النص المفهرس

صفحات 181-200

- آل عمران -
فإنْ قيل: [المُسْتَغْرَبُ إنما هو كلامُ الطفلِ في](١) المهدِ، وأَمَّا كلامُ
الكهولِ فغيرُ مُسْتَغْرَبٍ، فالجوابُ أنهم قالوا: لم يتكلم صبيٍّ في المَهْدِ
وعاش، أو لم يتكلّمْ أصلًا بل يبقى أخرسَ أبداً، فبشّر اللّهُ مريم بأنَّ هذا
يتكلم طفلاً ويعيشُ ويتكلم في حالٍ كهولته، ففيه تطمينٌ لخاطرِها بما يخالفُ
العادةَ. وقال الزمخشري: (٢) (بمعنى يُكلِّمُ الناسَ طفلًا وكهلاً، ومعناهُ يُكَلِّمُ
الناسَ في هاتين الحالتين كلامَ الأنبياءِ من غير تفاوتٍ بين الحالتين: حالةٍ
الطفولة وحالةِ الكُهولة)).
والمَهْدُ: ما يُهَيَّأُ للصبي أَنْ يُرَبَّى فِيهِ، مِنْ مَهَّدْتُ له المكانَ أي:
وَطَّأْتِهِ وَلَنْتُه له، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ أصلُه المصدرَ، فَسُمِّيَ به
المكانُ، وأن يكونَ بنفسِه اسمُ مكانٍ غيرَ مصدرٍ، وقد قُرِىءَ مَهْداً ومِهاداً في
طه(٣) كما سيأتي.
آ. (٤٧) وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ ربِّ أَنَّى يكونُ لي ولدٌ﴾: قد تقدَّم
إعرابُ هذه الجملِ في قصةِ زكريا (٤) فلا معنى لإِعادتِهِ إلَّ أنَّ هناك ((يَفعل
ما يشاء)) وهنا (يَخْلُق)» قيل: لأنَّ قصتَّها أغربُ من قصتِهِ، وذلك أنه لم يُعْهَدْ
ولدٌ مِنْ عذراءَ لم يَمَسَّها بشرٌ البَتَةَ، بخلافِ الولدِ بينَ الشيخِ والعجوزِ فإنه
مستبعدٌ، وقد يُعْهَدُ مثلُه وإنْ كان قليلاً، فلذلك أتى بيخلُق المقتضي الإِيجادَ
والاختراعَ من غيرِ إحالةٍ على سببٍ ظاهر، وإن كانتِ الأشياءُ كلُّها بِخَلْقِهِ
وإيجادِهِ وإنْ كان لها أسبابٌ ظاهرٌ.
والجملةُ من قولِهِ: ((ولم يَمْسَسْني)) حاليةٌ. [والبَشَرُ في الأصلِ مصدرٌ
(١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل.
(٢) الكشاف ٤٣٠/١.
(٣) الآية ٥٣ من طه: ((الذي جَعَلَ لكم الأرض مَهْداً)). قرأ الكوفيون بغير ألف، والباقون
بالألف. السبعة ٤١٨ .
(٤) الآية ٤٠ من آل عمران.
١٨١

- آل عمران -
كالخَلْقِ، ولذلك يَسْتوي فيه](١) المذكرُ والمؤنثُ والمفرَدُ والمثنى والمجموعُ،
تقولُ: هذه بَشَرٌ، وهذان بَشَرٌ، وهؤلاء بشر، كقولك: هؤلاء خَلْق. قيل:
[واشتقاقُهُ من البَشَرة وهو ظاهرُ الجِلْد، لأنه الذي من شأنِهِ أَنْ يَظْهَرَ الفرحُ}(٢)
والغَمُّ في بَشَرَتِهِ. و(يكونُ)) يَحْتَمِلُ التمامَ والنقصانَ، وقد تقدَّم تحريرُه،
وتقدَّم أيضاً اختلاف القراء في ((فيكون)»(٣) وما ذُكِرَ في توجيهِه.
آ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿ويُعَلَّمُهُ﴾: قرأ نافع(٤) وعاصم: ((ويُعَلَّمُهِ))
بياء الغَيْبة، والباقون بنونِ المتكلمِ المعظّمِ نفسَه، وعلى كلتا القراءتين ففي
محلِّ هذه الجملة أوجهٌ، أَحَدُها: أنها معطوفةٌ على (يُبَشِّرُكِ)) أي: إن الله
يبشرك بكلمة ويُعَلِّمُ ذِلكِ المولودَ المعبَّرَ عنه بالكلمةِ. الثاني: أنها معطوفةٌ
على ((يَخْلُق)) أي: كذلك اللَّهُ يَخْلُق ما يشاء ويعلمه، وإلى هذين الوجهين
ذهب جماعةٌ منهم الزمخشري(٥) وأبو عليّ (٦) الفارسي. وهذان الوجهان
ظاهران على قراءة الياء. وأمَّا قراءةُ النون فلا يظهرُ هذان الوجهان عليها إلا
بتأويلِ الالتفاتِ من ضمير الغَيْبة إلى ضمير المتكلم إيذاناً بالفخامةِ والتعظيم.
فأمَّا عطفُهُ على ((يُبَشِّرُكِ فقد استبعَدَه الشيخ (٧) جداً قال: ((لطولِ الفصلِ بين
المعطوفِ والمعطوفِ عليه)) وأمَّا عطفُه على ((يَخْلُق)) فقال الشيخ: (٨)
((هو معطوفٌ عليهِ سواءً كانت - يعني يخلق - خبراً عن اللَّهِ تعالى أم تفسيراً
لما قبلها، إذا أَعْرَبْتَ لفظ ((الله)) مبتدأً، وما قبلَه الخبرُ)) يعني أنه قد تقدَّم في
(١) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
(٢) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
(٣) الآية ١١٧ من البقرة.
(٤) السبعة ٢٠٦؛ الكشف ٣٤٤/١.
(٥) الكشاف ٤٣١/١.
(٦) الحجة (خ) ٢١٦/٢
(٧) البحر ٤٦٣/٢.
(٨) البحر ٤٦٣/٢.
١٨٢

- آل عمران -
إعرابٍ ((كذلك اللَّهُ)) (١) في قصة زكريا أوجهٌ أحدُها: ما ذَكرٍ، فـ((يُعَلَّمُه
معطوفٌ على ((يَخْلُقَ)) بالاعتبارينِ المذكورينِ، إذ لا مانعَ من ذلك. وعلى هذا
الذي ذكره الشيخُ وغيرُه تكون الجملةُ الشرطيةُ معترضةً بين المعطوفِ
والمعطوف عليه، والجملةُ من ((يُعَلَّمُهُ)) في الوجهينِ المتقدِّمين مرفوعةُ المحلِّ
لرفعِ محلِّ ما عَطَفَتْ عليه.
الثالث: أَنْ يُعْطَفَ على ((يُكَلِّمُ)) فيكون منصوباً على الحالِ ، والتقديرُ:
يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ مُكَلِّماً ومُعَلِّماً الكتابَ، وهذا الوجهُ جَوَّزه ابنُ (٢) عطية وغيره.
الرابع: أن يكونَ معطوفاً على ((وجيهاً) لأنه في تأويلِ اسمٍ منصوب
على الحالِ، كما تقدَّم تقريرُهُ في قوله: ((ويكلِّم)). وهذا الوجهُ جَوَّزه
الزمخشري(٣). واستبعدَ الشيخُ(٤) هذين الوجهين الأخيرين - أعني الثالث
والرابع - قال: ((لطولِ الفصل بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، ومثلُه
لا يُوجَدُ في لسانِ العرب)».
الخامس: أَنْ يَكُون معطوفاً على الجملةِ المحكية بالقولِ، وهي:
((كذلك الله يخلق)) قال الشيخ: (٥) ((وعلى كلتا القراءتين هي معطوفةٌ على
الجملةِ المَقُولَةِ، وذلك أنَّ الضميرَ في قوله: ((قال كذلك)) لله تعالى، والجملةُ
بعدَه هي المقولةُ، وسواءً كانَ لفظُ ((الله)) مبتدأَ خبرُهُ ما قبلَه أم مبتدأ وخبرُه
(يَخلق)) على ما مَرَّ إعرابُهُ في ((قال: كذلك اللَّهُ يفعل ما يشاء)) فيكونُ هذا من
المقولِ لمريم على سبيلِ الاغتباطِ والتبشيرِ بهذا الولدِ الذي يُوجِدُهُ اللَّهُ
منها .
(١) الآية ٤٠ من آل عمران.
(٢) المحرر ٩١/٣.
(٣) الكشاف ٤٣١/١.
(٤) البحر ٤٦٣/٢.
(٥) البحر ٤٦٣/٢ .
١٨٣

- آل عمران -
السادس: أن يكونَ مستأنفاً لا محلّ له من الإعراب، قال الزمخشري(١)
بعد أَنْ ذَكَرَ فيهِ أنه يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على: ((نبشرك)) أو ((يَخْلُقِ))
أو ((وجيهاً): ((أو هو كلام مبتدأ)) يعني مستأنفاً. قال الشيخ: (٢) ((فإنْ عنى أنه
استئنافُ إخبار من الله أو عن الله على اختلاف القراءتين، فمن حيث ثبوتُ
الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله، فلا يكون ابتداءَ كلام، إلا أن
يُدَّعَى زيادةُ الواو في (ويُعَلِّمه)) فحينئذٍ يَصِحُّ أن يكونَ ابتداءَ كلام، وإنْ عنَى
أنه ليس معطوفاً على ما ذكر فكان ينبغي أن يبيِّن ما عُطِفَ عليه، وأن يكونَ
الذي عُطِفَ عليه ابتداءَ كلامٍ حتى يكونَ المعطوفُ كذلك)) قلت: وهذا
الاعتراضُ غيرُ لازمٍ لأنه لا يلزم مِنْ جَعْلِهِ كلاماً مستأنفاً أَنْ يُدَّعَی زیادةُ الواو،
ولا أنه لا بد من معطوف عليه، لأنَّ النحْويين وأهلَ البيان نَصُّوا على أن الواو
تكون للاستئناف، بدليلِ أنَّ الشعراءَ يأْتُون بها في أوائلِ أشعارهم من غير
[١٤٧/ب] تقدُّم شيء يكون ما بعدَها معطوفاً عليه، والأشعارُ مشحونةٌ / بذلك، ويُسَمُّونَها
واوَ الاستئنافِ، ومَنْ مَنَع ذلكَ قَدَّر أنَّ الشاعِرَ عَطَفَ كلامه على شيءٍ مَنْوِيٌٍّ
في نفسهِ، ولكنَّ الأولَ أشهرُ القولين.
وقال الطبري: (٣) ((قراءةُ الياءِ عَطْفٌ على قولِهِ ((يَخْلُقُ ما يشاء))، وقراءةً
النونِ عطفٌ على قولِهِ: (نُوحِيه إليك)). قال ابن عطية(٤): ((وهذا القولُ الذِي
قاله في الوجهين مُفْسِدٌ للمعنى)) ولم يَبيِّن أبو محمد جهةً إفسادِ المعنى. قال
الشيخ: (٥) ((أمَّ قراءةُ النونِ فظاهِرٌ فسادٌ عطفِهِ على ((نُوحيه)) من حيثُ اللفظُ
ومن حيثُ المعنى: أمَّا من حيث اللفظُ فمثلُه لا يَقعُ في لسانِ العربِ لِيُعْدِ
(١) الكشاف ٤٣١/١:
(٢) البحر ٤٦٣/٢.
(٣) تفسير الطبري ٤٢١/٦
(٤) المحرر ٩١/٣.
(٥) البحر ٤٦٤/٢.
١٨٤

- آل عمران -
الفصلِ المُفْرِطِ وتعقيدِ التركيبِ وتنافرِ الكلامِ، وأمَّا من حيث المعنى فإنَّ
المعطوفَ بالواوِ شريكُ المعطوف عليه فيصيرُ المعنى بقوله: ((ذلك من أنباء
الغيب)) أي: إخبارُك يا محمد بقصةِ امرأةٍ عمران وولادتها لمريم وكفالتِها
زكريا، وقصتُه في ولادةٍ يَحْيى له وتبشيرُ الملائكةِ لمريمَ بالاصطفاءِ والتطهيرِ،
كلُّ ذلك مِنْ أخبارِ الغيب نُعَلِّمه، أي: نُعَلِّم عيسى الكتابَ، فهذا كلامٌ
لا ينتظم معناه مع معنى ما قبله. وأمَّا قراءةُ الياءِ وعطفُ ((ويعلُّمه)) على ((يَخْلُق))
فليست مُفْسِدَةً للمعنى، بل هو أَوْلَى وأَصَحُّ ما يُحْمل عليه عَطْفُ ((ويُعَلِّمه))
لقرب لفظِهِ وصحةِ معناه، وقد ذَكَرْنَا جوازَهُ قبلُ، ويعَونُ اللهِ أَخْبَرَ مريمَ بأنه
تعالى يَخْلُقُ الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادةُ بمثلها مثلَ ما خلق لك ولداً من
غير أبٍ، وأنه تعالى يُعَلِّم هَذا الولدَ الذي يَخْلُقه ما لم يُعَلِّمِه مَنْ قَبْلَه مِن
الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، فيكونُ في هذا الإخبار أعظمُ تبشيرٍ لها
بهذا الولدِ وإظهارٌ (١) لبركته، وأنه ليس مُشْبِهاً أولادَ الناس من بني إسرائيل، بل
هو مخالفٌ لهم في أصلِ النشأةِ، وفيما يُعَلِّمه تعالى من العلمِ ، وهذا يَظْهَرُ
لي أنه أحسنُ ما يُحْمَلُ عَطْفُ ((ويُعَلِّمه)). انتهى.
وقال أبو البقاء: (٢) ((ويُقْرَأُ بالنونِ حَمْلاً على قولِهِ: ((ذلك من أنباءٍ
الغيب نُوحيه إليك))، ويُقْرَأُ بالياءِ حَمْلاً على ((يُبَشِّرك)) وموضعُهُ حالٌّ معطوفَةٌ
على ((وجيهاً)). قال الشيخ: (٣) ((وقالَ بعضُهم: ونُعَلِّمُه بالنون حَمْلاً على
(نُوحِيه)). إنْ عنى بالحَمْلِ العطفَ فلا شيءَ أبعدُ من هذا التقديرِ، وإنْ عنى
بالحَمْلِ أنه من بابِ الالتفاتِ فهو صحيح)). قلت: يتعيَّن أَنْ يَعني بقولِهِ ((حَمْلاً)»
الالتفاتَ ليس إلا، ولا يجوز أن يَعْني به العطفَ لقوله: ((وموضعُهُ حالٌ معطوفةٌ
(١) الأصل: وإظهاراً وهو سهو.
(٢) الإِملاء ١٣٥/١.
(٣) البحر ٤٦٣/٢.
١٨٥

