النص المفهرس
صفحات 81-100
- آل عمران - من هو](١). قال الشيخ: (٢) ((ولا يجوزُ ذلك لأنَّ فيه فصلاً بين البدل والمبدلِ منه بأجنبي، وهو المعطوفان، لأنهما معمولان لغيرِ العاملِ في المبدلِ منه، ولو كان العاملُ في المعطوفِ هو العاملَ في المبدلَ منه لم يَجُزْ ذلك أيضاً؛ لأنه إذا اجتمع العطفُ والبدلُ قُدِّم البدلُ على العطف، لو قلت: (جاء زيدٌ وعائشةُ أخوك)) لم يَجُزْ، إنما الكلامُ جاء زيدٌ أخوكَ وعائشةُ)). فتحصَّل في رفع ((القائم)) على هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه: النعتُ والبدلُ وخبرُ مبتدٍ محذوفٍ. ونُقِلَ عن عبد الله أيضاً أنه قرأ: ((قائمٌ بالقسط)) بالتنكير، ورفعُه من وجهي البدل وخبر المبتدأ. وقرأ(٣) أبو حنيفة: ((قَيِّماً)) بالنصبِ على ما تقدَّم. فهذه أربعةُ أوجه حَرَّرَتْها من كلام القوم. والظاهر أن رفع ((الملائكةُ)) وما بعدَهُ عطفُ على الجلالة المعظمة. وقال بعضُهم: ((الكلامُ تَمَّ عند قولِهِ: ((لا إله إلا هو)» وارتفَعَ ((الملائكة)) بفعل مضمرٍ تقديرُهُ: وشَهِدَ الملائكة وأولو العلم بذلك)» وكأنَّ هذا الذاهبَ يرى أنَّ شهادة اللَّهِ مغايرةً لشهادة الملائكة وأولي العلم، ولا يُجِيزُ إعمال المشترك في معنييه فاحتاجَ من أجلِ ذلك إلى إضمارِ فعلٍ يُوافِقُ هذا المنطوقَ لفظاً ويخالِفُهُ معنى، وهذا يَجِيءُ نظيرُهُ في قوله تعالى: ((إِنَّ الله وملائكَتَهُ يُصَلُّونَ على النبيِّ)»(٤). قال الزمخشري: (٥) فإن قلت: هل دَخَلَ قيامُه بالقسط في حكمِ شهادةِ الله والملائكة وأولي العلم كما دَخَلَتْ الوحدانيةُ؟ قلت: نعم إذا جعلتَهُ (١) زيادة من الكشاف تقتضيها المناقشة التالية . (٢) البحر ٤٠٥/٢. (٣) البحر ٤٠٣/٢؛ الكشاف ٤١٧/١. (٤) الآية ٥٦ من الأحزاب. (٥) الكشاف ٤١٧/١. ٨١ - آل عمران ـ حالاً من ((هو)) أو نصباً على المدحِ منه، أو صفةً للمنفي، كأنه قيل: شَهِدَ الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط)). قوله: ((لا إله إلا هو)) في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها مكررةٌ للتوكيد. قال الزمخشري: (١) «فإنْ قلتَ: لِمَ كَرَّر قولَه ((لا إله إلا هو)»؟ قلت: ذَكَرَه أولاً للدلالةِ على اختصاصِهِ بالوحدانيةِ، وأنه لا إله إلا تلك الذاتُ المتميِّزَة، ثم ذَكَرَهُ ثانياً بعد ما قَرَن بإثباتِ الوحدانية إثبات العدل للدلالةِ على اختصاصِهِ بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هو الموصوفُ بالصفتين، ولذلك قَرَنَ به قوله: ((العزيزُ الحكيمُ)) لتضمُّنِها معنى الوحدانية والعدل)». وقال بعضُهم: ((ليس بتكرير؛ لأنَّ الأولَ شهادةُ الله تعالى وحدَهِ، والثاني شهادة الملائكة وأولي العلم))، وهذا كما تقدَّم عند مَنْ يرفع (((الملائكة)) بفعلٍ آخرَ مضمرٍ لِمَا ذكرتُهُ من أنه لا يرى إعمالَ المشترك، وأن الشهادتين متغايرتان، وهو مذهبٌ مرجوح. وقال الراغب: ((إنما كرَّر لا إله إلا هو لأنَّ صفات التنزيهِ أشرفُ مِنْ صفاتِ التمجيد، لأنَّ أكثرَها مشارك في ألفاظِها العبيدُ فيصِحُّ وَصْفُهم بها، ولذلكِ وَرَدَتْ ألفاظُ التنزيهِ فِي حَقُّه أكثرَ. وَأَبْلَغَ)) قوله: ((العزيز الحكيمُ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ من ((هو)). الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ. الثالث: أنه نعتٌ لـ ((هو)»، وهذا إنَّما يتمَشَّى على مذهب الكسائي، فإنه يرى وصفَ الضمير الغائب، ويتقدَّم نحو هذا في قوله: ((لا إله إلا هو الرحمن الرحيم))(٢). (١) الكشاف ٤١٩/١. (٢) الآية ١٦٣ من البقرة. ٨٢ - آل عمران - آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدينَ عند الله﴾: قرأ الكسائي(١) بفتحِ الهمزةِ والباقون بكسرِها. فأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فعلى الاستئنافِ، وهي مؤكدةً للجملة الأولى. قال الزمخشري: (٢) ((فإنْ قلت: ما فائدةُ هذا التوكيدِ؟ قلت: فائدتُهُ أنَّ قولَه: ((لا إله إلا هو)» توحيدٌ، وقوله: ((قائماً بالقِسْطِ)) تعديلٌ، فإذا أَرْدِفه قولَه: ((إنَّ الدين عند الله الإسلام)» فقد آذن أن الإسلام هو العدلُ والتوحيد، وهو الدينُ عند الله، وما عداه فليس في شيء من الدين عنده)). وأمَّا قراءةُ الكسائي ففيها أوجهً، أحدُها: أنها بدلٌ من ((أنه لا إله إلا هو)) على قراءة الجمهور في ((أنه لا إله إلا هو)) وفيه وجهان، أحدهما: أنه من بدلِ الشيءٍ من الشيء، وذلك أنَّ الدين الذي هو الإِسلام يتضمَّنُ العدْلَ والتوحيدَ وهو هو في المعنى. والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ لأنَّ الإِسلامَ يشتمِلُ على التوحيدِ والعَدْلِ . الثاني من الأوجه السابقة أن يكونَ ((أنَّ الدين)» بدلاً من قوله ((قائماً بالقسط)) ثم لك اعتباران، أحدُهما: أَنْ تَجْعَلَه بدلاً من لفظِهِ (٣) فيكونُ محلُّ (أنَّ الدين)) الجرّ. والثاني: أن تجعلَه بدلاً مِنْ مَوْضِعِه فيكونُ محلُّها نصباً. وهذا الثاني لا حاجةً إليه وإن كان أبو البقاء(٤) ذكره، وإنما صَحَّ البدلُ في المعنى؛ لأنَّ الدينَ الذي هو الإِسلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فيكونُ أيضاً من بدلِ الشيءِ من الشيء، وهما لعينٍ واحدةٍ /. ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلَ اشتمال لأنَّ الدينَ [١٣٤/أ] مشتملٌ على القسطِ وهو العدلُ. وهذه التخاريجُ لأبي علي (٥) الفارسي، وتَبِعَهُ (١) السبعة ٢٠٢؛ الكشف ٣٣٨/١. (٢) الكشاف ٤١٨/١. (٣) أي من لفظ ((بالقسط)). (٤) الإملاء ١٢٩/١. (٥) الحجة (خ) ٣٣٧/٢. ٨٣ - آل عمران - الزمخشري(١) في بَعْضِها. قال الشيخ: (٢) ((وأبو علي معتزلي فلذلِكَ يشتمل كلامُه على لفظِ المعتزلةِ من العدلِ والتوحيد)» قلت: ومَنْ يرغَبُ عن التوحيدِ والعدلِ من أهلِ السنةِ حتى يَخُصَّ به المعتزِلَة؟ وإنما رأى في كلامِ الزمخشري هذه الألفاظَ كثيراً، وهو عنده معتزليٌّ، فَمَنْ تَكَلَّم بالتوحيدِ والعَدْلِ كان عندَه معتزلياً. : ثم قال: ((وعلى البدل من ((أنه)) خَرَّجه هو وغيرُه، وليس بجيد لأنه يُؤَدِّي إلى تركيبٍ بعيدٍ أَنْ يأتيَ مثلُه في كلامِ العربِ وهو: ((عَرَف زيدٌ أنه لا شجاعَ إلا هو بوبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل الحامي أنَّ الخَصْلَةَ الحميدةَ هي البسالةُ)) وتقريبُ هذا المثال: ((ضرب زيدٌ عائشةَ والعُمَرِان خَيِقاً. أختَك)) فَحَنِقً حالٌ من زيد، وأختَك بدلٌ من عائشةَ، ففصل بين البدلِ والمبدلِ منه بالعطفِ، وهو لا يجوزُ، وبالحالِ لغيرِ المُبْدَلِ مبِهِ، وهو لا يجوزُ، لأنه فُصِلَ بأجنبي بين المُبْدَلِ منه والبدل» انتهى. قوله: ((عرف زيد)) هو نظيرُ: ((شهد الله)) وقوله: ((أنه لا شجاع إلا هو ((نظير)) أنه لا إله إلا هو)). وقوله: ((وبنو دارم)) نظير قوله: ((والملائكة)). وقوله: ((ملاقياً للحروب)» نظيرُ قوله: ((قائماً بالقسط، وقوله: ((لا شجاع إلا هو)) نظير قوله: ((لا إله إلا هو)) فجاء به مكرراً كما في الآية، وقوله: ((البطل الحامي)) نظيرُ قولِهِ: ((العزيز الحكيم)) وقوله: ((أن الخصلة الحميدة هي البسالة)) نظيرُ قوله: (أنَّ الدينَ عند الله الإِسلام)) ولا يَظْهَرُ لي مَنْعُ ذِلك ولا عَدَمُ صحةِ تركيبه حتى يقول ((ليس بجيد)) وبعيد أن يأتي عن العرب مثله)). وما ادَّعاه بقولِهِ في المثال الثاني أنَّ فيه الفصلَ بأجنبي فيه نظرٌ، إذ هذه الجملُ صارَتْ كلُّها كالجملة الواحدة لِمَا اشتملت عليه من تقويةِ كلماتٍ (١) الكشاف ٤١٨/١. (٢) البحر ٤٠٨/٢. ٨٤ - آل عمران - بعضِها ببعضٍ ، وأبو عليّ وأبو القاسم وغيرُهُما لم يكونوا في محلِّ مَنْ يَجْهَلُ صحةً تركيبِ بعضِ الكلامِ وفسادِهِ. ثم قال الشيخ: ((قال الزمخشري: وقُرئا مفتوحين على أنَّ الثاني بدلٌ من الأول كأنه قيل: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ عند الله الإِسلامُ، والبدلُ هو المبدلُ منه في المعنى، فكانَ بياناً صريحاً لأنَّ دينَ الإِسلام هو التوحيدُ والعدلُ)). قال: ((فهذا نَقْلُ كلامِ أبي عليّ دونَ استيفاءٍ». الثالث من الأوجه: أَنْ يكونَ ((أنَّ الدينَ)) معطوفاً على ((أنه لا إله إلاهو))، حُذِفَ منه حرفُ العطفِ، قاله ابن جرير (١)، وضَعَّفَهُ ابنُ عطيّة(٢)، ولم يبِّن وجهَ ضَعْفِهِ. قال الشيخ: (٣) ((وَجْهُ ضَعِفِهِ أنه متنافِرُ التركيب مع إضمارِ حرفِ العطفِ، فَيُفْصَلُ بين المتعاطِفَيْنِ المرفوعَيْن بالمنصوبِ المفعولِ، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوعِ وبجملتي الاعتراضِ ، وصار في التركيبِ نظيرَ قولك: (أكل زيدٌ خبزاً وعمروٌ سمكاً) يعني فَفَصَلْتَّ بين ((زيد)) وبين ((عمر)) بـ ((خبزاً)، وفصلْتَ بين (خبزً) وبين ((سمكاً)) بعمروٍ، إذ الأصلُ قبل الفصل: ((أكل زيدٌ وعمر خبزاً وسمكاً)). الرابعُ: أَنْ يكونَ معمولاً لقولِهِ: ((شهِدَ الله)) أي: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ جازَ أَنْ يَحْكُمَ على موضِعِه بالنصب أو بالجرِّ. فإنْ قلت: إنما يتجهُ هذا التخريجُ على قراءةِ ابن عباس، وهي كسرُ إنَّ الأولى، وتكون حينئذٍ الجملةُ اعتراضاً بين ((شَهِدَ)) وبين