النص المفهرس
صفحات 101-120
- آل عمران - فإِنَّ الأولَ على ((أنت)) والثاني على نداءٍ ثانٍ، والثالثُ على إضمارٍ (أعني))، فلمَّا كان هذا الاسمُ الأصلُ فيه ألَّ يوصَفَ لِما ذَكَرْنا كان ((اللهم)» أَوْلى ألَّ يوصفَ، لأنه قبل ضمُّ الميمِ إليه واقعٌ موقعَ ما لا يوصفُ، فلَّما ضُمَّتْ إليه الميمُ صيغَ معَهَا صياغةً مخصوصةً، وصارَ حكمُه حكمَ الأصوات، وحكمُ الأصواتِ ألَّ توصَفَ نحو: ((غاق)) وهذا مع ما ضُمَّ إليه من الميمِ بمنزلةٍ صوتٍ مضمومٍ إلى صوتٍ نحو: ((حَيَّهَلَ)) فحقُّه ألَّ يوصفَ كما لا يُوصف («حيهل)». انتهى ما انتصر به أبو علي لسيبويه وإن كان لا ينتهضُ مانعاً. قوله: ((تُؤْتِي)) هذه الجملةُ وما عُطِفَ عليها يجوزُ أنْ تكونَ مستأنفةً مُبَيِّنَةً لقوله: ((مالكَ المُلْكِ)) ويجوزُ أن تكونَ حالاً من المنادى، وفي انتصابٍ الحالِ عن المنادى خلافٌ، الصحيحُ جوازُه، لأنه مفعولٌ به، والحالُ كما تكونُ لبيانِ هيئةِ الفاعل تكونُ لبيان هيئةِ المفعولِ ، ولذلك أَعْرِب الحُذَّاقُ قولَ النابغةً(١): ١٢١٩ - يا دارميَّةً بالعَلْياءِ فالسَّنْدِ أَقْوَت وطالَ عليها سالِفُ الأبد أن ((بالعلياء)) حالٌ من («دارميَّةِ))، وكذلك ((أَقْوت)). والثالث من وجوه ((تُؤْتِي)) أن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمر أي: أنت تُؤْتِي، فتكونُ الجملةُ اسميةً، وحينئذ يجوز أن تكونَ مستأنفة وأن تكون حالية. وقوله: ((تشاء)) أي: تشاء إيتاءه، وتشاء انتزاعه، فحذف المفعول بعد المشيئة للعلم به / [١٣٦/ب] (١) ديوانه ٢؛ والكتاب ٣٦٤/١؛ والمحتسب ٢٥١/١؛ وأمالي الشجري ٢٧٤/١؛ والخزانة ٤ /٤٠٩؛ والعيني ٣١٥/٤. ١٠١ - آل عمران - قوله: ((بيدِك الخيرُ)) [قيل: في الكلام حذفُ معطوف تقديره: والشر، فحذف كقوله](١): ((تَقْيكم الحَرَّ)(٢) أي: والبردَ، وكقوله: (٣): ١٢٢٠ - كأنَّ الحَصَا مِنْ خلفِها وأمامِها إذا نَجَلَتْهُ رِجْلُها خَذْفُ أَعْسَرا أي: ويدُها. وقال الزمخشري (٤): ((فإن قلت: كيف قال: ((بيدك الخيرُ)) فذكر الخير دونَ الشر؟ قلت: لأن الكلامِ إنما وقع في الخير الذي يسوقه الله إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرَّتْه الكفرةُ، فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءَك على رغمٍ مِنْ أعدائك)) انتهى. وهذا جوابٌ حسنٌ جداً، ثم ذكر هو كلاماً آخرَ يُوافق مذهبَه لا حاجةً لنا به، وقيل: هذا من آداب القرآن حيث لم يصرّحْ إلا بما هو محبوبٌ لخَلْقِه، ونحوٌ منه قولُه: ((والشرُّ ليس إليك)) وقولُه: ((وإذا مَرِضْتُ فهو يَشْفِين))(٥). والنَّزْعُ: الجَذْبُ، يقال: نَزَعَهُ يَنْزِعُه نَزْعاً إذا جَذَبَه عنه، ويُعَبَّر به عن المَيْلِ، ومنه: ((نَزَعَتْ نفسُه إلى كذا)) كأنَّ جاذباً جَذَبَها، ويُعَبَّر به عن الإِزالَةِ، (َزَعَ الله عنك الشرَّ) أي: أَزاله، ((يَنْزِعُ عنهما لباسِهما)) أي: أَزاله، وكهذه الآيةِ فإنَّ المعنى: ويُزِيِلُ المُلْكَ(٦). آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿تُولِجُ﴾: كقولهِ: («تُؤْتِي)» وقد تقدَّم ما فيه، ويقال: وَلَجَ يَلِجُ وُلوجاً ولِجَةً كَعِدَةً ووَلْجاً كَوَعْدٍ، واتَّلَجَ يَتَِّجُ اتَّلاجاً، والأصل: (١) ما بين معقوفين أصابه خرم في الأصل. (٢) الآية ٨١ من النحل. (٣) تقدم برقم ٦٨٨. (٤) الكشاف ٤٢٢/١. (٥) الآية ٨٠ من الشعراء. (٦) الآية ٢٧ من الأعراف. ١٠٢ - آل عمران - اوْ تَلَجَ يَوْتَلِجُ اوْتِلَاجاً، فَقُلِبَتْ الواوُ تاءً قبلَ تاء الافتعالِ نحو: اتَّعَدَ يَتَّعِدُ اتِّعاداً قال الشاعر(١): ١٣٢١- فإنَّ القوافِي تَِّجْنَ مَوالِجاً تضايَقُ عنها أَنْ تَلَّجَها الإِبْ والوُلوجُ: الدخولُ، والإِيلاجُ: الإِدْخال، ومعنى الآية على ذلك. وقول مَنْ قال معناه: النقص فإنما أراد أنه من باب اللازم، لأنه تبارك وتعالى إذا أَدْخَلَ مِنْ هذا في هذا فقد نَقَصَ من المأخوذِ منه المُدْخَلُ في ذلك الآخرِ، وزعم بعضُهم أن ((تُولِج)) بمعنى ترفع، وأن ((في)) بمعنى ((على)) وليس بشيء. قوله: ((من الميّت)) اختلف القُرَّاء في هذه اللفظة على مراتب: (٢) فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكرٍ عن عاصم لفظ ((المَيْت)) من غير تاء تأنيث مخففاً في جميع القرآن، وسواءً وُصِفَ به الحيوانُ نحو: ((تُخْرِجُ الحيِّ من الميْت)) أو الجمادُ نحو قوله: ((إلى بلدٍ مَيْت))(٣) (لبلدٍ مَيْت))(٤) منكَّراً أو معرَّفاً كما تقدَّم ذكره، إلا