النص المفهرس

صفحات 121-140

- آل عمران -
في المضارعِ ، تقدَّم الماضي أو تأَخَّر)»، وتأوَّل هذا المسموعَ على إضمارِ الفاء
وَجَعَلَهُ مثلَ قول الشاعر: (١)
إِنَّك إِنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ
١٢٣٩-
على مذهب مَنْ جعل أن الفاء منه محذوفةٌ. وأمَّا المتقدمون فاختلفوا
في تخريج الرفع: فذهب سيبويه(٢) إلى أن ذلك على سبيل التقديم وأن
جواب الشرط ليس مذكوراً عنده. وذهب المبرد(٣) والكوفيون إلى أنه
هو الجواب. وإنما حُذِفَتْ منه الفاء، والفاءُ ما بعدها كقوله تعالى: ((ومن عاد
فينتقمُ الله منه))(٤)، فَأَعْطِيَتْ في الإِضمار حكمَها في الإِظهار. وذهب غيرهما
إلى أن المضارعَ هو الجواب بنفسه أيضاً كالقولِ قبله، إلا أنه ليس معه فاءً
مقدَّرة قالوا: لكنْ لمَّا كان فعلُ الشرط ماضياً لا يظهر لأداة الشرط فيه عملٌ ظاهر
استضعفوا أداةَ الشرط فلم يُعْملوها في الجواب لضعفها، فالمضارعُ المرفوعُ
عند هذا القائلِ جوابٌ بنفسه من غير نيّة تقديم ولا على إضمار الفاء، وإنما
لم يُجْزَمِ لِما ذُكِرَ، وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان.
وتلخص من هذا الذي قلناه أنَّ رَفْعَ المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله
شرطاً لكن امتنع أن يكونَ ((وما عملت)) شرطاً لعلة أخرى، لا لكون ((تود))
(١) البيت لجرير بن عبدالله البجلي أو عمروبن الخشارم، وهو في رصف المباني ١٠٤،
وصدره :
يا أقرعُ بنَ حابس يا أقرعُ
وأمالي الشجري ٨٤/١؛ وابن يعيش ١٥٨/٨؛ والمقرب ٢٧٥/١؛ واللسان:
بجل؛ والمغني ٦١٠؛ وشواهد المغني ٨٩٧.
(٢) الكتاب ٤٣٦/١.
(٣) المقتضب ٦٩/٢، ٧٢/٢.
(٤) الآية ٩٥ من المائدة.
١٢١

- آل عمران ـ
مرفوعاً، وذلك على ما نقرِره على مذهب سيبويه من أن النيةً بالمرفوع
التقديمُ، ويكون إذ ذاك دليلاً على الجواب لا نفسَ الجواب فنقول: إذا كان
(تود)) منوباً به التقديمُ أدَّى إلى تقدُّم المضمر على ظاهره في غير الأبواب
المستثناة في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله ((وبينه)) عائدٌ على اسم
الشرط الذي هو ((ما)) فيصيرُ التقدير: ((تود كلُّ نفسٍ لو أن بينها وبينه أمداً
بعيداً ما عَمِلت من سوء)) فَلَزِمَ من هذا التقديرِ تقديمُ المضمر على الظاهر
وذلك لا يجوز.
فإن قلت: لِمَ لا يجوز ذلك والضميرُ قد تأخّر عن اسم الشرط وإن
كانت النيةُ به التقديمَ، فقد حَصَلَ عَوْدُ الضميرِ على الاسم الظاهرِ قبله، وذلك
نظيرُ: ((ضربَ زيداً غلامهُ)) فالفاعلُ رتبته التقديم ووجب تأخّره لصحةِ عَوْدٍ
الضمير؟ فالجواب أن اشتمالَ الدليل على ضميرٍ اسم الشرط يوجب تأخيرَه
عنه لعَوْدِ الضمير فيلزَمُ من ذلك اقتضاءُ جملة الشرط لجملة الدليل، وجملةُ
الشرط إنما تقتضي جملةً الجزاء لا دليلَه، ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملةالدليل،
بل إنها تعمل في جملة الجزاء، وجملةُ الدليل لا موضعَ لها من الإِعراب،
وإذا كان كذلك تدافعَ الأمرُ، لأنها من حيثُ هي جملةُ دليلٍ لا يقتضيها فعلُ
الشرط، ومن حيث عَوْدُ الضميرِ على اسم الشرط اقتضاها فتدافَعا، وهذا
بخلافِ («ضرب زيداً غلامهُ)) فإنها جملةٌ واحدة، والفعل عامل في الفاعل
والمفعول معاً، فكلَّ واحدٍ منهما يقتضي صاحبَه، ولذلك جاز عند بعضِهم
((ضرب غلامُها هندا) لاشتراكِ الفاعل المضاف إلى الضميرِ والمفعول الذي
عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع ((ضربَ غلامُها جارَ هِنٍ)) لعدم الاشتراك
في العامل(١)، فهذا فرقُ ما بين المسألتين، ولا يُحْفظ من لسان العرب:
(١) العامل في الفاعل: ((شرب))، وقد عاد الضمير في ((غلامها)) على المضاف إليه، والعامل في
المضاف إليه هو المضاف، فاختلف العاملان.
١٢٢

- آل عمران -
(أودُّ لو أَنْ أكرمَه أياً ضربَتْ هندٌ)) لأنه يلزم منه تقديمُ المضمرِ على مفسَّره في
غير المواضِعِ التي ذكرها النحويون، فلذلك لا يجوز تأخيره. انتهى)).
وقد جَوَّز أبو البقاء (١) كونَها شرطيةٌ، ولم يَلْتَفِتَ لِما مَنعوا به ذلك فقال:
((والثاني: أنها شرط، وارتفع ((تودُّ» على إرادة الفاء، أي: فهي توذُّ، ويجوز
أن يرتفعَ من غير تقديرِ حرف لأن الشرطَ هنا ماضٍ ، وإذا لم يظهر في الشرطِ
لفظُ الجزم جاز في الجزاء الوجهان: الجزمُ والرفع)». انتهى وقد تقدَّم تحقيق
القول في ذلك، والظاهرُ موافقتُهُ للقول الثالث في تخريج الرفع في المضارع
كما تقدَّم تحقيقه.
وقرأ عبدالله(٢) وابنُ أبي عبلة ((وَدَّت)) بلفظ الماضي، وعلى هذه
القراءةِ يجوزُ في ((ما)) وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطية، وفي محلُّها حينئذٍ
احتمالان: الأولُ النصبُ بالفعلِ بعدها، والتقدير: أيَّ شيءٍ عَمِلَتْ من سوء
وَدَّتْ، فودَّتْ جوابُ الشرط. والاحتمالُ الثاني: الرفعُ على الابتداء، والعائدُ
على المبتدأ محذوفٌ تقديرُهُ: وما عملته، وهذا جائزٌ في اسم الشرط خاصةً
عند الفراء في فصيحِ الكلام، أعني حَذْفَ عائد المبتدأ إذا كان منصوباً بفعلٍ
نحو: ((أيُّهم تَضْرِبْ أُكْرِمه)) برفع أيهم، وإذا كان المبتدأ غيرَ ذلك ضَعُفَ نحو:
(زيدٌ ضربْتُ)). وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في موضعين من القرآن،
أحدُهما قراءةُ مَنْ قرأ: ((أفحكمُ الجاهلية يَبْغون))(٣). والثاني: ((وكلِّ وعدَ الله
الحسنى))(٤) في الحديد، واختلافُ الناس في ذلك.
(١) الإملاء ١٣١/١.
(٢) البحر ٤٣٠/٢.
(٣) الآية ٥٠ من المائدة، وهي قراءة السلمي كما في الشواذ ٣٢.
(٤) الآية ١٠ من الحديد، وهي قراءة ابن عامر كما في السبعة ٦٢٥.
١٢٣

