النص المفهرس

صفحات 661-680

- البقرة-
وقد ذهب الجرجاني(١) في هذه الآية إلى أنَّ التقدير: مخافةً أَنْ تَضِلَّ،
وأنشد قول عمروٍ (٢):
فَعَجِّلْنَا القِرى أَنْ تَشْتِمُونا
١١٢٥-
أي: مخافَةً أَنْ تَشْتِمونا» وهذا صحيحٌ لو اقْتُصِر عليه مِنْ غيرِ أَنْ يُعْطَفَ
عليه قولُه ((فَتُذَكَّرَ)) لأنه كان التقديرُ: فاستشهدوا رجلًا وامرأتين مخافةً أَنْ تَضِلَّ
إحداهما، ولكنَّ عَطْفَ قوله : ((فتذكِّر)) يُفْسِده، إذ يَصِيرُ التقديرُ: مخافةً أَنْ تذكر
إحداهما الأخرى، وإذكارُ إحداهما الأخرى ليس مخوفاً منه، بل هو
المقصودُ، قال أبو جعفر(٣): ((سمعتُ عليَّ بن سليمان(٤) يَحْكي عن
أبي العباس أن التقديرَ كراهةَ أَنْ تَضِلُّ)» قال أبو جعفر: ((وهو غلطٌ إذ يصيرُ
المعنى: كراهةَ أَنْ تُذَكَّر إحداهما الأخرى)). انتهى.
وذهب الفراء(٥) إلى أغربَ مِنْ هذا كلِّه فَزَعَمْ أَنَّ تقديرَ الآيةِ الكريمة:
(كي تذكّر أحداهما الأخرى إنْ ضَلَّت)) فَلَّما قُدِّم الجزاءُ اتصلَ بما قبلَه ففُتِحَتْ
(أَنْ))، قال: ((ومثلُه من الكلامِ: ((إنه ليعجبُنِي أَنْ يسألَ السائلُ فَيُعْطَى)) معناه:
إنه ليعجبني أَن يُعْطَى السائلُ إِن سَأَلَ؛ لأنه إنما يُعْجِبُ الإِعطاءُ لا السؤالُ،
(١) عبدالقاهر بن عبدالرحمن، من أئمة البيان، له المغني والإعجاز والعمدة توفي ٤٧١؛
البغية ١٠٦/٢.
(٢) عمرو بن كلثوم، وصدره:
نَزَلْتُم منزلَ الأضيافِ منا
وهو في القصائد العشر للتبريزي ٤٢٣؛ وابن يعيش ١١٥/٨. واستعار القرى
- وهي الضيافة - للقتل.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/١.
(٤) وهو الأخفش الصغير وتقدمت ترجمته.
(٥) معاني القرآن ١٨٤/١.
٦٦١

- البقرة ــ
فلمَّا قَدَّموا السؤالَ على العَطِيّة أصحبوه أَنْ المفتوحة لينكشِفَ المعنى)»، فعنده
((أنْ)) في ((أَنْ تَضِلَّ)) للجزاءِ، إلَّ أنه قُدِّم وفُتِح وأصلُه التأخيرُ.
وأنكر هذا القولَ البصريُّون وَرَدُّوه أبلغَ ردِّ. قال الزجاج(١): ((لَسْتُ
أدري لِمَ صار الجزاءُ [إذا تقدَّم](٢) وهو في مكانِه وغيرِ مكانِه وَجَبَ أن يَفْتَحْ
أن)). وقال الفارسي: ((ما ذَكَرَه الفراء دعوى لا دلالةَ عليها والقياسُ يُفْسِدُها،
ألا ترى أنَّا نَجِدُ الحرفَ العاملَ إذا تغيّرت حركتُه لم يُوْجِبْ ذلك تغيُّراً في
عَمِلِهِ ولا معناه، وذلك ما رواه أبو الحسن(٣) من فتحِ اللامِ الجارَّةِ مع المُظْهَرِ
عن يونس وأبي عبيدةٍ وخلف الأحمر، فكما أنَّ هذه اللامَ لَمَّا فُتِحَتْ لم يتغيّر
من عملها ومعناها شيءٌ، كذلك ((إنْ)) الجزائيةُ ينبغي إذا فُتِحَتْ ألَّ يتغيِّر عملها
ولا معناها، ومِمَّا يُبْعِدُه أيضاً أنَّا نجدُ الحرفَ العاملَ لا يتغيَّر عملُه بالتقدیمِ
ولا بالتأخيرِ، ألا ترى لقولِك: ((مررتُ بزيدٍ)) ثم تقول: ((بزيدٍ مررت)) فلم
يتغيّر عملُ الباءِ بتقديمها من تأخيرٍ)).
وقرأ ابن كثير(٤) وأبو عمرو ((فَتُذْكِرَ)) بتخفيفِ الكافِ ونصبِ الراءِ مِن
أَذْكَرْتُه أي: جَعَلْتُه ذاكراً للشيءِ بعدَ نِسْيانِهِ، فإنَّ المرادَ بالضلالِ هنا النسيانُ
كقوله تعالى: ((فَعَلْتُها إِذَنْ وأنا من الضالين))(٥) وأنشدوا الفرزدق(٦):
١١٢٦ - ولقد ضَلَلْتَ أباَ يَدْعُو دارِماً كضلالٍ ملتمسٍ طرِيقَ وِبَارٍ
فالهمزةُ في ((أَذْكَرْتُه)) للنقلِ والتعديةِ، والفعلُ قبلَها متعدٍّ لواحدٍ، فلا بُدَّ
(١) معاني القرآن وإعرابه ٣٦٤/١.
(٢) زيادة من الزجاج، وهي ضرورية للسياق.
(٣) معاني القرآن للأخفش ١٢٣/١.
(٤) السبعة ١٩٤؛ الكشف ٣٢٠/١.
(٥) الآية ٢٠ من الشعراء.
(٦) ديوانه ٤٥٠/٢؛ اللسان: ضلل.
٦٦٢

