النص المفهرس

صفحات 641-660

- البقرة -
مرتكبٌ قبيحاً)، وهو شيءٌ ممائِلٌ لِما أنت عليه عَلِمْتَ قطعاً أنك مأمورٌ به أيضاً،
بل هو أَبْلَغُ من أمري لك مواجهةً. وكذلك قال ثعلب، قال: ((الاختيارُ قراءةُ
العامة من الإِذن لأنه يُفَسِّر كونوا على إِذْنٍ وعِلْمٍ، ولأنَّ الكلامَ يَجْري به على
وجهٍ واحدٍ وهو أَدَلَّ على المرادِ، وأقربُ في الأفهام)). وقال أبو عبيدة (١):
(يقال: أَذِنْتُه بالشيء فَأَذِنَ به))، أي: عَلِمَ، مثل: أَنْذَرْتُهُ بالشيءِ فَذِرَ به،
فجعله مطاوعاً لأفْعَلَ.
وقال أبو عليّ (٢): ((وإذا أُمرِوا بإعلامِ غيرِهم عَلِموا هم لا محالَّةً، ففي
إعلامِهِم علمُهم، وليس في علمِهم إعلامُهم غيرَهم)) فقراءةُ المدِّ أرجحُ لأنها
أبلغُ وأكدُ.
وقال الطبري (٣): ((قراءةُ القصرِ أَرْجَحُ لأنها تختصُّ بهم، وإنما أُمِرُوا
على قراءةِ المدِّ بإعلام غيرهم).
وقال الزمخشري(٤): ((وقُرِىءٍ فَذِنُوا: فَأَعْلِموا بها غيرَكم، وهو من الإِذْن
وهو الإِسماع، لأنه من طرق العلمِ. وقرأ الحسنُ: ((فَأَيْقِنُوا)) وهو دليلٌ لقراءةٍ
العامةِ)) يعني بالقصرِ، لأنها نصٌّ في العلمِ لا في الإِعلام.
وقال ابنُ عطية (٥): ((والقراءتان عندي سواءٌ، لأنَّ المخاطَبَ محصورٌ،
لأنه كلُّ مَنْ لا يَذَرُ ما بقي من الربا. فإنْ قيل: ((فَأْذَنوا)) فقد عَمَّهم الأمرُ، وإنْ
قيلَ ((فَاذِنُوا)) بالمدِّ فالمعنى: أعلِموا أنفسكم أو بعضكم بعضاً، وكأنَّ هذه
(١) المجاز ٨٣/١ وضَبَط العبارة في المطبوعة: ((تقول: آذَنْتُك بحرب فأذِنْتَ به)) وليس في
العبارة التمثيل المذكور.
(٢) الحجة (خ) ٣١٣/٢.
(٣) تفسير الطبري ٢٤/٦.
(٤) الكشاف ٤٠١/١.
(٥) المحرر ٣٥٣/٢.
٦٤١

- البقرة -
القراءةَ تقتضي فَسْحاً لهم في الارتياءِ والتثُّتِ أي: فَأْعِلموا نفوسَكم هذا، ثم
انظُرُوا في الأرجحِ لكم: تَركِ الربا أو الحربِ)).
قوله: ((بحرب)) الباءُ في قراءة القصر قال الشيخ (١): ((للإلصاق، تقول
أَذِنَ بكذا أي: عَلِمَ كذا، ولذلك قال ابنُ عباس وغيرُه: المعنى: فاستيقنوا
بحربِ من الله)) قلت: قد قَرَّرْتُ أنَّ فعلَ العلمِ وإنْ كانَ في الأصلِ / متعدياً [١/١١٣]
بنفسِهِ فإنَّما يُعَدَّى بالباءِ لِما تَضَمِّنَ من معنى الإِحاطة فكذلك هذا، وَيَظْهَرُ مِن
كلامِ ابن عطية (٢) أنَّ هذه الباءَ ظرفيةٌ فإنه قال: ((هي عندي من الإِذن، وإذا
أَذِنَ المرءُ في شيءٍ فَقد قَرَّره وبنى مع نفسِه عليه، فكأنه قيل لهم: قَرِّروا
الحربَ بينكم وبين اللَّهِ ورسولهِ)) فقوله: ((وإذا أَذِنَ المرءُ في شيء» يقتضي
تقديرَه: ((فَأُذنوا في حربٍ، ولا يتأتّى هذا إلا على قراءةِ القصرِ، وأمَّا الباءُ مِع
قراءةِ المَدِّ فهي مُعَدِّيّةٌ للإعلام بالطريقِ الذي قَدَّرْتُه.
قوله: ((من الله)) متعلُّقُ بمحذوفٍ لأنَّه صفةٌ للنكرةِ قبلَه. و(َمِنْ)) فيها
وجهان، أظهرهما: أنها لابتداءِ الغايةِ مجازاً، وفيه تهويلٌ وتعظيمٌ للحرب حيث
هو واردٌ من جهةِ اللَّهِ تعالى. والثاني: أنها تبغيضيةٌ أي: من حروبِ الله
فهو على حَذْفِ مضاف. قال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلت: هلَّ قيل بحربٍ
اللَّهِ ورسولِهِ قلت: هذا أَبْلَغُ؛ لأنَّ المعنى فَأْذَنوا بنوعٍ من الحربِ عظيمٍ من
عندِ الله ورسولِهِ. انتهى. وإنما كان أبلغَ لأَنَّه لو أُضِيفَ لاحتملَ إضافةَ المصدرِ
إلى فاعلِهِ وهو المقصودُ، ولاحتملَ الإِضافةً إلى مفعوله، بمعنى أنكم تُحاربون
اللَّهَ ورسولَه، والمعنى الأولُ أبلغُ، فلذلك تَرَكَ ما هو محتملٌ إلى ما هو نَصِّ
في المرادِ.
(١) البحر ٣٣٩/٢.
(٢) المحرر ٣٥٢/٢.
(٣) الكشاف ٤٠١/١.
٦٤٢

