النص المفهرس
صفحات 701-704
- البقرة - لأنه من كسبهِ في الجملةِ، بخلافِ العقوبةِ فإنه لا يُؤَاخَذُ بها إلا مَنْ جَدَّ فيها واجتهَدَ)). وهذا مبنيٌّ على القولِ بالفرقِ بين البنائين وهو الأظهرُ. قوله: ((لا تُؤَاخِذْنا)) يُقْرأ بالهمزةِ وهو من الأخْذ بالذّنْبِ، ويُقْرَأُ بالواوِ، ويَحْتمل وجهين، أحدُهما: أَنْ يكونَ مِن الأخْذِ أيضاً، وإنما أُبْدِلَتِ الهمزةُ واواً لفتحِها وانضمامِ ما قبلها، وهو تخفيفٌ قياسي، ويَحْتمل أَنْ يكونَ من: واخذه بالواو، قاله أبو البقاء(١). وجاء هنا بلفظِ المفاعلةِ وهو فعلُ واحدٍ، لأنَّ المسيءَ قد أَمْكَنَ من نفسِه وطَرَقَ السبيلَ إليها بفعله، فكأنه أعانَ مَنْ يعاقِبُه بذَنْبِهِ، ويأخذُ به على نفسِهِ فَحَسُنَتْ المفاعَلَةُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ من بابٍ: سافرت وعاقبت وطارقت(٢). وقرأ أُبَيّ (٣): ((ربَّنا ولا تُحَمِّلْ علينا إِصْرأ)) بتشديد الميم. قال الزمخشري (٣): ((فإنْ قلت: أَيُّ فرق بين هذه الشديدةِ والتي في ((ولا تُحَمِّلْنا؟ قلت: هذه للمبالغةِ في حَمَّل عليه، وتلك لنقل ((حَمَلَه)) من مفعولٍ واحدٍ إلى مفعولَيْن)». انتهى يعني أنَّ التضعيفَ في الأولِ للمبالغةِ ولذلك لم يتعدّ إلا لمفعولٍ واحدٍ، وفي الثانية للتعدية، ولذلك تعدَّى إلى اثنين أولُهما ((نا)» والثاني ((ما لا طاقة لنا به)). والإِصْرُ: في الأصل الثَّقَلُ والشِّدَّة. وقال النابغة (٥): والحاملَ الإِصرِ عنهم بعد ما عَرِقُوا ١١٥٢- يا مانعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتُهُمُ (١) الإملاء ١٢٢/١. (٢) طارقت النعل: صيرتها طاقاً فوق طاق، ويعني بهذا الباب أنه بمعنى الثلاثي المهمل فليس فيه مفاعلة أو اشتراك. (٣) شواذ القراءات ١٨؛ البحر ٣٦٩/٢. (٤) الكشاف ٤٠٨/١ . (٥) ديوانه - بيروت - ١٢٩؛ والبحر ٣٤٣/٢؛ والزاهر ٥٩/٢. ٧٠١ - البقرة - وأُطْلِقَ على العهدِ والميثاقِ لِثِقَلِهما، كقوله تعالى: ((وأَخَذْتُمْ على ذلكم إصْري))(١) أي: عَهْدِي. ((ويَضَعُ عنهم إصرَهُمْ))(٢) أي: التكاليف الشاقة ثم يُطْلَقُ على كل ما يَثْقُل، حتى يُرْوى عن بعضِهم أنه فسَّر الإِصرَّ هنا بشماتةٍ الأعداءِ وأنشد(٣): : والموتُ دونَ شماتةِ الْأَعْدَاءِ ١١٥٣- أَشْمَتَّ بيَ الأعداء حینَ هَجَرْتَني ويقال: الإِصْرُ أيضاً: العَطْفُ والقرابةُ، يُقال: ((ما يَأْصِرُني عليه آصِرَةٌ)) أي: ما يَعْطِفُني عليه قرابةٌ ولا رَحِمٌ، وأنشد للحطيئة (٤): ١١٥٤- عَطَفُوا عليَّ بغيراً صِرَةٍ فقد عَظُمَ الأَواصِرْ وقيل: الإِصرُ: الأمرُ الذي تُرْبَطُ به الأشياءُ، ومنه ((الإِصارُ)) للحبل الذي تُشَدُّ به الأحْمَال، يقال: أَصَرَ يأصِرُ أَصْراً بفتحِ الهمزة، فأما بكسرها فهو اسمٌ. ويُقال بضمِّها أيضاً، وقد قُرىء به شاذاً(٥): وقرأ أُبَيّ(٦): (ولا تُحَمِّل علينا)) بالتشديدِ مبالغةً في الفِعْلِ . والطاقَةُ: القُدْرَةُ على الشيءِ وهي في الأصلِ، مصدرٌ، جاءَتْ على حَذْفِ الزوائدِ، وكان مِنْ حقِّها (إطاقة)) لأنها من أَطَاق، ولكن شَذَّتْ كما شَذَّتْ أُلَيفاظُ نحو: أَغَارِ غارةً، وأَجابَ جابةً، قالوا: ((ساءَ سمعاً: فساءً (١) الآية ٨١ من آل عمران. (٢) الآية ١٥٧ من الأعراف. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٦٩/٢. (٤) ديوانه ١٧٤؛ ومعاني القرآن للزجاج ٠٠٣٧١/١ (٥) وهي رواية عن عاصم انظر: البحر ٣٦٩/٢. (٦) البحر ٣٦٩/٢، وكان قد ذكر هذه القراءة قبل قليل. ٧٠٢ - البقرة - جابة))(١)؛ ولا ينقاسُ فلا يُقال: طال طالة. ونظيرُ أجابَ جابةً: ((أنبتكم من الأرضِ نباتاً))(٢) وأعطى عَطاءً في قوله(٣): وبعدَ عطائِك المئةَ الرِّتَاعا ١١٥٥_ وقولُه تعالى: ((مَوْلانا)) والمَوْلَى: مَفْعَل من وَلِى يَلِي، وهو هنا مصدر يُرادُ به الفاعلُ، فيجوز أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: صاحِبُ تولِّينا أي: نُصْرتِنا ولذلك قال: ((فانصُرْنا»، والمَوْلَى يجوزُ أَنْ يكونَ اسمَ مكانٍ أيضاً واسمَ زمانٍ. وقوله تعالى: ((فانْصُرْنا)) أتى هنا بالفاء إعلاماً بالسببيةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لمّا كانَ مولاهم ومالكَ أمورِهم وهو مُدَبِّرُهم تَسَبَّب عنه أَنْ دَعَوْه بأن يَنصُرَهم على أعدائِهِم كقولك: ((أنت الجوادُ فتكرَّمْ عليَّ وأنت البطلُ فاحْمٍ حَرَمَك)). وقد اشتملَتْ هذه السورةُ على أنواع كثيرةٍ من العلومِ ، تقدَّم التنبيهُ على غالبِها، والذكيُّ مستغنٍ عن التصريحِ بالتلويحِ . (١) قول مأثور لسهل بن عمرو، رواه في اللسان جوب: ((أساء)» في الموضعين. (٢) الآية ١٧ من نوح. (٣) تقدم برقم ٣١٧. ٧٠٣ انتهى الجزء الثاني من كتاب الدُّمُ المصُوت وقد اشتمل على تتمة سورة البقرة