النص المفهرس

صفحات 1-20

الدُُّ المُصُونْ
في عُلُمُ الْكِتَابِ المَكْتُون
تأليف
أَحْمَدِ بْنِ يُوسُفْ المَعْرُوفِّ بِالسَّمِيْنِ الجَلَبِيّ
المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
تحقیق
الدّكتور أحمد محَمّد الخراط
الأسْنَاذ المُشَارِكِ تَجَامِعَةِ الإمَامْ مَّد بْ سُعُود الإِسِلَامَّة
الَعْهَد العَالِى لِلدّعَوَة الإسلاميّة - الَدِيْنَة المُنُورَة
اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف
الجزء الثالث
دار القلم
ومشوع

سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله تعالى: ﴿أَلم﴾: قد تقدَّم الكلامُ على هذا مشبعاً، ولكنْ
نَقَل الجرجانيُّ هنا أن ((ألم)) إشارةٌ إلى حروفِ المعجمِ كأنه يقول: هذه
الحروفُ كتابُك أو نحوُ هذا، ويدلَّ: ((لا إله إلا هو الحيُّ القيومِ نَزَّلَ عِليك
الكتابَ)) على ما تَرَكَ ذِكْرَه من خبرِ هذه الحروفِ، وذلك في نَظْمِه مثلُ قولِه
تعالى: ((أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَه للإِسلام فهو على نورٍ من ربِّه))(١) وتركَ
الجوابَ لدلالةِ قولِه: ((فويلٌ للقاسيةِ قلوبُهم من ذكرِ الله)) عليه تقديرُه: كَمَنْ
قسا قلبُه، ومنه قولُ الشاعر(٢):
عليكم ولكنْ خامِري أمُّ عامِ
١١٥٦- فلا تَدْفِنوني إنَّ دَفْني مُحَرَّمٌ
أي: ولكن اتركوني للتي يقال لها ((خامري أم عامر)). انتهى.
قال ابنُ عطية(٣): يَحْسُن في هذا القول / - يعني قولَ الجرجاني - أن [١٢٢/ب]
(١) الآية ٢٢ من الزمر.
(٢) البيت للشنفرى، وينسب أيضاً للأخطل وليس في ديوانه، وهو في ذيل الأمالي ٣٦؛
وأمالي المرتضى ٧٢/٢؛ ومشكل ابن قتيبة ٢٢١؛ والبحر ٣٧٧/٢. وخامري: من
الخمر وهو الستر؛ وأم عامر: الضبع.
(٣) المحرر ٦/٣.

- آل عمران -
يكون ((نَزَّل)) خبرَ قولِه ((الله)) حتى يرتبطّ الكلامُ إلى هذا المعنى)). قال
الشيخ(١) ((وهذا الذي ذكره الجرجاني فيه نظرً، لأنَّ مُثُلَه ليست صحيحة الشبهِ
بالمعنى الذي نحا إليه، وما قاله في الآية محتملُ، ولكنَّ الأبرعَ في الآية أن
((ألم)) لا تَضُمَّ ما بعدها إلى نفسها في المعنى، وأن يكونَ قولُه: ((الله لا إله
إلا هو الحي القيوم)» كلاماً مبتدأ جزماً جملةً رادَّةً على نصارى نَجْران)». قلت:
هذا الذي ردُّه الشيخ على القاضي الجرجاني هو الذي اختاره الجرجاني
وتبجِّج به، وجَعَله أحسنَ الأقوالِ التي حكاها في كتابه ((نظم القرآن)).
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾: يجوزُ أَنْ تكون هذه الجملةُ
خبرَ الجلالة و((نَزَّل عليك)) خبرٌ آخرُ، ويجوزُ أن تكونَ ((لا إله إلا هو)) معترضةً
بين المبتدأ وخبرِه، ويجوزُ أن تكونَ حالاً. وفي صاحبها(٢) احتمالان،
أحدهما: أن يكونَ الجلالةَ، والثاني: أن يكونَ الضميرَ في ((نَزَّل)) تقديره نزَّل
عليك الكتاب متوحِّداً بالربوبية. ذكره مكي(٣). وأولُ الأقوال أَوْلاها.
وقرأ جمهورُ الناس: ((أَلَمَّ الله)) بفتح الميم وإسقاطِ همزةِ الجلالةِ،
واختلفوا في فتحةِ هذه الميمِ [على أقوالٍ](٤) أحدُها: أنها حركةُ التقاءِ
ساكنين، وهو مذهبُ سيبويه(٥) وجمهورِ الناسِ. فإنْ قيلَ: أصلُ التقاءِ
الساكنين الكسرُ فلِمَ عَدَلَ عنه؟ فالجوابُ أنهم لو كسروا لكانَ ذلك مُفْضِياً إلى
ترقيقِ لامِ الجلالةِ والمقصودُ تفخيمُها للتعظيمِ فأُوثر الفتحُ لذلك. وأيضاً
فقبلَ الميمِ ياءُ وهي أختُ الكسرةِ، وأيضاً فقبل هذه الياءِ كسرةً فلو كَسَّرْنا
(١) البحر ٣٧٧/٢.
(٢) الأصل: «صاحبه)» وهو سهو.
(٣) المشكل ١٢٤/١.
(٤) بياض في الأصل، وما أثبتنا من: ب.
(٥) الكتاب ٢٧٥/٢ .
٦