قولَه تعالى: ((إنك ميِّتٌ وإنهم مَيِّئُون))(٥)، وقوله : ((وما هو بميِّتٍ))(٦) في إبراهيم، مما لم يَمُتْ بعدُ فإن الكلَّ ثَقَّلوه، وكذلك لفظُ ((الميتة)) في قوله: ((وآيةٌ لهم الأرضُ الميتةُ))(٧) دونَ الميتةِ المذكورةِ مع الدم (٨) فإنَّ تَيْكَ لم يشددها إلا بعضُ قُرَّاء الشواد، وقد تقدَّم ذكرُها في (١) البيت لطرفة وهو في ديوانه ١٦١؛ والخصائص ١٤/١؛ وابن يعيش ٣٧/١٠؛ وأوضح المسالك ٣٣٨/٣. وموالجاً: مكان الولوج. (٢) السبعة ٢٠٣؛ الكشف ٣٣٩/١؛ البحر ٤٢١/٢. (٣) الآية ٩ من فاطر. (٤) الآية ٥٧ من الأعراف. (٥) الآية ٣٠ من الزمر. (٦) الآية ١٧ من إبراهيم. (٧) الآية ٣٣ من يس. (٨) الآية ١٧٣ من البقرة. ١٠٣ - آل عمران - البقرة، وكذلك قولُهُ: ((وإنْ يكن ميتةً))(١) و((بلدة ميتاً)(٢) و((إِلَّ أَنْ يكونَ ميتةً))(٣) فإنها مخففات عند الجميع. وثَقَّل نافع جمیعَ ذلك،والأخوان وحفص عن عاصم وافقوا ابن كثير ومَنْ معه في الأنعام في قوله: ((أَوَمَنْ كان ميتاً فَأَحْبَيْنَاهُ)(٤) وفي الحجرات: (أَيُحِبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً)(٥)، و ((الأرضُ الميتةُ)) في يس، ووافقوا نافعاً فيما عدا ذلك، فجمعوا بين اللغتين إيذاناً بأن كلّ من القراءتين. صحيحٌ، وهما بمعنَّى، لأنَّ فَيْعِل يجوزُ تخفيفُه في المعتل بحذف إحدی یائیه فيقال: هَيْن وهيِّن ولَيْن وليِّن ومَيْت وميِّت، ومنه قولُ الشاعر فَجَمْعَ بين اللغتين: (٦) إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ ١٢٢٢ - ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ كاسِفاً بالُهُ قليلَ الرَّجَاءِ إنما المَيْتُ مَنْ يعيشُ كئيباً وزعم بعضهم أن ((مَيْنً» بالتخفيف لمَنْ وقع به الموت، وأنَّ المشدَّد يُسْتعمل فيمَنْ ماتَ ومَنْ لم يَمُتْ كقوله تعالى: ((إِنَّك ميتٌ وإِنَّهم ميتون))(٧) وهذا مردودٌ بما تقدَّم من قراءةِ الأخوين وحفص، حيث خَفَّفوا في موضعٍ لا يمكِنُ أن يرادَ به الموتُ وهو قولُهُ: ((أو مَنْ كان ميتاً)(٨) إذ المرادُ به الكفرُ مجازاً. (١) الآية ١٣٩ من الأنعام. (٢) الآية ١١ من الزخرف. (٣) الآية ١٤٥ من الأنعام. (٤) الآية ١٢٢ من الأنعام. (٥) الآية ١٢ من الحجرات. (٦) البيتان لعديّ بن رعلاء الغساني، وهما في الأصمعيات ١٥٢؛ والحماسة الشجرية ١٩٤/١؛ وأمالي الشجري ١٥٢/١؛ وابن يعيش ٦٩/١٠؛ والأشموني ١٦٩/٢ (٧) الآية ٣٠ من الزمر . . (٨) الآية ١٢٢ من الأنعام ١٠٤ - آل عمران - هذا بالنسبة إلى القُرَّاء، وإن شئت ضَبَطْتَه باعتبار لفظ ((الميت)) فقلت: هذا اللفظُ بالنسبة إلى قراءة السبعة ثلاثةُ أقسام: قسمٌ لا خلاف في تثقيله وهو ما لم يُمُتْ نحو (وما هو بميت)) و((إنَّك ميتٌ وإنَّهم ميتون))، وقسمٌ لا خلافَ في تخفيفه وهو ما تقدم في قوله: ((المَيْتَةَ والدمَ)» و«إلاّ أن يكونَ مَيْئَةً)) وقوله: ((وإنْ يكنُ مَّيْنَةً)) وقوله: ((فَأَنْشَرْنا به بلدةً ميتا)) وقسمُ فيه الخلافُ وهو ما عدا ذلك وقد تقدَّم تفصيلُهُ. وقد تقدَّم أيضاً أن أصلّ مَيِّت: مَيْوت فأدغم، وأن في وزنِهِ خلافاً: (١) هل وزنه فَيْعِل وهو مذهب البصريين أو فَعِيل وهو مذهب الكوفيين، وأصله: مَوِيت، قالوا: لأنَّ فَيْعِلاً مفقودٌ في الصحيح فالمعتلُّ أَوْلى ألَّ يوجدَ فيه. وأجاب البصريون عن قولهم بأنه لا نظير له في الصحيح بأنَّ قُضاة في جمع (((قاض» لا نظير له في الصحيح. وتفسيرُ هذا الجواب أنَّا لا نُسَلَّم أنَّ المعتل يلزم أن يكون له نظيرٌ من الصحيح، ويدل على عدم التلازم: ((قُضاة)) جمع قاضٍ، وفي ((قضاة)) خلافٌ طويل ليس هذا موضعَ ذكره. واعترض البصريون عليهم بأنه لو كان وزنه فَعِيلاً لوجَبَ أن يَصِحَّ كما صَحَّتْ نظائره من ذواتِ الواو نحو: طَوِيل وعَوِيل وَقَوِيم، فحيثُ اعتلَّ بالقلبِ والإِدغامِ، امتنَعَ أَنْ يُدَّعى أنَّ أصلَه فَعِيل لمخالَفَةِ نظائره. وهوردٌّ حسنٌ. قوله: ((وتَرْزُقُ مَنْ تشاءُ بغير حساب)) يجوز أن تكون الباء للحال من الفاعل أي: ترزقه وأنت لم تحاسِبْه، أي: لم تُضَيِّقْ عليه، أو من المفعول أي: غيرَ مُضَيِّقٍ عليه /. وقد تقدَّمَ الكلامُ على مثل هذا مشبعاً في البقرة عند [١/١٣٧] قوله تعالى: ((واللَّهُ يرزقُ مَنْ يشاءُ بغيرِ حساب))(٢) فَأَغْنَى عن إعادته. واشتملت هذه الآيةُ على أنواعٍ من البديع، منها: التجنيس المماثل في (١) انظر: الإنصاف ٧٩٥ . (٢) الآية ٢١٢ من البقرة. ١٠٥ - آل عمران -: قوله: ((مالكَ المُلْك)) تُؤْتِى المُلَكْ، وتَنْزِعُ الملك)) ومنها: الطباقُ وهو الجمعُ بين متضادّيْن أو شِبْهِهِمَا، وذلك في قوله: ((تُؤْتِي الملك وتَنْزِع)) وفي ((تُعِزّ وتُذِلُّ))، وفي قوله ((بيدك الخيرُ) أي: والشرُّ عند بعضهم، وفي قوله: ((الليل والنهار)) وفي قوله: ((الحي والميت)). ومنها: رَدُّ الأعجازِ على الصدور، والصدور على الأعجاز في قوله: ((تُؤْلج الليل في النهار وتولج النهار في الليل)) وفي قولهِ: ((وُتْخرِج الحيَّ من الميت وتُخْرِجُ الميت من الحي)) ونحوُهُ: عاداتُ الساداتِ ساداتُ العاداتِ)). وتضمَّنَتِ من المعاني التوكيدَ: بإيقاعِ الظاهِرِ موقعَ المضمر في قوله: ((تؤتى الملك إلخ)) وفي تجُّزِهِ بإيقاعِ الحرفِ مَكَانَ ما هو بمعناه، والحذفُ لفهمِ المعنى. آ. (٢٨) قولُهُ تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ المؤمنون﴾: العامَّة على قراءتهِ نهياً، وقرأ الضبي(١): ((لا يَتَّخِذُ)) برفع الدال نفياً بمعنى لا ينبغي، أو هو خبر بمعنى النهي نحو: ((لا تُضَارُّ والدَةٌ)(٢) و((لا يُضارُّ كاتبٌ))(٣) فيمن رفع الراء. قال أبو البقاء (٤) وغيرُه: ((وأجاز الكسائي رفعَ الراء على الخبر، والمعنى: لا ينبغي)» وهذا موافِقٌ لِما قاله الفراء(٥)، فإنه قال: ((ولو رُفع على الخبرِ كقراءةٍ مَنْ قرأ: ((لا تضارُّ والدة)) جاز)). قال أبو إسحق: (٦) ((ويكون المعنى على الرفعِ أنه مَنْ كان مؤمناً فلا ينبغي أن يَتَّخِذَ الكافرُ ولياً» كأنهما لم يَطَّلِعا على قراءةِ الضبّي، أو لم تَثْبُتْ عندهما. و((يَتَّخِذُ)) يجوز أن تكونَ المتعديةَ لواحد فيكونُ ((أولياء)) حالاً، وأن تكونَ المتعدية لاثنين، و ((أولياء)) هو الثاني. (١) البحر ٤٢٢/٢. والضبي هو المفضل الضبي وتقدمت ترجمته. (٢) الآية ٢٣٣ من البقرة. (٣) الآية ٢٨٢ من البقرة. (٤) الإِملاء ٠١٣٠/١ (٥) معاني القرآن ٢٠٥/١. (٦) معاني القرآن وإعرابه ٣٩٨/١. ١٠٦ - آل عمران - قوله: ((مِنْ دونِ المؤمنين)) فيه وجهان، أظهرهُما: أنَّ ((مِنْ)) لابتداء الغاية، وهي متعلقةً بفعلِ الاتِّخاذ. قال علي بن عيسى: ((أي: لا تَجْعَلُوا ابتداءَ الولايةِ من مكانٍ دونَ مكانٍ المؤمنين» وقد تقدَّم تحقيق هذا عند قوله تعالى: ((وادْعُوا شهداءَكم مِنْ دونِ الله))(١) في البقرة. والثاني: أجازه أبو البقاء (٢) أن يكونَ في موضِعِ نصبٍ صفةً لأولياء، فعلى هذا يتعلَّقُ بمحذوفٍ. قوله: ((وَمَنْ يفعلْ ذلكَ)) أدغم الكسائي(٣) في رواية الليث(٤) عنه اللام في الذال هنا، وفي مواضعَ أُخَرَ تقدَّم التنبيه عليها وعلى علتِها في سورةٍ البقرة . قوله: ((مِنَ الله)) الظاهِرُ أَنَّه في محلِّ نصبٍ على الحال من ((شيء)) لأنه لو تأخّر لكانَ صفةً له. و((في شيءٍ)) هو خبرُ ليس، لأن به تستقلُّ فائدةُ الإِسناد، والتقدير: فليس في شيء كائنٍ من الله، ولا بد من حذف مضاف أي: فليس من ولاية الله، وقيل: مِنْ دِينِ الله. ونَظَّر بعضُهم الآية الكريمة ببيت النابغة : (٥) فإِنِّي لَسْتُ منك وَلَسْتَ مِنِّي ١٢٢٣ - إذا حاوَلْتَ في أسدٍ فُجُوراً قال الشيخ: (٦) ((والتنظير ليس بجيدٍ، لأنَّ (منك)) و(مني)) خبر ((ليس))، تستقل به الفائدة، وفي الآية: الخبرُ قولُه ((في شيء)) فليس البيت كالآية)). وقد نحا ابنُ عطيةً(٧) هذا المَنْحَى الذي ذكرته عن بعضهم فقال: (١) الآية ٢٣ من البقرة. (٢) الإملاء ١٣٠/١. (٣) السبعة ١٢٣. (٤) وهو راوي الكسائي أبو الحارث وتقدمت ترجمته. (٥) تقدم برقم ١٠٢٣. (٦) البحر ٤٢٣/٣. (٧) المحرر ٥٤/٣. ١٠٧ - آل عمران - ((فليس من الله في شيء مَرْضِيٍّ على الكمال والصواب، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ غَشَّنا فليس منا))(١) وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ تقديرُهُ: فليس من التقرُّب إلى الله والثوابٍ ونحو هذا، وقولُه: ((في شيء)) هو في موضِعِ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ الذي في قولِهِ: ((ليس مِنَ الله)). قال الشيخ: (٢) ((وهو كلامٌ مضطربٌ، لأنَّ تقديرَه: فليس من التقرب إلى الله يقتضي ألاّ يكونَ ((من الله)) خبراً لليس، إذ لا يستقلُّ، وقوله: ((في شيءٍ» هو في موضعِ نصبٍ على الحال يقتضي ألَّ يكونَ خبراً، فتبقى ((ليس)) على قوله ليس لها خبرٌ، وذلك لا يجوز، وتشبيهُهُ الآية الكريمة بقوله عليه السلام: (مَنْ غَشِّنَا فليس منا)) ليس بجيدٍ؛ لِمَا بَيِّنَّا من الفرق بين بيت النابغة وبين الآية الكريمة». قلت: قد يُجاب