ضَبَطَ الحُذَّاق قوله ((لك الحمدُ ملءُ السموات)) بالرفع، على أنه نعتٌ للحمد، واستضعفوا نصبه على الحال لكونه معرفة)) قلت: ولا يتعيَّنُ نصبُه على الحال حتى يلزَمِ ما ذكره من الضعف، بل هو منصوبٌ على الظرف، أي : إنَّ الحمد يقع مِلْئاً للسموات وللأرض . قوله: ((ولو افْتَدَى)) الجمهورُ على ثبوتِ الواو وهي واو الحال، قال الزمخشري(٥): ((فإنْ قِلت: كيف موقعُ قوله: ((ولَو افتدى به»؟ قلت: هو كلامٌ (١) انظر في قراءاتها: البحر ٥٢٠/٢؛ الشواذ ٢١؛ الكشاف ٤٤٣/١. (٢) نسبها في الشواذ ٢١ إلى عيسى بن سليمان الحجازي. (٣) الكشاف ٤٤٣/١ (٤) البحر ٥٢٠/٢. (٥) الكشاف ٤٤٣/١. ٣٠٦ ۔۔ - آل عمران - محمولٌ على المعنى كأنه قيل: فَلَنْ يُقبل من أحدِهم فديةٌ ولو افتدى بملء الأرض)». انتهى. والذي ينبغي أن يُحْمل عليه أن الله تعالى أخبر أَنَّ مَنْ ماتَ كافراً لا يُقْبل منه ما يَملأ الأرضَ من ذَهبٍ، على كل حال يَقْصِدُها ولو في حال افتدائه من العذاب، وذلك أنَّ حالة الافتداءِ حالةٌ لا يمتُّّ فيها المفتدي على المفتدَى منه إذ هي حالةُ قهرٍ من المفتدَى منه للمفتدِي. قال الشيخ(١): ((وقد قَرَّرنا في نحوِ هذا التركيب أنَّ (لو)) تأتي مَنْبَهَةً على أَنَّ ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يُظَنُّ أنها لا تندَرِجُ فيما قبلها، كقوله عليه السلام: ((أعطُوا السائل ولو جاء على فرس))(٢) و ((رُدُّوا السائل ولو بِظِلْفٍ مُحْرَق))(٣)، كأنَّ هذه الأشياء كان ممَّا ينبغي أن لا يُؤْتِى بها، لأنَّ كونَ السائلِ على فرسٍ يُشْعر بغناه فلا يناسبُ أَنْ يُعْطِى، وكذلك الظُّلْفُ المُحْرَقُ لا غناءَ فيه، فكان يناسِبُ ألّ ء۔ ۔ يرد به السائل)). وقيل: الواو هنا زائدةً، وقد يتأيَّد هذا بقراءة ابن أبي عبلة ((لو افتدى به)) دون واوٍ، ومعناها أنه جُعِل الافتداءُ شرطاً في عدم القبول فلم يتَعمَّمْ نَفْيُ وجود القبولِ. و((لو)) قيل: هي هنا شرطية بمعنى إنْ، لا التي معناها لِما كان سيقع لوقوع غيره، لأنها مُعَلَّقة بمستقبل، وهو قوله: ((فلن يُقْبل)) وتلك مُعَلَّقَةٌ بالماضي . وافتدى: افْتَعَلَ من لفظِ الفِدْيَة وهو متعدٍّ لواحدٍ لأنه بمعنى فَدَى، فيكونُ اقْتَعَل فيه وفَعَل بمعنىَّ نحو: شَوَى واشتوى، ومفعولُه محذوف تقديره : افتدى نفسه. (١) البحر ٥٢١/٢. (٢) رواه أبو داود: الزكاة ٣٠٦/٢؛ ابن حنبل ٢٠١/١. (٣) رواه أحمد في المسند ٣٨١/٥. والظلف: الحافر. ٣٠٧ - آل عمران - والهاءُ في ((به)) فيها أقوال، أظهرُها: عودُها على ((ملء)) لأنه مقدارُ ما يملؤها، أي: ولو افتدى بملء الأرض. والثاني: أن يعودَ على ((ذهبا)) قاله أبو البقاء(١)، قال الشيخ (٢): ((ويوجد في بعض التفاسير أنها تعود على الملء أو على الذهب، فقوله ((أو على الذهب)) غلطٌ)) قلت: كأن وجهَ الغلطِ فيه أنه [١٦٥/أ] ليس مُحَدَّثاً عنه /، إنما جيء به بياناً وتفسيراً لغيره فَضْلَةً. الثالث: أن يعود على ((مثل)) محذوفٍ، قال الزمخشري(٣): ((ويجوز أَنْ يُراد ((ولو افتدى بمثله)» كقوله: (لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه)) (٤) والمِثْلُ يُحذف في كلامهم كثيراً، كقولك: ((ضَرَبْتُ ضربَ زيدٍ)) تريد مثلَ ضربه، أبو يوسف أبو حنيفة)) أي