- آل عمران -
الميمَ الأخيرةَ لالتقاءِ الساكنينِ لتوالَى ثلاثةُ متجانساتٍ فحرُّكوها بالفتحِ كما
حَرَّكوا في نحو ((مِنَّ الله))، وأمَّا سقوطُ الهمزةِ فواضحٌ وبسقوطها التقى
الساكنان .
الثاني: أنَّ الفتحةَ لالتقاءِ الساكنين أيضاً، ولكنْ الساكنان هما الياء التي
قبلَ الميمِ والميُ الأخيرةُ، فَحُرِّكت بالفتحِ لئلا يلتقي ساكنان، ومثلُه: أين
وكيف وكَيْتَ وذَيْتَ وما أشبهه، وهذا على قولِنا إنه لم يُنْوَ الوقفُ على هذه
الحروفِ المقطّعة، وهذا بخلافِ القولِ الأولِ فإنّه مَنْوِيٌّ فيه الوقفُ على
الحروفِ المقطّعةِ فَسَكَنَتْ أواخرُها وبعدها ساكنٌ آخرُ وهو لامُ الجلالةِ، وعلى
هذا القولِ الثاني ليس لإسقاطِ الهمزةِ تأثيرٌ في التقاء الساكنين بخلافِ الأولِ
فإِنَّ التقاء الساكنينِ إنما نَشَأَ مِنْ حَذْفِها دَرْجاً.
الثالث: أنَّ هذه الفتحةَ ليسَتْ لالتقاء الساكنين، بل هي حركةُ نقل
أي: نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ التي قبلَ لامِ التعريفِ على الميمِ الساكنةِ نحو: ((قَدَ
أفلح))(١) وهي قراءةُ ورشٍ وحمزةَ في بعض طُرُقه في الوَقْفِ وهو مذهبُ
الفراء (٢)، واحتجَّ على ذلك بأن هذه الحروفَ النيةُ بها الوقفُ، وإذا كان النيةُ
بها الوقفَ فَتَسْكُنُ أواخرُها، والنيةُ بما بعدها الابتداءُ والاستئنافُ، فكأنَّ همزةَ
الوصلِ جَرَتْ مجرى همزةِ القطعِ إذ النيةُ بها الابتداءُ وهي تْبُتُ ابتداءً ليس
إلّ، فلمَّا كانت الهمزةُ في حكمِ الثابتةِ وما قبلها ساكنٌ صحيحٌ قابلٌ لحركتها
خَفَّفوها بأَنْ ألقَوا حركتها على الساكنِ قبلها.
وقد رَدَّ بعضُهم قولَ الفراء بأنَّ وَضْع هذه الحروفِ على الوَقْف
لا يُوجِبُ قَطْعَ ألفِ الوصلِ وإثباتها في المواضعِ التي تسقُط فيها، وأنتَ إِذا
(١) الآية ١ من المؤمنين.
(٢) لم أجد لهذا الرأي أثراً في إعرابه للقرآن.
٧

- آل عمران -
أَلْقَيْتَ حركتها على الساكنِ قبلَها فقد وَصَلْتَ الكلمةَ التي هي فيها بما قبلَها
وإنْ كان ما قبلها موضوعاً على الوقفِ، فقولُك: ((ألقيتُ حركته عليه)» بمنزلة
قولك ((وصلتُه)) ألا ترى أنك إذا خَفَّفْتَ ((مَنْ أَبوكُ)) قلت: ((مَنَ بُوك) فَوَصَلْتَ،
ولو وقفْتَ لم تُلْقِ الحركةَ عليها، وإذا وصلْتَها بما قبلها لَزِمِ إسقاطِها، وكان
إثباتُها مخالفاً لأحكامِها في سائرٍ متصرَّفاتها.
قلت: هذا الردُّ مردودٌ بأنَّ ذلك مُعَامَلٌ معاملة الموقوفِ عليه والابتداءُ
بما بعده، لا أنه موقوفَّ عليه ومبتدأٌ بما بعدَه حقيقةً حتى يَرُدَّ عليه بما ذكره.
وقد قَوَّى جماعةٌ قولَ الفراءِ بما حكاه سيبويه(١) مِنْ قولهم: ((ثَلَثَهَرْبَعَةِ)»
والأصلُ: ثلاثة أربعة، فلمَّا وُقِف على ((ثلاثة)) أُبْدِلَتِ التاءُ هاءً كما هو اللغةُ
المشهورةُ، ثم أُجْري الوصلُ مُجْرِى الوقفِ، فَتَرَكَ الهاءَ على حالِها في
[١٢٣/أ] الوصل، ثم نَقّل حركةً / الهمزة إلى الهاءِ فكذلك هذا.
۔
وقد رَدِّ بعضُهم هذا الدليلَ، وقال: الهمزةُ في ((أربعة)) همزةُ قطعٍ،
فهي ثابتةُ ابتداءً ودَرْجاً، فلذلك نُقِلَتْ حركتُها بخلافٍ همزةُ الجلالة فإنها
واجبةُ السقوطِ فلا تستحقُّ نَقْلَ حركتها إلى ما قبلها، فليس وزان ما نَحْن فيهِ.
قلتُ: وهذا من هذه الحيثيةِ صحيحٌ، والفرقُ لائحٌّ ؛ إلا أَنَّ حظّ الفراء منه أنه
أَجْرى فيه الوصلَ مُجْرِى الوقفِ من حيث بقيت الهاءُ المنقلبةُ عن التَاءِ وَضْلاً
لا وقفاً واعتدَّ بذلك، ونَقَلَ إليها حركةَ الهمزةِ وإنْ كانَتْ همزةَ قطعٍ .
وقد اختار الزمخشري(٢) مذهبَ الفراء، وسَأَلَ وأجابَ فقال: «ميم حقّها
أن يُوقَفَ عليها كما يُوقَفُ على ألف ولام، وأَنْ يُبتدأ ما بعدها كما تقول: واحدْ
إثنان، وهي قراءةُ عاصم (٣)، وأمَّا فتحُها فهي حركةُ الهمزةِ أُلْقِيَتْ عليها حين
(١) الكتاب ٣٤/٢.
(٢) الكشاف ٤١٠/١.
(٣): السبعة ٢٠٠؛ الكشف ٣٣٤/١.
٨