عن قوله: ((إنَّ (من الله)) لا يكونُ خبراً لعدم الاستقلال)) بأنَّ في الكلامِ حَذْفَ مضافٍ، تقديرُه: فليسَ من أولياء الله، أو ليس (٣)، لأنَّ اتخاذَ الكفارَ أولياءَ ينافي ولايةً الله تعالى، وكذا قولُ ابْن عطية(٤): فليس من التقرب أي: من أهل التقرب، وحينئذ يكون التنظيرُ بين الآية والحديثِ وبيتِ النابغة مستقيماً بالنسبة إلى ما ذَكَر، ونظير تقدير المضاف هنا قوله تعالى: ((فَمَنْ تَبِعني فإنه مني))(٥) أي: من أشياعي وأتباعي، وكذا قوله تعالى: ((وَمَنْ لم يَطْعَمْهِ فإنه مني))(٦)، وقول العرب: ((أنت مني (١) رواه مسلم في ((الإِيمان)) ٩٩/١؛ وأبو داود في البيوع ٧٣٢/٣. (٢) البحر ٤٢٣/٢. (٣) كذا مقحمة في الأصل (٤) المحرر ٥٤/٣. (٥) الآية ٣٦ من إبراهيم. (٦) الآية ٢٤٩ من البقرة. ١٠٨ ۔۔ ۔۔ - آل عمران - فرسخين)) أي: من أشياعي، ما سِرْنا فرسخين. ويجوز أن يكون ((من الله)) هو خبرَ ليس، و((في شيء)) يكون حالاً من الضمير في ((ليس)) كما ذهب إليه ابن عطية تصريحاً، وغيرُه إيماءً، وقد تقدَّم اعتراضُ الشيخ عليهما وجوابُه. / [١٣٧/ب] قوله: ((إلاَّ أَنْ تَتَّقُوا)) هذا استثناءً مفرغٌ من المفعول [من أجله، والعامل فيه: لا يَتَّخِذُ أي](١): لا يَتَّخِذُ المؤمنُ الكافر ولًّ لشيءٍ من الأشياء إلا للتَقِيَّة ظاهراً، أي يكونُ مُواليَه في الظاهر ومعادِيَه في الباطن، وعلى هذا فقولُه: (وَمَنْ يفعل ذلك)) وجوابُهُ معترضُ بين العلة ومعلولِها . وفي قوله: ((إلَّ أَنْ تَتَّقُوا)) التفاتٌ من غيبة إلى خطاب، ولوجرى على سَنَنِ الكلامِ الأولِ لجاء بالكلامِ غيبة، وأَبْدَوا للالتفاتِ هنا معنَّى حسناً: وذلك أن موالاة الكفار لَمَّا كانت مستقبحةً لم يواجِه اللَّهُ عبادَه بخطابِ النهي، بل جاء به في كلام أُسْنِدَ الفعل المنهيُّ عنه الغيب، ولَمَّا كانَتِ المجامَلَةُ في الظاهر والمحاسنةُ جائزةً لعذرٍ وهو اتَّقَاءُ شرِّهم حَسُنَ الإِقبالُ إليهم وخطابُهم يِرَفْع الحرج عنهم في ذلك. قوله: ((تُقاة)) في نصبِها ثلاثة أوجه وذلك مبنيٌّ على تفسير ((تقاة)) ما هي؟ أحدها: أنها منصوبةً على المصدر والتقدير: تَتَّقوا منهم اتقاء، فتقاة واقعة موقع الاتقاء، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها، والأصل: أن تتقوا اتقاءً، نحو: تقتدروا اقتداراً، ولكنهم أَتَوْا بالمصدر على حذف الزوائد كقوله: ((أَنْبتكم من الأرضِ نباتاً»(٢) والأصلُ: إنبات، ومثله: (٣) وبعدَ عطائِك المئةَ الرَّتَاعا ١٢٢٤- (١) ما بين معقوفين أصابه الخرم في الأصل. (٢) الآية ١٧ من نوح. (٣) تقدم برقم ٣١٧. ١٠٩ - آل عمران - أي: إعطائك، ومن ذلك أيضاً قوله: (١) وليس بأَنْ تَبَّعَهُ اتَّباعا ٠ ١٢٢٥_ قول الآخر: (٢) ١٢٢٦- ولاحَ بجانب الجبلين منه رُكامٌ يَحْفِرُ الأرضَ احتفارا وهكذا عكس الآية، إذ جاء بالمصدر مزاداً فيه، والفعل الناصب له مجرَّد من تلك الزوائد. ومن مجيء المصدرِ على غيرِ الصدر قولُه تعالى: ((وَتَبَّلُّ إليه تبتيلًا))(٣)، والأصل: تَبِتُّلاً، ومثله: (٤) ١٢٢٧ - وقد تَطَوَّيْتُ انطواءَ الحِضْبِ والأصلُ: تَطَوِّياً، وأصلُ تُقاة: ((وُقَيَةٍ)) مصدرٌ على فُعَل من الوقاية، وقد تقدَّم تفسير هذه المادة في أول هذا الموضوع(٥)، ثم أَبْدلت الواوُ تاءً، ومثلُها تُخَمة وتُكَاة وتُجاه، وتَحَرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلَها فَقُلِبت ألفاً، فصارَ اللفظُ (تُقاة))، كما ترى، ووزنُها فُعَلة، ومجيءُ المصدرِ على فُعَل وفُعَلة قليل نحو: التُّخَمة والتُّهَمَة والتُّؤَّدة والتكَأَة، وانضمَّ إلى ذلك كونُها جاءت على غيرِ الصدر، والكثيرُ مجيءُ المصادرِ جاريةً على أفعالها قيل: وحَسَّن مجيءَ هذا (١) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ٤٠؛ والكتاب ٢٤٤/٢؛ وأمالي الشجري ١٤١/٢؛ وابن يعيش ١١١/١. وصدره: وخيرُ الأمر ما استقبلْتَ منه (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤٢٤/٢. (٣) الآية ٨ من المزمل. (٤) البيت لرؤية وهو في ديوانه ١٦؛ والكتاب ٢٤٤/٢؛ وابن يعيش ١١٢/١؛ وأمالي الشجري ١٤١/٢؛ والمقرب ١٣٥/٢؛ واللسان: حضب. والحضب: الأفعى. (٥) انظر إعرابه للآية ٢ من البقرة. ١١٠ - آل عمران - المصدرِ ثلاثياً كونُ ((فُعَلة)) قد حُذِفت زوائدُه في كثيرٍ من كلامهم نحو: تَقَى يَتْقِي ومنه(١): تَقِ اللهَ فينا والكتابَ الذي تتلو ١٢٢٨- وقد قَدَّمُتْ تحقيق ذلك في أول البقرة. الثاني: أنها منصوبةٌ على