النص المفهرس

صفحات 281-300

- آل عمران -
بلا على المثبت الداخل عليه النفيُ نحو: ما أريد أن تجهل وأن لا تتعلم
تريد: ما أريدُ أَنْ لا تتعلم)) انتهى.
وتابع الزمخشريُّ(١) الطبريَّ في عطف ((يأمركم)) على ((يقول)» وجَوَّز في
((لا)) الداخلةِ عليه وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ لتأسيس النفي، والثاني: أنها
مزيدةٌ لتأكيده، فقال: ((وقُرىء ((ولا يأمركم)) بالنصب عطفاً على ((ثم يقول)»، وفيه
وجهان، أحدهما: أَنْ تَجْعَلَ ((لا)) مزيدةً لتأكيد معنى النفي في قوله: ((ما كان
لبشرٍ)) والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله
بالعبادة وتركِ الأندادِ، ثم يأمرَ الناسَ بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أن تتخذوا
الملائكة والنبيين أرباباً كقولك: ما كان لزيدٍ أن أكرمه ثم يهينَي ولا يستَخِفَّ
بي. والثاني: أن تَجْعَلَ ((لا)) غيرَ مزيدة، والمعنى: أنَّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادةِ الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادةِ
عُزير والمسيح، فلمَّا قالوا له: أَنتخذك رَبّاً قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه
الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء)). قلت: وهذا
الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلاتقديري كونٍ ((لا))
لتأسيسِ النفي أو تأكيدِهِ، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد
التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهروالحمد لله صحة كلام الطبري
بكلام أبي القاسم الزمخشري وظهر أن ردّ ابن عطيةً عليه مردود.
وقد رَجَّحَ الناسُ قراءةَ الرفع على النصب قال سيبويه: (٢) ((ولا يأمُركم
منقطعة مما قبلهما؛ لأن المعنى ولا يأمركم الله))، قال الواحدي: ((ومما يدلُّ
على الانقطاع من الأول قراءةُ عبدالله: (٣) ((ولَنْ يأمركم)). قال الفراء: (٤) ((فهذا
(١) الكشاف ٤٤٠/١.
(٢) الكتاب ٤٣٠/١.
(٣) البحر ٥٠٧/٢؛ الكشاف ٤٤٠/١.
(٤) معاني القرآن ٤٤٠/١.
٢٨١

- آل عمران -
دليلٌ على انقطاعِها من النسق وأنَّها مستأنفةٌ، فلمَّا وقعت [لا] موقعَ لن رَفَعَتْ
كما قال تعالى: ((إنَّا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيرا ولا تُسْأل عن أصحاب
الجحيم))(١) وفي قراءة عبدالله: ((ولن تُسْأل)) وقال الزمخشري: (٢) ((والقراءة
بالرفع على ابتداء الكلام أظهرُ، ويَعْضِدُها قراءةُ عبد الله: ((ولن يأمركم)). انتهى.
وقد تقدَّم أنَّ الضميرَ في ((يأمركم)) يجوز أن يعود على ((الله)) وأن يعود
على البشر الموصوف بما تقدم، والمرادُ به النبي صلى الله عليه وسلم أو أعمُّ
من ذلك، سواءً قُرىء برفع (ولا يأمركم)) أو بنصبه إذا جعلناه معطوفاً على
((يؤتيه))، وأما إذا جعلناه معطوفاً على ((يقول)) فإنَّ الضمير يعود لبشر ليس إلا،
ويؤيد ما قلته ما قال بعضُهم: ((ووجهُ القراءةِ بالنصب أن يكونَ معطوفاً على
الفعلِ المنصوب قبله، فيكونُ الضميرُ المرفوع لبشر لا غير)» يعني بما قبله («ثم
يقولَ)). ولمَّا ذكر سيبويه (٣) قراءة الرفع جعل الضمير عائداً على الله تعالى،
ولم يذكر غيرَ ذلك، فُيُحتمل أَنْ يكونَ هو الأظهرَ عنده، ويُحتمل أنه
[١٦١/ أ] / لا يجوز غيرُه، والأول أَوْلِى.
قال بعضهم: ((في الضمير المنصوب في ((يأمركم)) على كلتا القراءتين
خروجٌ من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفاتِ)) قلت: كأنه تَوَهَّم أنه لمّا
[توهم](٤) تقدَّم ذِكْرُ الناسِ في قوله: ((ثم يقول للناس)» كان ينبغي أن يكون
النظم ((ولا يأمرهم)» جَرْياً على ما تقدم، وليس كذلك، بل هذا ابتداءُ خطاب
لا التفات فیه.
قوله: ((بعد إذ أنتم مسلمون)) ((بعد)) متعلُّقٌ بیأمركم، و «بعد» ظرفُ زمانٍ
(١) الآية ١١٩ من البقرة
(٢) الكشاف ٤٤٠/١.
(٣) الكتاب ٤٣٠/١.
(٤) لعله مقحم.
٢٨٢
■■

- آل عمران -
مضافٌ لظرفِ زمانٍ ماضٍ ، وقد تقدَّم أنه لا يُضاف إليه إلا الزمان نحو:
حينئذٍ ويومئذٍ، و((أنتم مسلمون)) في محلّ خفضٍ بالإِضافة؛ لأنَّ ((إذ)) تُضاف
إلى الجملة مطلقاً اسميةً كانت أو فعليةً.
آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ﴾: في العامل في هذا الظرف
أوجهٌ، أحدُها: ((اذكر)) إنْ كان الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم. الثاني: ((اذكروا))
إن كان خطاباً لأهل الكتاب. الثالث: ((اصطفى)) فيكون معطوفاً على ((إذ))
المقدَّمةِ قبلها، وفيه بُعْدٌ، بل امتناعٌ لُبُعْدِه. الرابع: أنَّ العامل فيه ((قال)) من
قوله: ((قال أأقررتم)) وهو واضح جداً.
و «ميثاق)) يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي
وعبد الله(١) وقراءاتِهما: ((ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب)) مثلَ ما في آخر السورة،
وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال: ((أخطأ الكاتب)) وهذا خطأً من قائله كائناً
مَنْ كان، ولا أظنُّهُ يصِحُّ عن مجاهد، فإنه قرأ عليه مثلُ ابنٍ كثير وأبي عمرو
ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.
والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكّر الناسُ فيها أوجهاً،
أحدُها: أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ على الأنبياء مواثيق أنهم
يُصَدِّقون بعضهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن
ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلُوهِ، وهذا مَرْوِيٍّ عن جماعة. الثاني:
أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير:
ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبدالله، ويؤيدُه أيضاً قولُه:
((فَمَنْ تولَّى بعد ذلك)». الثالث(٢): أنه على حذف مضاف تقديرُه: ميثاقُ أمم
الأنبياء أو أتباع ، ويؤيده ما أيِّد ما قبله أيضاً وقوله: ((ثم جاءكم رسول)).
(١) البحر ٥٠٨/٢؛ والقرطبي ١٢٤/٤.
(٢) الأصل: «الثاني» وهو سھو.
٢٨٣