- آل عمران -
أُسْقِطَتْ للتخفيفِ. فإنْ قلت: كيف جازَ إلقاءُ حركتِها عليها وهي همزةُ
وصلٍ، لا تَثْبُتُ في دَرْجِ الكلام فلا تَثْبُتُ حركتُها لأنَّ ثباتَ حركتِها كثباتِها؟
قلت: هذا ليسَ بدَرْجٍ، لأنَّ ميم في حكمِ الوَقْف والسكونِ، والهمزةُ في
حكمِ الثابتِ، وإنما حُذفت تخفيفاً، وأُلْقِيَتْ حركتُها على الساكنِ قبلَها لتدلُ
عليها، ونظيره: ((واحدِ اثنان)) بإلقائهم حركةَ الهمزةِ على الدالِ)).
قال الشيخ(١): ((وجوابُه ليس بشيءٍ لأنه ادَّعى أنَّ الميمَ حين حُرِّكتْ
موقوفٌ عليها، وأن ذلك ليس بدَرْجٍ ؛ بل هو وقفٌ، وهذا خلافُ ما أَجْمعت
عليه العربُ والنحاةُ من أنه لا يُوقف على متحركٍ البتةَ سواءً كانت حركتُه
إعرابيةً أم بنائيةً أم نقليةٌ أم لالتقاءِ الساكنين أم للإِتباع أم للحكاية، فلا يجوزُ
في ((قد أفلح)) إذا حَذَفْتَ الهمزة ونَقَلْتَ حركتها إلى دالِ ((قد)) أَنْ تَقِفَ على
دال ((قد)) بالفتحةِ، بل تُسَكُّنها قولاً واحداً. وأمَّا قوله: ((ونظيرُ ذلك ((واحدٍ
اثنان)) بإلقاءِ حركة الهمزة على الدال، فإنَّ سيبويه(٢) ذكر أنهم يُشِمُّون آخر
(واحدٍ)) لتمكُّنِهِ، ولم يَحِثْ الكسرَ لغةً، فإنْ صَحِّ الكسرُ فليس ((واحد)) موقوفاً
عليه كما زعم الزمخشري، ولا حركتُه حركةُ نقلٍ من همزة الوصلِ ، ولكنه
موصولّ بقولهم: اثنان، فالتقى ساكنان: دالُ واحد وثاءُ اثنين فكُسِرتِ الدالُ
لالتقاءِ الساكنين، وحُذِفتْ همزةُ الوصل لأنها لا تَثْبُتُ في الوصل.
قلت: ومتى ادَّعى الزمخشري أنه يُوقف على ميم مِنْ: ألف - لام -
ميم - وهي متحركةٌ، حتى يُلْزِمَه بمخالفةِ إجماعِ العربِ والنحاةِ، وإنما ادَّعى
الرجلُ أن هذا في نيةِ الموقوفِ عليه قبلَ تحريكِه بحركة النقلِ ، لا أنه نُقِل إليه، ثم
(١) البحر ٣٧٥/٢.
(٢) الكتاب ٣٤/٢.
٩

- آل عمران -
وُقِف عليه، هذا لم يَقُلْهِ البتةَ ولم يَخْطُرْ له (١)، ثم قال الزمخشري(٢): ((فإِنْ
قلت: هَلَّ زعمتَ أنها حركةٌ لالتقاء الساكنين. قلت: لأنَّ التقاء الساكنين
لا يُبالى به في بابِ الوقف، وذلك قولك: هذا إبراهيمُ وداود وإسحاق، ولو
كان التقاء الساكنين في حالٍ الوقفِ بوجِبُ التحريكَ لحُرِّكَ الميمان في ألف
لام ميم لالتقاء الساكنين ولَما انتظر ساكنٌ آخرُ)).
قال الشيخ(٣): ((وهو سؤالٌ صحيحٌ وجوابٌ صحيحٌ، لكن الذي قال:
((إنَّ الحركةَ هي لالتقاء الساكنين)) لا يَتَوَهَّم أنه أرادَ التقاء الياء والميم من
((ألم) في الوقفِ، وإنّما عَنَى التقاء الساكنين اللذيْن هما ميم ميم الأخيرة
ولامُ التعريف كالتقاءِ نون ((مِنْ)) ولامِ الرجل إذا قلت: من الرجل)). قلت: هذا
الوجهُ هو الذي قَدَّمُتْه عن بعضهم وهو مكيٌّ(٤) وغيرُه.
ثم قال الزمخشري(٥): ((فإنْ قلت: إنما لم يُحَرِّكوا لالتقاء الساكنين في
ميم؛ لأنهم أرادوا الوقفَ وأَمْكنهم النطقُ بساكنين، فإذا جاء ساكنٌ ثالثٌ لم يكن
إلا التحريكُ فحرَّكوا. قلت: الدليلُ على أنَّ الحركةَ ليست لملاقاة الساكنِ أنه
كان يمكِنُهم أَنْ يقولوا: واحد اثنان بسكونِ الدالِ مع طَرْحِ الهمزةِ فجمعوا
بين ساكنين كما قالوا: ((أُصَيْمٌ)) و((مُدَيْقٌّ))(٦) فلمّا حَرَّكوا الدالَ عُلِمٍ أَنَّ حَرَكَتِها
هي حركةُ الهمزةِ الساقطة لا غيرُ، وأنها ليسَتْ لالتقاءِ ساكنين)).
قال الشيخ(٧): (وفي سؤاله تعميةٌ في قوله: ((فإنْ قلتَ: لم يُحَرِّكوا
(١) في ب: ((له بيال)).
(٢) الكشاف ٤١٠/١.
(٣) البحر ٣٧٥/٢.
(٤) المشكل ١٢٣/١.
(٥) الكشاف ٤١٠/١.
(٦) انظر: الكتاب ١٠٧/٢.
(٧) البحر ٣٧٦/٢.
١٠

