النص المفهرس
صفحات 261-280
- آل عمران - خبره، قُدِّمَ عليه، و((مَنْ)): إما موصولة وإما نكرة، و((إنْ تَأْمَنْهُ يُؤدِّه)) هذه الجملة الشرطية: إمّا صلةٌ فلا محلَّ لها، وإمَّا صفةٌ فمحلُّها الرفع. وقرأَ أُبَيّ : (١) (تِثْمَنْهُ)) في الحرفين، و((مالك لا تِثْمَنا))(٢) بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب العقيلي، إلا أنهما أَبْدلا الهمزة ياء، وجَعَلَ ابن عطية(٣) ذلك لغةً قريش، وغَلَّطه الشيخ (٤). وقد تقدَّم لنا الكلامُ في كسرِ حرفِ المضارعة وشرطِ ذلك في سورة الفاتحة(٥) بكلامٍ مشبع فليُراجع ثمة . والدينار أصله ((دِنَّار)) بنونين، فاسْتُثْقِلَ توالي مِثْلِين فأبدلوا أولهما حرفَ علة تخفيفاً لكثرة دَوْره في لسانهم، ويَدُلُّ على ذلك رَدُّه إلى النونين تكسيراً وتصغيراً في قولهم: دَنانير وكُنّيْنِير، ومثله: قيراط: أصله قِرَّاط بدليل قراريط وقُرَيْرِيط كما قالوا: تَظَنَّيْت وَقَصَّيْت أظفاري، يريدون تَظَنَّنْت وَقَصَّصْت بثلاث نونات وثلاث صادات. والدينار مُعَرَّب (٦)، قالوا: ولم يختلف وزنه أصلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قيراط ثلاث شُعيرات معتدلة، فالمجموعُ اثنان وسبعون شُعَيْرة. (٧) وقرأ(٧) أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم: ((يُؤَدِّهْ)) بسكون الهاء في الحرفين، وقرأ قالون: يُؤَدِّه بكسرالهاء من دون صلة، والباقون بكسرها موصولة بياء، وعن هشام وجهان، أحدهما: كقالون، والآخر كالجماعة . (١) البحر ٤٩٩/٢؛ الشواذ ٢١. (٢) الآية ١١ من يوسف. (٣) المحرر ١٣٠/٣. (٤) البحر ٢ / ٤٩٩. (٥) انظر: إعرابه للآية ٥ عند قوله ((نستعين)). (٦) أنظر: كتاب المعرِّب للجواليقي ١٨٧. (٧) السبعة ٢٠٧؛ الكشف ٣٤٩/١. ٢٦١ - آل عمران - فأما قراءة أبي عمرو ومن ذُكِر معه فقد خَرَّجوها على أوجه أحسنها أنه سُكِّنت هاءُ الضمير إجراءً للوصل مُجْرى الوقف، وهوباب واسع مضى لك منه شيء نحو: ((يَتَسَنَّهِ وانظر))(١) ((أنا أحيي وأميت))(٢) وسيمر بك منه أشیاء إن شاء الله تعالى، وأنشد ابن مجاهد على ذلك قوله: (٣) ١٣٣٦- وأشربُ الماءَ ما بي نحوه عطشٌ إلا لأنَّ عيونَهْ سيلُ وادِيهَا وأنشد الأخفش على ذلك أيضاً: (٤) ١٣٣٧ - فَظَلْتُ لذى البيتِ العتيقِ أُخيلُه ومِطْواي مُشْتاقان لَهْ أَرِقِانِ إلاَّ أنَّ هذا يَخُصُّه بعضُهم بضرورة الشعر، وليس كما قال لما سيأتي. وقد طعن بعضهم على هذه القراءة فقال الزجاج: (٥) ((هذا الإسكان الذي رُوِي عن هؤلاء غلطٌ بَيِّنٌ، لأن الهاء لا ينبغي أن تُجْزم، وإذا لم تجزم فلا تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة فَغُلِط عليه كما غُلِطَ عليه في ((بارثْكم)) (٦)، وقد حَكَى عنه سيبويه(٧) - وهو ضابطٌ لمثل هذا - أنه كان يكسر كسراً خفياً، يعني يكسر في ((بارئكم)» كسراً خفياً فظنَّه (١) الآية ٢٥٩ من البقرة. (٢) الآية ٢٥٨ من البقرة. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الخصائص ٣٧١/١؛ والمحتسب ٢٤٤/١؛ ورصف المباني ١٦؛ واللسان: هاو؛ الجمع ٥٩/١؛ والدرر ٣٤/٢. (٤) البيت لعمروبن أبي عمارة أو جواس بن حيان أو أبي مسلم ابن أبي قيس، وهو في معاني القرآن للأخفش ٢٧؛ والمقتضب ٣٩/١؛ والخصائص ١٢٨/١؛ والخزانة ٤٠١/٢؛ ورصف المباني ١٦ . (٥) معاني القرآن ٤٣٩/١. (٦) الآية ٥٤ من البقرة .. (٧) الكتاب ٢٩٧/٢. ٢٦٢ - آل عمران - الراوي سكوناً». قلت: وهذا الردُّ من الزجاج ليس بشيء لوجوه منها: أنه فَرُّ من السكون إلى الاختلاس/، والذي نصَّ على أن السكون لا يجوز نَصَّ على أن [١٥٨/أ] الاختلاس أيضاً لا يجوز، بل جَعَلَ الإِسكان في الضرورة أحسنَ منه في الاختلاس قال: ((ليَجري الوصل مُجرى الوقف إجراءً كاملاً))، وَجَعَلَ قولَه ((عيونَهْ سيلُ واديها)) أحسنَ من قوله: (١) ١٣٣٨- ما حَجِّ ربَّه في الدنيا ولا اعتمرا حيث سَكْن الأول واختلس الثاني . ومنها: أنَّ هذه لغةٌ ثابتةُ عن العرب حَفِظَها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء، وحكى الكسائي عن بني عُقيل وبني كلاب: ((إِنَّ الإِنسانَ لربه لكنود))(٢) بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع، ويقولون: ((لَهْ مال ولَهُ مال)) بالإِسكان والاختلاس. وقال الفراء: (٣) ((مِن العرب مَنْ يجزم الهاءَ إذا تحرَّك ما قبلها فيقولون: ضربته ضرباً شديداً، فيسكنون الهاء كما يُسكنون