_ آل عمران :-
الرابع: قال الزمخشري (١): ((أَنْ يُراد أهلُ الكتاب، وأَنْ يَرُدُّ على زَعْمهم
تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون: نحن أَوْلى بالنبوة من محمد صلى الله عليه
وسلم، لأنَّا أهل كتاب ومنا كان النبيون)) وهذا الذي قاله بعيد جداً، كيفا
يُسَمِّيهم أنبياءً تهكما بهم، ولم يكن ثَم قرينةٌ تَبِيِّن ذلك؟
قوله: (لَما آتيتُكم)) العامةُ: ((لَما)) بفتح اللام وتخفيف الميم، وحمزة
وحده (٢) على كسر اللام، وسعيد بن جبير والحسن: لَّمَّا بالفتح والتشديد.
فأمّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه، أحدُها: أن تكون ((ما)) موصولةً بمعنى
الذي وهي مفعولةٌ بفعل محذوف، ذلك الفعلُ هو جوابُ القسم، والتقدير:
والله لَتُبُلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتابٍ، قال هذا القائل: لأنَّ لام القسم إنما تقع
على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللامُ على الفعل حُذِف، ثم قال تعالى: ((ثم
جاءكم رسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم)) قال: ((وعلى هذا التقديرِ
يستقيم النظم)). قلت: ((وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوزَ البتة، إذ يمتنع أن تقول
في نظيرِه من الكلام: ((واللَّهِ لِزيداً) تريد، واللّه لتضربَنَّ زيداً.
الوجه الثاني : - وهو قول أبي عليّ (٣) وغيره - أن تكونَ اللَامُ في
((لَما) جوابَ قوله: ((ميثاق البنيين)» لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي لامُ الابتداء
المُتَلَقَّى بها القسمُ، و ((ما)) مبتدأةً موصولة و ((آتيناكم)) صلتُها، والعائد محذوف
تقديره: آتيناكموه، فَحُذِفَ لاستكمال شروطه، و((من كتاب)) حال: إمَّا من
الموصول وإمَّا من عائده، وقوله: ((ثم جاءكم رسول)) عطفٌ على الصلة،
وحينئذ فلا بُدَّ مِن رابطٍ يُربطُ هذه الجملةَ بما قبلَها فإنَّ المعطوفَ على الصلة
صلةٌ، واختلفوا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه محذوفٌ تقديره: ((ثم
(١) الكشاف ١ /٤٤١.
(٢) السبعة ٢١٣، الكشف ٣٥١/١؛ البحر ٥٠٩/٢.
(٣) الحجة (خ) ٢٢٨/٢.
٢٨٤

- آل عمران -
جاءكم رسول به)) فَحُذِف ((به)) لطول الكلام ولدلالة المعنى عليه، وهذا
لا يجوزُ؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَفْ إلا بشروطٍ تقدَّمت، هي مفقودةٌ هنا،
وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفته، ومنهم مَنْ قال: الربطُ
حصل هنا بالظاهر، لأن هذا الظاهر وهو قوله: ((لِما معكم)) صادقٌ على قوله:
(لما آتيناكم)) فهو نظير: ((أبو سعيد الذي رَوَيْتُ عن الخِذْرِيّ، والحَجَّاج الذي
رأيتُ ابنُ يوسف))، وقال(١):
١٣٤٨ - فيا رَبَّ ليلى أَنْتَ في كلِّ موطن
وأنتَ الذي في رحمةِ اللَّهِ أَطْمَعُ
يريدون: عنه ورأيته وفي رحمته، وقد وَقَع ذلك في المبتدأ والخبر نحو
قوله تعالى: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنَّا لا نضيع أَجْرَ مَنْ أحسن
عملًا))(٢) وهذا رأي أبي الحسن وتقدَّم فيه بحث. ومنهم مَنْ قال: إنَّ العائدَ
يكون ضميرَ الاستقرارِ العامل في ((مع)»، و ((لتؤْمِنُنَّ به)) جوابُ قسمٍ مقدرٍ،
وهذا القسمُ المقدَّرُ وجوابُه خبرٌ للمبتدأ الذي هو ((لَما آتيناكم))، والهاء في به
تعود على المبتدأ ولا تعودُ على ((رسول)»، لئلا يلزَمَ خُلُوُّ الجملةِ / الواقعةِ [١٦١ب]
خبراً من رابطٍ يَرْبِطُها بالمبتدأ .
الثالث: كما تقدم إلا أن اللام في ((لما)) لامُ التوطئة، لأنَّ أَخْذَ الميثاق
في معنى الاستحلاف، وفي ((لتؤمِنُنَّ به)) لامُ جوابٍ القسم، هذا كلام
الزمخشري(٣) ثم قال: ((وما)) تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط،
و ((لتؤمِنُنَّ» سادٌّ مسدّ جوابِ القسم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى ((الذي)).
وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنَّ لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط،
(١) البيت لمجنون بني عامر وليس في ديوانه، وهو في المغنى ٢٣٠؛ والأشموني ١٤٦/١؛
والهمع ٨٧/١؛ والدرر ٦٤/١.
(٢) الآية ٣٠ من الكهف.
(٣) الكشاف ٤٤١/١.
٢٨٥