- البقرة -
من آخرَ، وليسَ في الآية إلا مفعولٌ واحدٌ فلا بُدَّ من اعتقادٍ حذفِ الثاني،
والتقديرُ فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى الشهادةَ بعد نِسْيانِها إن نَسِيَتْهَا، وهذا التفسيرُ
هو المشهورُ.
وقد شَذَّ بعضُهم فقال: ((معنى فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى أي: فتجعلَها
ذَكَراً، أي: تُصَيِّرُ حكمَها حكمَ الذَّكَرِ فِي قَبولِ الشهادةِ. وروى الأصمعي عن
أبي عمرو بن العلاء قال: ((فَتُذَكَّر إحداهما الأخرى بالتشديدِ فهو من طريقٍ
التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تَذْكُرين إذ شَهِدْنا كذا يومَ كذا في مكانٍ
كذا على فلانٍ أو فلانة، ومَنْ قرأ ((فَتُذْكِرَ)) بالتخفيف فقال: إذا شَهِدَتِ المرأةُ
ثم جاءَتِ الأخرى فَشَهِدَتْ معها فقد أَذْكَرَتْها لقيامِهما مقامَ ذَكَر)» ولم يَرْتَضِ
هذا من أبي عمرو المفسرون وأهلُ اللسان، بل لم يُصَحِّحوا روايةَ ذلك عنه
لمعرفتِهم بمكانتِه من العلمِ، ورَدُّوه على قائله من وجوهٍ منها: أنَّ الفصاحةَ
تقتضي مقابلةَ الضلالِ المرادِ به النسيانُ بالإِذكار والتذكيرِ، ولا تناسُبَ في
المقابلةِ بالمعنى المنقولِ عنه. ومنها: أنَّ النساءَ لو بَلَغْنَ ما بلغْنَ من العَدَدِ لا بد
معهنَّ مِنْ رجلٍ يَشْهَدُ معهم، فلو كان ذلك المعنى صحيحاً لذكَّرَتْها بنفسِها
من غيرِ انضمامِ رجلٍ ، هكذا ذَكّروا، وينبغي أَنْ يكونَ ذلك فيما يُقْبَلُ فيه
الرجلُ مع المرأتينِ، وإلَّ فقد نَجِدُ النساءَ يَتْمَخَّضْنَ في شهاداتٍ من غيرِ
انضمامِ رجلٍ إليهنَّ، ومنها: أنها لو صَيََّتْها ذَكَراً لكان ينبغي أَنْ يكونَ ذلك
في سائرِ الأحكامِ ، ولا يُقْتَصَرُ به على ما فيه ... (١) وفيه نظرٌ أيضاً، إذ هو
[١١٦/أ] مشترك الإلزام / لأنه يُقال: وكذا إذا فَسَّرْتموه بالتذكير بعد النسيانِ لم يَعُمَّ
الأحكامَ كلَّها، فما أُجِيبَ به فهو جوابُهم أيضاً.
(١) كلمة لم أتبينها في الأصل: رسمت: تالية، واضطربت النسخ في نقلها ولكنها كلها
مصحفة أو محرفة، لعل الصواب ((على ما فيه أمور مالية)) فسقطت من المؤلف كلمة
((أمور)) أو ما يرادفها.
٦٦٣

- البقرة -
وقال الزمخشري(١): ((ومِنْ بِدَع التفاسيرِ: ((فَتُذَكِّرَ)) فتجعلَ إحداهما
الأخرى ذَكَرَاً، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلةِ الذَّكَر)) انتهى. ولم يَجْعَلْ
هذا القولَ مختصاً بقراءةٍ دونَ أُخْرى.
وأمَّا نصبُ الراءِ فنسقٌ على ((أَنْ تَضِلَّ)) لأنَّهما يَقْرَآن(٢): ((أَنْ تَضِلَّ)) بأَنْ
الناصبةِ، وقرأ الباقون بتشديدِ الكافِ من ((ذَكَّرْتُه)) بمعنى جَعَلْتُه ذاكِراً أيضاً،
وقد تقدَّم أنَّ حمزةَ وحدَه هو الذي يَرْفع الراء.
وخَرَجَ من مجموعِ الكلمتين أنَّ القُرَّاءَ على ثلاث مراتبَ: فحمزة
وحدَه: ((إنْ تَضِلَّ فتذكَّرُ)) بكسر ((إِنْ)) وتشديدِ الكافِ ورفعِ الراء، وأبو عمرو
وابنُ كثير بفتح ((أنْ)) وتخفيفِ الكافِ ونصبِ الراء، والباقون كذلك، إلا أنهم
يُشَدِّدون الكافَ.
والمفعولُ الثاني محذوفٌ أيضاً في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير
وأبي عمرو، وفَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى، [نحو]: أَكْرَمْتُه وَكَرَّمته، وفَّحْتَه
وأَفْرحته. قالوا: والتشديدُ في هذا اللفظ أكثرُ استعمالاً من التخفيفِ، وعليه
قولُه(٣) :
ثلاثونَ للهَجْرِ حَوْلاً كميلا
١١٢٧- على أنني بعدَ ما قد مضى
ونَوْحُ الحمامةِ تَدْعو ◌َدِيلا
يُسذَكِّرُنِيكُ حنينُ العَجولِ
وقرأ عيسى (٤) بن عمر والجحدري: ((تُضَلَّ)) مبنياً للمفعول، وعن
٠ ٠
(١) الكشاف ٤٠٣/١.
(٢) أي: أبو عمرو وابن كثير.
(٣) البيتان للعباس بن مرداس، وهما في الكتاب ٢٩٢/١؛ والأنصاف ٣٠٨؛ وابن يعيش
١٣٠/٤، واللسان: كمل؛، والدرر ٢١٠/١. والعجول: الناقة ألقت ولدها قبل
موعده .
(٤) البحر ٣٤٩/٢؛ القرطبي ٣٩٧/٣.
٦٦٤

- البقرة -
الجحدري أيضاً: ((تُضِلَّ)) بضم التاء وكسر الضاد من أَضَلَّ كذا أي: أضاعه،
والمفعولُ محذوفُ أي: تُضِلَّ الشهادة. وقرأ حميد بن (١) عبدالرحمن
ومجاهد: ((فَتَذْكُرُ)) برفع الراء وتخفيف الكاف، وزيد بن أسلم(٢): ((فتُذاكِرُ»
من المذاكرة .
وقوله: ((إحداهما)) فاعل ((والأخرى)) مفعول، وهذا مِمَّا يَجِبُ تقديمُ
الفاعلِ فيه لخفاءِ الإِعرابِ والمعنى نحو: ضَرَب موسى عيسى. قال أبو
البقاء(٣): فـ ((إحداهما)) فاعلٌ، و((الأخرى)) مفعول، ويَصِحُّ العكس، إلا أنه
يمتنع على ظاهرٍ قول النحويين في الإِعراب، لأنه إذا لم يظهر الإِعرابُ في
الفاعلِ والمفعولِ وَجَبَ تقديمُ الفاعل [فيما](٤) يُخاف فيه اللَّبْسُ، فعلى
هذا إذا أُمِنَ اللَّبْسُ جازَ تقديمُ المفعولِ كقولك: ((كسر العصا موسى))، وهذه
الآيةُ من هذا القبيلِ لأنَّ النِّسْيَانِ والإِذكارَ لا يتعيَّنُ في واحدةٍ منهما بل ذلك
على الإِبهام، وقد عُلِم بقوله ((فَتُذَكَّرَ)) أنَّ التي تُذَكَّر هي الذاكرة والتي تُذَكَّرُ
هي الناسية، كما علم من لفظ ((كَسَر)) مَنْ يَصِحُ منه الكسرُ، فعلى هذا يجوز
أن يُجْعل ((إحداهما)) فاعلاً، و((الأخرى)) مفعولاً وأن تعكس)) انتهى. ولَمَّا أَبْهَمَ الفاعلَ
في قولهِ: ((أَنْ تَضِلَّ إحداهما) أَبْهَمَ أيضاً في قوله: ((فَتُذَكَّر إحداهما)) لأنَّ كلّ
من المرأتين يجوزُ عليها ما يجوزُ على صاحبتِها من الإضلالِ والإِذكارِ،
والمعنى: إِنْ ضَلْتْ هذه أَذْكَرَتْها هذه، فَدَخَلَ الكلامَ معنَى العموم.
(١) حميد بن عبدالرحمن المدني، روى عن أبيه وثلة من الصحابة، وروى عنه قتادة، ثقة،
توفي سنة ٩٥. انظر: تهذيب التهذيب ٤٥/٣.
(٢) زيد بن أسلم المدني، مولى عمر، أخذ عن شيبة بن نصاح، توفي سنة ١٣٦. انظر:
طبقات القراء ٢٩٦/١.
(٣) الإملاء ١١٩/١.
(٤) سقط من الأصل وثبت في: ب، وعبارة الإملاء: ((في كل موضع)).
٦٦٥