- آل عمران -
الوجه الثاني من وجهي ((ما)) أن تكون موصولةً بمعنى: الذي عملته من
سوء ودت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ومَحَلُّها على هذا رفع بالابتِداء،
و ((وَدَّتْ)) الخبرُ، واختاره الزمخشري(١) فإنه قال: ((لكنَّ الحملَ على الابتداءِ
والخبرِ أوقعُ في المعنى لأنه حكايةُ الكائن في ذلك اليوم، وأَثْبَتُ لموافقةِ قراءة
العامة)). انتهى .
فإن قلت لِمَ لَمْ يمتنع أن تكونَ ((ما)) شرطيةً على هذه القراءة كما امتنع
ذلك فيها على قراءة العامة؟ فالجوابُ أنَّ العلة إنْ كانت رفعَ الفعل وعَدَمَ
جزمِهِ كما قال به الزمخشري وابن عطية فهي مفقودةٌ في هذه القراءة لأن
[١٣٩/ب] الماضي مبنيُّ اللفظ / لا يظهر فيه لأداةِ الشرط عملٌ، وإن كانت العلةُ أنَّ البنية
به التقديمُ فيلزمُ عودُ الضميرِ على متأخرٍ لفظاً ورتبة، فهي أيضاً مفقودةً فيها؛ إذ
لا داعی يدعو لذلك
و((لو)» هنا على بأيِها من كونها حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره، وعلى
هذا ففي الكلام حَذْفان، أَحدهما: حذفُ مفعولِ ((يود)»، والثاني: حَذْفُ جواب
(لو))، والتقدير فيهما: تود تباعدَ ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً
لسُرَّتْ بذلك، أو لفرِحَّتْ ونحوُهُ. والخلافُ في ((لو)) بعد فعل الوَدادة
وما بمعناه أنها تكونَ مصدريةً - كما تقدم تحريره في البقرة _(٢) يَبْعُدُّ مجِئُهُ
هنا، لأنَّ بعدها حرفاً مصدرياً وهو أَنْ. قال الشيخ: (٣) ((ولا يباشِر حرف
مصدري حرفاً مصدرياً إلا قليلاً، كقوله تعالى: ((إنه لحقُّ مثلَ ما أنكم
تَنْطِقُون))(٤) قلت: قوله: ((إلا قليلاً)) يُشْعر بجوازه وهو لا يجوزُ البتة، فَأَمَّا
(١) الكشاف ٤٢٣/١.
(٢) انظر إعرابه للآية ١٠٩ من البقرة.
(٣) البحر ٢ /٤٣٠.
(٤) الآية ٢٣ من الذاريات
١٢٤

- آل عمران -
ما أَوْرَدَهُ من الآية الكريمة فقد نصَّ النحاة على أن ((ما)» زائدةٌ. وقد تقدَّم
الكلام في ((أَنَّ) الواقعة بعد ((لو)) هذه: هل محلّها الرفع على الابتداء والخبرُ
محذوف كما ذهب إليه سيبويه(١)، أو أنها في محل رفعٍ بالفاعلية بفعلٍ مقدر
أي: لو ثَبَتَ أَنَّ بينها؟ وما قالَ الناس في ذلك.
وقد زعم بعضُهم أَنَّ (لو)) هنا مصدريةٌ، هي وما في حَيِّزها في موضع(٢)
المفعول لـ ((تود)»، أي: تود تباعُدَ ما بينها وبينه، وفيه ذلك الإِشكالُ،
وهو دُخول حرف مصدري على مثله، ولكنَّ المعنى على تسلّطِ الوَدادة على
(لو)) وما في حيِّزها لولا المانعُ الصناعي.
والْأَمَدُ: غايةُ الشيء ومنتهاه وجمعه آماد نحو: جَبَل وأَجْبال فَأُبْدِلَتْ
الهمزة ألفاً لوقوعِها ساكنةً بعد همزة ((أَفْعال)). وقال الراغب: (٣) ((الأمدُ والأَبْدُ
يتقاربان، لكنَّ الأُبَدَ عبارةٌ عن مدة الزمان التي ليس لها حَدٌّ محدودٌ، ولا يتقيَّد
فلا يقال: أبدَ كذا، والأمدُ مدةٌ لها حَدٌّ مجهولٌ إذا أُطْلِقَ، وينحصِرُ إذا قيل:
أمدّ كذا، كما يقال: زمانَ كذا، والفرق بين الأمد والزمان: أنَّ الأمدَ يُقال
باعتبارِ الغاية، والزمانُ عام في المبدأ والغاية، ولذلك قال بعضُهم: المَدَى
والأمد يتقاربان)».
آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿تُحِبُّون الله﴾: قرأ العامة: (تُحِبون)) بضم
حرف المضارعة مِنْ أَحَبَّ، وكذلك ((يُحْبِيْكم الله)). وقرأ أبو رجاء
العطاردي: (٤) تَحُبُّون، يَحْببكم بفتح حرف المضارعة وهما لغتان: يقال حبَّه
(١) الكتاب ٤١٠/١.
(٢) قوله ((موضع)) غير واضح في الأصل.
(٣) المفردات ٢٠.
(٤) البحر ٤٣١/٢؛ الشواذ ٢٠، وجاء في الأصل أبو الجوزاء العطاردي وهو سهو.
١٢٥