- آل عمران -
وتأتي غالباً مع ((إنْ))، أما مع الموصول فلا، فلو جَوَّز في اللام أن تكونَ موطئَةً
وأن تكونَ للابتداء، ثم ذكر في ((ما)) الوجهين لحَمَلْنَا كلٌّ واحد على ما يليقِ
به .
الرابع: أن اللامَ هي الموطئة و ((ما)» بعدَها شرطيةٌ، ومحلها النصب على
المفعول به بالفعل الذبي بعدها وهو ((آتيناكم))، وهذا الفعلُ مستقبلٌ معنىَّ
لكونه في حَيِّز الشرط، ومَحلُّه الجزم والتقدير: والله لَأيَّ شيء آتيْتُكم مِنْ كذا
وكذا لتكونن کذا.
وقوله: ((مِنْ كتابٍ)) كقوله: ((ما نْسَخْ من آية))(١) وقد تقدَّم تقريرُه.
وقوله: ((ثم جاءكم رسول)» عطفٌ على الفعلِ قبلَه فيلزُم أَنْ يكون فيه رابطٌ
يربطُه بما عُطِف عليه. و(لتؤمِنُنَّ)) جوابٌ لقوله: ((أَخَذَ الله ميثاق النبيين))،
وجوابُ الشرط محذوفٌ سَدَّ جوابُ القسمِ مَسَدَّه، والضميرُ في ((به)) عائدٌ على
((رسول))، كذا قال الشيخ(٢)، وفيه نظر لأنه يمكن عَوْدُه على اسمِ الشرط،
ويَسْتغني حينئذ عن تقديره رابطاً، وهذا كما تقدَّم في الوجهِ الثاني، ونظيرُ هذا
من الكلام أن تقول: ((أَحْلِفُ باللّهِ لأَيَّهم رأيتُ ثم ذهب إليه رجلٌ قُرَشِي
لُأَحْسِنَنَّ إليه)) تريدُ إلى الرجل، وهذا الوجهُ هو مذهبُ الكسائي.
وقد سأل سيبويه (٣) الخليلَ عن هذه الآية فأجاب بأنَّ ((ما)) بمنزلة الذي،
ودَخَلَتِ اللامُ على ((ما) كما دخلت على ((إنْ)) حين قلت: واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ
لأفعلنَّ، فاللامُ التي في ((ما)» كهذه التي في إنْ، واللام التي في الفعل كهذه
التي في الفعل هنا)) هذا نصُّ الخليل. قال أبو علي (٤): ((لم يُرِد الخليل بقوله
(١) الآية ١٠٦ من البقرة
(٢) البحر ٥٠٩/٢.
(٣) الكتاب ٤٥٥/١.
(٤) الحجة (خ) ٢٣٠/٢.
٢٨٦

- آل عمران -
((إنها بمنزلة الذي)) كونَها موصولةً بل أنها اسمٌ كما أن الذي اسم، وقرر أن
تكونَ حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله: ((وإِنَّ كُلَّ لَمَّا لَيُوفَّنَّهم))(١) ((وإنْ كلُّ
ذلك لَّمَّا متاعُ الحياة))(٢). وقال سيبويه(٣): ((ومثلُ ذلك: ((لَمَنْ تَبِعك منهم
الأملأن جهنّم))(٤) إنما دَخَلَتْ اللامُ على نِيَّةِ اليمين)).
وإلى كونها شرطيةً ذهب جماعةٌ كالمازني والزجَّاج(٥) والزمخشري(٦)
والفارسي، قال الشيخ(٧): ((وفيه حَدْسٌ لطيف، وحاصلُ ما ذكر أنهم إن أرادوا
تفسيرَ المعنى فيمكن أن يُقال، وإنْ أرادوا تفسير الإِعراب فلا يَصِحُّ ؛ لأنَّ كلَّا
منهما - أعني الشرط والقسم - يطلُب جواباً على حِدة، ولا يمكن أن يكونَ
هذا محمولاً عليهما؛ لأنَّ الشرطَ يقتضيه على جهة العملِ فيكونُ في موضع
جزم، والقسمُ يطلبُه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له(٨)
من الإِعراب، ومُحالٌ أن يكونَ الشيء له موضعٌ من الإِعراب ولا موضع له
من الإِعراب)) قلت: وقد تقدَّم هذا الإِشكالُ والجوابُ عنه.
الخامس: أنَّ أصلَها ((لَمَّا)) بتشديدِ الميم فخففت، وهذا قول ابن
أبي إسحاق، وسيأتي توجيهُ قراءة التشديد فَتُعْرَفُ مِنْ ثَمَّة .
وقرأ حمزة: ((لِما)) بكسرِ اللامِ خفيفةَ الميم أيضاً، وفيها أربعةُ أوجه،
أحدها : - وهو أغربُها - أن تكونَ اللام بمعنى ((بعد)) كقول النابغة(٩):
(١) الآية ١١١ من هود.
(٢) الآية ٣٥ من الزخرف.
(٣) الكتاب ٤٥٦/١.
(٤) الآية ١٨ من الأعراف.
(٥) معاني القرآن ٤٥٥/١.
(٦) الكشاف ٤٤١/١.
(٧) الحجة (خ) ٢٣٠/٢.
(٨) قوله: ((فلا موضع له)) وردت بالتكرار في الأصل.
(٩) تقدم برقم ٣٩٨.
٢٨٧

۔ آل عمران -
١٣٤٩- تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها
لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابِعُ
يريد: فَعَرَفْتُها بعد ستة أعوام، وهذا منقولٌ عن صاحب النظم،
ولا أدري ما حَمَّلَه على ذلك؟ وكيف يَنْتظم هذا كلاماً، إذ يصير تقديرُه: وإذ
أخذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ بعدَما آتيناكِم، ومَنِ المخاطبُ بذلك؟
الثاني: أنَ اللامُ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة
بـ «لتؤمِنُنَّ))، و((ما)) حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري(١): ((ومعناه لأجلِ إيتائي
إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ
((ما) مصدريةٌ، والفعلان معها أعني: ((آتيناكم))(٢) و ((جاءكم)) في معنى
المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى: أخَذَ اللّه ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ
بالرسول ولتنصُرُّنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان
ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالفٍ. قال الشيخ (٣): ((ظاهر هذا التعليل الذي ذكره
والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ
فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذٍ
[١٦٢/أ] / الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةً بأخذ، وعلى ظاهر تقدير
الزمخشري تكون متعلقةُ بقوله: لتؤمِنُنَّ به))، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام
المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول: والله لأضربَنَّ زيداً،
ولا يجوزُ: والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في ((لما))
بقوله: ((لتؤمِننَّ)). وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب - إذا كان
ظرفاً أو مجروراً - تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك (٤).
(١) الكشاف ٤٤١/١.
(٢) كذا بالأصل على قراءة نافع بالضمير المعظم نفسه.
(٣) البحر ٥١٢/٢.
(٤) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٢٢٥ وتمامه:
رضيعَيْ لِبانٍ ثَذْيَ أَمِّ تحالَفَا
باسْحَمَ داجٍ
٢٨٨