- آل عمران -
على وجيهاً)) كيف يَسْتقيم أن يريدَ عطفَهُ على ((نبشرك)) أو ((نوحيه)) مع حُكْمِه
عليه بأنه معطوفٌ على (وجيهاً)؟ هذا ما لا يَسْتقيم أبداً.
آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿وَرَسولا﴾: في ((رسول)» وجهان، أحدُهما:
أنه صفةٌ بمعنى مُرْسَل فهو صفةٌ على فَعُول كالصبور والشكور. والثاني: أنه
في الأصلِ مصدرٌ، ومن مجيءٍ ((رسول)) مصدراً قولُه: (١)
١٢٩١ - لقد كَذَبَ الُواشُون ما بُحْتُ عندهَم
بِسِرِّ ولا أَرْسَلْتُهِمْ بِرَسولٍ
أي: برسالة، وقال آخر(٢):
١٢٩٢ - أَبَلِّغْ أبا سلمى رسولاً تَرُوعه
أي: أُبُلِّغُه رسالةً، ومنه قولُه تعالى: ((إِنَّا رسولُ ربِ العالمين))(٣) على
أحدٍ التأويلين، أي: إنَّا ذوا رسالةِ رب العالمين، وعلى الوجهين يترتَّبُ الكلامُ
في إعراب ((رسول)):
فعلى الأولِ يكونُ في نصبهِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على
(يُعَلِّمه)) إذا أعربناه حالاً معطوفاً على ((وجيهاً) إذ التقديرُ: وجيها ومُعَلِّماً
ومُرْسَلًا، قاله الزمخشري(٤) وابن عطية(٥). قال الشيخ(٦): ((وهو مَبْيِيٍّ على
(١) تقدم برقم ٦٠٥.
(٢) للعباس بن مرداس وهو في حماسة أبي تمام ١ /٢٤٤، وعجزه:".
وإنْ حَلَّ ذا سِدْرٍ وأهلي بعَسْجَلٍ.
(٣) الآية ١٦ من الشعراء.
(٤) ليس في الكشاف مثل هذا التقدير.
(٥) المحرر ٩٢/٣.
(٦) البحر ٤٦٤/٢.
١٨٦

- آل عمران -
إعراب ((ويُعَلِّمه))، وقد بَيَّنَّا ضعفَ إعرابٍ مَنْ يقولُ إِنَّ ((ويُعَلَّمه)) معطوفٌ على
(وجيهاً)) للفصلِ المُفْرِطِ بين المتعاطِفَيْن)).
الثاني: أن يكونَ نسقاً على ((كَهْلاً)» الذي هو حالٌ من الضمير المستترِ
في ((ويُكَلِّم)) أي: يُكَلِّم الناسَ طفلاً وكهلا ومُرْسَلًا إلى بني إسرائيل، جَوَّز
ذلك ابنُ عطية (١). واستبعده الشيخُ(٢) لطولِ الفصلِ بين المعطوف والمعطوف
عليه. قلت: ويظهرُ أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ:
يُكَلِّمُ الناسَ في حالٍ كونه رسولاً إليهم، وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك
بأزمنةٍ، فإن قيل: هي حالٌ مقدَّرة كقولهم: ((مررت برجل معه صقرٌ صائداً به
غداً) وقوله: ((فادْخُلوها خالدين))(٣)، قيل: الأصلُ في الحالِ أن تكونَ
مقارنةً، ولا تكونُ مقدرةً إلا حيث لا لَبْسَ.
الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ لائقٍ بالمعنى، تقديرُه: ونجعلُه
رسولاً، لَمَّا رَأَوه لا يَصِحُّ عَطْفُه على مفاعيلِ التعليم أضمروا له عاملاً يناسبه،
وهذا كما قالوا في قوله تعالى: ((والذين تَبَّوَّءُوا الدارَ والإِيمان))(٤) وقوله(٥):
١٢٩٣ - يا ليتَ زوجَك قد غدا
متقلِّداً سيفاً ورمحا
وقول الآخر (٦):
١٢٩٤ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً باردا
(١) المحرر ٩٢/٣.
(٢) البحر ٤٦٤/٢.
(٣) الآية ٧٣ من الزمر.
(٤) الآية ٩ من الحشر.
(٥) تقدم برقم ١٤٩.
(٦) تقدم برقم ١٥٠.
١٨٧

وقوله(١):
- آل عمران -
١٢٩٥-
وزَجِّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
أي: واعتقدوا الإِيمانَ، ومعتقلًا(٢) رمحاً، وسَقَيْتُها ماءً بارداً، وكَخَّلْنَّ
العيونَ، وهذا على أحدٍ التأويلين في هذه الأمثلةِ.
الرابع: أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ من لفظ ((رسول))، ويكون ذلك
الفعلُ معمولاً لقولٍ مضمر أيضاً هو من قولِ عيسى.
الخامس: أنَّ الرسولَ فيه معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد
جئتكم .. ويُوَضِّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري(٣)، قال رحمه
اللّه: (فإن قلت: علامَ تَحْمِلُ ((ورسولاً ومصدقاً)) من المنصوبات المتقدمة،
وقوله: ((أني قد جئتكم)) و((لِما بين يدي)) يأبى حَمْلَه عليها؟ قلت: هو من
المُضابِقِ، وفيه وجهان، أحدهما: أن تُضْمِرَ له ((وأُرْسِلْتُ)) على إرادة القول،
تقديرُه: ويُعَلِّمه الكتابَ والحكمة ويقول: أُرْسِلْتُ رسولاً بأني قد جئتكم
ومُصَدِّقاً لِما بين يديَّ. والثاني: أن الرسول والمُصَدِّق فيهما معنى النطقِ،
فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يديّ)) انتهى (٤).
إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلَّه تصحيحاً للمعنى واللفظ، وذلك أنَّ ما قبله
[١٤٨/أ] / من المنصوباتِ لا يَصِحُّ عطفُه عليه في الظاهر؛ لأنَّ الضمائر المتقدمة غيبٌ،
(١) البيت للراعي، وهو في الخصائص ٤٣٢/٢، وصدره:
إذا ما الغانياتُ برزْنَ يوماً
ومشكل ابن قتيبة ٢١٣؛ وشذور الذهب ٢٤٢؛ والدرر ١٩١/١، وزججن: ترقيقهن
کالهلال.
(٢). اعتقل الرمح: إذا وضعه بين ساقيه وركابه .
(٣) الكشاف ١ / ٤٣١
(٤) عبارة الكشاف: ((وناطقاً بأني أصدّق ما بين يديَّ)) وهي: أنسب.
١٨٨