- آل عمران -
يُحِبُّه بضم الحاء وكسرها في المضارع، وأَحَبَّه يُحِبُّه، وقد تقدم القول في
ذلك في البقرة (١). ونقل الزمخشري (٢) أنه قرىء ((يَحِبَّكم)) بفتح الباء والإِدغام
وهو ظاهرٌ، لأنه متى سَكَّن المِثْلَيْنِ جزماً أو وقفاً جاز فيه لغتان: الفك
والإِدغام، وسيأتي تحقيق ذلك في المائدة.
وقرأ الجمهور: ((فاتَّبعوني)) بتخفيف النون وهي للوقاية، وقرأ الزهري(٣)
بتشديدها، وخُرِّجَت على أنه أَلْحَقَ الفعلَ نون التوكيد وأدغمها في نونٍ
الوقاية، وكان ينبغي له أن يَحْذِفَ واو الضمير لالتقاء الساكنين، إلا أنه شّبَّه
ذلك بقوله: ((أتحاجونِّي))(٤) وهو توجية ضعيف(٥)، ولكنْ هو يصلح لتخريج
هذا الشذوذ.
وقد طعن الزجاج(٦) على مَنْ روى عن أبي عمرو إدغامَ الراء من
(يغفر)) في لام ((لكم)) وقال: ((هو خطأً وغلطٌ على أبي عمرو)) وقد تقدَّم
تحقيق ذلك وأنه لا خطأً ولا غلطٌ، بل هذه لغةٌ للعرب نقلَها الناس، وإن كان
البصريون - كما يقول الزجاج - لا يُجيزون ذلك.
أ. (٣٢) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوا﴾: هذا يَحْتمل وجهين، أحدهما:
أن يكونَ مضارعاً والأصلُ: ((تتولّوا)) فَحَذَفَ إحدى التاءين، وقد تقدم الكلامُ
على ذلك، وعلى هذا فالكلامُ جارٍ على نسقٍ واحد وهو الخطاب. والثاني:
(١) انظر إعرابه للآية ١٦٥ من البقرة.
(٢) الكشاف ٤٢٤/١؛ ونسبتها في الشواذ ٢٠ إلى أبي رجاء.
(٣) البحر ٤٣١/٢:
(٤) الآية ٨٠ من الأنعام.
(٥) الفرق بينهما أن ((فاتبعوني)) أمر فيجب فيه حذف الواو لالتقاء الساكنين وليس فيه نون
الرفع، أما ((أتحاجوني) فهو مضارع فيه نون الرفع أدغمت مع نون الوقاية فليس فيه
ضعف بخلاف الأول!
(٦). معاني القرآن ٤٠٠/١
١٢٦

- آل عمران -
أن يكون فعلاً ماضياً مسنداً لضميرٍ غيب، فيجوزُ أن يكونَ من باب الالتفات،
ويكونُ المرادُ بالغيب المخاطَبين في المعنى، وهو نظيرُ قولِهِ تعالى: ((حتى إذا
كنتم في الفُلْك وجَرَيْنَ بهم))(١).
آ. (٣٣) قوله: ﴿ونوحا﴾: ((نوح)) اسم أعجمي لا اشتقاق له عند
محققي النحويين، وزعم بعضُهم أنه مشتق من النّواح، وهذا كما تقدم لهم
في آدم وإسحاق ويعقوب، وهو منصرفً وإن كان فيه علتان فرعيتان: العلمية
والعجمة الشخصية لخفةِ بنائه بكونه ثلاثياً ساكن الوسط، وقد جَوَّزَ بعضهم
منعَه قياساً على (هند)) وبابِها لا سماعاً إذ لم يُسْمع إلا مصروفاً.
وادَّعى الفراء (٢) أن في الكلام حذفَ مضاف تقديرُهُ: ((إن الله اصطفى
دين آدم)). قال التبريزي: ((وهذا ليسَ بشيء، لأنه لو كان الأمر على ذلك
لقيل: ((ونوحٍ)) إذ الأصل: دين آدمَ ودين نوحٍ، وهذه سَقْطَةٌ فاحشة من
التبريزي، إذ لا يلزم أنه إذا حُذف المضافُ بقي المضاف إليه مجروراً حتى
يَرُدَّ على الفراء بذلك، بل المشهورُ الذي لا تَعْرِفُ الفصحاء غيرَه إعرابُ
المضاف إليه بإعرابِ المضاف حين حَذْفِهِ، ولا يجوز بقاؤُهُ على جَرِّه إلا في
قليل من الكلام بشرطٍ(٣) ذُكِرَ في النحو، وسيأتي لك في الأنفال، وكان ينبغي
على رأي التبريزي أن يكون قولُه تعالى: ((واسأل القرية))(٤) بجر ((القرية)) لأنَّ
الكل - هو وغيرُه - يقولون: هذا على حَذْفٍ تقديرُه: ((أهلَ القرية)).
(١) الآية ٢٢ من يونس.
(٢) معاني القرآن ٢٠٧/١.
(٣) الشرط هو أن يكون المحذوف مماثلاً لما عليه قد عطف كقوله:
أكلَّ امرىء تحسبين امرأً
ونارٍ توقُّدُ بالليل نارا
التقدير: وكل نار، فحذف ((كل)) وأبقى المضاف إليه مجروراً لتوفر العطف على
مماثل المحذوف وهو ((كل)) في قوله: أكل امرىء. ابن عقيل ٦٥/٢.
(٤) الآية ٨٢ من يوسف.
١٢٧

- آل عمران -
و ((عِمْران)) اسم أعجمي /. وقيل: عربي مشتق من العَمْر، وعلى كلا
[ ١/١٤٠]
القولين فهو ممنوعُ الصرف: إمّا للعلَميّة والعجمة الشخصية، وإمَّا للعلمية
وزيادة الألف والنون.
قوله تعالى: ((على العالمين)) متعلقٌ باصطفى، فإن قيل: اصطفى
يتعدَّى بمن نحو: ((اصطفيتك مِنَ الناس)) فالجواب أنه ضُمِّنَ معنى ((فَضَّلَ))
أي: فَضَّلهم بالاصطفاء.
آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿ذريةٌ﴾: في نصبها وجهان، أحدهما: أنها
منصوبةٌ على البدل مِمَّا قبلها، وفي المبدلِ منه على هذا ثلاثة أوجه، أحدها:
أنها بدل من ((آدم)) ومَنْ عُطِفَ عليه، وهذا إنما يتأتى على قولِ مَنْ يطلقٍ
((الذرية)) على الآباء وعلى الأبناء، وإليه ذهب جماعة. قال الجرجاني: ((الآية
تُوجِبُ أن يكونَ الآباء ذريةً للأبناء والأبناء ذريةٌ للآباء، وجاز ذلك لأنه من
((ذَرَأَ الخَلْقَ)) فالأبُ ذُرِيَ منه الولد، والولد ذُرِيَ من الأب)». وقال الراغب: (١)
((الذرية تقال للواحد والجمع والأصلِ والنسل، كقوله: ((حَمَلْنَا ذُرِّيَتَهم))(٢)
أي: آباءهم، ويقال للنساء: الذَّراري، فعلى هذين الوجهين يَصِحُ جَعْلُ
(ذرية)) بدلاً من آدم ومن عُطِف عليه. وقال أبو البقاء: (٣) ((ولا يجوز أَنْ يكونَ
بدلاً من آدم لأنه ليس بذرية)» وهذا الذي قاله ظاهرٌ إنْ أراد آدمَ وحدَهُ دونَ مُنْ
عُطِفَ عليه، وإن أراد أَدِمَ ومَنْ ذُكِرَ معه فيكونُ المانع عنده عدمَ جوازٍ إطلاق
الذرية على الآباء.
: الثاني من أوجه البدل: أنها بدلٌ من ((نوح)) ومَنْ عُطِفَ عليه، وإليه نحا
(١) المفردات ١٨١.
:
(٢) الآية ٤١ من يس.
(٣) الإملاء ١٣١/١.
١٢٨