١٣٥٠-
- آل عمران -
عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
وقوله تعالى: ((عَمَّا قليلٍ لِيُصْبِحُنَّ نادمين))(١) فعلى هذا يجوز أن تتعلق
بقوله: ((لْتُؤْمِنُنَّ) وفي هذه المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت:
أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو
واضحٌ فلم يَبْقَ إلَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه
وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمِّن یری جوازه .
والثالث: أن تتعلَّقَ اللام بأخذ أي: لأجل إيتائي إياكم كيت وكيتَ
أخذْتُ عليكم الميثاق، وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: لرعاية ما أتيتكم.
الرابع: أن تتعلَّقَ بالميثاق لأنه مصدر، أي توثَّقْنا عليهم لذلك. هذه
الأوجهُ بالنسبة إلى اللام، وأمَّا [ما] ففيها ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أَنْ تكونَ
مصدرية وقد تقدَّم تحريرُه عند الزمخشري. والثاني: أنها موصولة بمعنى
الذي وعائدُها محذوفٌ و((ثم جاءكم)) عطف على الصلة، والرابط لها
بالموصول: إمَّا محذوفٌ تقديره: ((به)) وهو رأيُ سيبويه(٢)، وإمَّا لقيامِ الظاهر
مقامَ المضمرِ وهو رأيُ الأخفش، وإمَّا ضميرُ الاستقرار الذي تضمَّنه ((معكم))
وقد تقدَّم تحقيق ذلك. والثالث: أنها نكرةٌ موصوفة، والجملةُ بعدها صفتُها
وعائدُها محذوف، و((ثم جاءكم)) عطفٌ على الصفة، والكلامُ في الرابطِ كما
تقدَّم فيها وهي صلة، إلا أنَّ إقامة الظاهر مُقام الضمير في الصفة ممتنع،
لو قلت: ((مررت برجلٍ قام أبو عبدالله)) على أن يكون ((قام أبو عبد الله)) صفة
= وهو في الخصائص ٢٦٥/١؛ والإنصاف ٤٠١؛ وابن يعيش ٤ /١٠٧؛
والخزانة ٢٠٩/٣؛ والهمع ٢١٣/١؛ والدرر ١٨٣/١؛ والشاهد: تقدُّم الظرف
(عوض)) على جواب القسم ((لا نتفرَّق)».
(١) الآية ٤٠ من المؤمنون.
(٢) الكتاب ٤٥٥/١، ٤٥٦.
٢٨٩

ــ آل عمران -
الرجل، والرابطُ أبو عبد الله، إذ هو الرجل في المعنى لم يَجُز ذلك، وإن جاز في
الصلة والخبر عند مَنْ يرى ذلك، فيتعيَّن عَوْدُ ضمير محذوف.
وجوابُ قوله: ((وإذ أخذ الله ميثاقَ)) قوله: ((لتؤمِنُنَّ به)) كما تقدم،
والضمير فيه ((به)) عائدٌ على ((رسول))، ويجوز الفصلُ بين القسم والمقسم عليه
بمثلِ هذا الجار والمجرور لو قلت: ((أقسمتُ للخير الذي بلغني عن عمروٍ :
لأحْسِنَنَّ إلیه» جاز.
وقوله: ((مِنْ كتابٍ وحكمة)»: إمَّا حالٌ من الموصول أو من عائده،
وإمَّا بيانُ له فامتنع في قراءةٍ حمزة أن تكونَ (ما)) شرطيةً كما امتنع في قراءة
الجمهورِ أن تكونَ مصدريةً.
وأمَّا قراءةُ سعيد والحسن(١) ففيها أوجه، أحدها: أَنَّ (لَمَّ)) هنا ظرفيةٌ
بمعنى حين فتكونُ ظَرفية. ثم القائلُ بظرفيتها اختلف تقديرُه في جوابها،
فذهب الزمخشري (٢) إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم فقال:
((لَمَّا)) بالتشديد بمعنى حين، أي: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم
جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَّ عليكم الإِيمانُ به ونصرتُه)). وقال ابن عطية (٣):
((ويظهر أن ((لمَّا) هذه الظرفيةُ أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس
وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ، فيجيء على هذا المعنى
كالمعنى في قراءة حمزة)) فقدَّر ابن عطية جوابَها من جنس ما سبقها، وهذا
الذي ذهبا إليه مذهب مرجوح قال به (٤) الفارسي، والجمهور: سيبويه وأتباعُه
على خلافه، وقد تقدم تحقيق هذا الخلاف فلا حاجة لذكره. وقال
(١) قراءتهما بتشديد ((ما))
(٢) الكشاف ١ /٤٤١.
(٣) المحرر ١٤٦/٣.
(٤) أي قال باسمية لمَّا الظرفية، وسيبويه عَدَّها حرفاً: الكتاب ٣١١/٢؛ الإيضاح
العضدي ٣١٩.
٢٩٠