المفعولِ به، وذلك أن يكونَ ((تَتَّقوا)) بمعنى تخافوا، ويكون («تقاة)) مصدراً واقعاً موقعَ المفعولِ به، وهو ظاهرُ قول الزمخشري فإنه قال(٢): ((إلا أَنْ تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه، وقُرىء (تَقِيَّةَ))، وقيل للمتَّقَى: تُقاة وتَقِيَّة كقولهم ((ضَرْب الأمير)) [مضروبه)). انتهى فصار تقديرُ الكلامِ: إلا أن تخافوا منهم أمراً مُتَّقَىِّ. الثالث: أنها منصوبةٌ على الحال وصاحبُ الحال فاعل ((تتقوا)) وعلى هذا تكونُ حالاً مؤكدة، لأنَّ معناه مفهوم من عاملها كقوله: ((ويومَ أُبْعَثُ حَيّا)(٣) ولا تَعْثَوا في الأرض مفسدين))(٤)، وهو على هذا جمعُ ((فاعِل)) وإن لم يُلْفظ بفاعل من هذه المادة فيكون فاعلاً وفُعَلَة نحو: رام ورُماة وغاز وغُزاة، لأنَّ فعلَه يَطِّد جمعاً لفاعِل الوصفِ المعتلِّ اللامِ، وقيل: بل فُعَلَة جمعٌ لفعيل، أجازَ ذلك كلَّه أبو علي الفارسي. قلت: جمعُ فَعِيل على فُعَلة لا يجوزُ، فإن فَعِيلاً الوصفَ المعتلّ اللامِ يُجْمع على أَفْعِلاء نحو: غَنِيّ وأغنياء، وتقيّ وأتقياء، وصَفِيّ وأَصْفِياء، فإن قيل: قد جاء فَعِيل الوصفُ مجموعاً على فُعَلة قالوا: كَمِيّ وكُمَاة، فالجواب: أنه من الندور بحيث لا يُقاس علیه . (١) تقدم برقم ٢٨٠. (٢) الكشاف ٤٢٢/١. (٣) الآية ٣٣ من مريم. (٤) الآية ٦٠ من البقرة. ١١١ - آل عمران بـ وقرأ(١) ابن عباس ومجاهد وأبو رجاء وقتادة وأبو حيوة ويعقوب وسهل وعاصم في رواية المفضل عنه: ((تَتَّقوا منهم تَقِيَّة)) بوزن ((مَطِيَّةٍ)) وهي مصدرٌ أيضاً بمعنى ((تُقَاة))، يقال: اتْقى يتّقي اتقاءً وتَقْوَى وتُقَاة وتَقِيَّة وتُقَىّ، فيجيء مصدر افْتَعل من هذه المادة على الافتعال وعلى ما ذكر معه من هذه الأوزان، ويقال أيضاً: تَقَيْتُ أَنْقى ثلاثياً تَقِيَّة وتَقْوى وتُقاة وتُقَىَّ، والياء في جميعِ هذه الألفاظ بدل من الواو لما عرفته من الاشتقاق. وأمال الأخوان(٢) «تُقاة) هنا، لأنَّ ألفَها منقلبة عن ياء كما تقدم تقريره، ولم يؤثِّرْ حرفُ الاستعلاء في مَنْع الإِمالة لأنَّ السبب غير ظاهر، ألا ترى أن سببَ الإِمالة الياءُ المقدرة بخلافِ («غالب)) و((طالب)) و ((قادم)) فإنَّ حرف · الاستعلاء عنا مؤثِّرُ لكونِ سبب الإمالة ظاهراً وهو الكسرة، وعلى هذا يقال: كيف يُؤَثِّرُ مع السببِ الظاهر ولم يؤثِّرْ مع المقدر وكان العكسُ أَوْلِى؟. والجوابُ أنَّ الكسرةَ سببٌ منفصل عن الحرف الممال ليس موجوداً فيه بخلاف الألف المنقلبة عن باءٍ فإنها نفسَها مقتضيةٌ للإِمالة، فلذلك لم يُقاومها حرفُ الاستعلاء. وأمال الكسائي وحده ((حَقَّ تُقاتِه))(٣)، فخرج حمزة عن أصله، وكان الفرق أنَّ ((تُقاة))(٤) هذه رُسِمت بالياء فلذلك وافق حمزةُ الكسائيَّ عليهِ، [١٣٨/أ] ولذلك قرأ بعضهم ((تَقِيَّة)) بوزن مطيّة كما تقدم / لظاهر الرسم، بخلافٍ ((حَقَّ تقاته))، وإنما أمعنتُ في سبب الإِمالة هنا لأنَّ بعضهم زعم أن إمالة هذا شاذ لأجل حرفِ الاستعلاء، وأنَّ سيبويه(٥) حكى عن قوم أنهم يُميلون شيئاً (١) البحر ٤٢٤/٢؛ القرطبي ٥٧/٤. (٢) السبعة ٢٠٤؛ البحر ٤٢٤/٢؛ والأخوان: حمزة والكسائي. (٣) الآية ١٠٢ من آل عمران. (٤) أي الواردة في الآية التي يعربها الآن. (٥) الكتاب ٢٦٤/٢. ١١٢ - آل عمران - لا يجوز إمالتُه نحو: ((رأيت عِرْقَى))(١) بالإِمالة، وليس هذا من ذاك لِما تقدَّم لك من أن سبب الإِمالة في ((عِرْقى)) كسرةٌ ظاهرة. وقوله: (منهم) متعلَّقٌ بـ ((تتقوا))، أو بمحذوف على أنه حال من ((تقاة)) لأنه في الأصل يجوزُ أن يكونَ صفةً لها، فلما قُدِّم نُصِب حالاً. هذا إذا لم تجعل ((تُقاة)) حالاً، فأمّا إذا جَعَلْناها حالاً تعيّن أن يتعلق ((منهم)) بالفعل قبله، ولا يجوز أن يكون حالاً من ((تقاة)) لفساد المعنى لأنَّ المخاطبين ليسُوا من الکافرین. قوله: ((نفسَه)) مفعولٌ ثان لحَذَّر؛ لأنه في الأصل متعدّ بنفسه لواحد فازدادَ بالتضعيفَ آخرَ، وقدَّر بعضُهم حَذْفَ مضافٍ أي: عقاب نفسه. وصَرَّح بعضُهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء(٢) عن بعضهم، وليس بشيء، إذ لا بدَّ من تقديرِ هذا المضافِ لصحة المعنى، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه في نحو قولك: ((حَذُّرتك نفس زيد)» أنه لا بد من شيء تُحَذِّر منه كالعقاب والسَّطْوة، لأن الذواتِ لا يُتَصَوَّر الحذرُ منها نفسها، إنما يُتَصَوَّر من أفعالِها وما يَصْدُر عنها. وعَبَّرهنا بالنفسِ عن الذات