- آل عمران -
لالتقاءِ الساكنين)) ويَعْني بالساكنين: الياء والميم، وحينئذٍ يجيءُ التعليلُ
بقوله: ((لأنهم أرادوا الوقفَ وأمكنَهم النطقُ بساكنين)) يعني الياء والميم. ثم
قال: ((فإذا جاء ساكنٌ ثالثٌ - يعني لامَ التعريف - لم يكُنْ إلا التحريكُ
- يعني في الميم -، فحرَّكوا - يعني الميم - لالتقائِها ساكنةً مع لامِ التعريفِ،
إذ لو لم يحرِّكوا لاجتمعَ ثلاثةُ سواكنَ وهو لا يمكنُ. هذا شرحُ السؤال،
وأمَّا جوابُ الزمخشري عن سؤالِه فلا يُطابق، لأنه استدلَّ على أنَّ الحركةَ ليسَتْ
لملاقاةِ ساكنٍ بإمكانيةِ الجَمْعِ بين ساكنين في قولهم: واحد اثنان بأَنْ سكَّنوا
الدالَ والثاءُ ساكنةٌ وتسقطُ الهمزةُ، فعدَلوا عن هذا الإِمكان إلى نقلِ حركةٍ
الهمزة على الدال، وهذه مكابرةً في المحسوسِ لا يمكنُ ذلك أَصْلاً، ولا هو
في قدرةِ البشر أن يَجْمعوا في النطقِ بين سكونِ الدالِ وسكونِ الثاء وطرحٍ
الهمزة .
وأمّا قوله: ((فَجَمعوا بين ساكنين)) فلا يُمكن الجَمْعُ كما قلناه.
وأمّا قوله كما قالوا: ((أُصَيْمُّ ومُدَيُّقٌّ)) فهذا ممكنٌ، كما هو في: رادِّ وضالٌّ؛ لأنَّ
في ذلك التقاء الساكنين / على حدِّهما المشروطِ في النحوِ فَأَمْكَنَ ذلك، [١٢٣/ب]
وليس مثلَ ((واحد اثنان))؛ لأنَّ الساكنَ الأولَ ليسَ حرفَ مد ولا الثاني مدغمٌ
فلا يمكنُ الجمعُ بينهما. وأمَّا قولُه ((فلمَّا حركوا الدالَ عُلِمَ أَنَّ حركتها هي
حركةُ الهمزةِ الساقطةِ لا غيرُ وليسَتْ لالتقاء الساكنين)» لَمَّا بَنى على أنَّ الجمعَ
بين الساكنين في ((واحدْ اثنان)) ممكنٌ، وحركةُ التقاء الساكنين إنما هي فيما
لا يمكِنُ أن يجتمعا فيه في اللفظ، ادَّعى أنَّ حركةَ الدالِ هي حركةُ الهمزةِ
الساقطةِ .
قلت: هذا الذي رَدَّ به عليه صحيحٌ، وهو معلومٌ بالضرورة إذ لا يمكن
النطقُ بما ذَكَر. وقد انتصر بعضُهم لرأي الغرَّاء واختيارِ الزمخشري بأنَّ هذه
الحروفَ جيء بها لمعنَّى في غيرها كما تقدَّم في أولِ البقرة عند بعضهم
١١

- آل عمران
فأواخِرها موقوفةٌ، والنيةُ بما بعدها الاستئنافُ، فالهمزةُ في حكمِ الثَّبَاتِ كما
في أنصاف الأبيات كقول حسان(١):
١١٥٧- لَتَسْمَعُنَّ وشيكاً في ديارِهُمُ
أللهُ أكبرُ يا ثاراتٍ عثمانًا
ورجَّحَهُ بعضُهم أيضاً بما حُكي عن المبردِ أنه يجيز: ((الله أكبر الله أكبر))
بفتحِ الراء الأولى قال: ((لأنهم في نية الوقف على (أكبر)) والابتداءٍ بما بعده،
فلمَّا وصلوا مع قَصْدِهمِ التنبيهَ على الوقفِ على آخرِ كلِّ كلمةٍ من كلماتٍ
التكبير نقلوا حركةَ الهمزةِ الداخلةِ على لام التعريف إلى الساكنِ قبلها التفاتاً
لما ذَكَر من قصدهم(٢)، وإذا كانوا قد فَعَلوا ذلك في حركاتِ الإِعرابِ وأتوا
بغيرها مع احتياجهم إلى الحركةِ مِنْ حيثُ هي فلأنْ يفعلوا ذلك فيما كان
موقوف الأخیرِ من باب أولى وأُخْری.
الرابع: أن تكونَ الفتحةُ فتحةَ إعرابٍ على أنه مفعولٌ بفعلٍ مقدر أي :
اقرؤوا ألم، وإنما منعه من الصرفِ للعلَمِيَّةِ والتأنيثِ المعنوي إذا أُريد به اسمُ
السورة نحو: قرأت هود، وقد قالوا هذا الوجهَ بعينه في قراءةٍ مَنْ قرأ: ((صَادَ
والقرآن))(٣) بفتحِ الدال، فهذا يجوزُ أن يكونَ مثلَه.
الخامس: أنَّ الفتحةَ علامةُ الجر، والمرادُ بألف لام ميم أيضاً السورةُ،
وأنها مُقْسَمٌ بها، فَحُذِفَ حرفُ القسم وبقي عملُه وامتنعَ من الصرفِ
لِمَا تقدَّم، وهذا الوجهُ أيضاً مقولٌ في قراءةٍ مَنْ قرأ: صادَ بفتح الدال، إلا أنّ
(١) ديوانه ٩٧؛ والمنصف ٦٨/١؛ واللسان: ثار؛ ورصف المباني ٤١. ووشيكاً: سريعاً؛
باثارات فلان: أي: يا أهل ثاراته المطالبين بدمه.
(٢) أي أنهم لو حركوا الراء بالضم لفات غرضهم ولكان وصلاً عادياً، إنما غيروا الحركة
لينبهوا على قصد الوقف .
. (٣) الآية ١ - ٢ من سورة ص وهي قراءة عيسى بن عمر كما في شواذ القراءات ١٢٩.
١٢