- البقرة-
قال أبو البقاء (١): ((فإن قيل: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ((فتذكّرها الأخرى))؟ قيل فيه
وجهان، أحدُهما: أنه أعاد الظاهرَ لِيَدُلَّ على الإِبهامِ في الذِّكْرِ والنسيان، ولو
أَضْمَرَ لَتَعَيَّن عودُه على المذكور. والثاني: أنه وَضَع الظاهرَ مَوْضِعَ المضمرِ،
تقديرُه: ((فتذكّرها)) وهذا يَدُلُّ على أن ((إحداهما)) الثانيةَ مفعولٌ مقدمٌ،
ولا يجوزُ أن يكونَ فاعلاً في هذا الوجهِ، لأنَّ المضمرَ هو المُظْهَرُ بعينه،
والمُظْهَرُ الأول فاعل (تضِلَّ)) فلو جعل الضمير لذلك المظهَرِ لكانت الناسِيةُ
هي المُذَكِّرَة، وذا مُخَالٌ)) قلت: وقد يتبادَرُ إلى الذهنِ أنَّ الوجهينِ راجعانٍ
لوجهٍ واحدٍ قبلَ التأمُّلِ، لأنَّ قولَه: ((أعادَ الظاهرَ)) قريبٌ من قوله: ((وَضَّعَ
الظاهرَ مَوْضِعَ المضمرِ)).
و (إحدى)) تأنيثُ ((الواحد)) قال الفارسيّ: ((أَنْتُوه على غير بنائِه، وفي
هذا نظرٌ، بل هو تأنيثُ ((أَحَد)) ولذلك يقابُلونها به في: أحد عشرَ وإحدى
عَشَرَة [و] واحدٍ وعشرين وإحدى(٢) وعشرين. وتُجْمَعُ (إحدى)) على ((إِحَد))
نحو: كِسْرَة وكِسَر. قال أبو العباس: ((جَعَلوا الألفَ في الإِحدى بمنزلةِ التاءِ
في ((الكِسْرة)) فقالوا في جَمْعِها: إحَد كما قالوا: كَسْرةٍ وكِسَر، كما جَعَلُوه(٣)
مثلَها في الكُبْرَى والكُبَرِ، والعُلْيا والعُلى، فكما جَعَلوا هذه كظُلْمَة وَظُلَم
جعلوا الأولَ تَسِدْرَة(٤) وسِدَر)) قال: ((وكما جعلوا الألفَ المقصورةَ بمنزلةِ التّاءِ
فيما ذُكِر جعلوا الممدودة أيضاً بمنزلتِها في قولهم ((قاصِعَاء(٥) وقواصِع)
ودامّاء (٦) ودوامٌ)) يعني أن فاعِلَة نحو: ضارِبَة تُجمع على ضوارب، كذا
(١) الإِملاء ١٢٠/١.
(٢) الأصل: ((أحد)) وهو سهو، أو لعله يعني أن لإحدى مذكرين: أحد، وواحد.
(٣) أي جعلوا الألف مثل التاء.
(٤) السّدرة: شجر التبق ؛
(٥) القاصعاء: فم حجر الضب.
(٦) الداماء: حجرة من حجر اليربوع.
٦٦٦

- البقرة -
فاعِلاء نحو: قاصِعاء وراهِطاء(١) تُجْمَع على فَواعِل، وأنشد ابنُ الأعرابي
على إحدى وإحَّد قولَ الشاعر(٢):
١١٢٨- حتى استثاروا بيَ إحدى الإِحَدِ ليثاً هِزَبْراً ذا سلاحٍ مُعْتَدي
قال: يقال: هو إحدى الإِحَدِ، وَأَحَدُ الْأَحَدَيْنِ، وواحدُ الآحادِ، كما
يقال: واحدٌ لا مِثْلَ له، وأنشد البيت.
واعلَمْ أنَّ ((إحدى)) لا تُسْتعمل إلا مضافةً إلى غيرِها، فيقال: إحدى
الإِحَدِ وإحداهما، ولا يقال: جاءَتْني إحدى، ولا رأيت إحدى، وهذا بخلافٍ
مذكّرها.
و ((الْأُخْرِى)» تأنيث ((آخَرِ)) الذي هو أَفْعَلُ التفضيلِ، وتكونُ بمعنى
آخِرة، كقوله تعالى: ((قالَتْ أُخراهم لأولاهم))(٣)، ويُجْمَعُ كلَّ منهما على
(أُخَرِ))، ولكنَّ جمعَ الأولى ممتنعٌ من الصرفِ، وفي علتِهِ خلافٌ، وجَمْعُ
[١١٦/ ب] / الثانية منصرفٌ، وبينهما فرقْ في المعنى، وهذا كلُّه سأوضِّحه إن شاء الله
تعالى في الأعرافِ فإنه أَلْيَقُ به.
قوله: ((ولا يَأْبَ الشهداءُ)) مفعولُه محذوفٌ لفهمِ المعنى، أي: لا يَأْبُوْن
إِقامَةَ الشهادةِ، وقيل: المحذوفُ مجرورٌ لأنَّ ((أبى)) بمعنى امتنع، فيتعدَّى
تعديته أي مِنْ إقامةِ الشهادة.
و ((إذا ما دُعوا)) ظرفٌ لـ ((يَأْبَ)) أي: لا يَمْتنعون في وقتِ دَعْوَتهم
(١) الراهطاء: من حجرة اليربوع التي يخرج منها التراب.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: ((وحد)) والمساهد على التسهيل ٨٥/٢ وإحدى
الأحد: يعني أنه واحد لا مثل له.
(٣) الآية ٣٨ من الأعراف.
٦٦٧