جرياً على عادة العرب، كما قال الأعشى (٣): ١٢٢٩ - يَوْماً بأجودَ نائلاً منه إذا نفسُ الجَبانِ تَجَهَّمَتْ سُؤَالها وقال بعضهم: الهاء في ((نفسه)) تعود على المصدر المفهوم من قوله : (لا يتَّخذِ))(٤) أي: ويحذّرُكم الله نفسَ الاتخاذ، والنفسُ عبارة عن وجود الشيء وذاته. . آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ﴾: مستأنف، وليس منسوقاً على جواب الشرط، وذلك أنَّ عِلْمَه بما في السموات وما في الأرض غيرُ متوقفٍ (١) العرقة: أرومة الشجر التي تتشعب منها العروق. (٢) الاملاء ١٣٠/١. (٣) الديوان ٢٩؛ البحر ٤٢٥/٢. (٤) الأصل: ((لا تتخذوا» وهو سهو. ١١٣ _ آل عمران ـ على شرط فلذلك جيء به مستأنفاً، وفي قوله ((ويَعْلَمُ ما في السموات وما في الأرض» من باب ذِكْرٍ العام بعد الخاص وهو ((ما في صدوركم)». وقَدَّم هنا الإِخفاء على الإِبداء وجَعَلَ محلَّهما الصدورَ وجعل جواب الشرطِ العلمَ بخلافِ ما في البقرة (١)، فإنه قَدَّم فيها الإِبداءَ على الإِخفاء، وجَعَل محملهما النفسَ، وجَعَل جواب الشرط المحاسبةَ، وكلُّ ذلك تفنّنٌ في البلاغة وتنوع(٢) في الفصاحة. آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿يومَ تجد﴾: في ناصِبه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوب بقدير، أي: قديرٌ في ذلك اليوم العظيم، لا يقال: يَلْزَمُ من ذلك تقييدُ قدرتِه بزمانٍ، لأنَّه إذا قَدَر في ذلك اليومِ الذي يَسْلُب كلَّ أحد قدرته فِلأَنْ يَقْدِرَ في غيرِهِ بطريقٍ أولى وأَخْرى، وإلى هذا ذهب أبو بكر ابن الأنباري الثاني: أنه منصوبٌ بُيُحَذِّركم أي: يُخَوِّفكم عقابَه في ذلك اليوم، وإلى [هذا] نحا أبو إسحق(٣)، ورجَّحه. ولا يجوز أن ينتصبَ بيحذّركم المتأخرةِ. قال ابن الأنباري: ((لأنه لا يجوزُ أن يكونَ)) اليوم منصوباً بيحذِّركم المذكورِ في هذه الآية، لأنَّ واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وعلى ما ذكره أبو إسحاق يكون ما بين الظرفِ وناصبِه معترضاً، وهو كلامٌ طويل، والفصلُ بمثله مستبعدً، هذا من جهة الصناعة، وأما من جهة المعنى فلا يَصِحُّ، لأن التخويف موجودٌ، واليومَ موعودٌ فكيف يتلاقيان)) (٤). الثالث: أن يكونَ بالمصير(٥)، وإليه نحا الزجاج (٦) أيضاً وابن الأنباري (١) الآية ٢٨٤ من البقرة: ((وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه)). (٢) الأصل: ((تنوعاً)) وهو سهو. (٣) معاني القرآن ٣٩٩/١. (٤) قوله: ((يتلاقيان)) محروم في الأصل. (٥) أي: منصوباً بالمصير. (٦) معاني القرآن ٣٩٩/١ ١١٤ - آل عمران - ومكي(١) وغيرُهم، وهذا ضعيفٌ على قواعد البصريين، للزومِ الفصلِ بين المصدرِ ومعمولِه بكلامٍ طويل، وقد يقال: إنَّ جُمّل الاعتراض لا نبالي بها فاصلةً، وهذا من ذاك. الرابع: أن ينتصبَ بـ ((اذكر)) مقدراً مفعولاً به لا ظرفاً. وقَدَّر الطبري(٢) الناصبَ له ((اتقوا))، وفي التقدير ما فيه من كونه على خلاف الأصل مع الاستغناء عنه . الخامس: أنَّ العامل فيه ذلك المضافُ المقدَّر قبل ((نفسَه)) أي: يحذركم الله عقابَ نفسِه يومَ تجد، فالعاملُ فيه ((عقاب)) لا ((يحذركم))، قاله أبو البقاء (٣). وفي قوله ((لا يحذِّركم)) فرارٌ مِمَّا أَوْردته على أبي إسحاق كما تقدَّم تحقيقه . السادس: أنه منصوبٌ بتودُّ، قال الزمخشري (٤): ((يومَ تجد منصوب بتود، والضمير في ((بينه)) لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرَها وشرَّها [حاضرين](٥)، تتمنّى لو أنَّ بينها وبين ذلك اليوم وهَوْلِهِ أمداً بعيداً». وهذا الذي ذكره الزمخشري وجهٌ ظاهرٌ لا خفاء بحسنه، ولكنْ في هذه المسألة خلافٌ ضعيف: جمهور البصريين والكوفيين على جوازها، وذهب الأخفش والفراء إلى مَنْعها، وضابطُ هذه المسألة: أنه إذا كان الفاعل ضميراً عائداً على شيء متصلٍ بمعمول الفعل نحو: ((ثوبي أخويك يلبَسان)) فالفاعلُ هو الألف، وهو ضمير عائد على ((أخويك)) المتصلين بمفعول يلبسان، ومثله: ((غلامَ هند ضربَتْ)) ففاعل ((ضربَتْ)) ضمير عائدُ على ((هند)) المتصلةِ بغلام المنصوب بضربَتْ، والآيةُ من هذا القبيل: فإن فاعل ((تودُّ) ضميرٌ عائد على (١) المشكل ١٣٤/١. (٢) تفسير الطبري ٣١٩/٦. (٣) الاملاء ١٣٠/١. (٤) الكشاف ٤٢٣/١. (٥) من الكشاف. ١١٥ - آل عمران - ((نفس)) المتصلة بيوم لأنها في جملة، أُضيف الظرفُ إلى تلك الجملة، والظرفُ منصوبٌ بتودُّ، والتقدير: يوم وجدانِ كلِّ نفسٍ خيرَها وشَرَّها [١٣٨/ب] مُحْضَرين