- آل عمران -
الزجاج(١): ((أي لَمّا آتاكم الكتاب والحكمة أخذ عليكم الميثاق، وتكون
((لمَّا)» تؤول إلى الجزاء كما تقول: لَمّا جِئْني أكرمتُك)) وهذه العبارةُ لا يؤخذ
منها كونُ ((لَمّا)) ظرفيةً ولا غير ذلك، إلا أن فيها عاضداً(٢) لتقدير ابن عطية
جوابها من جنس ما تقدمها بخلاف تقدير الزمخشري .
الثاني: أن ((لَمَّا)) حرفُ وجوبٍ لوجوبٍ، وقد تقدَّم دليله وأنه مذهب
سيبويه، وجوابُها كما تقدَّم مِنْ تقديري ابن عطية والزمخشري. وفي قول
ابن عطية: ((فيجيء على المعنى كالمعنى في قراءة حمزة)» نظر؛ إذ قراءة
حمزة فيها تعليل وهذه القراءةُ لا تعليل فيها، اللهم إلا أن يقال: لَمَّا كانت
((لَّمَّا)) تحتاجُ إلى جوابٍ أشبه ذلك العلةَ ومعلولَها، لأنك إذا قلت: ((لَمَّا جِئْتَني
أكرمتُك)) في قوةٍ: أكرمتُك لأجلِ مجيئي إليك، فهي من هذه الجهةِ كقراءة
حمزة .
والثالث: أنَّ الأصلَ: لَمِنْ ما فأدغمت النون في الميم لأنها تقاربُها،
والإِدغامُ هنا واجب، / ولما اجتمع ثلاثُ ميمات، ميمٍ مِنْ، وميمِ ((ما)) [١٦٢/ب]
والميمِ التي انقلبت من نون ((من)) لأجل الإِدغام فحصل ثقل في اللفظ. قال
الزمخشري(٣): ((فحذفوا إحداها)). قال الشيخ (٤): ((وفيه إبهامٌ))، وقد عَيَّنها
ابن عطية(٥) بأن المحذوفة هي الأولى، قلت: وفيه نظر، لأنَّ الثقلَ إنما حصل
بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيح في نظائره إنما هو حَذْفُ الثواني نحو:
(تَنَزَّل)) و((تَذَكَّرون))، وقد ذكر أبو البقاء(٦) أنّ المحذوفة هي الثانية، قال:
(لضَعْفها بكونها بدلاً وحصول التكرير بها)».
(١) معاني القرآن ٤٤٦/١.
(٢) الأصل: عاضد وهو سهو.
(٣) الكشاف ٤٤١/١.
(٤) البحر ٥١٢/٢.
(٥) المحرر ١٤٦/٣.
(٦) الإملاء ١/ ١٤٢.
٢٩١

- آل عمران :-
و ((مِنْ)) هذه التي في ((لَمِنْ ما)) زائدة في الواجب على رأي أبي الحسن
الأخفش(١). وهذا تخريج أبي الفتح (٢)، وفيه نظرٌ بالنسبة إلى ادعائه زيادة
(مِنْ)) فإن التركيب يقلق على ذلك، ويبقى المعنى غيرَ ظاهر.
الرابع: أنَّ الأصل أيضاً: لَمِنْ ما، فَفُعِل به ما تقدم من القلب والإِدغام
ثم الحذفِ، إلا أن ((مِنْ)) ليست زائدةً بل هي تعليليَّةً، قال الزمخشري(٣):
((ومعناه لمِنْ أجل ما أتيتكم لتؤمنُنَّ به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى))
قلت: وهذا الوجه أوجهُ ممَّا تقدَّمه لسلامته من ادِّعاء زيادة ((مِنْ)) ولوضوح
معناه. قال الشيخ(٤): ((وهذا التوجيهُ في غاية البُعْد ويُنَزَّ كلامُ العرب أن يَأْتِيَ
فيه مثلُه فكيف في كتابِ اللّهِ عز وجل! وكان ابن جني كثيرَ التمخُّلِ في كلام
العرب، ويلزم في ((لَمّا)) هذه على ما قرره الزمخشري أن تكونَ اللامُ في ((لَمِنْ
ما آتيناكم)) زائدةً، ولا تكونُ اللامَ الموطئة، لأنَّ الموطئةَ إنما تدخل على
أدوات الشرط لا على حرف الجر، لو قلت: ((أقسم بالله لمِنْ أجلك لأضربن
زيداً)) لم يَجُزْ، وإنما سُمِّيتِ موطئةً لأنها تُوَطَّىء ما يَصْلُح أن يكونَ جواباً
للشرط للقسم، فيصيرُ جوابُ الشرط إذ ذاك محذوفاً لدلالةِ جواب القسم
عليه)) قلت: قد تقدَّم له هو أنَّ ((ما)) في هذه القراءة يجوز أن تكونَ موصولة
بمعنى الذي، وأن اللام معها موطئَةٌ للقسمِ، وقد حصر هنا أنها لا تدخل
إلا على أدوات الشرط فأحدُ الأمرين لازمٌ له، وقد قَدَّمْتُ أنَّ هذا هو الإِشكالُ
على مَنْ جَعَلَ ((ما)) موصولةً وجَعَلَ اللامَ موطئَةً .
وقرأ نافع(٥): (آتَيْنَاكم)) بضميرِ المعظّم نفسَه، والباقون: ((آتيتكم)
(١) انظر أمثلة على ذلك في معاني القرآن ٩٨/١.
(٢) المحتسب ١٦٤/١.
(٣) الكشاف ٤٤١/١.
(٤) البحر ٥١٢/٢.
(٥) السبعة ٢١٤؛ والكشف ٣٥١/١.
٢٩٢

- آل عمران -
بضميرِ المتكلم وحدَه، وهو موافقٌ لما قبله وما بعده من صيغة الإفراد في
قوله: ((وإذ أخذ الله»، وجاء بعده «إصري)).
وفي قوله ((آتيتكم)) أو (آتيناكم)) على كلا القراءتين التفاتان أحدُهما:
الخروجُ من الغيبة إلى التكلم في قوله آتينا أو آتيتُ، لأنَّ قبله ذِكْرَ الجلالة
المعظمة في قوله: ((وإذ أخذ الله))، والثاني: الخروجُ من الغَيْبة إلى الخطاب
في قوله ((آتيناكم)) لأنه قد تقدَّمه اسم ظاهر وهو (النبيين))، إذ لوجرى على
مقتضى تقدُّم الجلالة والنبيين لكان التركيب: وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين
لما آتاهم من كتاب كذا، قال بعضهم: ((وفيهِ نظرٌ لأنَّ مثلَ هذا لا يسمى التفاتاً
في اصطلاحِهم، وإنما يسمى حكايةَ الحال، ونظيرُه قولك: حلف زيد
ليفعلنَّ ولأفعلن، فالغَيْبَةُ مراعاةً لتقدُّم الاسم الظاهر، والتكلُم حكايةٌ لكلامِ
الحالفِ، والآية الكريمة من هذا)).
وأصل لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنَّه: لتؤمنونَنّ ولتنصرونَنّ، فالنون الأولى علامة
الرفع، والمشددة بعدها للتوكيد، فاسْقِلَ توالي ثلاثة أمثال فحذفوا نونَ الرفع
لأنها ليست في القوة كالتي للتوكيد، فالتقى بحذفها ساكنان، فَحُذِفَت الواوُ
لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبدالله(١): (مُصَدِّقًا)) نصبٌ على الحال من النكرة، وقد قاسه سيبويه(٢)
وإنْ كان المشهورُ عنه خلافَهُ، وحَسَّن ذلك هنا كونُ النكرةِ في قوة المعرفة من
حيث إنه أُريد بها شخصٌ معين وهو محمد صلى الله عليه وسلم. واللام في
(لَما)» زائدةٌ لأنَّ العاملَ فرع وهو مُصَدِّق والأصل: مُصَدِّقٌ ما معكم.
قوله: ((قال أَقْرَرْتُم)»: فاعلُ ((قال)) يجوز أن يكونَ ضميرَ الله تعالى
وهو الظاهر، وأن يكون ضَميرَ النبي الذي هو واحد النبيين، خاطب بذلك
(١) البحر ٥١٣/٢.
(٢) الكتاب ٢٧٢/١.
٢٩٣