معمولِهِ كما قَدَّمْتُهُ، وأمَّا على قراءةٍ (١) تفسير الطبري ٢٦٨/٦. (٢) المحرر ٤١/٣ (٣) البحر ٤٨٠/٢. ٨٥ - آل عمران - فَتْحِ ((أَنَّ) الأولى، وهي قراءةُ العامة فلا يَتَجِهُ ما ذكرْتُهُ من التخريج، لأن الأولى معمولةً له استَغْنَى بها. فالجوابُ: أنَّ ذلك متجهً أيضاً مع فتحِ الأولى وهو أَنْ تَجْعَلَ الأولى على حَذْفِ لامِ العلة، تقديرُهُ: شهد الله أنَّ الدين عندَ اللَّهِ الإِسلامُ لأنه لا إله إلا هو، وكان يَحِيك في نفسي هذا التخريجُ مدةٌ، ولم أَرَهم ذكروه حتى رأيتُ الواحديَّ ذَكَرَه، وقال: ((وهذا معنى قول الفراء (١) حيث يقولُ في الاحتجاجِ للكائي: ((إِنْ شِئْتَ جَعُلْتَ (أنه)) على الشرطِ، وَجَعَلْتَ الشهادةَ واقعةٌ على قولِهِ: ((أنَّ الدين عند الله الإِسلام)» وتكونُ ((أنَّ) الأولى يصلُح فيها الحَفْضُ كقولك: ((شهد اللَّهُ الوحدانيتِهِ أنَّ الدينَ عند اللَّهِ الإِسلامُ)). وهو كلامٌ مُشْكِلٌ في نفسِهِ، ومعنى قولهِ: ((على الشرط)) أي: العلة، سَمَّى العلةَ شرطاً لأنَّ المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقُّفِ المعلولِ على عليّهِ، فهو علَّةٌ، إلا أنه خلافُ اصطلاحِ النحويين. ثم اعترَضَ الواحديُّ على هذا التخريجِ بأنه لو كانَ كذلكِ لم يَحْسُبُنْ إعادةُ اسمِ الله ولكانَ التركيبُ ((أنَّ الدين عنده الإِسلام))، لأن الاسمَ قد سَبَّقّ فالوجهُ الكنايةُ، ثم أجاب بأنَّ العربَ ربما أعادت الاسمَ موضعَ الكناية وأنشد: (٢) ١٢٠٦ - لا أَرَى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا يعني أنه من بابٍ إيقاعِ الظاهِرِ موقعَ المضمرِ، ويزيدُهُ هنا حُسْنَاً أنه في [١٣٤/ب] / موضِعِ تعظيمٍ وتفخيمٍ. الخامس: أَنْ تكونَ على حَذْفِ حرفِ الجر معمولةٌ لِلَفْظِ ((الحكيم)) كأنه (١) معاني القرآن ٩/١ (٢) تقدم برقم ٤٩٠. ٨٦ - آل عمران - قيل: الحكيم بأن، أي: الحاكم بأن، فحكيم مثالُ مبالغةُ مُحَوَّلٌ من فاعِل، فهو كالعليم والخبير والبصير، أي: المبالِغُ في هذه الأوصاف، وإنما عَذَلَ عن لفظ ((حاكم)) إلى ((حكيم)) مع زيادةِ المبالغة لموافقة العزيز. ومعنى المبالغة تكرارُ حكمهِ بالنسبة إلى الشرائع أنَّ الدين عند الله هو الإِسلام، أُوحَكَمَ في كلِّ شريعة بذلك. وهذا الوجهُ ذكره الشيخ(١) وكأنه من تخريجه ثم قال: ((فإن قلت: لِمَ حَمَلْتَ الحكيم على أنه مُحَوَّلٌ من فاعل إلى فعيل للمبالغة، وهلا جَعَلْتَه فعيلاً بمعنى مُفْعِل، فيكون بمعنى مُحْكِم، كما قالوا: أليم بمعنى مُؤْلِم وسميع بمعنى مُسْمِع من قولِ الشاعر:(٢) ١٢٠٧- أَمِنْ ريحانَةَ الداعي السميعُ فالجوابُ أَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ فعيلاً بمعنى مُفْعِل، وقد يُؤَوْل أليمٍ وسميع على غير مُفْعِل، ولئن سَلَّمْنَا ذلك فهو من النُّدورِ والشذوذ بحيث لا يَنْقَاسُ، بخلاف فَعيل مُحَوَّلٌ من فاعِل فإنه كثيرٌ جداً خارجٌ عن الحصرِ كعليم وسميع وقدير وحكيم وخبير وحفيظ، إلى ألفاظٍ لا تُحْصَى كثرةً. وأيضاً فإنَّ العربيَّ القُحَّ الباقي على سَجِيَتِهِ لم يَفْهَمْ عن ((حكيم)» إلا أنه مُحَوَّلٌ من فاعل للمبالغةِ، ألا ترى أنه لَمَّا سَمِعَ قارئاً يقرأ: ((والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كَسَبًا فكالا من الله والله غفور رحيم))(٣) أنكر أن تكونَ فاصلةُ هذا التركيبِ السابقِ: ((والله غفور رحيم)) فقيل له: التلاوةُ: ((والله عزيز حكيم))، فقال: هكذا يكون: عَزَّ فحكم فقطع)) فَفَّهِمَ من حكيم أنه محولّ للمبالغة السالفة(٤) من ((حاكم))، وفَهْمُ هذا العربي حجةٌ قاطعةٌ بما قلناه، وهذا تخريجٌ (١) البحر ٤٠٩/٢. (٢) تقدم برقم ٦٩٢ . (٣) الآية ٣٨ من المائدة. (٤) كذا في الأصل ولم ترد هذه العبارة في البحر. ٨٧ - آل عمران - سهل سائغٌ جداً، يُزيل تلك التكلفاتِ والتركيباتِ العَقِدَةَ التي يُنَزَّه كتابُ الله عنها. وأمَّا على قراءة ابنِ عباس(١) فكذلك نقول، ولا نجعل (أنَّ الدين)) معمولاً لـ ((شهد)» كماْ زَعَمُوا وأن ((إنه لا إله إلا هو)» اعتراضٌ - يعني بين الحال وصاحبها وبين ((شهد)) ومعمولِهِ، وسيأتي إيضاحُ ذلك - بل نقولُ: معمولُ ((شَهِدَ)» هو ((إنه)) بالكسرِ على تخريجِ مَنْ خَرَّجَ أنَّ ((شهد)» لَمَّا كان بمعنى القولِ كُسِرَ ما بعدَه إجراءً له مُجْرَى القولِ، أو نقول ((إنه)) معموله وعُلِّقَتْ(٢)، ولم تَدْخُلُ اللامُ في الخبر لأنه منفيٍّ، بخلافٍ أَنْ لو كان مثبتاً فإنك تقول: ((شهدت إنَّ زيداً لمنطلقُ)) فَتُعَلَّقُ بإنَّ مع وجودِ اللام لأنه لولم تكن اللامُ لفَتَحْتَ ((أَنَّ) فقلت: شهدت أنَّ زيداً منطلق، فَمَنْ قرأ بفتح ((أنه)) فإنه لم يَنْوِ التعليق، ومَنْ كَسَرَ فإنَّه نوى التعليقَ ولم تَدْخُل اللامُ في الخبرِ لأنه منفيُّ كما ذكرنا)» انتهى . وكان الشيخ - لَّمَّا ذَكَرَ الفصلَ والاعتراضَ بين كلماتِ هذه الآيةِ - قال ما نصه(٣): ((وأما قراءةُ ابنِ عباس فَخُرِّجَ(٤) على ((أن الدين عند الله الإِسلام)) هو معمولُ شهد، ويكونُ في الكلامِ اعتراضان أحدُهما: بين المعطوفِ عليه(٥) والمعطوفِ(٦)، وهو ((إنه لا إله إلا هو))، والثاني: بين المعطوفِ(٧) والحالِ (٨) وبين المفعول (٩) لشَهِدَ وهو: ((لا إله إلا هو العزيز الحكيم)) وإذا (١) أي: كسر ان الأولى . (٢) أي: علقت ((شهد)). (٣) البحر ٤٠٩/٢. (٤) لعل الأفصح: فخرّجت وأثبتنا ما في البحر والأصل. (٥) وهو قوله ((الله)). (٦) وهو قوله ((والملائكة)). (٧) وهو قوله ((الله)). (٨) وهو قوله ((قائمً)). (٩) وهو قوله ((أن الدين)) ٨٨ - آل عمران - أَعْرَبنا ((العزيزُ الحكيم)) خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ كان ذلك ثلاثةَ اعتراضات. فانظر إلى هذه التوجيهاتِ البعيدةِ التي لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بنظيرِ هِنَّ من كلامٍ العرب، وإنما حَمَل على ذلك العجمةُ وعدمُ الإِمعانِ في تراكيب كلام العرب وحفظ أشعارها، وكما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتاب أنه لن يكفيَ النحوُ وحدَه في علم الفصيح من كلام العرب، بل لا بُدَّ من الاطلاع على كلامِ العرب والتطبع بطباعها والاستكثار من ذلك». قلت: ونسبتُه كلامَ أعلامِ الأمة إلى العُجْمَةِ وعَدَمِ معرفتِهِم بكلام العرب وحَمْلُهم كلامَ الله على ما لا يجوز، وأنَّ هذا الوجه الذي ذكره هو تخريجٌ سهل واضح غير(١) مقبولةٍ ولا مُسَلَّمَةٍ، بل المتبادر إلى الذهن ما نقله الناس، وتلك الاعتراضاتُ بين أثناء كلماتِ الآية الكريمة موجودٌ نظيرُها في كلامِ العرب، وكيف يَجْهل الفارسي والزمخشري والفراء وأضرابُهم ذلك، وكيف يتبَجَّح باطِّلاعه على ما لم يَطَّلِعْ عليه مثلُ هؤلاء، وكيف يَظُنُّ بالزمخشري أنه لا يعرِفُ مواقعَ النَّظُمِ وهو المُسَلَّمُ له في علم المعاني والبيان والبديع، ولا يشك أحد أنه لا بد لمَنْ يتعرَّض إلى علم التفسير أن يعرف جملةً صالحةً / من هذه العلوم، وانظر إلى ما حكى صاحب [١٣٥/أ] ((الكشاف)» في خطبته(٢) عن الجاحظ وما ذَكَرَهُ في حقِّ الجاهل بهذه العلومِ، ولكن الشيخَ يُنْكِرُ ذلك ويَدَّعِي أنه لا يُحْتَاجُ إلى هذه العلومِ البتة، فَمِنْ ثَمَّ صدر ما ذكرته عنه . قوله: ((عند الله)) ظرفٌ، العاملُ فيه لفظ ((الدين)) لِمَا تَضمَّنه من معنى الفعل. قال أبو البقاء: (٣) ((ولا يكونُ حالاً، لأن ((إنَّ)) لا تعمل في الحال)) (١) قوله: ((غير)) خبر عن قوله: ((ونسبته)). (٢) الكشاف ١٥/١. (٣) الإملاء ١٢٩/١. ٨٩ - آل عمران - قلت: قَد جَوَّزُوا في (ليت)) وفي ((كأنَّ)) وفي ((ها)) أن تعملَ في الحال. قالوا: لِما تَضَمِّنَتْه هذه الأحرفُ من معنى التمني والتشبيه والتنبيه، فإنَّ للتأكيدِ فَلْتُعمِل في الحالِ أيضاً، فليسَتْ تتباعَدُ عن ((ها)) التي للتنبيه، بل هي أَوْلَى منها، وذلك أنها عاملةً و«ها،ٍ لَيْسَتْ بعاملةٍ فهي أقربُ لَشِبْهِ الفعلِ من ((ها). قوله: (بَغْياً)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مفعولٌ من أجلِهِ، العامل فيه (اختلف)) والاستثناءُ مفرغٌ. والتقدير: وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيرِهِ. والثاني: أنه مصدرٌ في محلُّ نصبٍ على الحال من ((الذين)) كأنه قيل: ((ما اختلفوا إلّ في هذه الحالِ، وليس بقوي، والاستثناءُ مفرَّغٌ أيضاً. [الثالث: أنه منصوبٌ على المصدرِ والعامِلُ فيه مقدَّرْ](١) كأنه لَمَّا قيل: ((وما اختلف)) دَلَّ على معنَى: ((وما بَغَى)) فهو مصدرٌ مؤكِّدٌ، وهذا قولُ الزجاج(٢)، والأولُ قولُ الأخفش(٣)، ورجَّحه أبو علي. ووقع بعد ((إلا)) مستثنيان وهما: ((مِنْ بعْدٍ)) و (بَغْيا)) وقد تقدَّم تخريجُ ذلك وما ذَكَرَ الناسُ فيه. قوله: ((وَمَنْ يكفُرْ)) ((مَنْ)) مبتدأٌ، وفي خبرِهِ الأقوالُ الثلاثةُ، أعني فعلَ الشرطِ وَحْدَهُ، أو الجوابَ وحدَه، أو كلاهما. وعلى القولِ بكونه الجواب وحده لا بدَّ من ضميرٍ مقدَّرٍ أي: سريعُ الحسابِ له، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. آ. (٢٠) وفَتَح الياءَ مِنْ ((وجهي)» هنا وفي الأنعام (٤) نافع(٥) وابن عامر وحفص، وسَكَّنها الباقون. قوله: ((وَمَنْ اتَّبَعَنِ)) في محلِّ ((مَنْ)) أوجهٌ، أحدُها: الرفعُ عطفاً على (١). ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل. (٢). معاني القرآن ١٣٨٨/١ (٣) معاني القرآن ١٩٩. (٤) الآية ٧٩. (٥) البحر ٤١٢/٢. ٩٠ - آل عمران - التاءِ في ((أَسْلَمْتُ))، وجاز ذلك لوجودِ الفصلِ بالمفعولِ، قاله الزمخشري(١) وبه بَدَأَ، وكذلك ابنُ عطية(٢). قال الشيخُ: (٣) ((ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على ظاهِرِهِ؛ لأنه إذا عُطِفَ على الضميرِ في نحو: ((أكلتُ رغيفاً وزيدٌ)) لَزِمَ مِنْ ذلك أَنْ يَكونا شريكَيْنِ في أكلِ الرغيف، وهنا لا يَسُوغُ [فيه] ذلك لأنَّ المعنى ليس على: أَسْلَمُوا هم وهو صلى الله عليه وسلم وجهَه لله، بل المعنى على أنَّه صلى الله عليه وسلم أَسْلَمَ وجهَهُ الله، وهم أَسْلموا وجوهَهم الله (٤)، فالذي يَقْوَى في الإِعرابِ أنه معطوفٌ على الضميرِ محذوفٌ منه المفعولُ، لا مشارِكُ في مفعولِ ((أَسْلَمْتُ)) والتقديرُ: ((وَمَنِ اتَّبَعَنِي وجهَه أو أنه مبتدأُ محذوفُ الخبرِ، لدلالةِ المعنى عليه، والتقديرُ: ومَنِ اتَّبعني كذلك أي: أَسْلَموا وجوهُهم الله، كما تقول: ((قَضَى زيدٌ نَحْبَهُ وعَمروٌ) أي: وعمروٌ كذلك، أي: قَضَى نَحْبَه)». قلت: إنَّمَا صَحَّ في نحوِ: ((أكلتُ رغيفاً وزيدٌ)) المشاركةُ لإِمكانٍ ذلك، وأمَّا نحوُ الآيةِ الكريمةِ فلا يَتَوَهَّمُ أحدٌ فيه المشاركةَ . الثاني: أنه مرفوعٌ بالابتداءِ والخبرُ محذوفٌ كما تقدَّم تقريرُهُ. الثالث: أنه منصوبٌ على المعيّة، والواوُ بمعنى مع، أي: أَسْلَمْتُ وجهيَ لله مع مَنِ اتَّبعني، قاله الزمخشري(٥) أيضاً. قال الشيخُ: (٦) ((ومِن الجهة التي امتَنَعَ عَطْفُ ((ومَنْ)) على الضمير إذا حَمَلَ الكلامَ على ظاهِرِهِ دونَ تأويلٍ يمتنعُ كونُ (١) الكشاف ٤١٩/١. (٢) المحرر ٤٣/٣. (٣) البحر ٤١٢/٢. (٤) هذا من شدة تمسك أبي حيان بالظاهرية، فالأمر واضح لا لبس فيه. (٥) الكشاف ٤١٩/١. (٦) البحر ٤١٢/٢. ٩١ - آل عمران :- ((منْ)) منصوباً على أنه مفعولٌ معه، لأنَّك إذا قلت: ((أكلتُ رغيفاً وعمراً) أي: مع عمروٍ دَلَّ ذلك على أنه مشارِك لك في أَكْلِ الرغيف، وقد أجاز الزمخشري هذا الوجه، وهو لا يجوزُ لِما ذكرنا على كلِّ حال؛ لأنه لا يجوزُ حَذْفُ المفعولِ مع كونِ الواوِ واوَ (( مع)) البتة)). قلت: فَهْمُ المعنى وعَدَمُ الإِلباسُ يُسَوِّغُ ما ذكرَهُ الزمخشري، وأيُّ مانِعٍ من أنَّ المعنى: فقل: أسلمتُ وجهيَ الله مصاحباً لِمَنْ أسلمَ وجهَهُ للهِ أيضاً، وهذا معنَى صحيح مع القولِ بالمعية . الرابع: أنَّ محلّ ((مَنْ)) الخفضُ نَسَقاً على اسمِ الله تبارك وتعالى، وهذا الإِعرابُ وإنْ كان ظاهرُهُ مُشْكلاً، فقد يُؤَوَّلَ على معنى: جَعَلْتُ مَقْصَدِي الله بالإِيمانِ به والطاعةِ له ولِمَنْ اتَّبعني بالحفظِ له، والتحفِّي بعلمه وبرأيه وبصحبته . وقد أثبت(١) الياءَ في ((اتَّبعني)) نافع وأبو عمرو وصلاً وحَذَفاها وقفاً، والباقون حَذَفُوها فيهما موافقةً للرسم، وحَسَّنَ ذلك أيضاً كونُها فاصلةً ورأسَ آية نحو: ((أَكْرَمَن وأهانَن))(٢) وعليه قولُ الأعشى (٣): ١٢٠٨- وهل يَمْنَعُني ارتيادِي البلا دَ مِنْ حَذَرِ الموتِ أَنْ يَأْتِيَنْ وقال الأعشى أيضاً(٤): إذا ما انْتَسَبْتُ له أَنْكَرَنْ ١٢٠٩- ومِنْ شانِیءٍ کاسِفٍ وجهُه قال بعضُهم: ((يكثُرَ حذفُ هذه الياءِ مع نون الوقاية خاصة، فإنْ لم تكن نونٌ فالكثيرُ إثباتها)). (١). الكشف ٣٣٢/١؛ البحر ٤١٢/٢. (٢) الآية ١٥ - ١٦ من الفجر. (٣) ديوانه ٥٥؛ الكتاب ٢٩٠/٢؛ أمالي الشجري ٧٣/٢؛ وابن يعيش ٧٣/٩. (٤) انظر التخريج في الحاشية السابقة. والثانىء: المبغض. ٩٢ - آل عمران - قوله: ((أأُسْلَمْتُم) صورتُه استفهامٌ ومعناهُ الأمرُ، أي: أَسْلَموا، كقوله تعالى: ((فهلْ أنتم مُنْتَهُوْن)) أي: انتهوا، قال الزمخشري(١): ((يعني أنه قد أتاكم من البيّنات ما يوجِبُ الإِسلامَ ويقتضي حصولَه لا محالة، فهل أسلمتم بعدُ، أم أنتم على كفركِم؟ وهذا كقولِك لِمَنْ لَخَّصْتَ له المسألةَ ولم تُبْقِ من طرق البيان والكشفِ طريقاً إِلَّ سَلَْتَه: هل فهمتها أم لا، لا أُمُّ لك؟ ومنه قولُه عز وجل: ((فهل أنتم مُنْتهون))(٢) بعدَ ما ذَكَرَ الصَّوارِفَ عن الخمرِ والميسرِ، وفي هذا الاستفهامِ استقصاءً وتعبيرُ بالمعانَدَةِ وقِلَّةِ الإِنصافِ، لأنَّ المنصفَ إذا تَجَلَّتْ لَه الحُجَّةُ لم يتوقّف إذعانُه للحق)) وهو كلامٌ حسنٌ جداً / وقوله: [١٣٥/ب] ((فقد اهتَدَوا)) دَخَلَتْ ((قد)» على الماضِي مبالغةٌ في تحقَّق وقوعِ الفعلِ وكأنَّه قد قَرُبَ من الوقوعِ . آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يكفرون﴾: لَمَّا ضُمِّن هذا الموصولُ معنى الشرطِ دَخَلَتِ الفاءُ في خبرِهِ، وهو قولُه: فبشِّرْهُم، وهذا هو الصحيحُ، أعني أنه إذا نُسِخَ المبتدأُ بـ ((إِنَّ)) فجوازُ دخولِ الفاءِ باقٍ، لأن المعنى لم يتغيّرْ، بل ازدادَ تأكيداً، وخَالَف الأخفشُ فمنعَ دخولَها مع نَسْخِه بـ ((إنَّ))، والسماعُ حُجَّةٌ عليه كهذِه الآية، وكقوله: ((إنَّ الذين فَتَنُوا المؤمنين والمؤمنات))(٣) الآية، وكذلك إذا نُسِخَ بـ ((لكنَّ)) كقوله(٤): ١٢١٠ - فوالله ما فَارَقْتُكُمْ عن مَلالةٍ ولكنَّ ما يُقْضَى فسوف يكون وكذلك إذا نُسِخَ بـ((أنَّ)) المفتوحة كقوله تعالى: ((واعلموا أنَّ ما غَنِمْتم (١) الكشاف ٤١٩/١. (٢) الآية ٩١ من المائدة. (٣) ((إن الذين فتّتوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم)) البروج ١٠. (٤) البيت للأفوه الأودي وليس في ديوانه، وهو في العيني ٣١٥/٢؛ والهمع ١١٠/١؛ والدرر ٨٠/١. ٩٣ - آل عمران - من شيءٍ فإنَّ لله [خُمُسَهِ]))(١)، أمَّا إذا نُسِخَ بليت ولعل وكان امتنعتِ الفاءُ عند الجميعِ لتغيُّرِ المعنى. قوله: ((ويَقْتُلُون)) قرأ حمزة(٢) ((ويُقاتِلون)) من المقاتلة، والباقون: ((وَيَقْتُلُون)) كالأولِ، فأمَّا قراءةُ حمزةَ فإنه غايَرَ فيها بين الفعلين وهي موافقةٌ القراءةِ عبدالله: ((وقاتِلوا) من المقاتلة، إلاّ أنَّه أتى بصيغةِ الماضي، وحمزةً يُحْتمل أن يكونَ المضارعُ في قراءتِه لحكاية الحالِ ومعناه المضيُّ. وأمَّا الباقون فقيل في قراءتهم: إنما كَرَّر الفعلَ لاختلافِ متعلَّقه، أو كُرِّر تأكيداً، وقيل: المرادُ بأحدِ القَتْلِين تفويتُ الروحِ وبالآخرِ الإِهانةُ، فلذلك ذكَر كَلَّ واحدٍ على حِدَتِه، ولولا ذلك لكان التركيبُ ((ويقتلون النبيين والذين يَأْمُرُون)). وقرأ الحسن: ((ويُقَتِّلون)) بالتشديد ومعناه التكثيرُ، وجاء هنا ((بغَيْرِ حقّ)) مُنَكَّراً، وفي البقرة(٣) ((بغير الحق) مُعَرَّفاً قيل: لأنَّ الجملةَ هنا أُخْرِجَتْ مُخْرَجَ الشرطِ، وهو عامٌّ لا يتخصَّصُ فلذلك ناسَبَ أن تُنكَّر في سياقِ النفي ليعُمَّ؛ وأمَّا في البقرةِ فجاءَتْ الآيةُ في ناسٍ مَعْهودين مُشَخَّصِين بأعيانِهِم، وكانٌ الحقُّ الذِي يُقْتَلُ به الإِنسانُ معروفاً عندهم فلم يُقْصَدْ هذا العمومُ الذي هنَاءَ: فَجِيءَ في كلِّ مكان بما يناسِبُه. قوله: ((من الناس)): إمَّا بيانٌ وإمَّا للتبعيض، وكلاهما معلومٌ أنهم من الناسِ ، فهو جارٍ مَجْرى التأكيدِ. آ. (٢٢) وقرأ ابنُ عباس (٤) وأبو عبدالرحمن بفتحِ الباءِ: ((حَبَطَتْ) وهي لغةً معروفةٌ . (١) الآية ٤١ من الأنفال. (٢) السبعة ٢٠٣؛ الكشف ٣٣٨/١؛ البحر ٤١٣/٢. (٣) الآية ٦١ من البقرة. (٤) شواذ القراءات ١٩. ٩٤ - آل عمران - آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ﴾: في محلِّ نصبٍ على الحالِ من (الذين أُوتوا)). وقولُه ((ليحكُمَ)) متعلقُ بُيُدْعَوْن. وقوله: ((ثم يَتَوَّلِى)) عطفٌ على (يُدْعَوْن)) و ((منهم)) صفةً لفريق. وقوله: ((وهمْ مُعْرِضُون)) يجوزُ أن تكونَ صفةً معطوفةً على الصفةِ قبلها فتكونُ الواوُ عاطفةً، وأن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضمير المستتر في «منهم) لوقوعِهِ صفةٌ فتكونُ الواوُ للحالِ، [ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من ((فريق)) وجاز ذلك وإنْ كان نكرةً لتخصيصِه بالوصفِ قبلَه](١) وإذا كانَتْ حالاً فيجوزُ أَنْ تكونَ مؤكدةً، لأنَّ التولِّيَ والإِعراضَ بمعنى، ويجوزُ أن تكونَ مبيّنةً لاختلافِ متعلَّقِهما، قالوا: لأنَّ التولِّيَ عن الداعي، والإِعراضَ عَمَّا دُعِي إليه. ويُحْتمل أن تكونَ هذه الجملةُ مستأنفةً لا محلَّ لها أَخبْر عنهم بذلك. وقرأ الحسن(٢) وأبو جعفر والجحدري، ((لِيُحْكَمَ)) مبنياً للمفعول والقائمُ مقامَ الفاعلِ هو الظرفُ، أي: لَيَقَعَ الحكمُ بينهم. آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم﴾: يجوزُ في ((ذلك)» وجهان، أصحُّهما: أنه مبتدأٌ والجارُّ بعده خبرهُ، أي: ذلك التولّي بسببِ هذه الأقوالِ الباطلةِ التي لا حقيقةً لها. والثاني: أن ((ذلك)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: الأمرُ ذلك، وهو قولُ الزجاج(٣). وعلى هذا فقولُه: ((بأنهم)) متعلق بذلك المقدَّر، وهو الأمر ونحوه. وقال أبو البقاء(٤): ((فعلى هذا يكون قوله: ((بأنهم)» في موضعِ نصبٍ على الحال مِمَّا في ((ذا)) من معنى الإِشارة أي: ذلك الأمرُ مستحقاً بقولهم))، ثم قال: ((وهذا ضعيفٌ)). قلت: بل لا يجوزُ البتة . (١) ما بين معقوفين لم يظهر في الأصل. (٢) البحر ٤١٦/٢؛ القرطبي ٥٠/٤. (٣) معاني القرآن ٣٩٣/١. (٤) الإِملاء ١٢٩/١. ٩٥ - آل عمران - وجاء هنا ((معدودات)) بصيغة الجمع، وفي البقرة (١): ((معدودة)) تفنّناً في البلاغة، وذلك أنَّ جَمْعَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يجوزُ أَنْ يعامَلَ معاملةَ الواحدةِ المؤنثة تارةً ومعاملةَ جمعِ الإِناث أخرى، فيقال: ((هذه جبالٌ راسيةٌ» وإن شئت: ((راسيات))، و((جِمال ماشية)) وإن شئت: ((ماشيات)). وخُصَّ الجمعُ بهذا الموضعِ لأنه مكانُ تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا، فأتى بلفظِ الجمعِ مبالغةً في زَجْرِهم وزجرٍ مَنْ يعملُ بعملهم. قوله: ((وغَرَّهم في دينهم)) الغُرور: الخِداعِ، يقال منه: غَرَّه يَغِرُّهِ غُرورا فهو غارٌّ ومغرور، والغَرور - بالفتح - مثالُ مبالغة، كالضَّروب، والغِرُّ: الصغير، والغَريرة: الصغيرة لأنهما يَنْخَدِعَان والغِرّةُ مأخوذة من هذا. يقال: ((أَخَذَّه على غِرَّة)) أي: تَغَفُّل وخداع، والغُرَّةُ: بياضٌ في الوجهِ، يقال منه: وَجْهُ أَغَرُّ ورجل [أغرُّ](٢) وامرأة ((غَرَّاء))، والجمعُ القياسي: غُرُّ، وغيرُ القياسي: غُرَّان. قال(٣): وأوجُهُهم عند المَشاهِدِ غُرَّانُ ١٢١١ - ثيابُ بني عوفٍ طَهارى نَفِيَّةٌ والفُرَّةُ من كلِّ شيءٍ: أَنْفَسُه، وفي الحديث: ((وجَعَلَ في الجنين غُرَّةً عبداً أو أَمَة))(٤) وقيل: ((الغُرَّةُ) الخِيارُ. وقال أبو عمرو بن العلاء في تفسير هذا الحديث: ( إنه لا يكونُ إلا الأبيضُ من الرقيقِ)) كأنَّه أَخَذَه من الغُرَّة وهي: البياضُ في الوجه. قوله: ((ما كانوا يَفْتَرُون)) (ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: الذي كانوا يَفْتَرُونه. (١) الآية ٨٠ من البقرة. (٢) عن الصحاح: ((غرر)) وسقطت من الأصل. (٣) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ٨٣؛ والبحر ٤١٦/٢. (٤) رواه أبو داود: الديات ٦٩٨/٤، والنسائي القسامة ٢٢/٨. ---- ٩٦ - آل عمران - آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿فكيف إذا﴾: ((كيف)) منصوبةٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: كيف يكونُ حالُهم؟ كذا قدَّره الحوفي، وهذا يَحْتمل أَنْ يكونَ الكونُ تاماً، فيجيء في ((كيف)) الوجهان المتقدِّمان في قوله: ((كيف تكفرون))(١) من التشبيه بالحال أو الظرف، وأن تكونَ الناقصةَ فتكونَ ((كيف)» خبرَها، وقَدَّر بعضُهم الفعلَ فقال: ((كيف يَصْنعون)) فـ ((كيف)) على ما تقدَّم من الوجهين، ويجوز أَنْ تكونَ ((كيف)) خبراً مقدَّماً، والمبتدأُ محذوفٌ، تقديرُه: فكيف حالُهم؟. قوله: ((إذا جَمَعْناهم)) ظرفٌ مَحْضٌ من غيرِ تضمينٍ شرطٍ، والعاملُ فيه العاملُ في ((كيف)» إنْ قلنا إنَّها منصوبةٌ بفعلٍ مقدَّرٍ كما تقدَّم تقريرُه، وإنْ قلنا: إنَّها خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ وهي منصوبَةٌ انتصابَ الظروفِ كانَ العاملُ في (إذا)) الاستقرارَ العاملَ في ((كيف)) لأنها كالظرفِ. وإنْ قلنا: إنها اسمٌ غيرُ ظرفٍ، بل لمجردِ السؤالِ كان العاملُ فيها نفسَ المبتدأ الذي قَدَّرناه، أي: كيف حالُهم في وقت / جَمْعِهم. [١/١٣٦] قوله: ((ليوم)) متعلَّقٌ بجمعناهم ((أي: لقضاء يومٍ أو لجزاء يوم و ((لا ريبَ فيه)) صفةٌ للظرف. آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿اللهم﴾: اختلف البصريون والكوفيون في هذه اللفظةِ الكريمة(٢). فقال البصريون: الأصلُ يا الله، فَحُذِفَ حرفُ النداء، وعُوَّضَ عنه هذه الميمُ المشددة. وهذا خاصٍّ بهذا الاسمِ الشريف فلا يجوزُ تعويضُ الميمِ من حرفِ النداء في غيره، واستدلّوا على أنَّها عوضٌ من ((يا)) أنهم لم يَجْمَعوا بينهما فلا يُقال: يااللهمَّ إلَّ في ضرورةٍ كقوله(٣): (١) الآية ٢٨ من البقرة. (٢) الإنصاف ٣٤١، اللسان: أله. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في رصف المباني ٣٠٦، واللسان: أله؛ والإنصاف ٣٤٢؛ والهمع ١٥٧/٢؛ والدرر ٢٢٠/٢. ٩٧ - آل عمران - ١٢١٢ - وما عليكِ أَنْ تقولي كلما سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ يا اللهم ما أَرْدُدْ علينَا شَيْخَنا مُسَلَّما وقال الكوفيون الميمُ المشددةُ بقية فعلٍ محذوفٍ تقديرُه: ((أُمَّنا بخير)) أي: اقصُدْنا به، مِنْ قولك: ((أمَّمْتُ زيداً)) أي قصدتُه، ومنه: ((ولا آمِّين البيتَ الحرام))(١) أي: قاصِدِيه، وعلى هذا فالجمعُ بينَ ((يا)) والميمِ ليس بضرورةٍ عندهم، إذ ليسَتْ عوضاً منها. وقد رَدَّ عليهم البصريون هذا بأنه قد سُمع ((اللهم أُمَّنَا بخير)) وقال تعالى: («اللهُمَّ إنْ كان هذا هو الحقَّ مِنْ عِندِك فَأَمْطِرْ))(٢) فقد صَرَّحِ بالمدعوِّبه، فلو كانَتِ الميمُ بقيةَ ((أمَّنا)) لفسد المعنى فيان بظلانُه. وهذا من الأسماء التي لَزِمَت النداءَ فلا يجوزُ أَنْ يقعَ فِي غِيرِهِ، وقد وَقَع في ضرورةِ الشعرِ كونُه فاعِلاً. أنشد الفراء(٣): ١٢١٣ - كَحَلْفَةٍ من أبي دِثار يَسْمَعُها اللهُمَ الكُبَارُ: فاستعملَه هنا فاعلاً بقوله: ((يَسْمَعُها)) ولا يجوزُ تخفيفُ میمِه، وجَوَّزه الفراء وأنشد البيت: ((يَسْمَعُها اللَّهُمَ / الكُبار)) بتخفيفِ الميم؛ إذ لا يمكنُهُ استقامةُ الوزن إلَّ بذلك. قال بعضُهم: ((هذا خطأ فاحِشٌ، وذلك لأنَّ المِيمَ بقيةُ ((أُمَّنا)) وهو رأيُ الفراء(٤)، فكيف يُجَوِّزُ الفراء؟ وأجاب عن البيت بأنَّ الروايةَ ليسَتْ كذلك، بل الروايةُ: يَسْمَعُها لاهُه الكُبارُ. قلت: وهذا [لا يُعارِضُ الروايةَ الأخرى، فإنه كما صَحَّتْ هذه صَحَّتْ](٥) تَيْكَ. وردًّ (١) الآية ٢ من المائدة. (٢) الآية ٣٢ من الأنفال. (٣) تقدم برقم ٢٩. وانظر: معاني القرآن للفراء ٢٠٤/١. ٠ (٤) معاني القرآن ٢٠٣/١. (٥) ما بين معقوفين أصابه خرم في الأصل. ٩٨ - آل عمران - الزجاج(١) مذهبَ الفراء بأنه لو كان الأصل: ((يا الله أُمَّنا)) لَلُفِظَ به مَنْبَهَةً على الأصل كما قالوا في: وَيْلُمِّه: ويلٌ لأْمِه. ومن أحكام هذه اللفظةِ أيضاً أنها كَثُرَ دَوْرُها حتى حُذِفَتْ منها الألف واللامُ في قولِهم: ((لاهُمَّ) أي: اللهم(٢)، قال الشاعر(٣): ١٢١٤ - لا هُمَّ إِنَّ عامرَ بنَ جَهْمِ أَحْرَم حَجَّأَ في ثيابٍ دُسْمِ وقال آخر(٤): ١٢١٥ - لا هُمَّ إنَّ جُرْهُما عِبادُكا الناسُ طَرْفُ وهُمُ بِلادُكا وفي هذه الكلمةِ أبحاثٌ كثيرةٌ موضِعُها غيرُ هذا. قوله: ((مالكَ الملك)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلُ من ((اللهم)). الثاني: أنه عطفُ بيان. الثالث: أنه منادى ثانٍ، حُذِفت منه حرفُ النداء، أي: يا مالكَ المُلك، وهذا هو البدلُ في الحقيقةِ، إذ البدلُ على نيةِ تكرارٍ العاملِ ، إلاّ أنَّ الفرقَ أنَّ هذا ليسَ بتابعٍ. الرابع: أنه نعتٌ لـ ((اللهم)) على الموضعِ فلذلك نُصِب، وهذا ليس مذهب سيبويه، فإنَّ سيبويه(٥) لا يُجِيزُ نَعْتَ هذه اللفظةِ لوجودِ الميم في آخِرِها، لأنها أَخْرَجَتْها عن نظائرها من الأسماءِ، وأجازَ المبرد(٦) ذلك، واختارَه الزجاج (٧) قالا: لأنَّ الميمَ بدَلٌ من ((يا)) (١) معاني القرآن وإعرابه ٣٩٥/١. (٢) الأصل: ((لا اللهم)) و ((لا)) مقحمة سهواً. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في مشكل ابن قتيبة ١٤٢؛ وغريب الحديث ٢٥٤/٢؛ والبحر ٤١٦/٢، واللسان: دسم، وأساس البلاغة ٢٧١/١. والدسم: الدنس. (٤) لم أقف عليه . (٥) الكتاب ٣١٠/١. (٦) المقتضب ٢٣٩/٤. (٧) معاني القرآن ٣٩٧/١. ٩٩ - آل عمران بـ والمنادى مع ((يا)) لا يمتنعُ وَصْفُه فكذا مع ما هو عوضٌ منها، وأيضاً فإنَّ الإِسِمَ لم يتغيِّرْ عن حكمِه، ألا تَرَى إلى بقائه مبنياً على الضم كما كانَ مبنياً مع «یا)» . وانتصرَ الفارسي: [لسيبويه] بأنه ليسَ في الأسماءِ الموصوفةِ شيءٌ على حَدِّ ((اللهم)) فإذا خالَفَ ما عليه الأسماءَ الموصوفَةَ ودخل في حَيِّزِ ما لا يُوصَفُ من الأصواتِ وَجَبَ ألَّ يوصَفَ، والأسماءُ المناداةُ المفردةُ المعرفةُ القَياسُ ألَّ توصفَ كما ذهب إليه بعضُ الناسِ لأنها واقعةٌ موقعَ ما لا يُوصف. وكا أنه لمَّا وَقَع موقعَ ما لا يُعْرَبُ لم يُعْرَبْ، كذلك لَمَّا وَقَعَ مَوْقِعَ مَا لا يُوْصَفُ لِم يُؤْصَفْ. فأما قوله(١): ١٢١٦- يا حِكُمُ الوارِثُ عن عبد الملك وقوله(٢): سُرَادِقُ المجدِ عليكِ مَمْدُودْ ١٢١٧ - يا حَكَمُ بنَ المنذرِ بَنَ الجارودْ و [قوله](٣): يا عُمَزُ الجَوادا ١٢١٨- (١) البيت لرؤية وهو في ديوانه ١١٨، وبعده: أَوْدَيْتَ إنْ لم تَحْبُ حَبْوَ المعتنك والإنصاف ٦٢٨؛ وأمالي الشجري ٢٩٩/٢. وأوديت: هلكت، تحب: تمنح، والمعتنك: البعير كُلِّف أن يصعد في صعب الرمل. (٢) البيت للحكم بن المنذر العبدي، وهو أيضاً في ملحق ديوانه رؤية ١٧٢؛ والكتاب ٣١٣/١؛ وابن يعيش ٥/٢. واللسان: سردق .. (٣) البيت لجرير وتمامه : فما کعبُ بن مامةً وابن سعدى بأجود منك وهو في ديوانه ١٣٥؛ وأوضح المسالك ٨٠/٣؛ والهمع ١٨٦/١؛ والدرر ٠١٥٣/١ : ١٠٠