- آل عمران -
القراءةَ هناك شاذةً وهنا متواترةٌ، والظاهرُ أنها حركةُ التقاءِ الساكنين؛ كما هو
مذهبُ سيبويهِ وأتباعِه .
السادس: قال ابن كيسان: ((ألفُ الله، وكلُّ ألفٍ مع لامِ التعريف ألفُ
قَطْعٍ بمنزلة ((قد))، وإنما وُصِلَتْ لكثرة الاستعمالِ، فَمَنْ حَرََّكَ الميمَ ألقى
عليها حركةَ الهمزةِ التي بمنزلةِ القاف من ((قد)) من ((الله)) ففتحها (١) بفتحةٍ
الهمزةٍ، نقله عنه مكي(٢). فعلى هذا هذه حركةُ نقلٍ من همزة قطع، وهذا
المذهبُ هو مشهورٌ عن الخليلِ بن أحمد(٣)، حيث يَعْتقد أنَّ التعريف حَصَلّ
بمجموع ((أل)) كالاستفهامِ يَحْصُل بمجموع هل، وأنَّ الهمزةَ ليست مزيدةً،
لكنه مع اعتقادِه ذلك يوافِقُ على سقوطها في الدَّرْجِ إجراءً لها مُجْرى همزة
الوصل لكثرة الاستعمال ، ولذلك قد ثبتَتْ ضرورةً، لأنَّ الضرورةَ تَرُدُّ الأشياءَ
إلى أصولها. وللبحثِ في ذلك مكانٌ هو أليقُ به منه منا.
وَلَمَّا نَقَل أبو البقاء هذا القولَ ولم يَعْزُه قال(٤): «وهذا يَصِحُّ علی قولٍ
مَنْ جَعَل أداةَ التعريف ((أل)) يعني الخليل لأنه هو المشهورُ بهذه المقالةِ. وقد
تقدَّم النقلُ عن عاصم أنه يقرأ بالوقف على ميم، ويبتدىء بالله لا إله إلا هو،
كما هو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري(٥) عنه، وغيرُه يَحْكي عنه أنه يُسَكِّنُ المِيمَ
ويقطَعُ الهمزةَ من غير وقفٍ منه على الميم، كأنه يُجْري الوصلَ مُجْرى
الوقفِ، وهذا هو الموافقُ لغالبِ نقلِ القُرَّاء عنه.
(١) أي: فتح الميم.
(٢) المشكل ١٢٣/١.
(٣) انظر في هذه المسألة: كتاب اللامات للزجاجي ١٨؛ والمنصف ٦٥/١.
(٤) الاملاء ١٢٢/١.
(٥) الكشاف ٤١٠/١.
١٣

- آل عمران -
وقرأ عمروبن عبيد فيما نَقَل الزمخشري (١)، والرؤاسي فيما نَقَل
ابن عطية (٢)، وأبو حيوة: ((المِ الله)) بكسرِ الميم. قال الزمخشري: ((وما هي
بمقبولةٍ) والعجبُ منه كيف تَجرَّأَ على عمروبن عبيد وهو عندَهُ معروفُ
المنزلة، وكأنه يريد وما هي مقبولةً عنه أي: لم تَصِحَّ عنه، وكأن الأخفش
لم يَطَّلِعَ على أنها قراءةً فقال: ((لوكُسِرَتْ الميمُ لالتقاء الساكنين فقيل: ((ألم.
الله)) لجاز)).
قال الزجاج(٣): ((وهذا غلطّ من أبي الحسن، لأنَّ قبلَ الميمِ يَاءً
مكسوراً ما قبلها فحقُّها الفتحُ لالتقاءِ الساكنين لثِقَل الكسرِ مع الياء، وهذا وإنْ
كان كما قاله، إلاّ أنَّ الفارسيّ انتصر لأبي الحسن، وردّ على أبي إسحاق رَدَّه
فقال: ((كسرُ الميمِ لو وَرَدَ بذلك سماعُ لم يَدْفَتْه قياسٌ، بل كان يُثْتِه ويُقَوِّيه
لأنَّ الأصلَ في التحريكِ لالتقاءِ الساكنين الكسرُ، وإنما يُبْدَلُ إلى غير ذلك لما
يَعْرِضُ من علةٍ وكراهةٍ، فإذا جاء الشيء على بابه فلا وجه لردِّه ولا مساغَ
لدَفْعِه، وقولُ أبي إسحاق ((إنَّ ما قبلَ الميم ياءٌ مكسورٌ ما قبلها فَحقُّها الفتحُ»
منقوضٌ بقولهم: ((جَيْرِ) و ((كان من الأمر ذَيْتِ وذِنْتٍ وَكَيْتٍ وَكِيْتٍ)) فَحُرِّك الساكنُ
بعد الياءِ بالكسرِ(٤)، كما حُرِّكَ بعدَها بالفتحِ في ((أَيْنَ))، وكما جاز الفتحُ بعد
الياء في قولهم: ((أَيْنَ)) كذلك يجوز الكسرُ بعدها كقولهم جَيْر، ويدلُّ على
جوازِ التحريكِ لالتقاء الساكنين بالكسرِ فيما كان قبله ياءُ جوازُ تحريكه بالضم
نحو قولهم: حيثُ، وإذا جازَ الضمُّ كان الكسرُ أجوزَ وأسهلَ.
(١) الكشاف ٤١٠/١؛ وانظر: شواذ القراءات ١٩.
(٢) المحرر ٨/٣.
(٣) معاني القرآن ٣٧٣/١
(٤) ولكن يبقى فرق بين المسألتين حيث إنَّ ما قبل الياء مكسور في ألم، أما ((جَيْروذيت
وكيت)) فلم أجد في كتب اللغة غير فتح ما قبل الياء.
١٤