مثلُه، و(٥) : ١٣٥٦ - لا هيثمَ الليلةَ للمَطيّ و ((قضية ولا أبا حسنٍ لها)) تريد: لا مثلَ هيثم ولا مثل أبي حسن، كما أنه يزاد في قولهم: ((مثلُك لا يفعل كذا)) يريدون: أنت لا تفعل، وذلك أن المثلين يَسُدُّ أحدهما مَسَدَّ الآخر، فكانا في حكم شيء واحد)). قال الشيخ(٦): ((ولا حاجةً إلى تقدير (مثل)) في قوله ((ولو افتدى به))، وكأن الزمخشري تَخَيَّل أَنَّ ما نُفِي أَنْ يُقْبَلَ لا يمكن أن يُفْتَدَى به فاحتاج إلى إضمار ((مثل)) حتى يُغايِرَ بين ما نُفِيَ قَبُوله وبين ما يُقْتَدَى به، وليس كذلك؛ لأن ذلك كما ذكرناه على سبيل الفَرَض والتقدير، إذ لا يمكن عادةً أنَّ أحداً يملك مِلْءَ الأرض ذهباً، بحيث إنه لو بَذَله على أي جهة بَذَله لم يُقْبَلْ منه، بل لو كان ذلك مُمْكِناً لم يَحْتَجْ (١) الإِملاء ١٤٣/١. (٢) البحر ٥٢٢/٢. (٣) الكشاف ١/ ٤٤٤. (٤) الآية ٣٦ من المائدة. (٥) تقدم برقم ٩٨. (٦) البحر ٥٥٢/٢. ٣٠٨ - آل عمران - إلى تقدير ((مثل)) لأنه نُفِي قبولُه حتى في حالة الافتداء، وليس ما قَدَّر في الآية نظيرَ ما مَثَّل به، لأنَّ هذا التقدير لا يُحتاج إليه ولا معنى له، ولا في اللفظ ولا في المعنى ما يدل عليه فلا يُقَدَّر، وأما ما مَثَّل به من نحو: ((ضربت ضرب زيد، وأبو يوسف أبو حنيفة)) فبضرورة العقل نعلم أنه لا بد من تقدير ((مثل))، إذ ضربُك يستحيل أن يكون ضرب زيد، وذاتُ أبي يوسف يستحيل أن تكونَ ذات أبي حنيفة، وأما ((لا هيثم الليلة للمطي)) فَدَلَّ على حذف ((مثل)) ما تقرَّر في اللغة العربية أن ((لا)) التي لنفي الجنس لا تدخُل على الأعلام فتؤثِّر فيها فاحتيج إلى إضمار ((مثل)) لتبقى على ما تقرّر فيها، إذ تقرَّر فيها أنها لا تعملُ إلا في الجنس، لأن العَلَمية تنافي عمومَ الجنس، وأما قوله: ((كما يُزاد في نحو: (مثلُك لا يفعل)) تريد أنت)) فهذا قولٌ قد قِيل [به]، ولكن المختارَ عند حُذَّاق النحويين أنَّ الأسماء لاتزاد)). قلت: وهذا الاعتراضُ على طولِه جوابُه ما قاله أبو القاسم في خطبة كشافه(١): ((فاللغوي وإن عَلَكَ اللغةَ بِلَحْتَيْهِ(٢) والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه إلى آخره))(٣). قوله: ((أولئك لهم عذابٌ أليم)) يجوزُ أَنْ يكونَ ((لهم)) خبراً لاسم الإِشارة، و((عذابٌ)) فاعلٌ به، وعَمِل لاعتمادِه على ذي خبر، أي: أولئك استقر لهم عذاب، وأن يكونَ ((لهم)) خبراً مقدماً، و((عذاب)) مبتدأ مؤخراً، والجملةُ خبر عن اسم الإِشارة، والأولُ أحسنُ، لأنَّ الإِخبار بالمفرد أقربُ من الإِخبار بالجملة، والأول من قَبِيلِ الإِخبار بالمفرد. قوله: ((وما لهم من ناصرين)) يجوزُ أَنْ يكونَ ((من ناصرين)) فاعلاً، وجاز (١) الكشاف ١٦/١. (٢) اللَّحْيُ: منبت اللحية. (٣) ومقصود الزمخشري أن اللغويّ والنحويّ وإنْ برعا في علومهما فإنَّ حقائق القرآن وأسراره لا يدركها إلا مَنْ برع في علم المعاني والبيان. ٣٠٩ - آل عمران - عَمَل الجار لاعتماده على حرف النفي أي: وما استقر لهم من ناصرين. والثاني: أنه (١) خبر مقدم و((من ناصرين)) مبتدأ مؤخر، و((مِنْ)) مزيدةٌ على الإِعرابين لوجود الشرطين في زيادتها. وأتى بناصرين جمعاً لتوافقَ الفواصلَ. آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿لن تنالوا﴾: النَّيْل: إدراك الشيء ولُحوقُه(٢)، وقيل: هو العطية، وقيل: هو تناوُلُ الشيء باليد، يقال: نِلْتُه أناله نَيْلاً. قال تعالى: (ولا ينالون مِن عدو نّيْلً»(٣). وأمَّا النَّوْلُ بالواو فمعناه التناول، يقال: نِلته أبوله أي: تناولته، وأنلته زيداً أَنوله إياه أي: ناولته إياه، كقولك: عَطَوْتُه أعطوه بمعنى تناولته، وأعطيته إياه إذا ناولته إياه(٤). وقوله: ((حتى تنفقوا)) بمعنى إلى أن، و((مِنْ)) في ((مما تحبون)) تبعيضيةٌ، يدلُّ عليه قراءةُ عبد الله(٥): ((بعضَ ما تحبون))، وهذه عندي ليست قراءةً بل تفسيرُ معنى و ((ما )) موصولةٌ وعائدها محذوف، والقولُ بكونها نكرةً موصوفة لا معنى له، وقد جَوَّز ذلك أبو البقاءُ (٦) فقال: [ ((أو نكرةٌ موصوفة، ولا تكون مصدريةً لأنَّ المحبةَ لا تُنْفَقُ، فإنْ جُعِلَتِ المحبة بمعنى المفعول جاز على رأي أبي عليّ))](٧) يعني يبقى التقدير: من الشيء المحبوب، وهذان الوجهان ضعيفان، والأول أضعف. وقوله: ((وما تُنْفِقُوا من شيء)) تقدم نظيره في البقرة(٨). (١) أي ((لهم)) والوجه الأول ما ذكره قبله. (٢) اللحوق: أحد مصادر لحق الفصيحة. انظر: اللسان: لحق. (٣) الآية ١٢٠ من التوبة. (٤) انظر: اللسان: عطا! (٥) البحر ٥٢٤/٢. (٦) الإملاء ١٤٣/١. (٧) ما بين معقوفين لم يظهر في المصورة عن الأصل. (٨) الآية ٢٧٢ من البقرة. ٣١٠ - آل عمران - آ. (٩٣) قوله تعالى: ﴿حِلّ﴾: الحِلُّ: بمعنى الحلال وهو في الأصل مصدر لحَلِّ يَحِلُّ كقولك: عَزَّ يَعِزُّ ◌ِزّاً، ثم يُطلق على الأشخاص مبالغة، ولذلك يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث كقوله تعالى: ((لا هُنَّ حِلَّ لهم))(١)، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها: ((كنت أُطَيِّبُه صلى اللّه عليه وسلم لحِلَّه ولحَرَمِه))(٢) أي: لإِحلاله ولإِحرامه، وهو كالحِرْم واللَّبْس بمعنى الحَرامِ واللباس، قال تعالى: («وحِرْمٌ»(٣) وقرىء ((وحرام)). و((لبني)) متعلق بحِلّ. قوله: ((إلا ما حَرَّم)) مستثنى / من اسمٍ كان. وجَوَّز أبو البقاء(٤) أن يكونَ [١٦٥/ب] مستثنى من ضمير مستتر في ((حِلّا)) فقال: ((لأنه استثناء من اسم كان، والعاملُ فيه ((كان))، ويجوزُ أن يعملَ فيه ((حِلّ) ويكون فيه ضميرٌ يكون الاستثناء منه؛ لأن حِلّاً وحلالاً في موضعِ اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح)). وفي هذا الاستثناءِ قولان، أحدُهما: أنه متصل، والتقدير: إلا ما حَرَّم إسرائيلُ على نفسه، فَحُرِّم عليهم في التوراة، فليس فيها ما زادوه من محرمات وادعوا صِحّة ذلك. والثاني: أنه منقطع، والتقدير: لكنْ حَرَّم إسرائيلُ على نفسِه خاصةً ولم يُحَرِّمْه عليهم، والأول هو الصحيح. قوله: ((مِنْ قبلِ أَنْ تُنَزَّل)) فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلقَ بحَرَّم أي: إلا ما حَرَّم مِنْ قبلٍ، قاله أبو البقاء(٥). قال الشيخ(٦): ((ويَبْعُد ذلك، إذ هو من (١) الآية ١٠ من الممتحنة . (٢) رواه البخاري (الفتح) الحج ٣٩٦/٣؛ أبوداود: الحج ٣٥٨/٢. (٣) الآية ٩٥ من الأنبياء على قراءة حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون حرام: السبعة ٤٣١ : ((وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها)). (٤) الإملاء ١٤٣/١. (٥) الإملاء ١٤٣/١. (٦) البحر ٤/٣. ٣١١ - آل عمران :- الإِخبار بالواضح، لأنه معلومٌ أنَّ ما حَرَّم إسرائيل على نفسه هو مِنْ قبل إنزال التوراةِ ضرورةٌ لتباعدٍ ما بين وجود إسرائيل وإنزالِ التوراة)). والثاني: أنها. تتعلَّقُ بقوله: كان حِلّاً)) قال الشيخ (١): ((ويظهر أنه متعلّقٌ بقوله ((كان حِلّاً لبني إسرائيل)) أي: مِنْ قبلَ أَنْ تُنَزَّل التوراة، وفَصَل بالاستثناء إذ هو فصلٌ جائز، وذلك على مذهبٍ الكسائي وأبي الحسن في جواز أَنْ يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو مجروراً أو حالاً نحو: ((ما حُبِس إلا زيدُ عندَك، وما أوَىُ إلا عمروٌ إليك، وما جاء إلا زيدٌ ضاحكاً)) وأجازَ الكسائي ذلك في المنصوب مطلقاً نحو: ما ضَرَب إلا زيدٌ عمراً، وأجاز هو وابن الأنباري ذلك في المرفوع نحو: ما ضَرَب إلا زيداً عمرو، وأمَّا تخريجُه على غيرِ مذهبٍ الكسائي وأبي الحسن فُقَدَّرُ له عاملٌ مِنْ جنسٍ ما قبله، تقديرُه هنا: حَلَّ من قبلٍ أَنْ تُنَزَّل التوراة». .آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿مِنْ بعد﴾: فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلّق بافترى، وهذا هو الظاهرُ، والثاني: جَوَّزه أبو البقاء(٢) وهو أَنْ يتعلَّقَ بالكذب، يعني الكذبَ الواقعَ مِنْ بعد ذلك. وفي المشار إليه بذلك ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: استقرارُ التحريم المذكور في التوراة، إذ المعنى: إلَّ ما حَرَّم إسرائيلُ علَى نفسِه ثم حَرَّمته التوراة عليهم عقوبةً لهم. الثاني: التلاوةُ، وجاز تذكيرُ اسمٍ الإِشارة لأنَّ المرادَ بها بيانُ مذهبهم. والثالث: الحالُ بعد تحريم إسرائيل على نفسه. وهذه الجملةُ - أعني قولَه ((فَمَن افترى)) - يجوز أن تكون استئنافية فلا محلّ لها من الإِعراب، ويجوز أن تكونَ منصوبةً المحلِّ نسقاً على قوله: (فَأْتُوا بالتوراة)) فتندرجَ في المقول. و((مَنْ)) يجوز أن تكون شرطية أو موصولة، (١) البحر ٤/٣. (٢) الإملاء ١٤٣/١. ٣١٢ - آل عمران - وحَمَّل على لفظِها في قوله: ((افترى)) فلذلك وَحَّد الضميرَ، وعلى معناها فَجُمِع في قوله: ((فأولئك)) إلى آخره. آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿قل صَدَق الله﴾: أي: قل لهم. والعامةُ على إظهارٍ لام ((قُل)) مع الصادِ، وقرأ أبان بن تغلب(١) بإدغامِها فيها، وكذلك أدغمّ اللامَ في السين في قوله: ((قل سيروا))(٢)، وسيأتي أنَّ حمزة والكسائي وهشاماً أَدْغموا اللامَ في السينِ مِنْ قوله تعالى: ((بل سَوَّلَتْ لكم))(٣). قال أبو الفتح(٤): ((علةُ ذلك فُشُرُ هذين الحرفين في الفَمِ وانتشارُ الصوتِ المنبّثِّ عنهما فقارَبَتا بذلك مَخْرَجَ اللامِ فجازَ إدغامُها فيهما(٥) وهو مأخوذٌ من كلامٍ سيبويه، فإنَّ سيبويه قال(٦): ((والإِدغامُ - يعني إدغامَ اللام مع الطاء والصاد وأخواتِهما - جائزٌ وليس ككثرتِه مع الراء، لأنَّ هذه الحروفَ تراخَيْن عنها وهي من الثنايا)) قال: ((وجوازُ الإِدغام لأن آخرَ مخرجِ اللام قريبٌ من مَخْرجها. انتهى)). وقال أبو البقاء(٧) عبارةً توضّح ما تقدَّم وهي: ((لأن الصاد فيها انبساطٌ وفي