- آل عمران -
أبو البقاء(١). الثالث: أنها بدلٌ من الآلَيْن: أعني آل إبراهيم وآل عمران،
وإليه نحا(٢) الزمخشري، يريد أن الآلّيْن ذريةٌ واحدة.
الوجه الثاني من وجهي نصب ((ذرية)): النَّصْبُ على الحال، تقديره:
اصطفاهم حالَ كونِهِم بعضَهم من بعض، والعاملُ فيها: اصطفى. وقد تقدَّم
القول في اشتقاق هذه اللفظة ووزنها ومدلولها مشبعاً فأغنى عن إعادته(٣).
وقوله: (بَعْضُها من بعض)) هذه الجملةُ في موضع النصب نعتاً لذرية.
آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿إِذ قالت امرأة عمران﴾: في الناصبِ له
أوجهٌ، أحدُها: أنه ((اذكر)) مقدراً، فيكونُ مفعولاً به لا ظرفاً أي: اذكر
لهم وقتَ قول امرأة عمران كيت وكيتَ، وإليه ذهب أبو الحسن (٤)
وأبو العباس(٥). الثاني: أن الناصبَ له معنى الاصطفاء أي بـ ((اصطفى))
مقدراً مدلولاً عليه باصطفى الأول، والتقدير: واصطفى آل عمران إذ قالت
امرأة عمران، وعلى هذا يكون قوله: ((وآلَ عمران)» من باب عطفٍ الجمل
لا من باب عطف المفردات، إذ لو جُعِلَ من عَطْف المفردات لَزِمَ أن يكون
وقتُ اصطفاء آدم وقتَ قول امرأة عمران كيت وكيتَ، وليس كذلك لتغايُرِ
الزمانين، فلذلك اضطررنا إلى تقديرِ عاملٍ غيرِ هذا الملفوظِ به، وإلى هذا
ذهبَ الزجاج(٦) وغيره.
(١) الإِملاء ١٣١/١.
(٢) الكشاف ٤٢٤/١.
(٣) انظر إعرابه للآية ١٢٤ من البقرة.
(٤) معاني القرآن ٢٠٤/١.
(٥) الأول هو الأخفش والثاني هو المبرد.
(٦) معاني القرآن ٤٠٣/١.
١٢٩

- آل عمران :-
الثالث: أنه منصوبٌ بـ ((سميع)) وبه صَرَّح ابن جرير الطبري(١) .. وإليه
نحا الزمخشري(٢) ظاهراً فإنه قال: ((أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها،
و ((إذ)) منصوبٌ به)). قال الشيخ: (٣) ((ولا يَصِحُ ذلك لأن قوله ((عليم)): إمّا أن
يكونَ خبراً بعد خبر أو وصفاً لقوله: ((سميع))، فإن كان خبراً فلا يجوزُ الفَصلُ
بين العامل (٤) والمعمول لأنه أجنبي منهما، وإن كان وصفاً فلا يجوزُ أن يعملَ
((سميع)) في الظرف لأنه قد وُصف، واسمُ الفاعلِ وما جَرى مجراه إذا وُصفَ
قبل أَخْذِ معمولِهِ لا يجوزُ له إذ ذاك أن يعملَ، على خلافٍ لبعض الكوفيين في
ذلك، ولأنَّ اتصافَه تعالى بسميع عليم لا يتقَّد بذلك الوقت)» قلت: وهذا
العُذْرُ غيرُ مانع لأنه يُتَّسَع في الظرفِ وعديله ما لا يُتَّسع في غيره، ولذلك يُقَدَّم
على ما في حيز ((أل)) الموصولة وما في حيز ((أَنْ)) المصدرية.
الرابع: أن تكونَ ((إِذ)) زائدةً وهو قول أبي عبيدة(٥)، والتقدير: قالت
امرأة، وهذا عند النحويين غلطً، وكان أبو عبيدة يُضَعَّف في النحو.
قوله: ((مُحَرَّراً)) في نصبه أوجه، أحدُها: أنه حالٌ من الموصول
وهو ((ما في بطني)»، فالعاملُ فيها ((نَذَرْتُ)). الثاني: أنه حال من الضمير
المرفوع بالجار لوقوعِهِ صلّةً لـ ((ما))، وهو قريبٌ من الأول، فالعامل في هذه
الحال الاستقرارُ الذي تضمَّنه الجارُّ والمجرور. الثالث: أن ينتصِبَ على
المصدر؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَّةِ اسم المفعولِ من الفعل الزائدِ على
ثلاثةِ أحرفٍ، وعلى هذا فيجوز أن يكونَ في الكلامِ حَذْفُ مضاف تقديرُهُ:
:
(١) التفسير ٣٢٨/٦.
(٢) الكشاف ٤٢٤/١.
(٣) البحر ٤٣٧/٢.
(٤) العامل: سميع، والمعمول: إذ.
(٥) مجاز القرآن ٩٠/١
١٣٠