- البقرة -
لأدائِها، أو لإِقامتها، ويجوزُ أن تكونَ متمحضةٌ للظرف، ويجوز أَنْ تكونَ
شرطيةً والجوابُ محذوفٌ أي: إذا دُعوا فلا يَأْبَوا.
قوله: ((أَنْ تكتبوه)) مفعولٌ به والناصبُ له ((تَسْأَموا)) لأنه يتعدَّى بنفسِه
قال(١):
ثمانينَ حَوْلاً لا أبا لَكَ يَسْأَمِ
١١٢٩- سَئِمْتُ تكاليفَ الحياةِ ومَنْ يَعِشْ
وقيل: بل يتعدَّى بحرفِ الجر، والأصلُ: مِنْ أَنْ تكتُبُوه، فَحَذَفَ حِرِفَ
الجرِّ للعلمِ به فَيَجْري الخلافُ المشهور في ((أَنْ)) بعدَ حذفِهِ، ويَدُلُّ على
تعدِّيه بـ ((مِنْ)) قوله(٢).
١١٣٠- ولقد سَئِمْتُ من الحياةِ وطولها وسؤالِ هذا الناسِ كيف لبيدُ
والسََّمِ والسَّآمَةُ: المَلَلُ من الشيءِ والضَّجَرُ منه.
والهاءُ في ((تَكْتبوه)) يجوزُ أَنْ تكونَ للدَّيْن في أول الآية، وأن تكونَ
للحقّ في قوله: ((فإنْ كان الذي عليه الحقُّ)) وهو أقربُ مذكورٍ، والمرادُ به
((الدَّيْن)) وقيل: يعودُ على الكتابِ المفهومِ من ((يَكْتبوه)) قاله الزمخشري (٣).
و ((صغيراً أو كبيراً)) حالٌ، أي: على أيّ حالٍ كان الدَّيْنُ قليلاً
أو كثيراً، وعلى أيِّ حالٍ كان الكتابُ مختصراً أو مُشْبَعاً، وجَوَّزَ السجاوندي
انتصابَه على خبرِ ((كان)) مضمرةً، وهذا لا حاجةَ تَدْعُو إليه، وليس من مواضعِ
إضماره .
(١) البيت لزهير من المعلقة وهو في ديوانه ٢٩ .
(٢) البيت للبيد، وهو في ديوانه ٣٥؛ والمحتسب ١٨٩/١؛ والبحر ٣٥١/٢.
(٣) الكشاف ٤٠٣/١.
٦٦٨

- البقرة -
وقرأ السلمي(١): ((ولا يَسْأَمُوا أَنْ يَكْتبوه)» بالياءِ من تحتُ فيهما.
والفاعلُ على هذه القراءةِ ضميرُ الشهداءِ، ويجوزُ أن يكونَ من بابِ الالتفاتِ،
فيعودُ: إمَّا على المتعامِلِين وإمَّا على الكُتَّاب.
قوله: ((إلى أجله)) يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ
أي: أَنْ تكتبوه مستقراً في الذمَّةِ إلى أجلِ حُلولِه. والثاني: أنه متعلِّقٌ
بتكتبُوه، قاله أبو البقاء(٢). وهذا قد ردَّه الشيخ(٣) فقال: ((هو متعلقُ بمحذوفٍ
لا بـ ((تكتبوه)) لعدمِ استمرارِ الكتابةِ إلى أجلِ الدَّيْن إذ ينقضي في زمنٍ يسير،
فليس نظيرَ: ((سرت إلى الكوفةِ. والثالث: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ
من الهاءِ، قاله أبو البقاء (٤).
قوله: ((ذلكم)» مُشَارٌ به لأقرب مذكورٍ وهو الكَتْب. وقيل إليه وإلى
الإِشهاد، وقيل: إلى جميع ما ذُكِر وهو أحسنُ. و((أَقْسَطُ)) قيل: هو من أَقْسَطَ
إذا عَدَلَ، ولا يكونُ من قسَطَ، لأنَّ قَسَط بمعنى جار، وأَقْسَط بمعنى عَدَل،
فتكونُ الهمزةُ للسُّلْبِ، إلا أنه يَلْزَمُ بناءُ أَفْعَل من الرباعي، وهو شاذًّ.
قال الزمخشري(٥): ((فإنْ قلتَ مِمَّ بُنِي أَفْعلا التفضيلِ - أعني أَقْسَط
وأَقْوم؟ - قلت: يجوزُ على مذهبٍ سيبويه أَنْ يكونامَبْنِّين مِنْ (أقسط)) و((أقام))
وَأَنْ يكونَ ((أَقْسَط)) من قاسِط على طريقةِ النسبِ بمعنى: ذي قِسْطٍ؛ و((أقوم))
من قويم)). قال الشيخ(٦): لم ينصَّ سيبويه على أنَّ أفعلَ التفضيلِ يُبْنَى من
(١) البحر ٣٥١/٢.
(٢) الاملاء ١٢٠/١.
(٣) البحر ٣٥١/٢.
(٤) الاملاء ١٢٠/١.
(٥) الكشاف ٤٠٤/١.
(٦) البحر ٣٥١/٢.
٦٦٩

i
- البقرة -
((أَفْعل))، إنما يُؤْخَذُ ذلك بالاستدلالِ، فإنه نصّ(١) في أوائلِ كتابِه على أنَّ
(أَفْعَل)) للتعجبِ يكونُ مَن فَعَل وفَعِل وفَعُل وأَفْعَل، وظاهرُ هذا أن ((أَفْعَل))
للتعجب يُبنى منه أَفْعِل للتفضيل، فما اقتاسَ في التعجبِ اقتاسَ في
التفضيلِ ، وما شَذَّ فيه شَذَّ فيه. وقد اختلف النحويون في بناءِ التعجبِ وأَفْعَلَ
التفضيلِ من أَفْعَل على ثلاثةِ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، والمنعُ مطلقاً،
والتفضيلُ بين أَنْ تكونَ الهمزةُ للنقلِ فيمتِنِعَ، أو لا فيجوزَ، وعليه يُؤَوَّل كلامُ
سيبويه، حيث قال: ((إِنْه يبنى من أَفْعَل)) أي الذي همزتُه لغيرِ التعدية. ومَنْ
مَنَعَ مطلقاً قال: ((لم يَقُلْ سيبويه وأَفْعَلَ بصيغة الماضي)» إنما قالها أَفْعِل بصيغةٍ
الأمر، فالتبس على السامعِ ، ويعني أنه يكونُ فعلُ التعجب على أَفْعِلْ، بناؤه
من فَعَلَ وفَعِل وفعُل، وعلى أفعِل. ولهذه المذاهبِ موضوعٌ هو أليقُ بَالكلامِ
عليها .
ونَقَل ابن عطية (٢) أنه مأخوذٌ من ((قَسُط)) بضمِّ السينِ نحو: ((أَكْرَمَ)) من
(كُرُم)). وقيل: هو من القِسْطِ بالكسر وهو العَدْلُ، وهو مصدرٌ لم يُشْتَقَّ مِنْه
فِعْلٌ، وليس من الإِقساط؛ لأنَّ أفعَل لا يُبنى من ((الإِفعال)). وهذا الذي قلته كلَّه
بناءً منهم على أنَّ الثلاثِيَّ بمعنى الجَوْر والرباعيَّ بمعنى العَدْل.
ويُحكى أن سعيد بن جبير لَمَّا سأله الظالمُ [الحجَّاجُ] بن يوسف: ما تقول
فِيَّ؟ فقال: ((أقولُ إنك قاسِطٌ عادِلٌ))، فلم يَفْطِن له إلا هو، فقال: إنه جعلني
جائراً كافراً، وتلا قوله تعالى: ((وأمَّ القاسطون فكانوا لجهَّمَ خَطَباً)(٣) (ثم
الذین كفروا بربهم یعْدِلون»(٤).
(١) الكتاب ٣٧/١.
(٢) المحرر ٣٦٩/٢.
(٣) الآية ١٥ من الجن.
(٤) الآية ١ من الأنعام.
٦٧٠