اللام(٨) انبساطٌ، بحيث يتلاقى طرفاهما فصارا متقاربين)) وقد تقدَّم إعراب قوله: ((مِلَّةً إبراهيم حنيفاً))(٩) فأغنى عن إعادته. (١) البحر ٥/٣؛ الشواذ ٢١. (٢) الآية ١١ من الأنعام . (٣) الآية ١٨ من يوسف. (٤) المحتسب ١٦٥/١. (٥) أي: إدغام اللام في السين أو الصاد. (٦) الكتاب ٤١٧/٢ . (٧) الإملاء ١٤٣/١ . (٨) الأصل: ((الصاد)) وهو سهو، والتصويب من الإملاء. (٩) الآية ١٣٥ من البقرة. ٣١٣ - آل عمران - آ. (٩٦) قوله تعالى: ﴿وُضِع للناس﴾: هذه الجملة في موضعٍ خفضٍ صفةٌ لبيت. وقرأ العامة: ((وُضِع)) مبنياً للمفعول، وعكرمة(١) وابن السَّمَيْفَع: ((وَضَع)) مبنياً للفاعل، وفي فاعله قولان، أظهرهما، أنه ضمير إبراهيم لتقدُّم ذكره، ولأنه مشهورٌ بعِمَارته، والثاني: أنه ضميرُ الباري تعالى. و ((للناس) متعلقُ بالفعل قبله، واللامُ فيه للعلةِ، و((لَلَّذِي بِبَكَّةَ)) خبرُ إنَّ، [١٦٦/أ] / وأَخْبر هنا بالمعرفة وهو الموصول عن النكرة وهو ((أولَ بيت)) لتخصيص النكرة بشيئين: الإضافةِ والوصفِ بالجملة بعده، وهو جائزٌ في باب إِنَّ، ومن عبارةٍ سيبويه(٢): ((إنَّ قريباً منك زيدٌ)) لَمَّا تخصص ((قريباً) بوصفه بالجار بعده ساغ ما ذكرته لك، وزاده حُسناً هنا كونُه اسماً لـ ((إنَّ)، وقد جاءَتِ النكرةُ اسماً لإِنَّ وإنْ لم يكن تخصيصٌ. قال(٣): ١٣٥٧- وإنَّ حَراماً أَنْ أَسُبَّ مجاشعاً بآبائيَ الشُمِّ الكرامِ الخَضَارَمِ و («ببكة)» صلةٌ، والباءُ فيه ظرفيةً أي: في مكة، وبگُّ فيها أوجه، أحدُها أنها مرادفةٌ لمكة فأُبدلت ميمُها باءً، قالوا: والعربُ تُعاقِبُ بين الباء والميم في مواضع، قالوا: هذا عليَّ ضَرْبَةُ لازم ولازِب(٤)، وهذا أمرُ راتِب وراتِم(٥)، والنَّمِيطِ والنَّبِيط(٦)، وَسَبَّدَ رأسه وسَمَدَها(٧)، وأَعْبطت الحُمَّى وَأَعْمَطَتْ(٨)، (١) البحر ٦/٣. (٢) الكتاب ٢٨٤/١. (٣) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٨٤٤؛ والهمع ١١٩/١؛ والدرر ٨٨/١. (٤) صار ضربة لازب: أي صار لازماً ثابتاً. (٥) أمر راتب: مقيم. (٦) النبيط: أول ما يظهر من ماء البئر. (٧) سيد: حلق. (٨) أعبطته: نالته . ٣١٤ - آل عمران - وقيل: اسمٌ لبطن مكة، وقيل: لمكان البيت، وقيل: للمسجدِ نفسِه، وأيَّدوا هذا بأن التباَّ وهو الازدحام إنما يحصُل عند الطواف، يقال: تَّبَاكَ الناسُ أي: ازدحموا. وهذا القولُ يُفْسِده أَنْ يكونَ الشيء ظرفاً لنفسه، كذا قال بعضُهم، وهو فاسدٌ لأنَّ البيتَ في المسجدِ حقيقةً، وسُمِّيت بَكَّة، الازدحام الناس، وقيل: لأنها تَبَّكُّ أعناق الجبابرة، أي تَدُقُّها، وسُمِّيَتْ مكة من قولهم: (تَمَكَّكْتُ المُخِّ من العظم)) إذا استقصيتَه ولم تترك منه شيئاً، ومنه ((امْتَكَّ الفصيلُ ما في ضَرْع أمه)) إذا لم يترك فيه لبناً، ورُوي أنه قال(١): ((لا تُمَكُّكُوا على غرمائكم». ثم في تسميتها بذلك أوجهٌ، فقال ابن الأنباري(٢): ((سُمِّيَتْ بذلك لقلة مائها وزرعها وقلة خِصْبها، فهي مأخوذةً من ((مَكَكْتُ العظمَ)) إذا لم تترك فيه شيئاً. وقيل: لأنَّ مَنْ ظلم فيها مََّه الله أي استقصاء بالهلاك. وقيل: لأنها وسط الأرضِ كالمخ وسطَ العظم، وهذا قولُ الخليل بن أحمد، وهو حسن. والمَكُوك كأس يُشْرب به ويُكال به