- آل عمران -
والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين للمتكلم، فاحتاج إلى ذلك التقدير
لتتناسَبَ الضمائرُ. قال الشيخ(١): ((وهذا الوجهُ ضعيفٌ؛ إذ فيه إضمارُ شيئين:
القولِ ومعمولهِ الذي هو ((أُرْسِلْتُ))، والاستغناءُ عنهما باسم منصوب على
الحال المؤكَّدة، إذ يُفْهَمُ من قوله ((وأُرْسِلْتُ)) أنه رسولٌ فهي حال مؤكّدة)).
واختار الشيخُ الوجهَ الثالث قال: ((إذ ليس فيه إلا إضمارُ فعلٍ يَدُلُّ عليه
المعنى، ويكون قوله: ((أني قد جئتكم)) معمولاً لرسول أي: ناطقاً بأني قد
جئتكم، على قراءةِ الجمهور.
السادس: أن يكونَ حالاً من مفعولٍ ((ويُعَلِّمه)) وذلك على زيادة الواو،
كأنه قيل: ويُعَلِّمه الكتابَ حالَ كونه رسولاً، قاله الأخفش(٢)، وهذا على
أصلِ مذهبهِ من تجويزِه زيادةَ الواوِ، وهو مذهبٌ مرجوحٌ.
وعلى الثاني (٣) في نصبِهِ وجهان، أنه مفعولٌ به عطفاً على المفعولِ
الثاني لِيُعَلِّمه أي: ويُعَلِّمه الكتابَ ورسالةً أي: يعلمه الرسالة أيضاً، والثاني:
أنه مصدرٌ في موضع الحال، وفيه التأويلاتُ المشهورةُ في : رجلٌ عَدْلٌ (٤).
وقرأ اليزيدي(٥): ((ورسولٍ)) بالجر، وخَرَّجها الزمخشري(٦) على أنها
منسوقةٌ على قوله: ((بكلمة)) أي: نبشِّرك بكلمة وبرسولٍ. وفيه بُعْدٌ لكثرةٍ
الفصلِ بين المتعاطِفَيْنِ، ولكن لا يَظْهَر لهذه القراءةِ الشاذة غيرُ هذا
التخريج .
(١) البحر ٢/ ٤٦٤.
-
(٢) مذهبه في معاني القرآن ٢٠٥/١ أنه معطوف على ((وجيهاً)).
(٣) كان المؤلف قد احتمل في قوله تعالى: ((ورسولاً)) وجهین: صفة بمعنى مرسل، ومصدر،
ويتحدث الآن عن الثاني.
(٤) انظر: ابن عقيل ١٨/٣.
(٥) البحر ٤٦٥/٢؛ الشواذ ٢٠.
(٦) الكشاف ٤٣١/١.
١٨٩

- آل عمران ــ
وقوله: ((إلى بني إسرائيل)) فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يتعلَّقَ بنفس
((رسولاً)) إذ فعلُه يتعدَّى بإلى، والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ
لرسولاً، فيكونَ منصوبَ المحلّ في قراءةِ الجمهور، مجروره في قراءة
اليزيدي .
قوله: ((أني قد جِئْتُكم)) قرأ العامة: ((أني)) بفتح الهمزة وفيها ثلاثةً
أوجهٍ، أحدُها: أنَّ موضعَها جر بعد إسقاطِ الخافض، إذ الأصل: بأني،
فـ (بأني)) متعلِّقٌ برسولاً، وهذا مذهبُ الشيخين: الخليلِ والكسائي.
والثاني: أن موضعَها نصبٌ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، الأول: أنه نصبٌ بعد إسقاط
الخافض، وهو الباء، وهذا مذهب التلميذين: سيبويه(١) والفراء(٢) .. الثاني:
أنه منصوبٌ بفعل مقدر أي: يذكر أني، فيذكرُ صفةٌ لرسولا، حُذِفَتِ الصفةُ
وبقي معمولُها. الثالث: أنه منصوب على البدل من ((رسولاً)) أي: إذا جعلته
مصدراً مفعولاً به، تقديرُه: ويُعَلِّمه الكتابَ ويعلِّمه أني قد جئتكم، جَوَّزه
أبو البقاء (٣) وهو بعيد في المعنى.
الثالث من الأوجِهِ الأَوَلِ : أنَّ موضعَه رفعٌ على خبرِ مبتدٍ محذوفٍ
أي: هو أني قد حِثْتُكم.
وقرأ بعضُ القرّاء (٤) بكسر هذه الهمزة وفيها تأويلان، أحدهما: أنها
على إضمارِ القول أي: قائِلاً إني قد جئتكم، فَحَذَفَ القولَ الذي هو حالٌ فِي
المعنى وَأَبْقَى معمولَه. والثاني: أن ((رسولاً)) بمعنى ناطِق، فهو مُضَمِّنٌ معنى
(١) الكتاب ١٧/١:
(٢) معاني القرآن ١٤٨/١، ٢٣٨/٢.
(٣) الاملاء ١٣٥/١.
(٤) البحر ٤٦٥/٢ من دون نسبة.
١٩٠