- البقرة -
وأمّا إذا جَعَلْناه مشتركاً بين عَدَلَ وبين جارَ فالأمرُ واضحٌ قال
ابن القطاع(١): ((قَسَط قُسوطاً وقِسْطاً: جارَ وعَدَل ضِدَّ)). وحكى ابن السِّيد في
كتابٍ ((الاقتضاب)) له عن ابن السكيت في كتاب ((الأضداد)) عن أبي عبيدة:
((قَسَطْ: جارَ، وَقَسَط: عَدَل، وأَقْسطَ بالألفِ عَدَلَ لا غيرُ (٢). وقال أبو القاسم
الراغب(٣) الأصبهاني: ((القِسْطُ أن يأخذَ قِسْطَ غيرِهِ، وذلك جَوْرٌ، والإِقساطُ
أن يُعْطِي قسطَ غيرِهِ، وذلك إنصافٌ، ولذلك يقال: قَسَط إذا جار، وأَقْسَط إذا
عَدَل)) وسيأتي لهذا أيضاً مزيدُ بيانٍ في سورة النساءِ إن شاء الله تعالى.
و ((عند الله)) / ظرفٌ منصوبٌ بـ ((أَقْسَطِ)) أي: في حكمِه. وقوله ((وَأَقْوَمُ))
إنما صَحَّت الواوُ فيه لأنه أفعلُ تفضيلٍ، وأفعلُ التفضيلِ يَصِحُ حملاً على
فِعْل التعجب، وصَحِّ فعلُ التعجبِ لجريانه مَجْرى الأسماء لجمودِه وعدمٍ
تصرُّفِه.
[ ١/١١٧]
و ((أَقْوَمُ)) يجوزُ أن يكونَ من ((أقام)) الرباعي المتعدِّي؛ لكنه حَذّف
الهمزةَ الزائدة، ثم أتى بهمزةٍ أَفْعل كقوله تعالى: ((أيُّ الحزبين أَحْصى)) (٤)
فيكونُ المعنى: أَثْبَتُ لإِقامتِكم الشهادةَ، ويجوزُ أن يكونَ من ((قام)) اللازم
ويكونُ المعنى: ذلك أثبتُ لقيامِ الشهادةِ، وقامَتِ الشهادةُ: ثَبَتَتْ، قاله
أبو البقاء (٥).
(١) الأبنية ٢٢/٣ وهو علي بن جعفر، إمام العربية في مصر، له: الأفعال والأبنية، توفي
سنة ٥١٥. انظر: البغية ١٥٣/٢.
(٢) في مجاز أبي عبيدة ((أقسط)): أعدل ولم يذكر غيره؛ المجاز ٨٤/١.
(٣) المفردات ٤١٨.
(٤) الآية ١٢ من الكهف.
(٥) الاملاء ١٢٠/١.
٦٧١

- البقرة ــ
قوله: ((للشهادة) متعلِّق بـ ((أَقْوَم))، وهو مفعولٌ في المعنى، واللامُ زائدةٌ
ولا يجوزُ حَذْفُها ونصبُ مجرورِها بعد أفعلِ التفضيلِ إلا ضرورةً كقوله(١):
١١٣١-
وأَضْرَبَ منا بالسيوفِ القَوانِسا
وقد قيلَ: إن ((القوانسَ)) منصوبٌ بمضمرٍ يَدُلُّ عليه أفعلُ التَّفضيلِ ،
هذا معنى كلام الشيخ (٢)، وهو ماشٍ على أنّ ((أَقْوَم)) من أقام المتعدي،
وأما إذا جعلته من ((قَام)) بمعنى ثَبَت فاللامُ غير زائدة(٣).
قوله: ((أَنْ لا ترتأبوا)) أي: أقربُ، وحرفُ الجرّ محذوفٌ، فقيل: هو اللامُ
أي: أَدْنى لئلّ ترتابوا، وقيل هو ((إلى)) وقيل: هو ((من)) أي: أَدْنَى إلى أن
لا ترتابوا وأدنى مِنْ أن لا ترتابوا. وفي تقديرهم ((مِنْ)) نظرٌ، إذ المعنى
لا يساعِدُ عليه. و((تَرْتابوا)): تَفْتَعِلُوا من الرِّيبة، والأصل: ((تَرْتَبِوا))، فَقُلِبَتِ
الياءُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلَها. والمفضَّلُ عليه محذوفٌ لفهم المعنى،
أي: أَقْطُ وأقومُ وأدنى لكذا مِنْ عدمِ الكَتْب، وحَسَّن الحذفَ كونُ أفعلَ
خبراً للمبتدأ بخلافٍ كونِه صفةً أو حالاً. وقرأ السلمي (٤): ((أَنْ لا يرتابوا)) بيَاءِ
الغيبة كقراءةٍ: ((ولا يَسْأَمُوا أَنْ يكتبوه)» وتقدَّم توجيهُ ذلك.
قوله: ((إلا أن تكونَ تجارةً)» في هذا الاستثناءِ قولان، أحدُهما: أنه
متصلٌ قال أبو البقاء(٥) ((والجملةُ المستثناةُ في موضعِ نصبٍ لأنه استثناءٌ مِنْ
الجنس لأنه أمرٌ بالاستشهادِ في كلِّ معاملةٍ، واستثنى منها التجارة الحاضرة،
(١) تقدم برقم ٣٤٥.
(٢) البحر ٣٠٢/٢.
(٣) لأن الفعل يكون لازماً فلا حاجة إلى مفعول بعده.
(٤) البحر ٣٥٢/٢.
(٥) الاملاء ١٢٠/١.
٦٧٢