- آل عمران -
أمته، ومتعلَّقُ الإِقرارِ محذوفٌ، أي: أأقررتم بذلك كله، والاستفهامُ على
الأول مجازٌ، إذ المرادُ به التقريرُ والتوكيدُ عليهم لاستحالتِهِ في حق الباري
تعالى، وعلى الثاني هو استفهامٌ حقيقةً، و((إصْري)) على الأول الياء لله تعالى
وعلى الثاني للنبي.
وقرأ العامة ((إصري)) بكسر الهمزة وهي الفصحى، وقرأ أبوبكر عن
عاصم في رواية: (١) (أُصْري)) بضمها، ثم المضمومُ يُحتمل أن يكون لغةً: في
المكسور وهو الظاهر، ويحتمل أن يكونَ جمع إصار، ومثله أُزُر(٢) في جَمِع
إزار، وقد تُقَدَّم في أواخر البقرة(٣) الكلامُ عليه مشبعاً.
وقوله: ((أَقْرَرْنَ)) أي: بالإِيمان به وتبصرتِه. وفي الكلام حذفُ جملةٍ
أيضاً، حُذِفَتْ لدلالةِ ما تقدَّم عليها، إذ التقديرُ: قالوا أقرِرنا وأخذنا إصْرَّكَ
علی ذلك كله.
وقوله: ((فاشْهَدُوا)) هذه الفاءُ عاطفة على جملة مقدرةٍ تقديره: قال:
أأقررتم فاشهدوا، ونظيرُ ذلك: ((أَلِقِيتَ زيداً)؟ قال: ((لَقِيتُه))، قال: ((فَأَحسِنْ
إليه))، التقدير: أَلَقِيتَ زِيداً فأحسن إليه، فما فيه الفاءُ بعضُ المقول، ولا جائز
أن يكونَ كلَّ المقولِ لأجل الفاء، ألا ترى قوله: ((قال: أأقررتم)) وقوله:
((قالوا: أقررنا)) لَمَّا كان كلَّ المقول لم يُدْخِلِ الفاء، قاله الشيخ (٤)، والمعنى
واضح بدونه .
[١٦٣/أ]
قوله: ((مِنَ الشاهدين)) هذا هو / الخبرُ لأَنَّه مَحَطُّ الفائدة، وأمَّا قوله
(معكم) فيجوزُ أن يكون حالاً أي: وأنا من الشاهدين مصاحباً لكم، ويجوز
(١) السبعة ٢١٤؛ البحر ٥١٣/٢.
(٢) هذا بضم العين، وأصري في قراءة أبي بكر بتسكين الصاد.
(٣) الآية ٢٨٦ من البقرة.
(٤) البحر ٥١٤/٢.
٢٩٤

- آل عمران -
أن يكونَ منصوباً بالشاهدين ظرفاً له عند مَنْ يرى تجويز ذلك(١)، ويمتنع أن
يكونَ هو الخبرَ إذ الفائدةُ به غيرُ تامة في هذا المقام، والجملةُ من قوله: ((وأنا
معكم من الشاهدين)) يجوز ألَّ يكونَ لها محلٌّ لاستئنافِها، ويجوز أن تكونَ
في محلٌّ نصبٍ على الحال من فاعل ((فاشْهَدوا)).
آ. (٨٢) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَولَّى﴾: يجوز أنْ تكونَ ((مَنْ)) شرطيةٌ
فالفاء في ((فأولئك)) جوابُها، وأن تكونَ موصولةً، ودخلت الفاءُ لشبه المبتدأ
باسم الشرط، فالفعل بعدها على الأول في محل جزم، وعلى الثاني لا محلّ
له لكونِه صلةً، وأما «فأولئك)) ففي محلِّ جزم أيضاً على الأول ورفعٍ على
الثاني لوقوعِهِ خبراً، و((هم)) يجوزُ أن يكونَ فصلاً وأن يكونَ مبتدأ، وهذه
الأشياء واضحةٌ مِمَّا تقدَّم، فلذلك لم أُوغل في بيانها.
آ. (٨٣) قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دين الله يَبْغون﴾: قد تقدم أن
الجمهور يجعلون الهمزةَ مقدمةً على الفاء للزومِها الصدرَ، والزمخشري يُقِرُّها
على حالها ويقدِّرُ محذوفاً قبلها، وهنا جَوَّز(٢) وجهين، أحدُهما: أن تكونَ الفاءُ
عاطفةً جملةً على جملة، والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغيرَ دين الله
يبغون، ثم توسَّطت الهمزةُ بينهما. والثاني: أن يُعْطَف على محذوفٍ تقدیرُهُ:
أيتولَّون فغيرَ دين الله يبغون، وقَدَّم المفعولَ الذي هو (غير)» على فِعْلِهِ لأنه أهمُّ
من حيثُ إنَّ الإِنكارَ الذي هو معنى الهمزة متوجهٌ إلى المعبودِ بالباطل، هذا
كلامُ الزمخشري. قال الشيخ: (٣) ((ولا تحقيقَ فيه لأنَّ الإِنكار الذي هو معنى
الهمزة لا يتوجّه إلى الذوات، إنما يتوجّه إلى الأفعال التي تتعلَّق بالذوات،
فالذي أُنْكر إنما هو الابتغاء الذي متعلَّقُه غيرُ دين الله، وإنما جاء تقديمُ
(١) ويحتج المانع بأن ((أل)) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
(٢) الكشاف ٤٤١/١.
(٣) البحر ٥١٥/٢.
٢٩٥