ميم ((أنتم)) و ((فمنهم)» وأصلُها الرفع، وأنشد: (٤) ١٣٣٩- لمَّا رأى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ مالَ إلى أرطاةِ حِقْفٍ فالطَّجَعْ قلت: وهذا عجيبٌ من الفراء كيف يُنْشد هذا البيتَ في هذا المَعْرِض (١) تقدم برقم ٣٨٦. (٢) الآية ٦ من العاديات. (٣) معاني القرآن ٢٢٣/١. (٤) البيت لمنظور بن مرثد، وهو في المحتسب ١٢٤/١؛ والخصائص ٦٣/١؛ والمخصص ٢٤/٨؛ وابن يعيش ٨٢/٩؛ واللسان: رطا؛ وأوضح المسالك ٣١٣/٣. والأرطاة: واحدة الأرطى وهو شجر ذو ثمر، والحقف: ما اعوجَّ من الرمل. والبيت في وصف ذئب. ٢٦٣ _ آل عمران - لأن هذه الهاء مبدلةً من تاء التأنيث التي كانت ثابتةً في الوصل فقلبها هاءً ساكنة في الوصل إجراءً له مُجْرى الوقف، وكلامُنا إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيث، لأنَّ هاء التأنيث لا حظّ لها في الحركة البتة، ولذلك امتنع رَوْمُها وإشمامها في الوقفِ، نصوا على ذلك، وكان الزجاج يَضْعُف في اللغة، ولذلك رَدَّ على ثعلب في («فصيحه)) أشياءَ أنكرها عن العرب، فردَّ الناس عليه ردَّه، وقالوا: قالتها العرب، فحفظها ثعلب ولم يحفظها الزجاج فَلْيكن هذا منها . وزعم بعضهم (١) أن الفعل لَمَّا كان مجزوماً وحَلَّتِ الهاءُ مُحلَّ لامه جرى عليها ما يجري على لام الفعل من السكون للجزم وهو غير سديد. وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها: (٢) ٠ ٠ ١٣٤٠- لَهُ زَجَلٌ كأنه صوتُ حادٍ وقول الآخر: (٣) ١٣٤١ - أنا ابنُ كِلابٍ وابنُ أوسٍ فَمَنْ يَكُنْ قناعهُ مَغْطِيّاً فإِنِّي لَمُجْتَلِي وقول الآخر(٤): ١٣٤٢ - وأغبرُ الظَّهْرِ يُنْبي عن وَلِيَّتِه ما حَجَّ ربه في الدنيا ولا اعتمرا وقد تقدَّم أنها لغةُ عقيل وكلاب أيضاً. (١) أي في الآية التي يعربها: ((يؤده)). (٢) تقدم برقم ٣٨٥. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن ٢٢٣/١؛ والإنصاف ٥١٨؛ واللسان: غطى. والمراد أنه نابِهُ الذكر، والشاهد: ((قناعه)). (٤) تقدم برقم ٣٨٦. ٢٦٤ -- - آل عمران - وأمَّا قراءةُ الباقين فواضحةٌ. وقرأ الزهري(١): ((يُؤَدِّهو)) بضم الهاء بعدها واو، وقد تقدَّم أن هذا هو الأصل في هاء الكناية، وقرأ سلام(٢) كذلك، إلا أنه ترك الواو فاختلس، وهما نظيرتا قراءَتَيْ: ((يؤد هي ويؤده)) بالإِشباع والاختلاس مع الكسر. واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعلٍ مجزوم أو أمر معتل الآخر جرى فيها هذه الأوجه الثلاثة - أعني السكونَ والاختلاس والإِشباع - وذلك: (نُؤْتِه منها))(٣) ((يَرْضِه لكم))(٤) «نُوَلِّه ما تولى))(٥) ((ونُصْله جهنم))(٦) ((فألقه إليهم))(٧)، وقد جاء ذلك في قراءة السبعة أعني الأوجه الثلاثة في بعض هذه الكلمات، وبعضها لم يأتِ فيه إلا وجهان، وسيأتي ذلك مفصَّلاً في سوره إن شاء الله تعالى، والسر فيه أن الهاء التي للكناية متى سَبَقها متحرك فالفصيحُ فيها الاشباعُ نحو: إنه، وبه، وله، وإنْ سَبَقها ساكنٌ فالأشهرُ الاختلاسُ، وسواءً كان ذلك الساكن صحيحاً أو معتلا نحو: فيه ومنه، وبعضُهم يُفَرِّق بين المعتل والصحيح، وقد أتقنت ذلك في أول الكتاب، إذا علم ذلك فنقول: هذه الكلماتُ المشارُ إليها إِنْ نَظَرْنا إلى اللفظ فقد وَقَعتْ بعد متحركٍ فحقُّها أَنْ تُشْبَعَ حركُها موصولةً بالياء أو الواو، وإن سَكَنَتْ فلِما تقدَّم من إجراءٍ الوَصْلِ مُجْرى الوقف، وإنْ نظرنا إلى الأصلِ فقد سَبَقَها ساكنٌ وهو حرفُ (١) البحر ٥٠٠/٢. (٢) سلام بن سليمان، أخذ عن عاصم وأبي عمرو وقرأ عليه يعقوب الحضرمي، توفي سنة ١٧١. انظر: طبقات القراء ٣٠٩/١. (٣) الآية ١٤٥ من آل عمران. (٤) الآية ٧ من الزمر. (٥) الآية ١١٥ من النساء. (٦) الآية ١١٥ من النساء. (٧) الآية ٢٨ من النمل. ٢٦٥ - آل عمران - العلة المحذوف للجزم، فلذلك جاز الاختلاسُ، وهذا أصلٌ نافعَ يَطَِّدُ معك عند قربِك في هذا الكتاب من هذه الكلماتِ. قوله: ((بدينار)) في هذه الباءِ أوجه، أحدُها: أنها على أصلها من الإِلصاق وفيهِ قلقٌ، والثاني: أنها بمعنى في، ولا بُدَّ من حذف مضاف أي: في حفظ دينارٍ وفي حفظ قنطار. والثالث: إن الباء بمعنى على، وقد عُدِّي بها كثيراً: (لا تأمنًا على يوسف))(١) ((هل آمَنُكُم عليه إلا كما أَمِنْتُكم على أخيه))(٢) وكذلك هي في ((بقنطار)). قوله: ((إلاّ ما دُمْتَ عليه قائماً) استثناءٌ مفرغ من الظرف العام، إذ التقدير: لا يُؤدِّه إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه [١٥٨/ب] متوكلا به. ودُمْتَ هذه هي الناقصة / ترفع وتنصب، وشرطُ أعمالها أَنْ يتقدمها (ما)»َ الظرفيةُ كهذه الآية، إذ التقدير إلا مدةَ دوامك، ولا ينصرف، فأمَّا قولُهم، (يدومُ)) فمضارع (دام)) التامة بمعنى بقي، ولكونها صلةً لـ ((ما)) الظرفية لَزِم أَنْ تكونَ محتاجةً إلى كلام آخر لتعمل في الظرف نحو: ((لا أصحبُك ما دمت باكياً)، ولو قلت: ((ما دام زيد قائماً) من غير شيء لم يكن كلاماً. وجَوَّز أبو البقاء(٣) في ((ما)) هذه أن تكونَ مصدرية فقط، وذلك المصدرُ المنسبك منها ومِنْ دام في محلُّ نصب على الحال، وهو استثناء مفرغٌ أيضاً من الأحوال المقدّرة العامة، والتقدير: إلَّ في حال ملازمتك له، وعلى هذا فتكون ((دام)) هنا تامةٌ لِما تقدم مِنْ أَنَّ تقدُّم الظرفيةِ شرطٌ في إعمالها، وإذا كانت تامة انتصب ((قائماً)) على الحال. ويقال: دامَ يدوم كقام يقوم، ودُمت قائماً بضم الفاء وهذه لغة الحجاز، (١) الآية ١١ من يوسف. (٢) الآية ٦٤ من يوسف. (٣) الإملاء ١٤٠/١. ٢٦٦ - آل عمران - وتميم يقولون: دِمت بكسرها، وبها قرأ أبو عبدالرحمن وابن وثاب والأعمش وطلحة والفياض بن غزوان(١)، قال الفراء: ((وهذه لغة تميم ويجتمعون في المضارع، فيقولون: يدوم))، يعني أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارعَ مضموم العين، وكان قياس تميم أن تقول يَدام كخَاف يخاف ومات يمات، فيكون وزنُها عند الحجاز: فَعَل بفتح العين، وعند التميميين: فَعِل بكسرها، هذا نقلُ الفراء، وأمَّا غيرُه فنقل عن تميم أنهم يقولون: دِمْت أدام كخِفْت أخاف، نقل ذلك أبو أسحق وغيره كالراغب الأصبهاني وأبي القاسم الزمخشري(٢). وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على الثبوت والسكون، يقال: ((دام الماء)) أي سكن، وفي الحديث: ((لا يبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ)) (٣) وفي بعضه(٤) بزيادة: ((الذي لا يجري)) وهو تفسيرٌ له، وأَدَمْتُ القِدْرَ ودَوَّمْتُها: سَكَّنت غليانها بالماء، ومنه دام الشيء: إذا امتد عليه زمان، ودَوَّمَتِ الشمس: إذا وقفت في كبد السماء، قال ذو الرمة(٥): (١) الفياض بن غزوان الكوفي، أخذ عن طلحة بن مصرف، وله اختيار في القراءة، روى عنه نعيم بن ميسرة، ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ١٣/٢؛ وانظر في هذه القراءة: البحر ٥٠٠/٢؛ الشواذ ٢١ . (٢) خَرَّج في الكشاف قراءة كسر الدال من دام يدام ولم يذكر أنها عن تميم. الكشاف ٤٣٨/١. (٣) البخاري: الوضوء (الفتح ٣٤٦/١)؛ أبو داود: الطهارة ٥٦/١. (٤) أي بعض طرق الحديث وهي في البخاري. (٥) صدره : مُعْرَوْرِياً رَمَضَ الرَّضْراضِ يركضُه وهو في ديوانه ٤١٨؛ واللسان: دوم. واعرورى الرمض: ركبه، والرمض: حَرّ الشمس على الحجارة والرمل، والرضراض: الحصى الصغار، ويركضه: يضربه برجله، وحيرى: لا تمشي من بطئها . ٢٦٧ - آل عمران بـ ١٣٤٣- والشمسُ خَيْرَى لها في الجَوُّ تَدْوِيمُ هكذا أنشد الراغب(١) هذا الشطرَ على هذا المعنى، وغيرُه يُنْشِده على معنى أنَّ الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حولَ الشيء، ومنه الدوامُ: وهو الدُّوار الذي يأخذ الإنسان في دماغه فيرى الأشياءَ دائرة، وأنشد معه أيضاً قولَ علقمة بن عبدة(٢): ١٣٤٤ _ تَشْفي الصُّدَاعِ ولا يُؤْذِيك صالِبُها ولا يُخالطُها في الرأسِ تسدويم ومنه: دوّم الطائرُ إذا حلَّق ودار. وقوله: ((عليه)) متعلَّقٌ بقائماً، والمعنى بالقيام: الملازمة لأن الأغلَب أنَّ المطالِب يقوم على رأس المطالَب، ثم جُعِل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قیام . قوله: ((ذلك بأنهم)) مبتدأ وخبر، و((ذلك)) إشارة إلى الاستحلال وعدمِ المؤاخذة في زعمهم، أي: ذلك الاستحلالُ مستحق أو جائز بقولهم: ((ليس علينا في الأميين سبيل)). قوله: ((ليس علينا)) يجوزُ أَنْ يكونَ في ((ليس)) ضميرُ الشأن وهو اسمها، وحينئذ يجوز أن يكون ((سبيل) مبتدأ و((علينا)) الخبرُ، والجملةُ خبرُ ((ليس)) ويجوز أن يكون ((علينا)) وحده هو الخبرَ، و((سبيل)) مرتفعٌ به على الفاعلية، ويجوز أن يكونَ ((سبيل) اسمَ ليس، والخبرُ أحد الجارَّيْن - أعني علينا أو في الأميين - ويجوزُ أن يتعلق ((في الأميين)) بالاستقرار الذي تعلق به ((علينا)). (١) المفردات ١٧٧ . (٢) تقدم برقم ١٠٩. ٢٦٨ - آل عمران - وجَوَّز بعضهم أن يتعلَّقَ بنفس ((ليس)) نقله أبو البقاء(١) وغيرُه، وفي هذا النقلِ نظرٌ، وذلك أنَّ هذه الأفعال النواقص في عملها في الظروف خلافٌ، وبَنوا الخلافَ على الخلاف في دلالتها على الحدثِ فَمَنْ قال: تَدُلُّ على الحدث جَوَّز إعمالَها في الظرف وشِبْهِه، ومن قال: لا تَدُلَّ على الحدَثِ مَنَع إعمالَها، واتفقوا على أن ((ليس)) لا تدل على حدثٍ البتة فكيف تعمل؟ هذا ما لا يُعْقَلُ. ويجوز أنَّ يتعلَّقَ ((في الأميين)) بسبيل، لأنه استُعْمِل بمعنى الحرج والضمان ونحوهما، ويجوز أن يكون حالاً منه، فيتعلق بمحذوف. وقوله: ((على الله الكذب)) يجوز أن يتعلق ((على الله)) بالكذب وإن كان مصدراً؛ لأنه يُتّسع في الظرف وعديله ما لا يُتّسع في غيرهما، ومن مَنَع (٢) علَّقه بيقولون متضمناً معنى يفترون فَعُدِّي تعديتَه، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ((الكذب)). وقوله: ((وهم يعلمون)) جملةٌ حالية، ومفعولُ العلم محذوف اقتصاراً أي: وهم من ذوي العلم، أو اختصاراً أي: يعلمون كذبهم وافتراءهم وهو أقبحُ لهم. آ. (٧٦) وقوله تعالى: ﴿بلى﴾: جوابٌ لقولهم ((ليس)» وإيجابٌ لِمَا نَفَوه، وقد تقدَّم القول في نظيره، ومَنْ شرطية أو موصولة، والرابطُ من الجملة الجزائية أو الخبرية هو العمومُ في المتعيَّن، وعند مَنْ يرى الربط بقيام الظاهرِ مقامَ المضمر يقولُ ذلك هنا، وقيل: الجزاء أو الخبر محذوف تقديره: يحبه الله، ودلَّ على هذا المحذوفِ قولُه: (فإن الله يحب المتقين)) وفيه تكلفُ لا حاجةً إلیه . و «بعهده)) يجوز أَنْ يكونَ المصدرُ مضافاً لفاعِله على أَنَّ الضمير يعودُ (١) الإِملاء ١٤٠/١. (٢) حجة المانع أن المصدر لا يتقدم معموله عليه. ٢٦٩ - آل عمران :- على مَنْ، أو إلى مفعوله على أنه يعود على ((الله))، ويجوز أن يكون المصدرُ [١٥٩/أ] مضافاً للفاعل وإن كان الضمير لله تعالى / ، وإلى المفعول وإن كان الضمير لِمَنْ، ومعناه واضح إذا تُؤْمِّل. آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿يَلْوُون﴾: ((صفةٌ لـ ((فريقاً) فهي في محل نصب، وجمع الضمير اعتباراً بالمعنى لأنه اسمُ جمع كالقَوْم والرهط، قال أبو البقاء(١): ((ولو أُفْرد على اللفظ لجازَ)) وفيه نظرٌ إذ لا يجوز: ((القوم جاءني)). والعامة على ((يَلْوون)) بفتح الياء وسكون اللام وبعدها واوٌ مضمومة ثم أخرى ساكنةٌ، مضارعَ لَوَى أي: فَتَل. وقرأ أبو جعفر (٢) وشيبة بن نصاح وأبو حاتم عن نافع: يُلَوُّون بضمٌّ الياء وفتح اللام وتشديد الواو الأولى من لَّوَّى مضعفاً، والتضعيفُ فيه للتكثير والمبالغة لا للتعدية، إذ لو كان لها لتعدَّى لِآخَرَ لأنه متعدٍّ لواحد قبلَ ذلك، ونسبها الزمخشري (٣) لأهل المدينة وهو كما قال، فإنَّ هؤلاء روساء قراء المدينة. وقرأ حميد: ((يَلُون)) بفتح الياء وضم اللام بعدها واو مفردة ساكنة، ونسبها الزمخشري (٤) لمجاهد وابن كثير، ووجَّهها هو بأن الأصلَ: «يَلْوُون)) كقراءة العامة، ثم أَبْدِلَتِ الواوُ المضمومة همزةً، وهو بدلٌ قياسيّ: كأجوه وأُقّتت، ثم خُفِّقت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكنِ قبلها وهو اللامُ وحُذِفَتْ الهمزة فبقي وزنُ يَلُون: يَقُون بحذف اللام والعين، وذلك أن اللام وهي الياء حُذفت لالتقاء الساكنين لأن الأصل: ((يَأْوِبُون)) كَيَضْربون فاستُثْقلت الضمة (١) الإملاء ١٤٠/١. (٢) البحر ٥٠٣/٢؛ القرطبي ١٢١/٤. (٣) الكشاف ٤٣٩/١. (٤) الكشاف ٤٣٩/١. ٢٧٠ - آل عمران - على الياء فَحُذفت فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير فَحُذفت الياء لالتقائهما، ثم حُذِفت الواو التي هي عينُ الكلمة بما قدمته لك. وألسنتهم: جمعُ لِسان وهذا على لغةٍ مَنْ ذَكَّر، وأما على لغة من يؤنثه فيقول: هذه لسان فإنه يُجْمع على ألسن نحو: ذِراع وأَذْرُع وكِراع وأَكْرُع، وقال الفراء (١): ((لم نَسْمعه من العربِ إلا مذكراً) ويُعَبَّر باللسانِ عن الكلام لأنه يَنْشأ منه وفيه، والمرادُ به ذلك أيضاً التذكيرُ والتأنيث(٢). والَِّيُّ: الفَتْلُ، يقال: لَوَيْتُ الثوبَ ولَوَيْتُ عنقه أي: فَتَلْتُه والمصدرُ اللُّ والليّان، قال(٣). ١٣٤٥ - قد كُنْت دايَنْتُ بها حَسَّانا مخافةً الإِفلاسِ واللَّيَّانا والأصل: لَوْي ولَوْيان، فأُعِلَّ وهو واضح بما تقدَّم في ((ميِّت)) وبابِهِ، ثم يُطْلَقُ الَّليُّ على