- آل عمران -
آ. (٣) قوله تعالى: ﴿نَزَّل عليك الكتابَ﴾: العامَّةُ على التشديدِ
في ((نَزَّل)) ونصبٍ ((الكتاب)). وقرأ(١) الأعمش والنخعيّ وابن أبي عبلة: نَزَّلَ
بتخفيف الزاي ورفعِ الكتاب، فأمّا القراءة الأولى فقد تقدَّم أن هذه الجملةً
/ يُحتمل أن تكونَ خبراً وأن تكونَ مستأنفةً. وأمّا القراءةُ الثانيةُ فالظاهرُ أنَّ [١/١٢٤]
الجملة فيها مستأنفةٌ، ويجوزُ أن تكونَ خبراً، والعائدُ حينئذٍ محذوفٌ، تقديرُه:
نَزَل الكتابُ من عنده .
قوله: ((بالحقِّ)) فيه وجهان، أحدُهما: أن تتعلَّقَ الباءُ بالفعل قبلها والباءُ
حينئذٍ للسببية، أي: نَزَّله بسبب الحق. والثاني: أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها
حالٌ: إمَّا من الفاعلِ أي: نَزّله مُحِقّاً، أو من المفعولِ أي: نَزَّله ملتبساً
بالحقِّ نحو: جاء بكرٌ بثيابه أي: ملتبساً بها .
وقال مكيّ (٢): ((ولا تتعلَّقُ الباءُ بنَزَّلَ لأنه قد تَعَدَّى إلى مفعولين، أحدُهما
بحرفٍ فلا يتعدى إلى ثالثٍ)) وهذا الذي ذَكَّرَه مكيَّ غيرُ ظاهر، فإنَّ الفعلَ
يتعدَّى إلى متعلِّقاته بحروفٍ مختلفة على حَسَب ما يكونُ، وقد تقدم أنَّ معنى
الباء السببيةُ، فأيُّ مانع يمنع من ذلك؟.
قوله: ((مُصَدِّقً) فيه أوجه، أحدُهما: أَنْ يَنْتَصِبَ على الحالِ من
(الكتاب))، فإنْ قيل إنَّ ((بالحق)) حالٌ كانَتْ هذه حالاً ثانية عند مَنْ يُجيز تعدُّد
الحالِ، وإنْ لم يُقَلْ ذلك كانت حالاً أولى. الثاني: أن ينتصِب على الحالِ
على سبيلِ البدلية من محلِّ ((بالحق)) وذلك عند مَنْ يمنعُ تعدُّد الحالِ في غير
عطفٍ ولا بدلية. الثالث: أن ينتصِبَ على الحالِ من الضميرِ المستكنِّ في
((بالحق)) إذا جعلناه حالاً، لأنه حينئذٍ يتحمَّلُ ضميراً لقيامِه مقامَ الحالِ التي
(١) الشواذ ١٩؛ البحر ٣٧٧/٢؛ وابراهيم النخعي بن يزيد الكوفي توفي سنة ٩٦. انظر:
الطبقات ٢٩/١.
(٢) المشكل ١٢٤/١.
١٥

- آل عمران -
تتحمُّلُه، وتكونُ حالاً متداخلةً أي: إنها حالٌ من حال، وعلى هذه الأقوال
كلِّها فهي حالٌ مؤكِّدةٌ، لأنه لا يكون إلا كذلك، فالانتقال غيرُ متصوَّرٍ فيه،
وهو نظير قوله(١):
١١٥٨- أنا ابنُ دارةً معروفاً بها نسبي
وهَلْ بدارَةً يَا لَلْناسِ مِنْ عَارِ
قوله ((لِما بين يديه)) مفعولٌ لمصدِّقا، وزيدت اللامُ في المفعول تقويةٌ
للعامل لأنه فرعْ، إذ هو اسمُ فاعلِ كقوله تعالى: ((فَعَّال لِما يريد))(٢)
وإنما ادَّعَيْنا ذلك لأنَّ هذه المادةَ متعدِّية بنفسِها.
قوله: ((التوراة والإنجيل)) اختلفَ الناسُ في هاتين اللفظتين: هل
يَدْخُلُهما الاشتقاق والتصريف أم لا يدخلانهما لكونهما أعجميين؟ فذهب
جماعةٌ كالزمخشري (٣) وغيرُه إلى الثاني. قالوا: لأنَّ هذين اللفظين اسمان
عِبرانيَّان لهذينِ الكتابَيْنِ الشريفين. قال الزمخشري (٤): ((وتَكَلَّفُ اشتقاقِهما
من الوَرَىْ والنَّجْلِ، ووزنُهما بتَفْعِلة وإفْعِيل إنما يَثْبُتُ بعد كونهما عربيين».
[قال الشيخ(٥): ((وكلامُه صحيح، إلا أن فيه استدراكاً وهو قوله: تَفْعِلَةِ،
ولم يذكُرْ مذهب البصريين](٦) وهو أنَّ وزنَها فَوْعَلِة، ولم ينبِّهِ على تَفْعِلَة: هل
هي بكسر العين أو فتحها)» قلت: لم يُخْتج إلى التنبيه لشهرتهما، وإنما ذكر
المستغربَ. ويؤيدُ ما قاله الزمخشري من كونها أعجميةً ما نقله الواحدي،
(١) تقدم برقم ٦١٥.
(٢) الآية ١٠٧ من هود.
(٣) الكشاف ٤١٠/١.
(٤) الكشاف ٤١٠/١.
(٥) البحر ٣٧١/٢.
(٦) ما بين معقوفين لم يظهر في المصورة.
١٦