- آل عمران بـ
المفعول من باب الاتساع، ولشبهِ يبغون بالفاصلة بآخر الفعل)» قلت: وأين.
المعنى من المعنى؟
وقرأ أبو عمرو (١) وحفص عن عاصم: ((يَبْغون)) بالياءِ من تحت نَسْقاً
على قوله: ((هم الفاسقون)) والباقون بياءِ الخطاب التفاتاً.
قوله: ((وله أسلم مَنْ في السموات)» جملةٌ حالية أي: کیف یَبْغُون غيرَ
دينه والحالُ هذه؟
قوله: ((طَوْعاً وكَرْهاً)) فيهما وجهان أحدُهما: أنهما مصدران في موضع
الحال والتقدير: طائعين وكارهين. والثاني: أنهما مصدران على غير الصدر،
قال أبو البقاء: (٢) ((لأنَّ أسلم بمعنى انقاد وأطاع))، وتابع الشيخ (٣) على هذا،
وفيه نظرٌ من حيث إنَّ هذا ماشٍ في ((طوعاً) لموافقته لمعنى الفعل قبله،
وأمّا ((كَرْهاً)) فكيف (٤) يقال فيه ذلك، والقول بأنه يُغتفر في الثواني ما لا يُغْتَفْر
في الأوائل غيرُ نافعٍ هنا. ويقال: طاع يَطُوع، وأطاع يُطيع بمعنى: وقيل:
طاعه يَطُوعه انقادَ له، وأطاعه أي: رَضِي لأمره، وطاوَعَهُ أي: وافقه.
وقرأ الأعمش: (٥) ((كُرْهاً)) بالضم، وسيأتي أنها قراءة للأخوين في سورة
النساء(٦)، وللكوفيين وأبن ذكوان في الأحقاف(٧)، وهناك تكلّمْنا عليها، وتقدم
لنا أيضاً ذِكْرُ هذه المادة في البقرة (٨).
(١) الكشف ٢٥٣/١؛ السبعة ٢١٤.
(٢) الإملاء ١ /١٤٢.
(٣) البحر ٥١٦/٢.
(٤) الأصل: ((كيف)) وهو سُهو.
(٥) البحر ٥١٦/٢.
(٦) الآية ١٩ من النساء، وانظر في قراءات ((كرهاً)): السبعة ٢٢٩ ...
(٧) الآية ١٥ من الأحقاف.
(٨) انظر إعرابه للآية ٢١٦ من البقرة.
٢٩٦

- آل عمران -
قوله: ((وإليه يُرْجَعُون)) يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ مستأنفةً فلا محلّ
لها، وإنما سِيقت للإِخبار بذلك لتضمُّنها معنى التهديدِ العظيم والوعيد
الشديد، ويجوزُ أن تكونَ معطوفةٌ على الجملةِ من قولِهِ: ((وله أَسْلَمَ» فتكونُ
حالاً أيضاً، ويكونُ المعنى أنه نَعَى عليهم ابتغاءَ غير دين مَنْ أسلم له جميعُ مَنْ
في السموات والأرض طائِعين ومُكْرَهين ومَنْ مَرْجِعُهم إليه.
وقرأ حفص(١) عن عاصم: ((يُرْجَعُون)) بياء الغيبة ويَحْتَمِل ذلك وجوهاً.
أحدها: أَنْ يعودَ الضميرُ على مَنْ أسلم وهو واضح. الثاني: أن يعود على مَنْ
عاد عليه ضميرُ ((يَبْغون)) في قراءة مَنْ قرأه بالغيبة، وهو أيضاً واضحٌ،
ولا التفاتَ في هذين الوجهين. والثالث: أن يعودَ على مَنْ عاد عليه الضمير
في ((تَبْغُون)) في قراءة الخطاب فيكون التفاتاً حينئذٍ. وقرأ الباقون: ((تَبْغُون))
بالخطاب، فَمَنْ قرأ ((تبغون)) بالخطاب فهو واضح، ومَنْ قرأه بالغيبة فيكون
هذا التفاتاً منه، ويجوز أن يكون التفاتاً من قوله: ((مَنْ في السموات
والأرض».
آ (٨٤) قوله تعالى: ﴿قل آمنًّا بالله﴾: في هذه الآية احتمالان
أحدُهما: أن يكونَ المأمورُ بهذا المقول - وهو آمنًا إلى آخره - محمداً صلى
الله عليه وسلم، ثم في ذلك معنيان، أحدهما: أن يكون هو وأمته مأمورين
بذلك، وإنما حُذِف معطوفُه لفهم المعنى، والتقدير: قل يا محمد أنت
وأمتك: آمنًّا بالله، وهذا تقديرُ ابن عطية(٢). والثاني من المعنيين أنَّ المأمور
هنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وحدَه، وإنما خُوطب بلفظِ الجمع تعظيماً
له. قال الزمخشري: (٣) ((ويجوز أن يُؤْمَرَ بأَنْ يتكلّم عن نفسِه كما تتكلم
(١) السبعة ٢١٤؛ الكشف ٣٥٣/١.
(٢) المحرر ١٥٠/٣.
(٣) الكشاف ٤٤٢/١.
٢٩٧

- آل عمران -
الملوكُ إجلالاً مِنَ الله لِقَدْرِ نبيه)» قلت: وهو معنى حسن. والاحتمال الثاني:
أن يكونَ المأمور بهذا المقولِ مَنْ تَقَدِّم، والتقدير: قل لهم قولوا آمنًّا، فَأَمنَّا
منصوبٌ بقُل على الاحتمال الأول، ويقولوا المقدرِ على الثاني، وذلك القولُ
المضمر منصوبُ المحل.
وهذه الآية شبيهةٌ بالتي في البقرة(١)، إلّ أنَّ هنا تعديةً أنزل بعلى،
وهناك بإلى. فقال الزمخشري(٢): ((لوجودِ المعنيين جميعاً لأنَّ الوحي ينزل
من فوق وينتهي إلى الرسل، فجاء تارةً بأحد المعنيين وأخرى بالآخر)) وقال
ابن عطية: (٥) ((الإِنزالُ على نبي الأمة إنزالٌ عليها))، وهذا لا طائل فيه بالنسبة
إلى طلب الفرق. وقال الراغب: ((إنَّما قال هنا ((على)) لأن ذلك لَمَّا كان خطاباً
[١٦٣/ب] / للنبيّ صلى الله عليه وسلم وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطةٍ
بشريةٍ كان لفظُ ((على)) المختصُّ بالعلو أَوْلِى به، وهناك ◌َمَّا كان خطاباً للأمة،
وقد وصل إليهم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم كان لفظُ ((إلى)) المختصُنَ
بالإِيصال أَوْلِى، ويجوزُ أَنْ يقال: ((أَنْزَلَ عليه)) إنما يُحمل على ما أُمِرَ المُنَزَّلُ
عليه أَنْ يُبَلِّغه غيرَه، و((أَنْزَل إليه)) على ما خُصَّ يه في نفسِه وإليه نهايةٌ
الإِنزال، وعلى ذلك قال: ((أو لم يَكْفِهم أنَّا أَنْزَلْنا عليك الكتابُ يُتْلَى
عليهم))(٤) وقال: ((وأنزلنا إليك الذِّكْرَ لتبيِّن للناسِ ما نُزِّل إليهم))(٥) خُصَّ هِنَا
بإلى لَمَّا كان مخصوصاً بالذكر [الذي] هو بيانُ المُنَزَّل، وهذا كلامٌ في الْأُوْلِى
لا في الوجوب».
(١) الآية ١٣٦ من البقرة.
(٢) الكشاف ٤٤٢/١.
(٣). المجرر ١٥٠/٣.
(٤) الآية ٥١ من العنكبوت.
(٥) الآية ٤٤ من النحل.
٢٩٨