- البقرة -
والتقديرُ: إلا في حالِ حضورِ التجارةِ)). والثاني: أنه منقطعٌ، قال مكي (١)
ابن أبي طالب: ((و((أَنْ)) في موضعِ نصبٍ على الاستثناءِ المنقطعِ» قلت:
وهذا هو الظاهرُ، كأنه قيل: لكنّ التجارةَ الحاضرةَ فإنه يجوزُ عدمُ الاستشهادِ
والكُتْبِ فيها.
وقرأ(٢) عاصم هنا ((تجارةً)) بالنصب، وكذلك ((حاضرةً) لأنها صفتُها،
وفي النساء(٣) وافقه الأخوان (٤)، والباقون قرؤوا بالرفعِ فيهما. فالرفعُ فيه
وجهان، أحدُهما: أنها التامةُ أي: إلا أَنْ تَحْدُثَ أو تقعَ تجارةً، وعلى هذا
فتكونُ (تُديرونها)) في محلِّ رفعٍ صفةً لتجارة أيضاً، وجاء هنا على الفصيحِ ،
حيث قَدَّم الوصفَ الصريحَ على المؤول. والثاني: أن تكونَ الناقصةَ، واسمُها
(تجارةٌ)) والخبرُ هو الجملةُ من قوله: ((تُديرونها)) كأنه قيل: إلا أن تكونَ تجارةٌ
حاضرةٌ مدارةً، وسَوَّغْ مجيءَ اسمِ كان نكرةً وصفُه، وهذا مذهبُ الفراء (٥)
وتابعه آخرون.
وأمَّا قراءةُ عاصم فاسمُها مضمرٌ فيها، فقيل: تقديرُه: إلا أَنْ تكونَ
المعاملةُ أو المبايَعَةُ أو التجارةُ. وَقَدَّره الزجاج(٦) إلَّ أَنْ تكونَ المداينةُ، وهو
أحسنُ. وقال الفارسي (٧): ((ولا يجوزُ أن يكونَ التداينُ اسمَ كان لأنَّ التداينَ
معنَّى، والتجارةُ الحاضرةُ يُراد بها العينُ، وحكمُ الاسمِ أن يكونَ الخبرَ في
المعنى، والتدايُن حَقٌّ في ذمةِ المستدينِ، للمدين المطالبةُ به، وإذا كان
(١) المشكل ١١٩/١.
(٢) السبعة ١٩٤؛ الكشف ٣٢١/١.
(٣) الآية ٢٩ من النساء.
(٤) أي: حمزة والكسائي.
(٥) معاني القرآن ١٨٥/١.
(٦) معاني القرآن وإعرابه ٣٦٦/١.
(٧) الحجة (خ) ٣٢٢/٢.
٦٧٣

- البقرة -
كذلك لم يَجُزْ أن يكونَ اسمَ كان لاختلافِ التداينِ والتجارةِ الحاضرةِ)» وهذا
الذي قاله الفارسي لا يَظْهَرُ رداً على أبي إسحاق، لأن التجارةَ أيضاً مصدرٌ،
فهي معنّى من المعاني لا عينٌ من الأعيان، وبين الفارسي والزجاج محاورةً
لأمرٍ ما.
وقال الفارسيّ(١) أيضاً: ((ولا يجوزُ أيضاً أَنْ يكونَ اسمُها ((الحقُّ)) الذي
في قوله: ((فإن كان الذي عليه الحق)) للمعنى الذي ذكرنا في التداين، لأنَّ
ذلك الحقَّ دَيْنٌ، وإذا لم يَجُزْ هذا لم يَخْلُ اسمُ كان من أحدٍ شيئين،
أحدُهما: أنَّ هذه الأشياء التي اقتضَتْ من الإشهادِ والارتهانِ قد عُلِم من
فحواها التّبايعُ، فَأضمَرَ التبايعَ لدلالةِ الحالِ عليه كما أضمرَ لدلالةِ الحال فيما
حكى سيبويه(٢): ((إذا كان غداً فأتني)) ويُنْشَدُ على هذا(٣):
١١٣٢- أعينيَّ هَلَّ تبكيان عِفاقا إذا كان طَعْناً بينهم وعِنَاقا
أي: إذا كان الأمر. والثاني: أن يكونَ أضمرَ التجارة كأنه قيل: إلا أن
تكونَ التجارةُ تجارةٌ، ومثلُه ما أنشدَه الفراء(٤):
١١٣٣ - فَدىِّ لبني ذُهْلِ بنِ شيبانَ ناقتي
إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْهَبَا
وأنشد الزمخشري(٥):
١١٣٤- بني أسدٍ هل تَعْلَمُون بلاءنا
إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْنَعا
أي: إذا كان اليومُ يوماً. و(«بينكم)) ظرفُ لتُدِيرونها.
(١) الحجة (خ) ٣٢٢/٢
(٢) الكتاب ١١٤/١.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن للفراء ١٨٦/١.
(٤) معاني القرآن ١٨٦/١.
(٥) البيت لعمرو بن شأس؛ وهو في الكتاب ٢٢/١؛ اللسان: شهب.
٦٧٤

- البقرة -
قوله: ((فليس)) قال أبو البقاء (١): ((دَخَلَتِ الفاءُ في ((فليس)) إيذاناً بتعلُّق
ما بعدَها بما قبلَها)) قلت: هي عاطفةً هذه الجملةَ على الجملةِ من قوله:
(إلا أَنْ تكونَ تجارةً)) إلى آخرها، والسببيةُ فيها واضحةٌ أي: بسببٍ عن ذلك
رُفِعِ الجناحُ في عَدَمِ الكتابة .
وقوله: ((أَنْ لا تَكْتبوها)) أي: ((في أن لا))، فَحُذِفَ حرفُ الجر فبقي في
موضعِ ((أَنْ)) الوجهان.
[١١٧/ب]
قوله: ((إذا تبايَعْتم)) يجوزُ أن(٢) / تكونَ شرطيةً، وجوابُها: إمَّا متقدم
عند قومٍ، وإمَّا محذوفُ لدلالةِ ما تقدَّم عليه تقديرُه: إذا تبايَعْتُم فَأَشْهِدوا،
ويجوزُ أن تكونَ ظرفاً محضاً أي: افعلوا الشهادةَ وقتَ التبايعِ .
قوله: ((ولا يُضارِّ) العامة على فتح الراء جزماً، ولا)) ناهيةٌ، وفُتِح الفعلُ
لما تقدم(٣) في قراءة حمزةَ: ((إن تَضِلَّ)). ثم هذا الفعلُ يحتملُ أن يكونَ مبنياً
للفاعِل، والأصلُ: ((يضارِرْ)) بكسر الراءِ الأولى فيكونُ ((كاتب)) و((شهيد))
فاعلَيْن نُهِيا عن مُضَارَّةِ المكتوبِ له والمشهودِ له، نُهِيَ الكاتبُ عن زيادةٍ
حرفٍ يُبْطل به حقاً أو نقصانِه، ونُهِيَ الشاهدُ [عن] كتمِ الشهادةِ، واختاره
الزجاج(٤)، ورجَّحه بأنَّ الله تعالى قال: ((فإنه فُسوقٌ بكم))، ولا شك أنَّ هذا
من الكاتبِ والشاهدِ فِيْقٌ، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ إبرامُ الكاتبِ والشهيدِ
والإِلحاحُ عليهما فسقاً. ونُقل في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وطاووس(٥)
(١) الاملاء ١٢٠/١.
(٢) تغير خط نسخة الأصل في ورقتين بدءاً من هنا، وقد أشرنا إلى ذلك في مقدمة التحقيق.
(٣) انظر: الورقة ١١٦.
(٤) معاني القرآن ٣٦٧/١.
(٥) طاووس بن كيسان التابعى، وردت عنه الرواية في حروف القرآن أخذ عن ابن عباس.
توفي سنة ١٠٦. انظر: البداية والنهاية ٣٥/٩؛ طبقات القراء ٣٤١/١.
٦٧٥