- آل عمران -
القول، وما كان مُضَمِّنً معنى [القول] أُعْطِي حكمَ القولِ، وهذا مذهبُ
الکوفیین .
وقوله: ((بآية)) يُحتمل أن تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ على أنها حالٌ من فاعل
(جئتكم)) أي: جِئْتُكُم ملتبساً بآية. والثاني: أنها متعلقةٌ بنفسِ المجيءِ أي:
إجاءَتَكم الآية. وقوله: ((من ربكم)) صفةٌ لآية فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: بآيةٍ من
عند ربكم، فـ ((مِنْ)) للابتداءِ مجازاً، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ((من ربكم)) بنفسِ
المجيء أيضاً. وقَدَّر أبو البقاء (١) الحال في قوله ((بآية)) بقوله: محتجًّاً بآية، إنْ
عَنَى من جهةِ المعنى صَحَّ، وإن عَنَى من جهة الصناعةِ لم يَصِحّ، إذ لم يُضْمَرْ
في هذه الأماكنِ إلا الأكوانُ المطلقةُ.
وقرأ الجمهور: ((بآيةٍ)) بالإِفرادِ في الموضِعَيْن، وابن مسعود(٢): ((بآياتٍ))
جمعاً في الموضعين.
قوله: ((اني أخلُق)) قرأ نافع(٣) بكسر الهمزة، والباقون بفتحها. فالكسرُ
من ثلاثة أوجه، الأول: على إضمارِ القولِ أي: فقلت: إني أخلق. الثاني :
أنه على الاستئناف. الثالث: على التفسير، فَسَّر بهذه الجملةِ قولَه: ((بآية»
كأنَّ قائلاً قال: وما الآيةُ؟ فقال هذا الكلامَ، ونظيرُه ما سيأتي: ((إنَّ مثل عيسى
عند اللَّهِ كمثلِ آدمَ)) ثم قال: ((خَلَقه من تراب))(٤) فخلقه مفسرةٌ للمثل،
ونظيرُه أيضاً قولُه تعالى: ((وعدَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) ثم فَسَّر الوعدَ
بقوله: ((لهم مغفرةٌ)(٥)، وهذا الوجهُ هو الوجه الصائرُ إلى الاستئنافِ، فإنَّ
(١) الإملاء ١٣٥/١.
(٢) البحر ٤٦٥/٢.
(٣) السبعة ٢٠٦؛ الكشف ٣٤٤/١.
(٤) الآية ٥٩ من آل عمران.
(٥) الآية ٩ من المائدة.
١٩١

- آل عمران -
المستأنَفَ يُؤْتِى به تفسيراً لما قبله، إلا أنَّ الفرقَ بينه وبين ما قبله أنّ الوجهَ
الذي قبلَه لا تَجْعَلُ له تعلُّقاً بما تقدَّم البتةَ، بل جيء به لمجردِ الإخبارِ
بما تضمَّنه، والوجه الثالث تقول: إنه متعلِّقٌ بما تقدَّمه، مُفَسِّر له.
وأمَّا قراءةُ الجماعةِ ففيها أربعةُ أوجهٍ أحدُها: أنها بدلٌ من ((أني قد
جئتكم)» فيجيءُ فيها ما تقدَّم في تلك لأنَّ حكمَها حكمُها. الثاني: أنها بدلٌ
من «آية)» فتكونُ محلُّها، أي: وجئتکم بأني أخلقُ لكم، وهذا نفسُه آیةٌ مِن
الآيات، وهذا البدلُ يَحْتَمل أن يكونَ كلَّ مِنْ كل إنْ أُريد بالآية شيءٌ خاص،
وأَنْ يكونَ بدلَ بعضٍ من كل إِنْ أُريد بالآيةِ الجنس. الثالث: أنها خبرُ مبتدٍ
مضمرٍ تقديرُه: هي أني أخلق أي: الآيةُ التي جئت بها أني أخلُقُ، وهذه
الجملةُ في الحقيقةِ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر كان قائلاً قال: وما الآيةُ؟ فقال:
ذلك. الرابعُ: أن تكونَ منصوبةً بإضمارٍ فعلٍ، وهو أيضاً جوابُ لذلك
السؤالِ كأنه قال: أعني أنِّي أخلق، وهذان الوجهان يلاقيان في المعنى قراءةً
نافع على بعضِ الوجوهِ فإنهما استئناف.
و ((لكم، متعلُّقٌ بأخلُقُ، واللامُ للعلة، أي: لأجلكم بمعنى: لتحصيل
إيمانِكم ودَفْعِ تكذيبِكم إياي، وإلّ فالذواتُ لا تكونُ عِلَلاً بل أحداثُها. و «مِن
الطين)» متعلقٌ به أيضاً، و ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية، وقولُ مَنْ قال: ((إنها للبيان))
تساهلٌ، إذ لم يَسْبِقْ منهم تبيُّنه .
قوله: ((كهيئة الطير)» في موضع هذه الكافِ ثلاثةُ أوجه، أجدُها:
أنها نعتٌ لمفعول محذوف تقديره: أني أخلُق لكم هيئةً مثلَ هيئة الطير،
[١٤٨ /ب] والهيئةُ: إِمَّ مصدرٌ في الأصل / ثم أُطْلِقَتْ على المفعولِ أي المُهَيّا كَالخَلْقِ
بمعنى المخلوق، وإمَّ اسمُ لحَال الشيء، وليست مصدراً، والمصدرُ: التهُّؤ
والتَّهْبِيُ والتَّهِْئَةُ، ويُقالُ: [هاءَ الشيءُ يَهِيْءُ هَيْئاً وهَيْئَةً إذا تَرَّتَّب واستقرّ على:
١٩٢

- آل عمران -
حالة مخصوصة](١)، ويتعدّى بالتضعيف، قال تعالى: ويُهَِّيُّ لكم من أَمْركم
مِرْفَقً))(٢). والطينُ: معروف، طانَه الله على كذا وطامه بإبدال النون ميماً أي:
جَبَله عليه، والنفخُ معروفٌ.
الثاني: أنَّ الكافَ هي المفعولُ به لأنَّها اسمٌ كسائرِ الأسماءِ وهذا رأيُ
الأخفشِ ، يجعلُ الكافَ اسماً حيث وَقَعَتْ، وغيرُه من النحاة لا يقولُ بذلك
إلا إذا اضْطُرَّ إليه كوقوعِها مجرورةً بحرفٍ أو بإضافةٍ أو تقع فاعلةً أو مبتدأ،
وقد تقدَّمَ جميعُ أمثلةِ ذلك مسبوقاً فأغنى عن إعادتِه هنا.
والثالث: أنها نعتّ لمصدرٍ محذوفٍ، قاله الواحدي نَقْلاً عن أبي علي
بعد كلامٍ طويلٍ ، قال: ((وتكونُ الكافُ في موضعِ نصبٍ على أنه صفةٌ
للمصدرِ المُرَادِ، تقديرُه: أني أخلُق لكم من الطينِ خلقاً مثلَ هيئة الطير)». وفيما
قالَه نظرٌ من حيث المعنى؛ لأنَّ التحدِّي إنَما يقعُ في أثرِ الخَلْقِ، وهو ما يَنْشأ
عنه من المخلوقاتِ لا في نفس الخَلْقِ، اللهم إلا أن تقولَ: المرادُ بهذا
المصدرِ المفعولُ به فَيَؤُول إلى ما تقدَّم.
وقال الزمخشري (٣): ((إني أُقَدِّر لكم شيئاً مثلَ هيئةِ الطير)) فهذا تصريحٌ
منه بأنها صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، وقولُه ((أُقَدِّر)) تفسيرٌ للخلق، لأن الخَلْق هنا
التقدير، كقول الشاعر (٤):
١٢٩٦- وَلَأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبِعْـ
ـضُ القومِ يَخْلُق ثم لا يَفْرِي
(١) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل.
(٢) الآية ١٦ من الكهف.
(٣) الكشاف ٤٣١/١.
(٤) تقدم برقم ٢٦١ .
١٩٣