- آل عمران -
وهذا الذي ذكره الراغب رَدَّهُ الزمخشري فقال: (١) (ومَنْ قال: إنما قيل
((علينا)) لقوله ((قل))، و((إلينا)) لقوله ((قولوا)) تفرقةً بين الرسول والمؤمنين، لأنَّ
الرسولَ يأتيه الوحيُّ على طريقِ الاستعلام ويأتيهم على وجه الانتهاء فقد
تَعَسَّف، [ألا ترى](٢) إلى قوله ((بما أُنْزِل إليك))(٣) ((وأنزلنا إليك الكتاب)) (٤)
وإلى قوله: ((آمِنوا بالذي أُنْزِل على الذين آمنوا)»(٥).
وفي البقرة: ((وما أُوتِي النبيون))(٦) وهنا ((والنبيون)) لأنَّ التي في البقرةِ
لفظُ الخطابِ فيها عامّ، ومِنْ حُكْمِ خطابِ العامِ البسطُ دونَ الإِيجاز بخلافٍ
الخطاب هنا فإنه خاصٌّ فلذلك اكتفى فيه بالإِيجازِ دون الإِطناب. وباقي
كلماتِ جملِ الآية تقدَّم الكلام عليها في البقرة.
آ. (٨٥) قوله تعالى: ﴿يَبْتَغِ غيرَ﴾: العامَّة على إظهار هذين
المِثْلين؛ لأن بينهما فاصلاً فلم يلتقيا في الحقيقة، وذلك الفاصل هو الياء التي
حذفت للجزم، ورُوي عن أبي عمرو(٧) فيها الوجهان: الإِظهارُ على الأصل
ولمراعاةِ الفاصلِ الأصلي، والإِدغامُ مراعاةً للَّفظ، إذ يَصْدُق أنهما التقيا في
الجملة، ولأنَّ ذلك الفاصل مستحقُّ الحذفَ لعاملِ الجزم، وليس هذا
مخصوصاً بهذه الآيةِ بل كلما التقى فيه مِثْلان بسببٍ حذف حرف، لعلَّةٍ
اقتضت ذلك جرى فيها الوجهان نحو: ((يَخْلُ لكم وجهُ أبيكم» (٨) («وإِنْ يَكُ
(١) الكشاف ٤٤٢/١.
(٢) من الكشاف، وسقطت سهواً من الأصل وثبتت في ب.
(٣) الآية ٤ من البقرة.
(٤) الآية ٤٨ من المائدة.
(٥) الآية ٧٢ من آل عمران.
(٦) الآية ١٣٦ من البقرة.
(٧) السبعة ١١٦؛ البحر ٥١٧/٢.
(٨) الآية ٩ من يوسف.
٢٩٩

- آل عمران :-
كاذباً)(١)، وقد استُشْكِلَ على هذا نحو: ((يا قوم ما لي أدعوكم))(٢) و ((يا قومٍ
مَنْ يَنْصُرني)) (٣) فإنه لم يُرْوَ عن أبي عمرو خلافُ في إدغامهما، وكان القياس
يقتضي جوازَ الوجهين لأنَّ ياء المتكلم فاصلةٌ تقديراً.
قوله: ((دِينا) فيه ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنه مفعولُ يَبْتَغِ، و(«غَيْرَ
الإِسلام)) حالٌ لأنها في الأصل صفةٌ له، فلمَّا قُدِّمت عليه نُصِبَتِ حالاً.
الثاني: أن يكونَ تميزاً لغير لإِبهامها، فَمُيِّزَت كما مُيِّزَت ((مثل)) و((شِبِهِ))
وأخواتهما، وسُمع من العرب: ((إنَّ لنا غيرَها إبلا وشاء)). والثالث: أن يكونَ
بدلاً مِنْ ((غير)»، وعلى هذين الوجهين فغيرَ الإِسلامِ هو المفعولُ به ليبتَغِ .
وقوله: ((وهو في الآخرة من الخاسرين)) كقولهِ: ((وإنه في الآخرة لمن
الصالحين)»(٤) في الإِعراب وسيأتي ما بينَهما في المعنى. وقيل: ((أل)) معرفةٌ
لا موصولةٌ فلم يمنعْ من تعلَّق ما قبلها. بما بعدها، وهذه الجملة يجوزُ أَنْ
لا يكونَ لها محلّ لاستئنافها، ويجوزُ أن تكونَ في محل جزم نسقاً على جواب
الشرط وهو ((فلن يُقْبل))، ويكون قد ترتَّب على ابتغاء غير الإِسلام ديناً عدمُ
القبول والخسران.
آ. (٨٦) وقوله تعالى: ﴿كيف يهدي﴾: كقوله: ((كيف تكفرون»(٥)
وقيل: الاستفهامُ هنا معناه النفي، وأنشد: (٦)
(١) الآية ٢٨ من غافر.
(٢) الآية ٤١ من غافر.
(٣) الآية ٣٠ من هود.
(٤) الآية ١٣٠ من البقرة ..
(٥) الآية ٢٨ من البقرة.
(٦) البيت لعبيدالله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ٩٥؛ وأمالي الشجري ٣٨٣/١؛
وابن یعیش ٣٦/٩؛ وشواهد الكشاف ٣٢٢/٤.
٣٠٠