- البقرة :-
هذا المعنى. ونَقَل الداني عن عمر وابن عباس ومجاهد وابن أبي إسحاق
أنهم قرؤوا الراءَ الأولى بالكسرِ حین فَكُوا.
ويُحْتمل أن يكونَ الفعلُ فيها مبنياً للمفعول، والمعنى: أَنَّ أحداً لا يُضارِدُ
الكاتبَ ولا الشاهدِ، ورُجِّح هذا بأنه لو كان النهيُ متوجُّهاً نحو الكاتبِ
والشهيدِ لقال: وإنْ(١) تفعلا فإنه فسوقٌ بكما، ولأنَّ السياقَ من أول الآيات
إنما هو للمكتوبِ له والمشهودِ له. ونُقِل في التفسير هذا المعنى عن
ابن عباس ومَنْ ذُكِر معه. وذكر الداني أيضاً عنهم أنهم قرؤوا الراءَ الأولى
بالفتح. قلت: ولا غَرْوَ في هذا إذ الآيةُ عندهم مُحْتَمِلةٌ للوجهين فَسَّروا وقرؤوا
بهذا المعنى تارةً وبالآخِرِ أخرى.
وقرأ(٢) أبو جعفر وعمرو بن عبيد: ((ولا يُضارِ)) بتشديد الراءٍ ساكنةٌ
وَصْلاً، وفيها ضعفُ من حيث الجمعُ بين ثلاثِ سواكن، لكنه لمَّا كانت
الألفُ حرفَ مدَّ قام مَدُّها مقامَ حركةٍ، والتقاءُ الساكنين مغتفرٌ في الوقف، ثم
أُجْري الوصلُ مُجْری الوقف في ذلك.
وقرأ عكرمة /: ((ولا يُضارِرْ كاتباً ولا شهيداً) بالفكّ وكسرِ الراءِ الأولى، [١/١١٨]
والفاعلُ ضميرُ صاحب الحق، ونَصْبِ ((كاتبا)) و((شهيداً)) على المفعول به أي:
لا يضارِرْ صاحبُ حقٍّ كاتباً ولا شهيداً بأن يُجْبِرَهُ ويُبْرِمَه بالكتابة والشهادةِ؛
أو بأَنْ يحمِلَه على ما لا يَجُوز ..
وقرأ ابن محيصن: ((ولا يُضارُّ) برفع الراء، وهو نفيٌ فيكونُ الخبر(٣)
بمعنى النهي كقوله: ((فلا رَفَثَ ولا فسوق))(٤).
(١) ي: وإن كان تفعلا.
(٢) البحر ٣٥٤/٢.
(٣) ي: الجزاء.
(٤) الآية ١٩٧ من البقرة.
٦٧٦

- البقرة -
وقرأ عكرمة في رواية مُقْسِم: ((ولا يُضارِّ) بكسرِ الراءِ مشددةً على أصلٍ
التقاء الساكنين. وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذه الأشياءِ عند قولهِ: ((لا تُضَارَّ والدةٌ
بولدها»(١).
قوله: (وإنْ تَفْعلوا) أي: تفعلوا شيئاً مِمَّا نَهَى اللهُ عنه، فَحُذِف
المفعولُ به للعلمِ به. والضميرُ في ((فإنه)» يعودُ على الامتناع أو الإِضرار.
و(بكم)) متعلقٌ بمحذوفٍ، فقدَّرَه أبو البقاء(٢): ((لاحِقٌّ بكم)) وينبغي أن يُقَدَّر
كوناً مطلقاً، لأنه صفةٌ لـ ((فسوق)) أي: فسوقّ مستقرّ بكم، أي: ملتبسٌ بكم
ولا صقٌ بكم.
قوله: ((ويَعَلَّمُكم اللهُ)) يجوزُ في هذهِ الجملةِ الاستئنافُ - وهو
الظاهرُ - ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من الفاعلِ في ((اتَّقوا)) قال أبو البقاء(٣):
((تقديره: واتقوا اللهَ مضموناً لكم التعليمُ أَو الهدايةُ، ويجوزُ أن تكونَ حالاً
مقدَّرَة)». قلت: وفي هذين الوجهينِ نظرٌ لأنَّ المضارعَ المثبتَ لا تباشِرُه واوٌ
الحال، فإنْ وَرَدَ ما ظاهرُه ذلك يُؤَوَّلُ، لكنْ لا ضرورةَ تَدْعو إليه ههنا.
آ. (٢٨٣) قوله تعالى: ﴿ولم تَجَدوا كاتباً﴾: العامةُ على ((كاتباً» اسمَ
فاعل. وقرأ أُبَيّ (٤) ومجاهد وأبو العالية(٥): ((كتاب))، وفيه وجهان، أحدهما:
أنه مصدرٌ أي ذا كتابة. والثاني: أنه جَمْع كاتبٍ، كصاحب وصِحاب. ونقل
الزمخشري(٦) هذه القراءة عن أُبَيّ وابن عباس فقط، وقال: ((وقال ابن
(١) الآية ٢٣٣ من البقرة.
(٢) الإِملاء ١٢١/١.
(٣) الإِملاء ١٢١/١.
(٤) البحر ٣٥٥/٢؛ القرطبي ٣ / ٤٠٧.
(٥) رفيع بن مهران الرياحي، تابعي، قرأ عليه الأعمش وأبو عمرو، توفي سنة ٩٠. انظر:
طبقات القراء ٢٨٤/١.
(٦) الكشاف ٤٠٤/١.
٦٧٧