- آل عمران -
إذ المرادُ الاختراعُ فإنه مختص بالباري تعالى. وقرأ الزهري(١): ((كَهَيَةٍ))
بنقلِ حركة الهمزة إلى الياء وهي فصيحةٌ. وقرأ أبو جعفر: كهيئة الطائرِ.
قوله: ((فأنفخُ فيه)» في هذا الضميرِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على
الكافِ، لأنها اسمٌ عند مَنْ يَرى ذلك أي: أَنفُخ في مثلِ هيئة الطيرِ. الثاني:
أنه عائدٌ على ((هيئةٍ)) لأنها في معنى الشيءِ المُهَيَّا، فلذلك عادَ الضميرُ عليها:
مذكَّراً، وإنْ كانَتْ مؤنثةٌ، اعتباراً بمعناها دونَ لفظِها، ونظيرُه قولُه تعالى: ((وإذا
حَضَرِ الْقِسْمَةَ))(٢) ثم قال: ((فارزُقوهم منه) فأعاد الضمير في: ((منه)) على
القسمةِ لمَّا كانَتْ بمعنى المقسومِ. الثالث: أنه عائدٌ على ذلك المفعولِ
المحذوفِ أي: فَأَنْفُخُ في ذلك الشيءِ المماثلِ لهيئة الطير. الرابع: أنه عائدٌ
على ما وَقَعَتِ الدلالةُ عليه في اللفظ وهو (أني أخلقُ)) ويكونُ الخَلْقُ بمنزلةٍ
المخلوق. الخامس: أنه عائدٌ على ما دَلَّت عليه الكافُ مِنْ معنى المِثْلِ،
لأنَّ المعنى: أخلُق من الطين مثلَ هيئةِ الطير، وتكونُ الكافُ في موضعٍ
نصبٍ على أنه صفةٌ للمصدرِ المرادِ تقديرُه: أني أخلُقِ لكم خلقاً مثلَ هيئةٍ
الطيرِ، قاله الفارسي وقد تقَدَّم الكلامُ معه في ذلك. السادس: أنه عائدٌ على
الطينِ قاله أبو البقاء(٣). وهذا الوجهُ قد أفسده الواحدي فإنه قال: ((ولا يجوزُ أَنْ
تعودَ الكناية (٤) على الطينِ لأنَّ النفخَ إنما يكونُ في طينٍ مخصوص،
وهو ما كانَ مُهَيَّأْ منه، والطينُ المتقدِّم ذكرُه عام فلا تعودُ إليه الكناية، ألا ترى
أنه لا ينفخ جميعَ الطين، وفي هذا الردِّ نظرٌ، إذ لقائلٍ أن يقولَ: لا نُسَلِّم
عمومَ الطينِ المتقدِّم، بل المرادُ بعضُه، ولذلك أدخلَ عليه ((مِنْ)) التي تقتضي
التبعيضَ، وإذا صارَ المعنى: ((أني أخلقُ بعضَ الطين)) عاد الضميرُ عليه من
--
(١) البحر ٢ / ٤٦٦؛ القرطبي ٩٣/٤ منسوبة إلى الأعرج.
(٢) الآية ٨ من النساء.
(٣) الإملاء ١٣٥/١ وفيها: ((الطير)) وليس الطين.
(٤) أي: الضمير ..
١٩٤

- آل عمران -
غير إشكال، ولكن الواحدي جَعَلَ ((مِنْ)) في ((من الطين)» لابتداءِ الغاية
وهو الظاهرُ. قال الشيخ(١): ((وقد قرأ بعضُ القراء: ((فأنفخُها)) أعادَ الضمير
على الهيئة المحذوفة، إذ يكونُ التقدير: هيئةً كهيئةِ الطيرِ، أو على الكافِ
على المعنى، إذ هي بمعنى: مماثلةً هيئةَ الطيرِ، فيكونُ التأنيثُ هنا كما هو في
آية المائدة في قوله: ((فتنفخُ فيها)) فتكونُ هذه القراءةُ قد حُذِفَ حرفُ الجرّ
منها كقوله (٢):
١٢٩٧- ما شُقِّ جيبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ
ولا بَكْتْكَ جيادٌ عند إِسْلابٍ
وقول النابغة(٣):
١٢٩٨-
كالْهِبْرِقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الفَحْما
يريد: ولا قامَتْ عليك، وينفخُ في الفحم، قال: ((وهي قراءةٌ شاذة
نقلها الفراء))(٤)، وعجبت منه كيف لم يَعْزُها، وقد عَزاها صاحبُ (الكشاف))(٥)
إلى عبدالله قال: ((وقرأ عبدالله: ((فأنفخُها)) وأنشد:
((كالهِبْرِقيِّ تَنَخَّى)).
قوله: ((فيكون)) في ((يكون)) وجهان أحدُهما: أنها تامة أي: فيوجدُ
(١) البحر ٤٦٦/٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في جمهرة ابن دريد ٤٩٦/٣؛ والبحر ٤٦٦/٢.
(٣) ديوانه ١١٠ وصدره:
مُوَلِّ الربحِ قَرْنَّيْه وجَبْهَتْه
وهو في شواهد الكشاف ٥١٧/٤؛ والهبرقي: الحداد.
(٤) معاني القرآن ٢١٤/١.
(٥) الكشاف ٤٣١/١.
١٩٥