الإِراغةِ والمراوغة في الحجج والخصومةِ تشبيهاً للمعاني بالأجرام . و ((بالكتاب)» متعلَّق بيَلْوُون وهو تعلُّقٌ واضح، وجَعَله أبو البقاء(٤) حالاً من الألسنة قال: ((تقديرُه ملتبسةً بالكتاب أو ناطقة بالكتاب))، والضمير في (لِتَحْسبوه)) يجوزُ أَنْ يعودَ على ما دَلَّ عليه ما تقدم من ذِكْر الليِّ والتحريف أي: لتحسَبوا المحرَّف من التوراة، ويجوز أن يعودَ على مضافٍ محذوف دَلَّ (١) المذكر والمؤنث ٧٤ . (٢) أي قد يكنى باللسان عن الكلمة والكلام فيجوز فيه التذكير والتأنيث وفي العبارة إغماض. (٣) البيت لرؤية وهو في ملحق ديوانه ١٨٧؛ أو لزياد العنبري، والكتاب ٩٨/١؛ وأمالي الشجري ٢٢٨/١؛ وابن عقيل ٢٩٥/٢؛ والدرر ٢٠٣/٢. وبها: أي الجارية ومعناها البدل. (٤) الإملاء ١٤١/١. ٢٧١ - آل عمران :- عليه المعنى والأصل: يَلْوُون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسَبوا شبه الكتاب الذي حرفوه من الكتاب، ويكون كقوله تعالى: ((أو كظلمات في بحر))(١) ثم قال: ((يَغْشاه)) والأصل: أو كذي ظلمات، فالضميرُ في ((يغشاه)) يعود على ذي المحذوف. و((من الكتاب)) هو المفعول الثاني للحسبان. وقُرىء (ليحسبوه))(٢) بياء الغَيْبَةِ والمراد بهم المسلمون أيضاً، كما أريد بالمخاطبين في قراءة العامة، والمعنى: ليحسَب المسلمون أنَّ المحرَّف من التوراة. آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿ما كان لبشرٍ أن يؤتيَه﴾: ((أَنْ يؤتيه)) اسمُ كان و ((البشر)) خبرُها. وقوله: ((ثم يقولَ للناس)) عطفٌ على ((يؤتيه))، وهذا العطفُ لازمٌ من حيث المعنى، إذ لوسكت عنه لم يَصِحَّ المعنى، لأنَّ الله تعالى قد أتى كثيرا من البشر الكتابَ والحكم والنبوة، وهذا كما يقولون في بعض الأحوال والمفاعيل: إنها لازمة، فلا غرو أيضاً في لزوم المعطوف، وإنما بَيِّنْتُ لك هذا لأجل قراءةٍ سأذكرها. ومعنى مجيء هذا النفي في كلام العرب نجو: (ما كان لزيد أن يفعل)) ونحوه نفيُ الكونِ والمرادُ نفيُ خبرِه، وهو على قسمين: قسمٍ يكونُ النفي فيه من جهة العقل، ويُعَبَّر عنه بالنفي التام نحو هذه الآية، لأنَّ الله تعالى لا يُعْطَي الكتابَ والحكم والنبوة لمَنْ يقولُ هذه المقالةَ الشنعاء، ونحوُه: ((ما كان لكم أن تُنْبتوا شجرها))(٣) ((وما كان لنفس أَنْ تموت إلا بإذن الله))(٤)، وقسمٍ يكونُ النفي فيه على سبيل الانتقاء كقول أبي بكر ((ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدَّم فيصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)»، ويُعْرَفُ القسمانِ من السياق. (١) الآية ٤٠ من النور. (٢) البحر ٥٠٣/٢؛ الشواذ ٢١ من دون نسبة. (٣) الآية ٦٠ من النمل . ! (٤) الآية ١٤٥ من آل عمران. ٢٧٢ - آل عمران - وقرأ العامة: ((يقول)) بالنصب نسقاً على ((يؤتيه))، وقرأ(١) ابن كثير في رواية شبل(٢) بن عباد، وأبو عمرو في رواية محبوب(٣): ((يقول)) بالرفع، وخرّجوها على القطع والاستئناف، وهو مشكلٌ لِما قَدَّمته من أن المعنى على لزوم ذكر هذا المعطوف، إذ لا يستقِلّ ما قبله لفساد المعنى فكيف يقولون على القَطع والاستئناف؟ / [١٥٩/ب] قوله: ((عباداً) قال ابن عطية (٤): ((ومِنْ جموعه عبيد وعِدَّى. قال بعض اللغويين: هذه الجموعُ كلها بمعنى، وقال بعضُهم: العِباد الله، والعبيد والعِبِدّى للبشر، وقال بعضهم: العِبِدَّى إنما يقال في العبد من العبيد كأنه مبالغةً تقتضي الإِغراق في العبودية، والذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع ((عبد)) متى سيقت اللفظة في مضمار الترفَّع والدلالة على الطاعة دونَ أَنْ يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن، وانظر قوله: ((والله رؤوف بالعباد))(٥) و (عبادٌ مكرمون))(٦) و ((يا عباديَ الذين أَسْرَفوا على أنفسهم))(٧)، وقولَ عيسى في معنى الشفاعة والتعريض: ((إنْ تُعَذِّبْهم فإنهم عبادك))(٨)، وأمَّا العبيد فيستعمل في تحقيره، ومنه قول امرىء القيس(٩): (١) البحر ٥٠٦/٢. (٢) شبل بن عباد مقرىء مكة، عرض على ابن كثير وابن محيصن، وعنه إسماعيل القسط. توفي سنة ١٦٠. انظر: طبقات القراء ٣٢٣/١. (٣) محمد بن الحسن القواريري روى عن إسماعيل بن مسلم وأبي عمرو، وهو من المقلين عنه، وروى عنه خلف بن هشام ولم تذكر وفاته. طبقات الفراء ١١٥/٢. (٤) المحرر ١٣٧/٣. (٥) الآية ٢٠٧ من البقرة. (٦) الآية ٢٦ من الأنبياء. (٧) الآية ٥٣ من الزمر. (٨) الآية ١١٨ من المائدة. (٩) ديوانه ١١٩؛ أمالي الشجري ٢٦٤/١؛ البحر ٥٠٥/٢. ٢٧٣ - آل عمران :- ١٣٤٦ - قولا لدودانَ عبيدِ العَصا ما غَرَّكم بالأسدِ الباسِلِ وقال حمزة بن عبدالمطلب: ((وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي))، ومنه: ((وما ربك بظلام للعبيد)(١) لأنه مكان تشفيقٍ وإعلام بقلة انتصارهم ومَقْدِرتهم، وأنه تعالى ليس بظلامٍ لهم مع ذلك، ولما كانت لفظةُ العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أَنِسَ بها في قوله تعالى: ((قُلْ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم))(٢) فهذا النوعُ من النظر يَسْلُك بك سبيلَ العجائب في فصاحة القرآن العزيز على الطريقةِ العربية)) قال الشيخ: (٣) ((وفيه بعضُ مناقشة أمَّا قولُه: وَمِنْ جموعِه عبيد وعِبِدَّى)) فأمَّا((عبيد)) فالأصحُّ أنه جمع. وقيل: اسم جمع، وأَمَا عِدَّى فاسم جمع، وألفه للتأنيث)) قلت: لا مناقشة، فإنه إنما يعني جمعاً معنوياً ولا شك أنَّ اسمَ الجمعِ جمعٌ معنوي. ثم قال: «وأمَّا ما استقراه من أنَّ ((عباداً)) يُساقُ في معنى الترفع والدلالة على الطاعة دونَ أن يقتِنَ بها معنى التحقير والتصغيرِ وإيرادُهُ ألفاظاً في القرآن بلفظ العباد، وأَمَّا قوله ((وأمَّا العبيد فُيُستعمل في تحقير وأنشد بيتَ امرىء القيس وقولّ حمزة ((وهل أنتم إلا عبيدُ أبي)) وقوله تعالى: ((وما ربُّك بظلام للعبيد)) فاستقراءٌ ليس بصحيح، وإنما كَثُرَ استعمال ((عباد)) دون ((عبيد)) لأنَّ فِعالاً في جمع فَعْل غير اليائي العين قياسيُّ مطرد، وجمع فَعْل علَى فَعيل لا يَطَّرد. قال سيبويه: (٤) ((وربما جاء فَعِيلاً وهو قليل نحو: الكليب والعبيد)) فلما كان فِعال مقيساً في جمع ((عبد)) جاء (عباد)) كثيراً. وأما ((وما ربك بظلام للعبيد)) فَحَسَّن مجيئه هنا - وإن لم يكن مقيساً - أنه جاء لتواخي الفواصل، ألا ترى أنَّ قبله ((أولئك ينادَوْنَ من مكان (١) الآية ٤٦ من فصلت (٢) الآية ٥٣ من الزمر. (٣) البحر ٥٠٥/٢. (٤) الكتاب ١٧٦/٢. ٢٧٤ - آل عمران - بعيد))(١) وبعده ((قالوا آذَّاك ما منَّا مِنْ شهيد)) فَحَسَّن مجيئَه بلفظ العبيد مراعاةُ هاتين الفاصلتين، ونظير هذا في سورة ق: (٢) ((وما أنا بظلام للعبيد)) لأنَّ قبله: ((وقد قَدَّمْتُ إليكم بالوعيد)) وبعده ((وتقول: هل من مزيد)). وأمَّا مدلُوله فمدلولُ ((عِباد)) سواءٌ. وأمَّا بيتُ امرىء القيس فلم يُفْهَمْ التحقيرُ من لفظ ((عبيد)) إنما فُهِمَ من إضافتهم إلى العصا ومن مجموعِ البيت، وكذلك قولُ حمزة: ((هل أنتم إلا عبيدُ أبي)» إنما فُهِمَ التحقير من قرينة الحال التي كان عليها، وأتى في البيت وفي قول حمزة على أحد الجائزين)). قلت: رَدُّه عليه استقراءَه من غير إتيانِهِ بما يخْرِمُ الاستقراء مردودٌ. وأمَّا ادِّعاؤه أن التحقير مفهومٌ من السياق دون لفظِ عبيد فممنوعٌ، ولأنه إذا دار إحالةُ الحكم بين اللفظِ وغيره فالإِحالَةُ على اللفظ أَوْلَی. وقوله: ((لي)) صفةٌ لعباد، و((مِنْ دون)) متعلُّقٌ بلفظِ ((عباد)) لِما فيه من معنى الفعل، يجوزُ أَنْ يَكونَ صفةً ثانيةً وأَنْ يكونَ حالاً لتخصُّص النكرة بالوصف . قوله: ((ولكن كونوا)) أي: ولكن يقول كونوا، فلا بُدَّ من إضمار القول هنا. والرَّبَّانِيُّون جمع ربَّانِيّ، وفيه قولان، أحدهما أنه منسوب إلى الرَّبِّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة كرقبَاني وشَعْراني ولِحْياني للغليظ الرقبة والكثير الشعر والطويل اللحية، ولا تُفْرد هذه الزيادة عن النسب، أَمَّا إذا نَسَبوا إلى الرقبة والشعر واللحية من غير مبالغة قالوا: رَقَبِي وشَعْرِي وَلَحَوي، هذا معنى قول سيبويه(٣). والثاني: أنه منسوب إلى (١) ليست قبلها، إنما قبلها ((لفي شكٍ منه مُريب)). (٢) الآية ٢٩. (٣) الكتاب ٨٩/٢. ٢٧٥ - آل عمران : - رَبَّان والربَّان هو المُعَلَّمُ للخير ومَنْ يسوس الناس ويُعَرِّفهم أمرَ دِينِهم، فالألفُ والنونُ دالَّتان على زيادةِ الوصفِ کھي في عَطْشان ورَیَّان وجَوْعَان ووَسْنان، وتكونُ النسبةُ على هذا في الوصف فحو أَحْمريّ، قال: (١) ١٣٤٧ - أَطَرباً وأنت قِنْسْرِيُّ دواري والدهرُ بَالإِنسَانِ وقال سيبويه: (٢) ((زادوا ألفاً ونوناً في الرَّباني أرادوا تخصيصاً بعلم الرب دونَ غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: شَعْراني ولِحْياني ورَقَباني)) وفي