- آل عمران -
وهو أنَّ التوراة والإنجيل والزبور سريانيةُ فَعَرَّبوها قال: ((ولذلك يقولون فيها
بالسريانية: تُوري ايكليونُ زَفوتا)» فعرَّبوها إلى ما ترى.
ثم القائلون باشتقاقهما اختلفوا: فقال بعضُهم: التَّوْرَاة مشتقة من
قولهم: ورِي الزَّنْدُ إذا قَدَح فظهرَ منه نارٌ. يقال ((وَرِيّ الزُّنْدُ)) و((أَوْرَيْتُه أنا)).
قال تعالى: (أفرأيتم النار التي تُورون))(١) فثلاثيُّهُ قاصرٌ ورباعيةُ متعدٍّ. وقال
تعالى: ((فالمُورياتِ قَدْحاً))(٢)، ويقال أيضاً: ((وَرَيْتُ بك زِنادي)» فاستُعْمِلَ
الثلاثيُّ متعدياً، إلا أن المازني يزعم أنه لا يُتجاوز به هذا اللفظ، يعني
فلا يُقاس عليه، فيقال: ((وَرَيْتُ النّارَ)) مثلاً. إذا تقرر ذلك فلما كانت التوراة
فيها ضياءٌ ونورٌ يُخْرَجُ به من الضلال [إلى] الهدى، كما يُخْرَج بالنور من
الظلام إلى النور سُمِّ هذا الكتابُ بالتوراة، وهذا هو قولُ الفراء، وهو مذهبُ
جمهور الناس.
٦
وقال آخرون: بل هي مشتقةٌ من ((وَرَّيْتُ في كلامي)» من التورية وهي
التعريض. وفي الحديث: ((كان إذا أراد سفراً وَرَّى بغيره))(٣)، وسُمِّيَت التوراة
بذلك لأنَّ أكثرها تلويحاتُ ومعاريضُ، وإلى هذا ذهبَ المؤرج السدوسي(٤)
وجماعة .
وفي وزنها(٥) ثلاثةُ أقوالٍ أحدُها : - وهو قولُ الخليل وسيبويه(٦) - أن
(١) الآية ٧١ من الواقعة.
(٢) الآية ٢ من العاديات.
(٣) رواه البخاري في الجهاد (الفتح) ١١٣/٦؛ وابن حنبل ٤٥٦/٣.
(٤) مؤرج بن عمر، سمع من أبي عمرو، وله: غريب القرآن، توفي سنة ١٩٥. انظر:
معجم الأدباء ١٩٧/١٩؛ البغية ٣٠٥/٢.
(٥) انظر: الممتع ٣٨٣.
(٦) لم أقف عليه في الكتاب.
١٧

- آل عمران -
وزنَها فَوْعَلَة، وهذا الوزن قد وردت منه ألفاظ نحو: الدَّوْخَلة (١) والقَوْصرة(٢)
والدَّوْسَرة(٣) والصَّوْمَعَة، والأصل: وَوْرَيَة بواوين، لأنها إمَّا من وَرِي الزَّنْدُ،
وإمَّا من وَرَيْتُ في كلامي، فأُبدلت الواو الأولى تاءً وتحرَّك حرفُ العلةِ وانفتح
ما قبلَه فقُلب ألفاً فصار اللفظُ: تَوْرَاةِ كما ترى، وكُتبت بالياءِ مَنْبَهَةٌ على
الأصل، كما أُميلت لذلك، وقد أَبْدَلَت العربُ التاءَ من الواو في ألفاظ (٤)
نحو: تَوْلَجِ وَيْقور(٥) وتُخَمَة وتُكَأَةَ وتُراث وتُجاه وتُكْلان من: الوُلوج والوقار
والوَخَامة والوكاء والوراثة والوَجْه والوكالة. ونظيرُ إبدال الواو تاءً في التوراة
إبدالُها أيضاً في قولهم لِما تَراه المرأة في الطهر بعد الحيض: ((التِّيَّة)) هي
فَعِيْلَة من لفظ الوراء لأنها تُرى بعد الصُّفْرَةِ والكُدْرَة.
الثاني : - وهو قولُ الفراء - أن وزنَها تَفْعِلَة بكسر العين، فأُبْدِلَتْ
الكسرةُ فتحةً، وهي لغةٌ طائية، يقولون في الناصية: ناصَاة، وفي بَقِي: بَقَى
قال الشاعر(٦):
بحِرْبٍ كناصاة الأَغَرِّ المُشَهَّرِ
وقال آخر(٧):
١١٥٩-
(١) الدوخلة: نسيج من خوص يوضع فيها الثمر.
(٢) القوصرة: وعاء للثمر:
(٣) الدوسرة: الجمل الضخم.
(٤) الممتع ٣٨٣.
(٥) التيقور: الوقار.
(٦) البيت لحريث بن عناب الطائي وصدره:
ألا آذَنَتُ أهلُ اليمامة طَيِّئِيٍّ.
وهو في اللسان: ((نصا))، وما يجوز للشاعر في الضرورة للقيرواني ٢٠.
(٧) البيت لبعض بني بولان من طينىء، وهو في الحماسة ١٠١/١ وصدره:
طاد .
نستوقد النبلَ بالحضيض ونص
والشاهد في قوله ((بُنَتْ)) وهي على اللغة القليلة والمشهور بُنِيَت، وأصلها بُنَات
ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين.
١٨