كالصُّواع. قوله: ((مباركاً وهُدَىَّ)) حالان: إِمَّا من المضمرِ في ((وُضِع)) كذا أعربه أبو البقاء(٣) وغيرُه، وفيه نظرٌ، مِنْ حيث إنه يَلْزَمُ الفصلُ بين الحال وبين العامل فيها بأجنبي، وهو خبر إنَّ، وذلك غير جائز لأنَّ الخبرَ معمولٌ لإِنَّ، فإِنْ أَضْمَرْتَ عاملاً وهو ((وُضِع)) بعد ((للذي ببكة)) أي ((وُضِع)) جاز، والذي حَمل على ذلك ما يعطيه تفسير أمير المؤمنين من أنه وُضع بهذا القيد. (١) وهو حديث شريف وجدته في النهاية ٣٤٩/٤، واللسان: مكك، ومعناه: لا تُلِحُوا. (٢) مذهبه في الزاهر ١١٢/٢ «ازدحام الناس فيها، أو لأنها تُذْهب الجبّارين». (٣) الإملاء ١٤٤/١. ٣١٥ - آل عمران - والظاهرُ أنَّ ((وهدى)) نَشُقٌّ على ((مبارك)). وزعم بعضُهم أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديره: وهو هدىًّ، وهو ساقطُ الاعتبار به . والبركة: الزيادةُ، يقال: بارك الله لك أي: زادَك خيراً، وهو متعدٍّ، ويَدُلُّ عليه: ((أَنْ بوركِ مَنْ))(١) ويُضَمَّنُ معنى [ما يتعدى] (٢) بعلى كقوله: ((وبارَكْنا عليه)(٣). و((تبارَكَ)) لا يَتَصَرَّف ولا يُسْتعمل مسنداً إلا لله تعالى، ومعناه في حَقِّه تعالى: تزايَدَ خيرُه وإحسانه، وقيل: البَرَكَةُ ثبوتُ الخيرِ، مأخوذٌ من مَبْرَك البعير، وإمَّا (٤) من الضميرِ المستكنِّ في الجار، وهو ((بيكة)» لوقوعِه صلةً، والعاملُ: فيها الجارُّ بما تضمَّنه من الاستقرارِ أو العاملُ فِي الجار(٥)، ويجوزُ أَنْ ينْتَصِبَ على إضمارٍ فعلِ المدح أو على الاختصاصِ، ولا يَضُرُّ كونُه نكرةً، وقد تقدَّم دلائل ذلك. و(«للعالمين)) كقوله: ((للمتقين)) أولَ البقرة(٦). آ. (٩٧) قوله تعالى: ﴿فيه آياتٌ﴾: يجوز أن تكون هذه الجملةُ في محل نصبٍ على الحال: إمَّا من ضمير ((وُضع))، وفيه ما تقدَّم من الإِشكال، وإمَّا من الضميرِ في ((بكة)) وهو واضحٌ، وهذا على رأي مَنْ يُجيز تعدُّدِ الحالِ الذي حالٍ واحدٍ، وإمّا مِنَ الضمير في (للعالمين))، وإمَّا من ((هدى))، وجازّ ذلك لتخصُّصهِ بالوصفِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في ((مباركاً»، ويجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ في محل نصب نعتاً لهدى بعد نعتِه بالجار قبلَه، (١) الآية ٨ من النمل ((فلمّا جاءها نُودِي أَنْ بُورِكِ مَنْ في النار)). (٢) سقط من مصورة الأصل. (٣) الآية ١١٣ من الصافات .. (٤) معطوف على قوله، إمَّاهِ الوارد في أول إعراب مباركاً. (٥) لأن الأصل: ((للذي استقر هو بيكة مبارك)). (٦) الآية ٢ من البقرة. ٣١٦ - آل عمران - ويجوزُ أَنْ تكونَ هذه الجملةُ مستأنفةً لا محلَّ لها من الإعراب، وإنما جيء بها بياناً وتفسيراً لبركتِه وهُداه، ويجوزُ أَنْ تكونَ الحالُ أو الوصفُ على ما مَرَّ تفصيله هو الجارَّ والمجرورُ فقط، و((آيَاتٌ)) مرفوعٌ بها على سبيل الفاعلية، لأنّ الجارِّ متى اعتمد على أشياءً ذكرتها في أولِ هذا الموضوعِ رَفَع الفاعل، وهذا أَرْجَحُ مِنْ جَعْلِها جملةً من مبتدأ وخبر، لأنَّ هذه الأشياءَ - أعني الحال والنعت والخبر - أصلُها أَنْ تكونَ مفردةً فما قَرُب منها كان أولى، والجارّ قريبٌ من المفرد، ولذلك تقدَّم المفردُ ثم الظرف ثم الجملةُ فيما ذَكَرْتُ، وعليه الآيةُ الكريمة: ((وقال رجلٌ مؤمن من آل فرعونَ يكتُم إيمانَه))(١) فقدَّم الوصف بالمفرد وهو ((مؤمن)»، وثَنّى بما قَرُب منه وهو ((من آل فرعون))، وثَلَّث بالجملة وهي ((يكتم إيمانه))، وقد جاءَ في الظاهر عكسُ هذا، وسأُوضَّح هذه المسألة إنْ شاء الله عند قوله: ((يُحِبُّهم ويُحِبُّونِه أَذِلَّةٍ))(٢). قوله: ((مقامُ إبراهيم ومَنْ دخله كان آمِناً) فيه أوجه، أحدها أنَّ ((مقام)) بدلٌ من ((آيات))، وعلى هذا يُقال: إنَّ النحويين نَصُوا على أنه متی ذُكِرَ جمعٌ لا يُبْدَلُ منه إلا ما يُوَفِّي بالجمع فتقول: ((مررت / برجالٍ زيدٍ وعمروٍ وبكر)) [١٦٦/ب] لأنَّ أقلَّ الجَمْعِ الصحيح ثلاثةٌ، فإن لم يُوفِّ قالوا: وَجَبَ القطعُ عن البدلية: إمَّا إلى النصب بإضمارٍ فعلٍ، وإمّا إلى الرفعِ على مبتدأٍ محذوفٍ الخبر، كما تقولُ في المثال المتقدم: ((زيداً وعمراً)) أي أعني زيداً وعمراً، أو «زيد وعمرو)) أي: منهم زيد وعمرو، ولذلك أعربوا قولَ النابغة الذبياني(١): ١٣٥٨ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ (١) الآية ٢٨ من غافر. (٢) الآية ٥٤ من المائدة. (٣) تقدم الأول برقم ٣٩٨، وتقدم الثاني برقم ٤٣٠. ٣١٧ - آل عمران - رَمادٌ كَكحلِ العَيْنِ لَأياً أُبينه. ونُؤْيِّ كِذْمِ الحَوْضِ أَثَلَمُ خَاشِعُ على القطع المتقدم، أي: فمنها رمادٌ ونُؤْيٍّ، وكذا قَولُه تعالىّ ((حديثُ الجنودِ فرعونَ وثمود))(١) أي: أعني أو أُذُمُّ فرعون وثمود، على أنه قد يقال: إنَّ المرادَ بفرعون وثمودَ هما ومَنْ تَّبِعَهما مِنْ قومهما، فذكرُهما وافٍ بالجَمْعية، وفي الآيةِ الكريمةِ هنا لم يُذْكَر بعد الآيات إلا شيئان: المقَامُ وأَمْنُ داخلِه، فكيف يكون بدلاً؟ وهذا الإِشكالُ أيضاً واردٌ على قول مَنْ جَعَلَه خبرٌ مبتدأ محذوف أي: هي مقامُ إبراهيم كيف يُخْبِر عن الجمع باثنين؟ . وفيه أجوبةٌ، أحدُها: أنَّ أقلَّ الجمع اثنان كما ذهب إليه بعضهم، قال الزمخشري(٢): ((ويجوزُ أن يُراد: فيه آيات: مقامُ إِبراهيم وأمنُ مَنْ دخله، لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة)). الثاني: أن ((مقام إبراهيم)) وإن كان مفرداً لفظاً إلا أنه يَشْتمل على آياتٍ كثيرة، لأنَّ أَثَرَ القدمين في الصخرةِ الصَمَّاءِ آيَةٌ، وغَوْصُهُمَا فيها إلى الكعبين آية، وإلاّةُ بعضِ الصخرةِ دونَ بعض آية، وإبقاؤه على مَرّ الزمان، وحفظُه من الأعداء آية، واستمرارُه دون آيات سائر الأنبياء - خلا نبيّنا صلى الله عليه وعلى سائرهم - آيةٌ، قال معناه الزمخشري (٣). الثالث: أن يكونَ هذا من باب الطَّيّ، وهو أن يُذْكَرَ جَمِعٌ ثم يُؤْتَى ببعضِه ويُسْكَتَ عِن ذِكْر باقيه لغرضٍ للمتكلم ويسمى طَيّاً، وأنشد الزمخشري عليه قول جرير (٤): (١) الآية ١٧ من البروج. (٢) الكشاف ٤٤٧/١ . (٣) الكشاف ٤٤٧/١. (٤) ديوانه ٦٠٠ ((صارت حنيفة))، والبحر ٩/٣. ٣١٨ - آل عمران - ١٣٥٩- كانَتْ حُنَيْفَةُ أثلاثاً فتُلْتُهُمُ مِنَ العبيدِ وَثُلْثْ مِنْ مَواليها وأوردَ منه قوله عليه الصلاة والسلام: ((حُبِّبَ إليَّ من دُنْياكم ثلاثٌ: الطِّيب والنساء، وقُرَّةُ عيني في الصلاة))(١) ذَكَر اثنين وهما الطَّيب والنساءُ، وطَوَى ذِكْرَ الثالثة، لا يقال: إن الثالثة قوله: ((وقُرَّةُ عيني في الصلاة)) لأنها ليست من دُنْياهم، إنما هي من الأمورِ الأخْروية، وفائدةُ الطيّ عندهم تكبيرُ ذلك الشيء، كأنه تعالى لَّمَّا ذكر من جملة الآيات هاتين الآيتين قال: وكثيرٌ سواهما. وقال ابن عطية (٢): ((والأرجح عندي أن المَقام وأمنَ الداخلِ جُعلا مثالاً مِمَّا في حَرَمِ الله تعالى من الآيات، وخُصًّا بالذكر لعِظَمِهما وأنهما تقومُ بهما الحجةُ على الكفار، إذهم مُدْرٍكون لهاتين الآيتين بحواسِّهم». الوجه الثاني: أن يكونَ («مقامُ إبراهيم)) عطفَ بيان، قاله الزمخشري(٣) وردَّ عليه الشيخ(٤) هذا مِنْ جهةٍ تَخَالُفِهما تَعْرِيفاً وتنكيراً فقال: ((قوله مخالف لإِجماع البصريين والكوفيين فلا يُلتفت إليه، وحكمُ عطفِ البيان عند الكوفيين حكمُ النعتِ فَيْبِعون النكرةَ النكرةَ والمعرفةَ المعرفةَ، وتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي، وأمّا البصريون فلا يجوز عندهم إلا أن يكونا(٥) معرفتين، ولا يجوزُ أن يكونا فكرتين، وكلُّ شيء أورده الكوفيون مِمَّا يُوهم جواز كونه عطفاً جعله البصريونَ بدلاً، ولم يَقُمْ دليلٌ للكوفيين)». قلت: وهذه المسألةُ ستأتي إنْ شاءَ (١) النسائي: عشرة النساء ٥٨/٧؛ ابن حنبل ١٢٨/٣. (٢) المحرر ١٦٥/٣. (٣) الكشاف ٤٠٧/١. (٤) البحر ٩/٣. (٥) أي التابع والمتبوع. ٣١٩ - آل عمران ــ اللّهُ محررةٌ عند قوله تعالى: ((مِنْ ماءٍ صديدٍ))(١) وعند قوله تعالى: مِنْ شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ))(٢). ولَمّا أعرب الزمخشري مقامَ إبراهيم وأَمْنَ داخِله بالتأويل المذكور اعتَرَضَ على نفسِه بما ذكرْتُهُ مِنْ إبدال غيرِ الجمع من الجمعِ ، وأجابٍ بما تقدَّم، واعترض أيضاً على نفسه، بأنه كيف تكون الجملةُ عطفَ بيان للأسماء المفردة؟ فقال: ((فإنْ قلت: كيف أَجَزْتَ أن يكونَ مقامُ إبراهيم والأمنُ عطفَ بيان، وقولُه ((ومَنْ دخله كان آمناً» جملةٌ مستأنفةٌ: إمَّا ابتدائيةٌ وإمَّا شرطيةٌ؟ قلت: أَجَزْتُ ذلك من حيث المعنى، لأن قوله: ((ومَنْ دخله كان آمنً) دلَّ على أَمْنِ مَنْ دَخله، فكأنه قيل: ((فيه آياتٌ بينات: مقامُ إبراهيم وأَمْنُ مَنْ دخله)» ألا ترى أنك لو قلت: ((فيه آيَةٌ بَيِّنَةُ: مَنْ دَخَلہ کان آمناً» صَحِّ، لأن المعنى: فيه آيةٌ بينَةٌ أَمْنُ مَنْ دَخَلَه)). قال الشيخ(٣): ((وليس بواضحٍ لأنّ [١٦٧/أ] تقديرَه وأَمْنُ الداخل هو مرفوعٌ عطفاً على / ((مقام إبراهيم)» وفَسَّر بهما الآياتِ، والجملةُ من قوله: ((وَمَنْ دَخَله كان آمناً» لا موضعَ لها من الإعراب فَتَدَافَعا، إلَّ إن اعتقد أن ذلك معطوفٌ محذوفٌ يَدُلُّ عليه ما بعده، فيمكن التوجيهُ، فلا يُجْعَلُ قولُه ((ومَنْ دخله كان آمناً) في معنى: ((وَمْنُ داخِلِه)) إلا مِنْ حيثُ تفسيرُ المعنى لا تفسيرُ الإِعراب)) وهي مُشاحَّةٌ لا طائلَ تحتها، ولا تدافُعُ فيما ذَكَر، لأنَّ الجملة متى كانَتْ في تأويلِ المفردِ صَحَّ عطفُها عليه، ثم المختارُ أن يكونَ قولُه «مقام إبراهيم)) خبرَ مبتدأ مضمرٍ، لا كما قَدَّرِوه حتى يلزمَ الإِشكالُ المتقدم، بل تقدِّرُه: أحدها (٤) مقام إبراهيم، وهذا هو الوجه (١) الآية ١٦ من إبراهيم. (٢) الآية ٣٥ من النور. (٣) البحر ٩/٣. (٤) لعل الأنسب: إحداها ٣٢٠