- آل عمران -
ويكونُ ((طيراً) على هذا حالاً، والثاني: أنها الناقصةُ و((طيراً)) خبرُها، وهذا
هو الذي ينبغي أن يكونَ، لأنَّ في وقوعِ اسمِ الجنس حالاً بُعْداً (١) مُخْوجاً
إلى تأويلٍ ، وإنما يظهرُ ذلك على قراءةِ نافع: ((طائراً) لأنه حينئذ اسمُ مشتقٌّ،
وإذا قيل بنقصانِها فيجوزُ أن تكونَ على بابها ويجوزُ أن تكونَ بمعنى صَار
الناقصة كقوله(٢):
:
١٢٩٩ - بتَيْهاءَ قَفْرِ والمَطِيُّ كأنّها
قَطا الحَزْنِ قد كانَتْ فِراخاً بيوضُها
أي: صارَتْ، وقال أبو البقاء(٣): ((فيكون)) أي: يصيرُ، فيجوزُ أَنْ تكونَ
((كان)» هنا التامة لأنَّ معناها ((صار))، وصار بمعنى انتقل، ويجوز أن تكونَ
الناقصة، و((طائراً)) على الأول حالٌ وعلى الثاني خبرٌ)). قلت: لا حاجةً إلى
جَعْلِه إياها في حالِ تمامِها بمعنى ((صار)) التامة التي معناها معنى انتقل، بل
النجويون إنما يُقَدِّرون التامةَ بمعنى حَدَثَ وَوَجَدَ وحَصَل وشبهِها، وإذا
جَعَلُوها بمعنى ((صار)) فإنما يَعْنُون صارَ الناقصةَ ..
وقرأ(٤) نافع ويعقوب: ((فيكونُ طائراً) هنا وفي المائدة(٥)، والباقون:
(طَيْرًا)) في الموضعين؛ فأمَّا قراءةُ نافع فوجَّهَها بعضُهم بأنَّ المعنى على
التوحيدِ، والتقديرُ: فيكونُ ما أنفخ فيه طائراً، ولا يُعْتَرض عليه بأنَّ الرسمَ
الكريمَ إنما هو ((طير)) دون ألفٍ، لأنَّ الرسمَ يُجَوِّزُ حَذْفَ مثلِ هذه الألفِ
تخفيفاً، ويَدُلُّ على ذلك أنه رُسِمَ قولُه تعالى: ((ولا طائرٍ يطيرُ بجناحيه))(٦):
(١) الأصل: ((يُعْد محوج)): وهو سهو.
(٢) تقدم برقم ٣٦٤.
(٣) الإِملاء ١٣٥/١.
(٤) السبعة ٢٠٦؛ والكشف ٣٤٥/١؛ والبحر ٤٦٦/٢.
(٥) الآية ١١٠ من المائدة.
(٦) الآية ٣٨ من الأنعام .
١٩٦

- آل عمران -
((ولا طيرٍ» دونَ ألف، ولم يقرّأْه أحدٌ إلا ((طائر)» بالألف، فالرسمُ محتملٌ
لا منافٍ.
وقال بعضُهم كالشارح لِمَا قَدَّمْتُه: ((ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير
لأنه لم يَخْلُق غيرَ الخفاش)). وزعم آخرون أنَّ معنى قراءتِهِ: يكونُ كلُّ واحدٍ
مما أنفخ فيه طائراً، قال: كقولهِ تعالى: ((فاجْلِدوهم ثمانينَ جَلْدةً)(١) أي:
اجلِدوا كلَّ واحدٍ منهم، وهو كثيرٌ في كلامهم.
وأمَّا قراءةُ الباقين فمعناها يُحتمل أَنْ يُراد به اسمُ الجنس، أي : جنسٍ
الطير، فيُحتَملِ أَنْ يُرادَ به الواحدُ فما فوقَه، ويُحتمل أن يُرادَ به الجمعُ،
ولا سيما عند مَنْ يرى أنَّ ((طيراً)) صيغتُه جمعٌ نحو / رَكْب وصَحْب وَتَجْر [١٤٩/أ]
جمعَ راكب وصاحب وتاجر وهو الأخفش(٢)، وأمَّا سيبويه(٣) فهي عنده أسماءُ
جموعٍ لا جموعٌ صريحةٌ، وقد تقدَّم لنا الكلامُ على ذلك في البقرة. وحَسَّنَ
قراءةَ الجماعةِ موافقتُه لِما قبله في قوله: ((من الطير)) ولموافقةِ الرسم لفظاً
ومعنى .
قوله: ((بإذن الله)) يجوزُ أَنُ يتعلَّقَ بـ ((طائراً)) وهذا على قراءةِ نافع،
وأما على قراءة غيره فلا يتعلق به، لأنَّ طيراً اسمُ جنسٍ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ على
أنه صفةٌ لطير، أي: طيراً ملتبساً بإذنِ اللَّهِ أي: بتمكينهِ وإقرارِهِ. وقال
أبو البقاء(٤): ((متعلِّقٌ بيكون))، وهذا إنَّما يَظْهَرُ إذا جَعَلَ ((كان)» تامةً، وأما إذا
جَعَلها ناقصةً ففي تعلُّقِ الظرفِ بها الخلافُ المشهور.
قوله: ((وأُبْرىء الأكمَهَ)) وأُبْرىء عطفُ على ((أَخْلُق)) فهو داخلٌ في حَيِّز
(أني))، ويقال: أَبْرَأْتُ زيداً من العاهةِ ومِن الدَّيْنِ، وبَرَّاتُكَ من الدَّين
(١) الآية ٤ من النور.
(٢) معاني القرآن ٥٠٤.
(٣) الكتاب ٢٠٣/٢.
(٤) الإملاء ١٣٥/١.
١٩٧

- آل عمران ـ
بالتضعيف، وبَرِثْتُ من المرض أَبْرَأُ، وَبَرَأْتُ أيضاً، وأما بَرِثْتُ من الدَّينِ ومِن
الذنب فبرِئْتُ لا غير. وقال الأصمعي: (بَرِثْتُ مِن المرض لغةُ تميم وَبَرَأْتُ
لغة الحجاز)). وقال الراغب(١): ((بَرَأْتُ من المرضِ وبَرِثْتُ، وبَرَأْتُ مِن
فلان)) فظاهر هذا أنه لا يقال الوجهان: أعني فتح الراء وكسرها إلا في البراءة
من المرض ونحوه، وأمَّا الدَّيْنُ والذنب ونحوهما فالفتحُ ليس إلاّ. والبراءةُ:
التَغَصِّي(٢) من الشيء المكروهِ مجاوَزَتُه وكذلك: التبرِّي والْبُرْءِ.
أوالأكمهُ: مَنْ وُلِدَ أَعْمَى يقال: كَمِه يَكْمَهُ كَمَهَاً فهو أكمه قال رؤية: (٣)
١٣٠٠ - فارتدَّ عنها كارتدادِ الأكمهِ
ويُقال كَمِهْتُها أنا أي: أعميتها .. وقال الزمخشري (٤) والراغب (٥)
وغيرهما: ((الأكمهُ مَنْ وُلِدَ مطموسَ العَيْن)). قال الزمخشري: (٦) ((ولم يُوجَّدْ
في هذه الأمةِ أَكِمَهُ غَيْرُ قتادةً صاحبِ التفسير)). وقال الراغب: (٧) ((وقد يُقَل
لَمَنْ ذَهَبَتْ عينُه: أكمهُ، قال سويد: (٨)
١٣٠١- كَمِهَتْ عِيناه حتى أبْيَضَّتا
(١) المفردات ٣٨.
(٢) أي: التغصُّص أبدل الصاد ياءً.
(٣). ديوانه ١٦٦ وبعده:
في غائلات الحائر المُتَهْتِه
وهو في مجاز القرآن ٩٣/١؛ واللسان: كمه.
(٤) الكشاف ٤٣١/١.
(٥) المفردات ٤٥٩.
(٦) الكشاف ٤٣١/١.
(٧) المفردات ٤٥٩.
(٨) سويد بن أبي كاهل، وعجزه:
فهو يَلْحَى نفسَه لَّا نَزَعْ
وهو في المفضليات ٢٠٠؛ والطبري ٤٣٠/٦؛ والبحر ٤٥٥/٢
١٩٨