- آل عمران -
نذرتُ لك ما في بطني نَذْرَ تحرير، ويجوز أن يكون ممَّا انتصب على المعنى؛
لأن معنى ((نَذَرْتُ لك)) حَرَّرْت ما في بطني تحريراً. ومن مجيء المصدر بزنة
المفعول مما زاد على الثلاثي قولُه تعالى: ((ومَزَّقْنَاهُم كلّ ممزّق))(١)، وقوله:
((وَمُنْ يُهِنِ اللَّهُ فما له من مُكْرَم))(٢) في قراءة من فتح الراء، أي: كلَّ تمزيق،
وفما له من إكرام، ومثله قول الشاعر: (٣)
فلاعِيَّاً بهنَّ ولا اجْتِلَابا
١٢٤٠ - ألم تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القوافي
أي: تسريحي القوافي. الرابع: أن يكونَ نعتَ مفعولٍ محذوفٍ
تقديره: غلاماً محرراً، قاله مكي(٤) بن أبي طالب. وجَعَلَ ابنُ عطية (٥) في هذا
القولِ نظراً. قلت: (٥) / وجهُ النظر فيه أن ((نَذَرَ)) قد أخذ مفعوله وهو قوله: [١٤٠/ب]
(ما في بطني) فلم يتعدَّ إلى مفعولٍ آخر؟ وهو نظرٌ صحيح. وعلى القول بأنها
حالٌ يجوز أن تكونَ حالاً مقارنةً إن أريد بالتحرير معنى العِثْقِ، ومقدَّرةُ إنْ
أُريد به معنى خدمة الكنيسة كما جاء في التفسير.
ووقف(٦) أبو عمرو والكسائي على ((امرأة)) بالهاء دون التاء، وقد كتبوا
امرأة بالتاء وقياسُها الهاء هنا وفي يوسف: ((امرأةُ العزيز))(٧) [في] موضعين،
(١) الآية ١٩ من سبأ.
(٢) الآية ١٨ من الحج، وقال في الشواذ ص ٩٤: ((ذكره أبو معاذ)).
(٣) البيت لجرير وهو في ديوانه ٦٢؛ والكتاب ١١٩/١؛ والخصائص ٣٦٧/١؛ وأمالي
الشجري ٤٢/١.
(٤) المشكل ١٣٦/١.
(٥) هذا الكلام لأبي حيان ٤٣٧/٢، أو يكون الاثنان قد اتفقا على أمر واحد. المحرر
٦٤/٣.
(٦) البحر ٤٣٧/٢.
(٧) من الآية ٣٠ من يوسف.
١٣١

- آل عمران: ــ
و ((امرأة نوح)(١) و((امرأة لوط))(٢) و((امرأة فرعون))(٣)، وأهلُ المدينة يقفون
بالتاء اتُّباعاً لرسم المصحف، وهي لغةٌ للعرب يقولون في حمزة: حَمْزَتْ،
وأنشدوا : (٤)
١٢٤١ - اللَّهُ نَجَّاكَ بِكَفِّيْ مَسْلَمَتْ مِنْ بعدِما وبعدِما وبعدِمَتْ
وقوله: ((ما في بطني)) أتى بـ ((ما)) التي لغير العاقلِ لأن ما في بطنِها
مُبْهَمٌ أمرُهُ، والمبهمُ أمرهُ يجوز أن يُعَيَّرِ عنه بـ (ما))، ومثاله إذا رأيت شيخاً من
بعيد لا تدري أأنسانٌ هو أم غيرُه: ما هذا؟ ولو عرفت أنه إنسان وجَهِلْتَ كونَه
ذكراً أم أنثى قلت: ما هو؟ أيضاً، والآيةُ من هذا القبيل هذا عند مَنْ يرى أن
(ما) مخصوصةً بغير العاقل، وأمَّا مَنْ يرى وقوعَها على العقلاء فلا يتأوَّل
شيئاً. وقيل: إنه لما كان ما في البطن لا تمييزٌ له ولا عقلَ عَبَّر بـ ((ما)» التي
لغير العقلاء.
آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿فلما وَضَعَتْهَا﴾: الضمير في ((وضعَتْها) يعود
على ((ما) من حيث المعنى، لأن الذي في بطنها أنثى في علم الله تعالى،
فعاد الضميرُ على معناها، دونَ لفظها. وقيل: إنما أنَّه حَمْلاً على معنى
النَّسَمَةِ أَو الحَبْلة أو النفسِ، قاله الزمخشري(٥). وقال ابن عطية(٦): ((حَمْلاً
على الموجودة [ورفعاً لِلَّفْظِ ((ما)) في قوله: ((ما في بطني](٧) محرّرًا)).
(١) من الآية ١٠ من التجريم.
(٢) من الآية ١٠ من التجريم.
(٣) من الآية ٩ من القصص.
(٤) البيت لأبي النجم، وهو في مجالس ثعلب ٢٧٠؛ والخصائص ٣٠٤/١؛ وسر الصناعة
١٧٧/١؛ واللسان: ما؛ وشواهد الشافية ٢١٨؛ ورصف المباني ١٦٢.
(٥) الكشاف ٤٢٥/١.
(٦) المحرر ٦٥/٣.
(٧) لم يظهر في المصورة عن الأصل.
١٣٢

- آل عمران -
قوله: ((أنثى)) فيه وجهان، أحدهما: أنها منصوبةٌ على الحال وهي حال
مؤكدة لأن التأنيثَ مفهومٌ من تأنيث الضمير، فجاءت ((أنثى)) مؤكدة، قال
الزمخشري(١) ((فإن قلت: كيف جاز انتصاب ((أنثى)) حالاً من الضمير في
((وضَعَتْها)) وهو كقولك: ((وضَعَتِ الأنثى أنثى))؟ قلت: الأصل وضَعَتْه أنثى،
وإنما أُنّث لتأنيث الحال، لأن الحال وذا الحال لشيء واحد كما أَنَّث الاسمّ
في ((مَنْ كانت أمَّك)) التأنيث الخبر. ونظيرُه قولُه تعالى: ((فإن كانتا اثنتين))(٢)،
وأمَّا على تأويل النَّسَمَة والحَبْلة فهو ظاهرٌ، كأنه قيل: إني وضَعْتُ الحَبْلَةَ
والنَّسَمة أنثى)) يعني أنَّ الحال على الجوابِ الثاني تكون مبيّنةً لا مؤكدةً،
وذلك لأن النسمة والحبلة تصدُق على الذّكر وعلى الأنثى، فلمَّا حَصَل فيها
الاشتراك جاءت الحالُ مبينة لها.
ألَّ أنَّ الشيخَ(٣) ناقشه في الجواب الأول فقال: ((وآل قَولُه - يعني
الزمخشري - إلى أنها(٤) حال مؤكدة، ولا يُخْرِجُه تأنيثُه لتأنيث الحال عن أن
تكون حالاً مؤكِّدة. وأمَّا تشبيهُه ذلك بقوله: ((مَنْ كانت أمَّك)) حيث عادَ
الضميرُ على معنى ((مَنْ)) فليس ذلك نظيرَ ((وضَعَتْها أنثى)) لأن ذلك حُمِل
على معنى ((مَنْ)) إذ المعنى: أيةُ امرأة كانَتْ أَمَّك، أي: كانت هي أي
أمَّك، فالتأنيثُ ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحَمْلِ على معنى مَنْ،
ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظيرَ ((وضَعَتْها أنثى)) لأنَّ
الخبرَ تخصَّص بالإِضافة إلى الضميرِ، فاستُفيد من الخبرِ ما لايُسْتفاد من الاسم،
بخلافِ ((أنثى)) فإنه لمجردٍ التوكيدِ. وأمَّا تنظيرُه بقوله: ((فإنْ كانتا اثنتين)»
فيعني أنه ثَنَّى الاسم لتنثيةِ الخبرِ، والكلامُ عليه يأتي في مكانه، فإنه من
(١) الكشاف ٤٢٥/١.
(٢) الآية ١٧٦ من النساء.
(٣) البحر ٤٣٨/٢.
(٤) أي: ((أنثى)).
١٣٣