- آل عمران -
... نفوساً بُنَتْ على الكَرَمِ
١١٦٠-
وأنشد الفراء(١):
١١٦١- وما الدنيا بباقاةٍ علينا وما حيٍّ على الدنيا بباقٍ
وقد ردَّ البصريون ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ هذا البناءَ قليلً جداً
- أعني بناءَ تَفْعِلة - بخلاف فَوْعَلة فإنه كثير، فالحَمْلُ على الأكثر أولى.
والثاني: أنه يلزمُ منه زيادةُ التاءِ أولاً والتاء لم تُزَدْ أولاً إلا في مواضِعَ ليس هذا
منها بخلافٍ قَلْبِها في أولِ الكلمة فإنه ثابت، وذلك(٢) أنَّ الواو إذا وَقَعَتْ أولاً
قُلِبَتْ: إِمَّا همزةً نحو: أُجوه وأُقْتَتْ وَأَحَدَ وأَناة وإشاح وإِعاء في : وجوه ووُقُّتَتْ
ووَحَدَ وَنَاةٍ ووِشاح وِعاء، وإمَّا تاء نحو: تُجاه وتُخَمة ... الخ، فاتَّباع ما
عُهِدَ أَوْلِى من اتَّبَاعِ ما لم يُعْهَدُ.
الثالث: أنَّ وزنَها تَفْعَلَة بفتحِ العين وهو مذهبُ الكوفيين، كما يقولون
في : تَتْفُلة (٣) بالضمِّ / تَتْفَلَة بالفتح، وهذا لا حاجة إليه وهو أيضاً دعوى [١٢٤/ب]
لا دليل عليها.
وأمال(٤) التوراةَ حيث وردَتْ في القرآن إمالة مَحْضَة أبو عمرو
والكسائي وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وأمالها بينَ بينَ حمزةُ وورش عن
نافع، واختلف عن قالون: فُرُوِيَ عنه بينَ بينَ والفتحُ، وقرأها الباقون بالفتح
فقط. وَوَجْهُ الإِمالة إن قلنا بأنَّ ألفَها منقلبةً عن ياء ظاهرً، وإنْ قلنا إنها
أعجمية لا اشتقاق لها فوجهُ الإِمالة شبهُ ألفها لألف التأنيث من حيث وقوعُها
رابعةً فسببُ إمالتها: إِمَّا الانقلابُ وإما شبهُ ألفِ التأنيثِ.
(١) تقدم برقم ١١٠٩.
(٢) انظر: الممتع ٣٣٥.
(٣) التنفلة: الأنثى الصغيرة من الثعالب.
(٤) انظر: السبعة ٢٠١ .
١٩

- آل عمران ــ
والإِنجيل: قيل: إفعيل كإجْفيل(١). وفي وزنه أقوال، أحدها: أنه مشتقّ
من النَّجْلِ وهو الماء الذي يَنُزُّ من الأرض ويَخْرُج منها، ومنه: النَّجْلُ للولد،
وسُمِّي الإِنجيل لأنه مستخرجْ من اللوح المحفوظ. وقيل: من النُّجْل
وهو الأصلُ، ومنه ((النَّجْلُ)) للوالدِ فهو من الأضداد، إذ يُطْلق على الولد
والوالد، قال الأعشى(٢):
١١٦٢ - أَنْجَبُ أَيَّامَ والِداهُ به إذ نَجَلَاء فِنِعْمَ مَا نَجَلا
وقيل: من النَّجَل وهو التوسِعَة، ومنه: العَيْنُ النجلاءُ لسَعَتها، وسُجِّي
الإِنجيلُ بذلك؛ لأن فيه توسعةً لم تكن في التوراة، إذ حُلِّل فيه أشياء كانت
مُحَرِّمةً.
وقيل: هو مشتقٌّ من التّناجل وهو التنازع، يقال: تَنَاجل الناسُ أي:
تنازعوا، وسُمِّي الإِنجيلُ بذلك لاختلاف الناسِ فيه قاله أبو عمرو الشيباني.
والعامَّةُ على كَسْرِ الهمزةِ من ((إنجيل)). وقرأ(٣) الحسنُ بفتحِها. قال
الزمخشري (٤): ((وهذا يَدُلَّ على أنه أعجمي لأنَّ ((أفعيلا)) بفتح الهمزة عديمٌ
في أوزان العرب)). قلت: بخلاف إفعيل بكسرها فإنه موجود نحو: إِجْفيل(٥)
وإخْريط (٦) وإصْليت(٧).
(١) الاجفيل: الجبان.
(٢) الديوان ٢٣٥؛ وأوضح المسالك ٢٣٠/٢؛ والأشموني ٢٧٧/٢؛ والهمع ٥٣/٢؛
والدرر ٦٧/٢.
(٣) البحر ٣٧٨/٢؛ شواذ القراءات ١٩.
(٤) الكشاف ٤١٠/١.
(٥) الإِجفيل: الجبان.
(٦) الإِخريط: اسم نبات
(٧) الإصليت: الشجاع.
٢٠