- آل عمران -
والبَرَصُ داءٌ معروفٌ وهو بياضٌ يَعْتَرِي الإِنسانَ، ولم تكن العرب تَنْفِرُ
مِنْ شيءٍ نَقْرَتَها منه، يُقال: بَرِصَ يَبْرَصُ بَرَصاً، أي: أصابه ذلك، ويُقال لَه:
الوَضَح، وفي الحديث: ((وكان بها وضَح))(١) والوضَّاحِ مِنْ ملوك العرب ھابُوا
أَنْ يقولوا له الأبرصَ، ويقال للقمر: أبرصُ لشدةٍ بياضِهِ. وقال الراغب:
(النكتة التي عليه)) وليس بظاهرٍ، فإنَّ النكتةَ التي عليه سوداءُ، والوَزَغُ: سامُ
أبرصَ لبياضِهِ، والتبريص: الذي يلمع لَمَعان البرصِ ويُقارِبُ البصيصَ(٢).
قوله: (بما تأكلون)) يجوزُ في ((ما)) أن تكونَ موصولةٌ اسميةً أو حرفيةً
أو نكرةً موصوفةً، فعلى الأول والثالثِ يَحْتاج إلى عائدٍ بخلافِ الثاني عند
الجمهورِ، وكذلك (ما)) في قولهِ: ((وما تَدَّخِرُون)) محتملةٌ لِما ذُكِرَ.
وأَنَّى بهذه الخوارقِ الأربعِ بلفظِ المضارعِ دلالةً على تجدُّدِ ذلك كلَّ
وقتٍ طُلِبَ منه، وقَيَّد قولَهُ: ((أني أخلُق)) إلى آخرِهِ ((بإذن الله)) لأنه خارقٌ
عظيمٌ، فأتى به دَفْعاً لتوهُمِ الإِلهيةِ، ولم يأتِ به فيما عُطِفَ عليه في قوله:
(وَأُبْرِىء))، ثم فَيَّدَ الخارِقَ الثالثَ أيضاً ((بإذنِ الله)) لأنه خارقٌ عظيمٌ أيضاً،
وعَطَفَ عليه قولَهُ: ((وأَنْبِّئْكم)) من غيرِ تقييدٍ له مَنْبَهَةً على عِظَمِ ما قبلَه ودَفْعاً
لوَهْمٍ مَنْ يَتَوهَّم فيه الإلهية، أو يكون قد حَذَفَ القَيْدَ من المعطوفَيْنِ اكتفاءً به
في الأولِ ، وما قَدَّمْتُه أحسنُ.
وتَدَّخِرون: قراءةُ العامة بدالٍ مشددةٍ مهملةٍ، وأصلُه تَذْتَخِرُون تَفْتَعِلُون
من النُّخْر وهو التخبِئَةُ، يقال: ذَخَر الشيءَ يَدْخَرُه ذُخْراً فهو ذاخِرٍ ومَذْخُور
أي: خَبَّه، قال الشاعر: (٣)
(١) رواه ابن حنبل ٢٥٤/٣.
(٢) البصيص: البريق.
(٣) البيت لأبي كاهل اليشكري، وهو في الكتاب ٣٤٤/١؛ ومجالس ثعلب ٢٢٩؛ والممتع
٣٦٩؛ وابن يعيش ٢٥٨/٢؛ واللسان والتاج: تمر؛ وشرح الشافية ٢١٢/٣؛ والهمع =
١٩٩

- آل عمران -
١٣٠٢ - لها أَشَارِيرُ مِنْ لحمٍ تُتَمِّرُه
من الثَّعالِي وذُخْرٌ من أَرانيها
الذُّخْر: فُعْل بمعنى المَذْخور نحو: الْأَكْل بمعنى المأكول، وبعضُ
النحْويين يُصَحِّفُ هذا البيت فيقول: ((وَوَخْزٌ)) بالواو والزاي، وقوله: ((من
الثَّعالي وأَرانيها) يريدُ من الثعالب وأرانبها، فَأَبْدَلَ الباءَ الموحدةَ يَاءً بِثِنْتَيْنِ
من تحت، ولَّمَّا كان أصلُهُ ((تَذْتَخِرون)) اجتمعت الذالُ المعجمةُ مع التاءِ ـ أي
تاءِ الافتعال ــ أُبْدِلَتْ تَاءُ الافتعال دالاً مهملةً فالتقى بذلك متقاربانٍ: الذالُ
والدالُ، فَأَدْغَم الذالَ المعجمةَ في المهملةِ فصارَ اللفظُ: تَدَّخِرون كما ترى.
وقد قرأ السوسي(١) في رواية عن أبي عمرو: تَذْدَخِرون بِقَلْبِ تَاءِ
الافتعالِ دالاً مهملةً من غيرِ إدغامٍ، وهو وإِنْ كانَ جائزاً إلَّ أنَّ الإِدغَامَ
هو الفصيحُ. وقرأ الزهري ومجاهد وأبو السَّمَّال وأيوب السختياني(٢)
(تَذْخَرون)) بسكونِ الذالِ المعجمةِ وفتحِ الخاءِ، جاؤوا به مجرداً على فَعَل،
يقال: ذَخَرْتُه أي: خَبَّتُه، ومن العرب من يَقْلِبُ تاء الافتعال في هذا النحو
ذالاً معجمة فيقول: ادَّخَر، يَذَّخِر بذالٍ معجمة مشددةٍ، ومثلُه اذكر فهو مُذَّكِرٍ،
وسيأتي إنْ شاء الله.
وقال أبو البقاء: (٣) ((والأصلُ في تَدَّخِرون: تَذْتَخِرون، إلاَّ أنَّ الذِالَ
مجهورةٌ والتاءَ مهموسةٌ فلم يجتمعا، فأُبدلت التاءُ دالاً لأنها من مَخْرَجها
التقربَ من الذالِ، ثم أُبدلت الذالُ دالاً وَأُدْغِمَتْ)). و((في بيوتِكم)) متعلَّقٌ
بتدخرون.
= ١٨١/١. والأشارير: قطع اللحم تجفف للادخار، وتتمره: تجففه، والتعالي: الثعالب،
والأراني: الأرانب، والبيت في وصف عقاب.
(١) البحر ٤٦٧/٢؛ القرطبي ٩٥/٤.
(٢) أيوب بن كيسان البصري الفقيه، توفي سنة ١٣٢. انظر: شذرات الذهب ١٨١/١ :.
(٣) الإملاء ١٣٦/١.
٢٠٠