- آل عمران -
المُشْكلات، فالأحسن أن يُجْعَلَ الضميرُ في ((وضعَتْها أنثى)) عائداً على النَّسَمَة
أو النفس، فتكون الحالُ مبينةً لا مؤكدةً».
قلت: قوله ((ليس نظيرَه، لأنَّ ((مَنْ كانت أمَّك)) حُمِل فيه على معنى
[مَنْ]، وهذا أُنَّثِ لتأنيث الخبر)» ليس كما قال، بل هو نظيرُه، وذلك أنه في
الآية الكريمةُ حُمِل على معنى ((ما)) كما حُمِل هناك على معنى ((مَنْ))، وقول
الزمخشري: ((التأنيث الخبرِ)) أي: لأنَّ المراد بـ ((مَنْ)) التأنيثُ بدليل تأنيثٍ
الخبرِ، فتأنيثُ الخبرَ بَّن لنا أن المراد بـ ((مَنْ)) المؤنثُ، كذلك تأنيثُ الحالِ
- وهي أنثى - بَيّن لنا أن المراد بـ (ما)) في قوله: ((ما في بطني)» أنه شيء
مؤنث، وهذا واضح لا يَحتاج إلى فكر. وأما قوله: ((فقد استُفيد من الخبر
ما لا يُسْتفاد من الاسمِ بخلاف ((وضَعَتْها أنثى)) فإنه لمجردِ التوكيد)» فليس (١)
بظاهرِ أيضاً؛ وذلك لأنَّ الزمخشري إنما أراد بكونه نظيرَه من حيث إنَّ التأنيث
في كلّ من المثالَيْنِ مفهومٌ قبلَ مجيءٍ الحال في الآية، وقبلَ مجيءِ الخبرِ في
النظير المذكور. أمَّا كونُه يفارقه في شيءٍ آخرَ لعارضٍ فلا يَضُرُّ ذلك في
التنظيرِ، ولا يُخْرِجُه عن كونه يُشْبِهُه من هذه الجهة.
وقد تحصَّل لك في هذه الحال وجهان، أحدُهما: أنها مؤكدةٌ إِنْ قلنا إنَّ
الضمير في ((وضعَتْها)) عائدٌ على معنى ((ما)). والثاني: أنها مبيّنة إنْ قلنا: إِنَّ
الضميرَ عائدٌ على معنى الحَبْلة أو النَّسَمة أو النفس، لصِدْقِ كلِّ من هذه
الألفاظِ الثلاثةِ على الذكر والأنثى.
الوجه الثاني من وجهي ((أنثى)): أنها بدلٌ من ((ها)) في ((وضَعَتْها)) بدلُ
كلٍ من كلٍ ، قاله أبو البقاء(٢)، ويكونُ في هذا البدلِ بيانُ ما المرادُ بهذا
(١) الأصل: ((ليس)) وهو سهو لأن الفاء واجبة.
(٢) الإِملاء ١٣١/١.
١٣٤

- آل عمران -
الضمير، وهذا من المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعدَه لفظاً ورتبةٌ. فإنْ
كان الضمير مرفوعاً نحو: ((وأَسَرُّوا النجوى الذين ظلموا))(١) على أحدٍ
الأوجه، فالكلُّ يجيزون فيه البدلَ. وإنْ كان غيرَ مرفوعٍ نحو /: ((ضربْتُه [١/١٤١]
زيداً))، ومَرَرْتُ به زيدٍ، فاخْتُلِف فيه، والصحيح جوازُه كقول الشاعر(٢):
١٢٤٢- على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً على جودِه لضنَّ بالماءِ حاتمٍ
بجرِّ («حاتم)» الأخيرِ، بدلاً من الهاء في «جودِه)).
قوله: ((بما ((وَضَعَتْ)) قرأ(٣) ابن عامر وأبو بكر: (وَضَعْتُ)) بتاء المتكلم،
وهو من كلام أم مريم عليها السلام خاطَبَتْ بذلك نفسها تَسَلِّياً لها، واعتذاراً
الله تعالى حيث أتَتْ بمولود لا يَصْلُحِ لِما نَذَرَتْه من سِدانة بيتِ المقدس. قال
الزمخشري (٤) _ وقد ذكر هذه القراءة: ((تعني ولَعلَّ الله تعالى فيه سراً
وحكمة، ولعلَّ هذه الأنثى خيرٌ من الذكر تسليةً لنفسها)). وفي قولِها ((والله
أعلمُ بما وَضَعَتْ)) التفاتُ من الخطاب إلى الغَيْبة، إذ لو جَرَتْ على مقتضى
قولها: ((ربِّ)) لقالت: ((وأنت أعلم)).
وقرأ الباقون: ((وضَعَتْ)) بتاء التأنيث الساكنة على إسناد الفعل لضميرٍ
مريم عليها السلام، وهو من كلامِ الباري تبارك وتعالى، وفيه تنبيه على عِظَمِ
قَدْر هذا المولودِ، وأنَّ له شَأْناً لم تعرفيه، ولم تَعْرفي إلا كونه أنثى لا غير،
دونَ ما يَؤُول إليه من أمورٍ عظامٍ وآياتٍ واضحةٍ، قال الزمخشري(٥):
(١) الآية ١٣ من الأنبياء.
(٢) تقدم برقم ٥٩٦.
(٣) السبعة ٢٠٤؛ والكشف ٣٤٠/١.
(٤) الكشاف ١ /٤٢٥.
(٥): الكشاف ٤٢٥/١.
١٣٥