تَوَدُّ كذا. احتج الجمهور على الجواز بالسماع وهو قول الشاعر (١)/: ري إذا يبتغي حصولَ الأماني ١٢٣٠ - أَجْلُ المرءِ يستحِثُّ ولا يَدْ ففاعل ((يستحثُ)) ضمير عائد على ((المرء)) المتصل بـ ((أجَل)) المنصوب بـ (يستحثُّ)). واحتج المانعون بأنَّ المعمول فَضْلة يجوز الاستغناء عنه، وعودُ الضمير عليه في هذه المسائل يقتضي لزومَ ذِكْره فيتنافى هذان السببان، ولذلك أُجْمع على منع: ((زيداً ضرب)) و((زيداً ظَنَّ قائماً) أي: ضرب نفسه وظنها، وهو دليل واضح للمانع لولا ما يردُّه من السماع كما أنشدتك البيت آنفاً. وفي الفرق بين (غلام زيدٍ ضَرَبَ)) وبين ((زيداً ضرب)) حيث جاز الأول وامتنع الثاني بمقتضى العلةِ المذكورة غموضٌ وعُسْرٌ ليس هذا محلَّ ذِكْرِه قوله: ((تَجِدُ)) يجوزُ أَنْ تكون المتعديةَ لواحد بمعنى تصيب، ويكون (مُحْضَر)) على هذا منصوباً على الحال، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن تكُونَ عِلْميةً، فتتعدَّى لاثنين أولهما (ما عَمِلَتْ)) والثاني: ((مُحْضَراً)) وليس بالقويُّ في المعنى . و((ما)) يجوز فيها وجهان، أظهرُهما: أنها بمعنى الذي، فالعائدُ على هذا مقدَّرٌ أي: ما عملتهِ، فَحُذِف لاستكمال الشروط، و((من خير)) حالٌ: إمّا من الموصول وإمَّا من عائده، ويجوز أن تكون ((من)) لبيان الجنس. ويجوزُ أن تكونَ ((ما)) مصدريةٌ، ويكونُ المصدر حينئذ واقعاً موقعَ المفعول تقديرُه : يوم تجد كلُّ نفس عَمَلها أي: معمولها، فلا عائد حينئذ عند الجمهور. (١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٢٧/٢، وقد وقع خرم في البيت في نسخة الأصل. ١١٦ - آل عمران - قوله: ((وما عَمِلَتْ من سوء تود)»: يجوزُ في ((ما)» هذه أن تكونَ منسوقةً على ((ما)) التي قبلها بالاعتبارين المذكورَيْن فيها أي: وَتَجِدُ الذي عملته أو: وتجدُ عملَها أي: معمولَها من سوء، فإنْ جَعَلْنا ((تجد)) متعدية لاثنين فالثاني محذوفٌ، أي: وتجد الذي عملته من سوء محضراً، أو تجد عملها محضراً نحو: ((علمت زيداً ذاهباً وبكراً)) أي: وبكراً ذاهباً، فَحَذَفْتَ مفعوله الثاني للدلالة عليه بذكره مع الأول، وإنْ جعلناها متعديةً لواحدٍ فالحالُ من الموصول أيضاً محذوفةٌ أي: تجدُه مُحْضَراً؛ أي: في هذه الحال، وهذا نظيرُ قولِك: (أكرمْتُ زيداً ضاحكاً وعمراً)) أي: وعمراً ضاحكاً، حَذَفْتَ حالَ الثاني لدلالةِ حالٍ الأول عليه، وعلى هذا فيكون في الجملةِ من قوله ((توذُّ) وجهان، أحدهما: أن تكونَ في محل نصب على الحال من فاعل ((عَمِلَتْ)) أي: وما عَمِلَتْه حالَ كونها وادَّةً أي: متمنية الْبُعْدَ من السوء. والثاني: أن تكونَ مستأنفة، أَخْبر الله عنها بذلك، ويجوز أن تكونَ ((ما)) مرفوعةٌ بالابتداء، والخبرُ الجملةُ من قوله: ((تود)» أي: والذي عملته - أو وعملُها - تودُّ لو أن بينها وبينه أَمَداً بعيداً. والضمير في ((بينه)) فيه وجهان، أحدُهما - وهو الظاهر - عَوْدُه على ((ما عَمِلَتْ))، وأعادَه الزمخشري(١) على ((اليوم)) قال الشيخ(٢): ((وَأَبْعَدَ الزمخشري في عودِه على ((اليوم)) لأنَّ أَحدَ القِسْمين اللذين أُحْضِرا في ذلك له هو الخيرُ الذي عمله، ولا يُطلب تباعُدُ وقتِ إحضارِ الخير إلا بتجُّز، إذ كان يشتمل على إحضار الخير والشر فتوذُّ تباعدَه لتسلم من الشر، ودَعْه(٣) لا يحصل له الخيرُ، والأَوْلِى عَوْدُه إلى ما عملت من السوء لأنه أقرب مذکور. ولأن المعنى : أن السوء يُتَمَنَّى في ذلك اليوم التباعُدُ منه)). (١) الكشاف ٤٢٣/١. (٢) البحر ٤٢٧/٢. (٣) كذا في الأصل والبحر ولم أتبين معناها. ١١٧ - آل عمران - فإن قيل: هل يجوز أن تكونَ ((ما)) هذه شرطيةً؟ فالجواب أن الزمخشري(١) وابن عطية(٢) منعا من ذلك، وجَعَلا علة المنع عدم [جزم](٣) الفعل الواقع جواباً وهو ((توثُ))، وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ الناس نَصُوا على أنه إذا وقع فعلُ الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً جاز في ذلك المضارع وجهان: الجزمُ والرفع، وقد سُمعا من لسان العرب، ومنه بيت زهير (٤): يقولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ ١٢٣١ - وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ومن الجزم قولُهِ تعالى: ((مَنْ كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوَفِّ))(٥)، (مَنْ كان يريد حَرْث الآخرةِ نَزِدْ له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نُؤْتِه