التفسير: ((كونوا فقهاء علماء))، ولمَّا مات ابن عباس قال محمد بن (٣) الحنفية: ((مات اليوم زُبَّانِيُّ هذه الأمة)). قوله: ((بما كنتم)) الباء سببية أي: كونوا / علماء بسبب كونكم. وفي [١٦٠/أ] متعلَّق هذه الباءِ حينئذٍ أقوال أحدها: أنه متعلقة بكونوا، كذا ذكره أبو البقاء (٤) والخلاف مشهور. الثاني: أن تتعلق بربانيين، لأنَّ فيه معنى الفعل. الثالث: أن تتعلَّق بمحذوف على أنها صفة لربانيين ذكره أبو البقاء(٥) وليس بواضح المعنى . و ((ما)) مصدريةٌ، وظاهرُ كلام الشيخ(٦) أنه يجوز أن تكون غير ذلك، فإنه قال: ((وما الظاهر أنها مصدريةٌ)) فهذا يجوِّزُ غير ذلك، وجوازه فيه بُعْدٌ، (١) البيت للعجاج، وهو في ديوانه ٤٨٠/١؛ والكتاب ١٧٠/١؛ والمخصص ٤٥/١؛ وأمالي الشجري ١٦٢/١؛ والدرر ١٦٥/١. والقنسري: الشيخ. (٢) لم أقف على هذا النص في كتاب سيبويه. (٣) محمد بن علي بن أبي طالب، وردت عنه الرواية في حروف القرآن وروى عنه بنوه، وروى عن ثلة من الصحابة توفي سنة ٧٣. انظر: طبقات القراء ٢٠٤/٢. (٤) الإِملاء ١٤١/١. (٥) الإِملاء ١٤١/١. (٦) البحر ٥٠٦/٢. ٢٧٦ - آل عمران - وهو أن تكون موصولةً، وحينئذٍ تحتاجُ إلى عائد وهو مقدَّر، أي: بسبب الذي تُعَلِّمون به الكتاب، وقد نقَص شرطٌ وهو اتحاد المتعلَّق فلذلك لم يظهر جَعْلُها غيرَ مصدرية . وقرأ نافع(١) وابن كثير وأبو عمرو: ((تَعْلَمُون)) مفتوحٌ حرفُ المضارعة، ساكنُ العينِ مفتوحُ اللامِ من: عَلِمَ يَعْلَم، أي: تعرفون فيتعدى لواحد، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً، فيتعدى الاثنين أولهما محذوف، تقديره: تُعَلَّمون الناس والطالبين الكتابَ، ويجوز ألَّ يُرادَ مفعول أي: كنتم من أهلِ تعليم الكتاب، وهو نظيرُ: ((أطعم الخبز)) المقصودُ الأهمُّ إطعامُ الخبزِ من غيرِ نظر إلى مَنْ يُطْعِمُه، فالتضعيف فيه للتعدية(٢). وقد رَجَّح جماعة (٣) هذه القراءةَ على قراءة نافع بأنها أَبْلَغُ ؛ وذلك أَنَّ كلَّ مُعَلُّمٍ عالمٌ، وليس كلُّ عالمٍ مُعَلماً(٤)، فالوصفُ بالتعليم أبلغُ، وبأن قبله ذِكْرَ الربانيين، والربَّانِيُّ يقتضي أَنْ يَعْلَمَ ويُعَلِّمَ غيره، لا أن يَقْتَصِر بالعلم على نفسه . ورجّح بعضُهم الأولى بأنه لم يُذْكَر إلا مفعولٌ واحدٌ والأصل عدم الحذف، والتخفيف مُسَوِّعٌ لذلك بخلاف التشديد، فإنه لا بد من تقدير مفعول، وأيضاً فهو أوفقُ لتدرُسون. والقراءتان متواترتان فلا ينبغي ترجيحُ إحداهما على الأخرى، وقد قَدَّمت ذلك في أوائل هذا الموضوع(٥). (١) السبعة ٢١٣؛ الكشف ٣٥١/١. (٢) أي في القراءة الثانية. (٣) لعلة يعني مكياً في كتابه ((الكشف)) ٣٥١/١. (٤) الأصل «معلم» وهو سهو. (٥) انظر دراسته لقراءات ((مالك يوم الدين)) الآية ٣ من الفاتحة، الورقة ٦ ب. ٢٧٧ _ آل عمران :- وقرأ (١) الحسن ومجاهد: ((تَعَلَّمون)) بفتح التاء والعين واللام مشددة من ((تعلَّم)) والأصل: تتعلَّمون بتاءين فحُذِفَت إحداهما. و((بما كنتم تدرسون)) کالذي قبله. والعامة على ((تَدْرُسون)) بفتح التاء وضم الراء من الدَّرْس وهو مناسب لَتَعْلَمون من علم ثلاثياً، قال بعضهم: ((كان حقُّ مَنْ قرأ ((تُعَلِّمون)) بالتشديد أن يقرأ: ((تُدَرِّسون)) بالتشديد)) وليس بلازم، إذ المعنى: كنتم تُعَلِّمون غيركم ثم صرتم تدرسُون، وبما كنتم تدرسونه عليهم أي: تتلونه عليهم كقوله تعالى: (لتقرأَه على الناس))(٢). وقرأ أبو حيوة(٣) في إحدى الروايتين عنه: ((تَدْرِسُون)) بكسر الراء وهي لغة ضعيفة، يقال: دَرَسَ العلم يَدْرِسه بكسرالعين في المضارع وهما لغتان في مضارع دَرَسَ، وقرأ هو أيضاً في رواية: ((تُدَرِّسون)) مِنْ دَرَّس بالتشديد، وفيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ التضعيف فيه للتكثير، فيكون موافقاً لقراءة تَعْلَمون بالتخفيف(٤). والثاني: أن التضعيف للتعدية ويكون المفعولان محذوفين لفهم المعنى، والتقديرُ: تُدَرِّسون غيرَكم العلمَ أي: تَحْمِلُونهم(٥) على الدَّرْسِ. وقُرىء (تُدْرِسون))(٦) من أَدْرَسَ، كُتُكْرِمُون مِنْ أَكْرَمَ على أنَّ أفعل بمعنى فَعَّل بالتشديد، فَأَدْرَس ودَرَّس واحدٌ كأكرم وكرَّم وأَنْزَلَ ونَزَّل. والدَّرْس: التَّكرارُ والإِدمانُ على الشيء ومنه: دَرَسَ زيدُ الكتاب والقرآن يَدْرُسِه ويدرِسه أي كرّر عليه، ويقال: دَرَسْتُ الكتاب أي: تناوَلْتُ أَثْرَه بالحفظ. (١) البحر ٥٠٦/٢؛ الشواذ ٢١ منسوبة إلى سعيد بن جبير. (٢) الآية ١٠٦ من الإِشراء. (٣) البحر ٥٠٦/٢؛ الشواذ ٢١. (٤) كذا في الأصل: لعلها: بالتشديد وذلك لحصول هذه الموافقة. (٥) الأصل: «تحملوهم» وهو سھو. (٦) وهي قراءة أبي حيوة كما في القرطبي ١٢٣/٤. ٢٧٨ - آل عمران - ولمَّا كانَ ذلك بمداومَةَ القرآن عَبَّر عن إدامةِ القرآن بالدَّرْسِ ، ودَرَسَ المنزل: ذَهَبَ أَثْرُهُ وطللٌ عافٍ ودارسٌ بمعنَّى. آ. (٨٠) قوله تعالى: ﴿ولا يَأْمُركم﴾: قرأ ابن عامر(١) وعاصم وحمزة بنصب ((يأمركم)) والباقون بالرفع، وأبو عمرو على أصلِهِ من جواز تسكين الراء والاختلاس ، وهي قراءة واضحة سهلة التخريج والمعنى، وذلك أنها على القطع والاستئناف، أخبر تعالى بأن ذلك الأمرَ لا يقع. والفاعل فيه احتمالان، أحدهما: هو ضميرُ الله تعالى، والثاني هو ضميرُ ((بَشَر)» الموصوف بما تقدَّم، والمعنى على عَوْدِهِ على ((بَشَر)) أنه لا يقع مِنْ بشر موصوفٍ بما وُصِف به أَنْ يَجْعَلَ نفسَه رباً فيُعْبَدَ، ولا يأمر أيضاً أن تُعْبَدَ الملائكة والأنبياءُ من دون الله، فانتقى أن يدعوَ الناس إلى عبادة نفسه وإلى عبادة غيره. والمعنى على عَوْده على الله تعالى أنه أخبر أنه لم يأمر بذلك فانتفى أمر الله وأمر أنبيائه بعبادةِ غيره تعالى . وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها [أوجه،](٢) أحدُها: قول أبي علي(٣) وغيره، وهو أن يكونَ المعنى: ولا له أن يأمرَكم، فقدَّروا ((أَنْ)) تُضْمر بعد ((لا)) وتكون (لا)) مؤكِّدةً لمعنى النفي السابق كما تقول: ((ما كان من زيد إتيانٌ ولا قيام)» وأنت تريدُ انتفاءَ كلِّ واحدٍ منهما عن زيد، فلا للتوكيد لمعنى النفي السابق /، وبقي معنى الكلام: ما كانَ من زيدٍ إتيانُ ولا منه قيام. [١٦٠/ب] الثاني: أن يكونَ نصبُه لنسقِهِ على ((يُؤْتِيَه)) قال سيبويه: (٤) ((والمعنى: وما كان لبشرٍ أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة)). قال الواحدي: ((ويُقَوِّي هذا (١) السبعة ٢١٣؛ الكشف ٣٥٠/١. (٢) سقط من الأصل، وما أثبتناه من ب، وفي ي: أقوال. (٣) الحجة (خ) ٢٢٦/٢. (٤) الكتاب ٤٣٠/١. ٢٧٩ - آل عمران - الوجه ما ذكرنا أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أتريد يا محمد أن نَتَّخذك رباً فَزَلَتْ)). الثالث: أن يكونَ معطوفاً على ((يقول)» في قراءة العامة قاله الطبري(١). قال ابن عطية(٢): ((وهذا خطأً لا يلتئم به المعنى)) ولم يبيِّنْ أبو محمد وجهَ الخطأ ولا عدمَ التئام المعنى. قال الشيخ: (٣) ((وجهة الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على ((يقول)) وجَعَل ((لا)) للنفي على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد فلا يمكن أن يقدِّر الناصبَ وهو ((أنْ)) إلا قبل ((لا)) النافية، وإذا قَدَّرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي بـ ((لا)) مصدر منفيٌّ، فيصير المعنى: ما كان لبشرٍ موصوفٍ بما وُصف به انتفاءُ أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، وإذا لم يكن له انتفاءُ الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك، وهو خطأً بيِّن. أمَّا إذا جَعَل ((لا)) لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خطأ ولا عدم التئام المعنى، وذلك أنه يصير النفي منسحباً على المصدرين المُقَدَّرِ ثبوتُهما فينتقي قولُه ((كونوا عباداً لي)) وينتفي أيضاً أمرُه باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، ويوضُّح هذا المعنى وضعُ ((غير)» موضعَ ((لا)) فإذا قلت: «ما لزيد فقةٌ ولا نحوُ» كانت ((لا)) لتأكيد النفي وانتفى عنه الوصفان، ولو جعلت ((لا)) لتأسيس النفي كانت بمعنى غير، فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه وثبوتَ النحو له، إذ لو قلت: (ما لزيد فقه وغيرُ نحو)) كانَ في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلت: ما له غيرُ نحو، ألا ترى أنك إذا قلت: ((جئتُ بلا زادٍ)» كان المعنى جئت بغير زادٍ، وإذا قلت: ((ما جئت بغير زادٍ)) معناه أنك جِئت بزاد، لأنَّ ((لا)) هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدمَ التئام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن تكون ((لا)) لتأسيس النفي لا لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي (١) التفسير ٦ /٥٤٧. (٢) المحرر ١٤٢/٣. (٣) البحر ٥٠٧/٢. ٢٨٠