- آل عمران -
((ولتكلُّمِها بذلك على وجه التحزُّنِ والتحسُّرِ قال الله تعالى: ((والله أعلم بما
وضَعَتْ)) تعظيماً لموضوعِها وتجهيلاً لها بقدر ما وَهَبَ لها منه، ومعناه: والله
أعلم بالشيء الذي وضعَتْ وما عَلِق به من عظائم الأمور، وأَنْ يجعلَه وولدَه
آيَةً للعالمين، وهي جاهلةٌ(١) بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تَحَسَّرت)). وقد
رجَّح بعضُهم القراءةُ الثانية على الأولى بقوله: ((والله أعلم)) قال: ((لو كانَ من
كلامِ أم مريم لكانَ التركيبُ: وأنت أعلمُ)) وقد تقدَّم جوابُ هذا وأنه التفات.
وقرأ ابنُ عباس (٢): ((وضَعْتٍ)) بكسر التاء على أنها تاءُ المخاطبة، خاطبها
الله تعالى بذلك بمعنى: أنك لا تعلمين قَدْر هذه المولودة، ولا قَدْرِ ما عَلِمه
الله فيها من عظائم الأمور.
قوله: ((وليس الذكر كالأنثى)» هذه الجملةُ تحتمل أن تكون معترضة، وأن
يكون لها محلّ، وذلك بحسَبِ القراءات المذكورة في ((وضعت)»، كما سيمرَّ
بك تفصيله .. والألفُ واللام في ((الذَّكَر)) يُحتمل أن تكونَ للعهد، والمعنى:
ليس الذكرُ الذي طلبَتْ كالأنثى التي وُهِبَتْ لها. قال الزمخشري(٣): «فإِنْ
قلت: فما معنى قولها: ((وليس الذكر كالأنثى))؟ قلت: هو بيانٌ لـ ((ما)) في
قوله: ((والله أعلمُ بما وَضعَتْ)) من التعظيم للموضوعِ والرفعِ منه، ومعناه:
وليس الذكر الذي طَلَبَتْ كالأنثى التي وُهِبت لها، والألفُ واللام فيهما للعهد)»
وأن تكون(٤) للجنس على أن مرادها أنَّ الذكر ليس كالأنثى في الفَضْلِ
والمزيَّة؛ إذ هو صالح لخدمةِ المُتَعِّدات وللتحرير ولمخالطةِ الأجانب بخلاف
(١) قوله ((جاهلة)) رسم في الأصل ((حالة)) ولعل في النسخة الذي ينقل منها المؤلف عن
الكشاف تجريفاً، والتصحيح من مطبوعة الكشاف.
(٢) البحر ٤٣٩/٢؛ والكشاف ٤٢٥/١.
(٣) الكشاف ٤٢٥/١.
(٤) قوله: ((وأن تكون)) معطوف على قوله - قبل أسطر -ـ ((يحتمل أن تكون للعهد)).
١٣٦
۔۔

- آل عمران -
الأنثى، وكان سياقُ الكلام على هذا يَقْتضي أن يَدْخُلَ النفي على ما استقرّ
وحَصَلَ عندها وانتفَتْ عنه صفاتُ الكمالِ للغرضِ المقصودِ منه، فكان
التركيب: وليس الأنثى كالذكر، وإنما عَدَلَ عن ذلك لأنها بَدَأَتْ بالأهمِّ بما
كانت تريده. وهو المتلَجْلجُ في صدرِها والحائكُ في نفسها فلم يَجْرِ لسانُها في
ابتداء النطق إلا به فصار التقديرُ: وليس جنسُ الذكر مثلَ جنس الأنثى لِما
بينهما من التفاوتِ فيما ذكر. ولولا هذه المعاني التي استنبَطَّها العلماءُ
وفهموها عن الله تعالى لم يكنْ لمجردِ الإِخبارِ بالجملةِ الليسية معنَّى؛ إذ كلُّ
أحدٍ يعلم أنَّ الذكرَ ليس كالأنثى.
وقوله: ((وإِنِّي سَمَّيْتُها مريمَ)) هذه الجملةُ معطوفةٌ على قوله: ((إني
وضَعْتُها)) على قراءةٍ مَنْ ضَمَّ التاء في قوله ((وضَعْتُ)) فتكونُ هي وما قبلها في
محلّ نصب بالقول، والتقدير: قالت إني وضعتها، وقالت: والله أعلم بما
وضعتُ، وقالَتْ: وليس الذكر كالأنثى، وقالت: إني سميتها مريم. وأما على
قراءة مَنْ سكن التاء أو كسرها فيكون ((إِني سَمَّيْتُها)) أيضاً معطوفاً على ((إني
وضعتُها))، ويكون قد فَصَل بين المتعاطفين بجملتي اعتراض كقوله تعالى:
(وإنه لقسَمٌ لو تعلمون عظيمٌ)) قاله الزمخشري(١).
قال الشيخ(٢): ((ولا يتعيَّن ما ذَكَر من كونهما جملتين معترضتين، لأنه
يُحْتمل أن يكون ((وليسَ الذكرُ كالأنثى)) في هذه القراءةِ مِنْ كلامِها، ويكون
المعترضُ جملةً واحدة كما كان من كلامها في قراءة من قرأ: ((وضعْتُ)) بضم
التاء، بل ينبغي أن يكونَ هذا المتعيَّن لثبوتِ كونه من كلامها في هذه القراءةِ،
ولأنَّ في اعتراضٍ جملتين خلافاً، مذهبُ أبي علي أنه لا تَعْتَرِضُ جملتان،
(١) الكشاف ٤٢٥/١؛ والآية ٧٦ من الواقعة.
(٢) البحر ٤٤٠/٢.
١٣٧