منها))(٦) فدلَّ ذلك على أن المانعَ من شرطيتها ليس هو رفع ((تود)»، وأجاب الشيخ(٧) بأنها ليست شرطيةً لا لما ذكره الزمخشري وابن عطية بل لعلةٍ أخرى. ولنذكر هنا ما ذكره قال: «کنت سُئِلْتُ عن قول الزمخشري» فذكره ثم قال: ((ولنذكر ههنا ما تمسُّ إليه الحاجةُ بعد أن نُقَدِّم ما ينبغي تقديمُه في هذه المسألة فنقول: إذا كان فعلُ الشرط ماضياً وبعده مضارعٌ تَتِمُّ به جملة الشرط والجزاء جازَ في ذلك المضارعِ الجزمُ وجاز فيه الرفعُ، مثال ذلك: ((إن قام زيد يقمْ ويقومُ عمرو)) فأما الجزم فعلى جواب الشرط، ولا نعلم في ذلك خلافاً وأنه فصيحٌ إلا ما ذكره صاحب كتاب ((الإِعراب))(٨) عن بعض النحويين (١) الكشاف ٤٢٣/١. (٢) المحرر ٥٨/٣. (٣) سقطت سهواً من الأصل. (٤) ديوانه ١٥٣؛ وابن عقيل ١٧٩/٣؛ وأوضح المسالك ١٩١/٣؛ والدرر ٧٦/٢. (٥) الآية ١٥ من هود. (٦) الآية ٢٠ من الشورى. (٧) البحر ٤٢٨/٢. (٨) لعله أبو الحسن الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨؛ كشف الظنون ١٢٥/١. ١١٨. - آل عمران - أنه لا يجيء في الكلامِ الفصيح، وإنما يجيء مع ((كان)) كقوله تعالى: ((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوَفِّ)) لأنها أصل الأفعالِ ولا يجوز ذلك مع غیرها، وظاهر كلام سيبويه(١) وکلام الجماعة أنه لا يختصُّ ذلك بـ ((كان) بل سائرُ الأفعال في ذلك مثلُ ((كان))، وأنشد سيبويه للفرزدق(٢): ١٢٣٢- دَسَّتْ رسولاً بأنَّ القوم إِنْ قَدَروا عليك يَشْفُوا صدوراً ذاتَ تَوْغيرِ وقال أيضاً(٣): نكنْ مثلَ مَنْ یا ذئبُ يصطحبان ١٢٣٣ - تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتني لا تخونُني وأما الرفع فإنه مسموعٌ من لسان العرب كثيراً، وقال بعضُ أصحابنا: هو أحسنُ من الجزم، ومنه بيتُ زهير السابقُ إنشادُه، ومثله أيضاً قولُه (٤): ١٢٣٤- وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجميعِ مخافةٌ نَقُولُ جِهارا وَيْلَكم لا تُنَفِّروا وقولُ أبي صخر(٥): يقولُ ويُخْفي الصبرَ إني لجازِعُ ١٢٣٥- ولا بالذي إن بان عنه حبیبُه وقال آخر(٦): تَشَوُّفَ أهلِ الغائبِ المُتْنَظْرِ ١٢٣٦- وإن بَعُدُوا لا يأمَنُون اقترابَه (١) الكتاب ٤٣٧/١. (٢) ديوانه ٢٦٢؛ والكتاب ٤٣٧/١؛ والهمع ٦٠/٢؛ والدرر ٧٧/٢؛ والتوغير: الحقد. (٣) ديوانه ٨٧٠؛ والكتاب ٤٠٤/١؛ وأمالي الشجري ٣١١/٢؛ والخصائص ٤٢٢/٢؛ والدرر ٦٥/١. (٤) ديوان زهير ٢١٦؛ والبحر ٤٢٩/٢؛ وشل: طرد؛ وريعان كل شيء: أصله. (٥) ليس في ديوان الهذليين، وهو في الأشموني ١٧/٤؛ والبحر ٤٢٩/٢. (٦) البيت لعروة بن الورد، وهو في الحماسة ٢٣٨/١؛ والبحر ٤٢٩/٢. والمنتظر: الذي یترقب رجوعه . ١١٩ - آل عمران :- وقال آخر(١): إلى قطريٍّ لا إخالُك راضيا ١٢٣٧- فإنْ کان لا يُرضیك حتی ترگّني وقال آخر(٢): في الجَهْد أُدْرِكُ منهم طيبُ أَخْیارٍ ١٢٣٨ - إِنْ يَسْألوا الخَيرَ يُعْطُوه وإنْ خَبِروا قلت: هكذا ساق هذا البيت في جملة الأبيات الدالةِ على رفع المضارع، ويدل على قصده ذلك أنه قال بعد إنشاده هذه الأبياتَ كلَّها: ((فهذا [١٣٩/أ] الرفع كما رأيتُ كثيرٌ)) انتهى، وهذا البيت ليس / من ذلك في وِرْدٍ ولا صَدْر لأن [المضارع فيه مجزومٌ وهو ((يُعْطُوه)) وعلامة جزمِه سقوط النون فكان ينبغي](٣) أن ينشده حين أنشد: (دَسَّت رسولاً))(٤) وقوله: (تَعالَ فَإِن عاهدتني))(٥) البیتین. ثم قال: ((فهذا الرفعُ كثير كما رأيتَ، ونصوص الأئمة على جوازِهِ في الكلامِ وإن اختلفتْ تأويلاتُهم كما سنذكره، وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد ابن عبدالنور بن رشيد المالَقي - وهو مصنف كتاب ((رصف المباني (٦) رحمه الله: (لا أعلم منه شيئاً)) جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسُهُ الجَزْمُ، لأنه أصلُ العمْلِ (١) البيت لسوار بن المضرب - أموي -، وهو في المحتسب ١٩٢/٢؛ والخصائص ٤٣٣/٢؛ وأمالي ابن الشجري ١٨٥/١؛ وابن يعيش ٨٠/١؛ والأشموني ٤٥/٢؛ والعيني ٤٥١/٢. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٢٩/٢. (٣) ما بين معقوفين أصابه الخرم في الأصل. (٤) الشاهد برقم ١٢٣٢. (٥) الشاهد برقم ١٢٣٣. ولعل أبا حيان يريد ((أدرك)). (٦) رصف المباني ١٠٤؛ وهو أحمد بن عبدالنور، أخذ عن ابن مفرج، وأخذ عنه أبو حيان، له: شرح الجزولية والتحلية. انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة ٨٠/١؛ الدرر الكامنة ٢٠٧/١. وطُبع الكتاب في دمشق بتحقيقنا. ١٢٠