- البقرة -
عباس: أرأيتَ إن وجدتَ الكاتبَ ولم تَجِدْ الصحيفةَ والدَّواة)). وقرأ ابن عباس
والضحاك: ((كُتَّابًا) على الجمع، اعتباراً بأنَّ كلَّ نازلةٍ لها كاتبٌ. وقرأ أبو
العالية: (كُتُباً) جمع كتاب، اعتباراً بالنوازلِ، قلت: قولُ ابن عباس: ((أرأيتَ
إنْ وجدت الكاتب الخ)» ترجِيحٌ(١) للقراءةِ المرويَّةِ عنه واستبعادٌ لقراءةٍ غيرِهِ
/ ((كاتباً)، يعني أن المرادّ الكتابُ لا الكاتبُ.
[١١٨/ب]
قوله: ((فرهانٌ)) فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي:
فيكفي [عن] ذلك رُهُنٌ مقبوضةٌ. الثاني: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي:
فِرُهُن مقبوضة تكفي. الثالث: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: فالوثيقةُ أو
فالقائمُ مقامُ ذلك رُهُنُّ مقبوضةٌ.
وقرأ ابن(٢) كثير وأبو عمرو: ((فَرُهُنَ)) بضم الراء والهاء، والباقون
((فَرِهَانٌ)) بكسر الراء وألف بعد الهاء، رُوي عن ابن كثير وأبي عمرو تسكينُ
الهاءِ في رواية .
فأمَّا قراءةُ ابن كثير فجمع رَهْن، وفَعْل يُجْمع على فُعُل نحو: سَقْف
وسُقُفٍ. ووقع في أبي البقاء (٣) بعد قوله: ((وسَقْف وسُقُف، وأَسَد وأُسُد، وهو
[وهمٌ](٤)) ولكنهم قالوا: إن فُعُلَّا جَمِعُ فَعْل قليل، وقد أورد منه الأخفش(٥)
ألفاظاً منها: رَهْنَ ورُهُن، ولَحْد القبر ولُحُد، وقَلْب(٦) النخلة وقُلُب، ورجلٌ
(١) تحتمل في ب: ((توضيح)).
(٢) السبعة ١٩٤؛ الكشف ٣٢٢/١.
(٣) الإملاء ١٢١/١.
(٤) سقط من الأصل وثبت في النسخ الأخرى. ويبدو أن الوهم جاء من إيراده لفظة ((أسد))
فهي فَعَل وليست فَعْلَ، وعلى هذا فليست نظيراً لرَهْن وَرُهُن لاختلاف المفرد.
(٥) معاني القرآن له ١٩٠/١ - ١٩١.
(٦) قلب النخلة: شطبة بيضاء في وسطها.
٦٧٨

- البقرة -
ثَطَّ وقومٌ ثُطِّ(١)، وفرس وَرْدٌ وخيلٌ وُرُدٌ، وسهم حَشْرِ (٢) وسهام حُشُر. وأنشد
أبو عمرو حجةً لقراءتِه قولَ قعنب(٣):
١١٣٥ - بانَتْ سعادُ وأمسى دونَها عدنُ وَغلَّقَتْ عندَها مِنْ قبلِك الرُّهُنُ
وقال أبو عمرو: ((وإنما قَرَأتِ فَرُهُن للفصلِ بين الرهانِ في الخيلِ
وبين جمع ((رَهْن)) في غيرها (٤)) ومعنى هذا الكلام أنما اخترتُ هذه القراءةَ
على قراءة (رهان))، لأنه لا يجوزُ له أَنْ يفعلَ ذلك كما ذَكَرِ دونَ اتِباعِ روايةٍ .
واختار الزجاج (٥) قراءته هذه(٦) قال: ((وهذه القراءة وافَقَت المصحفَ،
وما وافقَ المصحفَ وصَحَّ معناه، وقَرَأت به القُرَّاءِ فهو المختارُ)). قلت: إن
الرسم الكريم ((فرهن)) دون ألفٍ بعد الهاء، مع أنَّ الزجاج يقول: ((إِنَّ فُعُلاً
جمعَ فَعْلٍ قليلٌ))، وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: ((لا أعرفُ الرِّهان إلا في
الخيل لا غيرُ)). وقال يونس(٧): ((الرُّهْنُ والرِّهان عربيان، والرُّهُنْ فِي الرَّهْنِ
أكثرُ، والرِّهان في الخيلِ أكثرُ)) وأنشدوا أيضاً على رَهْن ورُهُن قوله
البيت(٨) -:
١١٣٦ - آلَيْتُ لا نُعْطِيه من أَبْنائِنا رُهُنَا فِيُفْسِدَهم كَرَهْنِ أَفْسدا
(١) رجل ئط: خفيف الشعر ثقيل البطن.
(٢) سهر حشر: دقيق.
(٣) اللسان: رهن.
(٤) أي: أنه وجد الرهان مستعملة في رهان الخيل، فأحب صَرْف ذلك عن اللفظ الملتبس
برهان الخيل. انظر: تفسير الطبري ٩٧/٦.
(٥) معاني القرآن ٣٦٨/١.
(٦) سقط من: ي.
(٧) انظر: اللسان ((رهن)).
(٨) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٢٢٩؛ واللسان: رهن؛ والبحر ٣٥٥/٢.
٦٧٩

- البقرة -
وقيل: إنَّ رُهُنا جمعُ رِهان، ورِهان جمعُ رَهْن، فهو جَمْعُ الجمع، كما
قالوا في ثِمار جمعَ ثَمَّر، وثُمُر جَمِعُ ثِمار (١)، وإليه ذهب الفراء(٢) وشيخه،
ولكنَّ جَمْعَ الجمعِ غيرُ مطرَّدٍ عند سيبويه(٣) وجماهيرِ أتباعه.
وأمَّا قراءةُ الباقين (رِهانِ)) فرِهان جمعُ (رَهْن)) وفَعْل وفِعال مطردٌ كثير
نحو: كَعْب / وكِعَابٍ، وَكَلْب وكِلاب، ومَنْ سَّن(٤) ضمةَ الهاءِ في ((رُهُنَ)) [١١٩/أ]
فللتخفيفِ وهي لغةٌ، يقولون: سُقْف في سُقُف جمعَ سَقْف.
والرَّهْنُ في الأصل مصدُرَ رَهَنْتُ، يقال: رَهَنْتُ زيداً ثوباً أَرْهَنُه رَهْناً
أي: دفعتُه إليه رَهْناً عنده، قال(٥):
١١٣٧ - يراهِنُنِي فَيَرْهَنُنِي بَنِيه
وأَرْهَنُه بَنِيَّ بما أَقولُ
وأرهنْتُ زيداً ثوباً أي: دفعتُه إليه ليرهنَه، فَفرَّقوا بين فَعَل وَأَفْعَل. وعند
الفراء رَهَنْتُه وأَرْهَنْتُه بمعنى، واحتجَّ بقولِ همام السلولي(٦):
١١٣٨- فَلَمَّا خَشِيْتُ أظافِيرَهُمْ نَجَوْتُ وأَرْهَنْتُهُمْ مالِكا
وأنكر الأصمعيُّ هذه الروايةَ وقال: ((إنما الروايةُ: وَأَرْمَنُهُم مالكا»،
والواوُ للحالِ كقولهِم: ((قَمْتُ وأَصُكُ عينَه)) وهو على إضمارٍ مبتدأ.
(١) الأصل: ((ثمر)) وهو سُهو، وقوله ((وثُمُر)) سقط من: ب.
(٢) معاني القرآن ١٨٨/١.
(٣) الكتاب ٢٠٠/٢.
(٤) نسبها في شواذ القراءات إلى شهر بن حوشب. انظر: ص ١٨.
(٥) البيت لأحيحة بن الجلاح، وهو في اللسان: رهن.
(٦) تقدم برقم ٤١٩.
٦٨٠