- آل عمران
وأيضاً تشبيهُه هاتين الجملتين اللتين اعترَض بهما على زَعْمِه بين المعطوف
[١٤١/ب] والمعطوف عليه بقوله: ((وإنه لقسمٌ / لو تعلمون عظيم)) ليس تشبيهاً مطابقاً
للآية لأنه لم تَعْتَرِضْ جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعتُرِض بين القسم.
الذي هو: ((فلا أُقْسِمُ بمواقع النجوم)) وبين جوابه الذي هو: ((إنه لقرآن كريم)»
بجملةٍ واحدة، وهي قوله: ((وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)» لكنه جاء في جملة
الاعتراضِ بين بعضٍ أجزائهِ وبعضٍ اعتراضٌ بجملة وهو قوله: ((لو تعلمون))
اعترضَ به بين المنعوتِ الذي هو «لقسمٌ)) وبين نعتِه الذي هو «عظيم»، فهذا
اعتراض في اعتراضٌ، فليس فصلاً بجملتي اعتراض كقوله: ((واللهُ أعلم بما
وضعت، وليس الذكر كالأنثى)» قلت: والمُشَاحَّةُ بمثل هذه الأشياء ليست
طائلةً، وقولُه: ((ليس فصلاً بجملتي اعتراض)» ممنوعٌ، بل هو فصلٌ بجملتي
اعتراض، وكونُه جاء اعتراضٌ في اعتراض لا يَضُرُّ ذلك ولا يَقْدَحُ في قوله:
((فَصَل بجملتين)».
و ((سَمِّى)) يتعدَّى لاثنين، أحدُهما بنفسه وإلى الآخر بحرف الجر؛
ويجوزُ حَذْفُه، تقول: سمَّيت ابني زيداً والأصل: بزيد، قال الشاعر فجمع
بين الأصل والفرع(١):
۔۔
١٢٤٣ - وسُمّيْتَ كَعْباً بشَرِّ العِظَامِ وكان أبوكَ يُسَمَّى الجُعَلْ
أي: يُسَمَّى بالجُعَلْ. وقد تقدَّم الكلامُ في ((مريم)) واشتقاقِها ومعناها
وكونها من الشاذ عن نظائره(٢).
قوله: ((وإني أُعِيذُها) عطفُ على ((إِنِي سَمَّيْتُها))، وأتى هنا بخيرٍ
(١) البيت للأخطل، وهو في ديوانه - صالحاني - ٣٣٥؛ أو عتبة بن الوغل، وهو في المؤتلف
والمختلف ٨٤؛ والبحر ٤٤٠/٢؛ والخزانة ٤١٥/١.
(٢) انظر إعرابه للآية ٨٧ من البقرة.
١٣٨

- آل عمران -
((إِنَّ))(١) فعلاً مضارعاً دلالةٌ على طلبِها استمرارَ الاستعاذة دونَ انقطاعِها،
بخلافٍ قوله: ((وضَعْتُها وسَمَّيْتُها)) حيث أتى بالخبرين ماضِيْن لانقطاعِهما،
وقَدَّم المعاذَ به(٢) على المعطوف اهتماماً به.
وفَتَح نافع(٣) ياء المتكلم قبل هذه الهمزةِ المضمومةِ(٤)، وكذلك كلُّ ياء
وقعَ بعدَها همزةٌ مضمومةٌ إلا موضعين، فإنَّ الكلَّ اتفقوا على سكونها فيهما:
((بِعَهْدي أوفٍ))(٥) ((آتوني أُفْرِغْ))(٦)، والباقي عشرة مواضع، هذا الذي في هذه
السورة أحدها.
آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿فتقبّلها﴾: الجمهور على ((تَقَبَّلها)) فعلاً
ماضياً على تَفَعَّل بتشديدِ العين، و((ربُّها)) فاعل بِهِ. وتفعّل يحتمل وجهين،
أحدهما: أن يكونَ بمعنى المجرد أي: فَقَبِلها، بمعنى رَضِيها مكانَ الذِّكَر
المنذور، ولم يَقْبَلْ أنثى منذورةٌ مثلَ مريم، كذا جاء في التفسير، وتَفَعَّل يأتي
بمعنى فَعِل مجرداً نحو: تَعَجَّب وعَجِب من كذا، وتبرَّأُ وبَرِىء منه. والثاني:
أن تفعّل بمعنى استفعل، أي: فاستقبلها ربُّها يقال: استقبلْتُ الشيء أي:
أخذْتُه أولَ مرة، والمعنى: أنَّ الله تولاها في أول أمرها وحين ولادتها ومنه قوله
- هو القطامي-(٧):
١٢٤٤ - وخيرُ الأمرِ ما استقبَلْتَ منه وليس بأَنْ تَتَبَّعَهِ اتَّباعاً
(١) الأصل ((بخبر إنَّ هنا) وهنا مفحمة لأنه أثبتها قبلاً.
(٢) وهو قوله ((بك)).
(٣) السبعة ١٥٢.
(٤) في قوله: ((وإني أعيذها)).
(٥) الآية ٤٠ من البقرة.
(٦) الآية ٩٦ من الكهف.
(٧) تقدم برقم ١٢٢٥.
١٣٩

- آل عمران -
ومنه المَثَلُ: ((خُذِ الأمر بقَوابله))(١). وتفعَّل بمعنى استفعل كثير نحو
تَعَظّم واستعظم، وتكبِّر واستكبر، وتَقَصَّيْت الشيء، واستقصَيْتُه وَتَعَجَّلَتْه
واستعجلْتُه.
والباءُ في قوله: ((بقَبولٍ)) فيها وجهان، أحدُهما. أنها زائدة أي: قَبولاً،
وعلى هذا فينتصب، ((قبولاً)) على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد؛ إذ لو
جاء على تقبّل لقيل: تَقَبُلا نحو: تكبِّر تكُبُّرا. وقَبول من المصادر التي جَاءَتْ
على فَعُول بفتح الفاء، وقد تقدَّم ذكرُها أول البقرة، يقال: قَبِلْتُ الشيء
قَبولاً. وأجاز الفراء والزجاج(٢) ضمَّ القاف من ((قبول))، وهو القياسُ كالدُّخول
والخروج، وحكاها ابن الأعرابي عن العرب: قبلته قَبولاً وقُبولاً بفتح القاف
وضمِّها سماعاً عن العرب، و«على وجهه قُبُول)) لا غيرُ، يعني لم يُقَلْ هنا إلا
بالضم (٣)، وأنشدوا (٤):
١٢٤٥-
والوجه عليه القُبول
بضم القاف كذا حكاهُ بعضُهم.
وقال الزجاج(٥): ((إن)) قبولاً هذا ليس منصوباً بهذا الفعل حتى يكون
مصدراً على غير الصدر، بل هو منصوبٌ بفعل موافقٍ له أي: مجردٍ قال:
(والتقدير: فتقبَّلَها بتقُّل حسن وقَبِلها قَبولاً حسناً أي: رضيها وفيه بُعْدٌ.
(١) مجمع الأمثال ٣٢٤/١ يعني: دبره قبل أن يفوتك تدبيره.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٤٠٤/١.
(٣) غير أن صاحب اللسان ضبطها في هذا الموضع بالفتح. انظر: اللسان ((قبل)) وأجاز
صاحب القاموس ضبطها بالوجهين، والقبول هنا بمعنى الحسن.
(٤) لم أقف عليه، وقد أصابٍ البيت خرم في الأصل واضطربت النسخ فيه عروضياً ومعنوياً
من مثل: قد يحمد المرء وإن لم يبل بالسر والوجه عليه القبول.
(٥) معاني القرآن ٤٠٤/١.
١٤٠