- البقرة -
قولُهُ: ((لا تَظْلِمُون)) فيها وجهان، أظهرهُما: أنها لا محلٌّ لها لاستئنافِها،
أخبرُهم تعالى بذلك أي: لا تَظْلِمُون غيرَكم بأَخْذِكُمْ الزيادةَ منه، ولا تُظْلمون
أنتم أيضاً بضياع رؤوس أموالِكم. والثاني: أنها في محلّ نصبٍ على الحالِ
من الضميرِ في ((لكم)) والعاملُ ما تضمَّنه الجارُّ من الاستقرارِ لوقوعِهِ خبراً في
رأي الأخفش.
وقرأ الجمهورُ الأولَ مبنياً للفاعلِ والثاني مبنياً للمفعولِ. ورَوَى(١) أبان
والمفضَّلُ عن عاصم بالعكسِ. ورجَّح الفارسي (٢) قراءةً العامةِ بأنها تناسِبُ
قولَه: ((وإنْ تُبْتُمْ)) في إسنادِ الفعلينِ إلى الفاعلِ، فَتَظْلِمُون مبنياً للفاعل أَشْكَلُ
بما قبله. وقال أبو البقاء(٣): ((يُقْرَأُ بتسمية الفاعل في الأول وتَرْكِ التسميةِ في
الثاني. ووجهُه أنَّ مَنْعَهم من الظلمِ أهمُّ فُبُدِىءَ به، ويُقرأ بالعكسِ ، والوجهُ
فيه أنه قَدَّمَ ما تطمئِنُ به نفوسُهم من نفيِ الظلمِ عنهم، ثم مَنَعَهم من
الظلمِ، ويجوزُ أن تكونَ القراءتان بمعنى واحدٍ لأنَّ الواوَ لا تُرَنِّبُ.
آ. (٢٨٠) قوله تعالى: ﴿وإنْ كان ذو عُسْرَةٍ﴾: في ((كان)) هذه
وجهان، أحدُهما : - وهو الأظهر - أنها تامةٌ بمعنى حَدَثَ ووُجِدَ أي: وإن
حَدَثَ ذو عسرةٍ فتكتفي بفاعلِها كسائرِ الأفعالِ ، قيل: وأكثرُ ما تكونُ كذلك
إذا كانَ مرفوعُها نكرةً نحو: ((قد كان مِنْ مَطَرِ)». والثاني: أنها الناقصةُ والخبرُ
محذوفٌ. قال أبو البقاء(٤): ((تقديره: وإنْ كان ذو عسرة لكم عليه حَقُّ أو نحوُ
ذلك)) وهذا مذهبُ بعضِ الكوفيين في الآية، وقَدَّر الخبر: وإنْ كان من
غُرَمَائِكُمْ ذو عُسْرَةٍ. وَقَدَّرَهُ بعضُهم: وإنْ كان ذو عسرةٍ غريماً.
(١) السبعة ١٩٢؛ البحر ٣٣٩/٢.
(٢) الحجة (خ) ٣١٤/٢.
(٣) الإملاء ١١٧/١.
(٤) الإملاء ١١٧/١.
٦٤٣

- البقرة :-
قال الشيخ (١): ((وَحَذْفُ خبرِ كان)) لا يُجيزه أصحابُنا لا اختصاراً
ولا اقتصاراً، لعلةٍ ذكروها في النحو. فإن قيل: أليسَ أن البصريين لَّمَّا استْدَلَّ
عليهم الكوفيون في أَنَّ ((ليس)) تكونُ عاطفةً بقولِهِ(٢):
إنما يَجْزِي الفتى ليسَ الجَمَّلْ
١١١٥-
تأوَّلوها على حَذْفِ الخبر. وأنشدوا شاهداً على حَذْفِ الخبرِ قولَه(٣).
يبغِي جِوارَكِ حين ليسَ مُجِيرٌ
١١١٦-
وإذا ثبَتَ هذا ثَبَتَ في سائِرِ البابِ. فالجوابُ أن هذا مختصِّ بليس،
لأنها تُشْبِهُ لا النافيةَ، و((لا)) يجوز حذفُ خبرها فكذا ما أَشْبهها)). والعلةُ التي
أشار إليها الشيخُ هي أنَّ الخبرَ تَأَكَّد طلبُهُ من وجهين: أحدهما: كونُه خبراً عن
مُخْبَرِ عنه، والثاني: كونُه معمولاً للفعلِ قبله، فلمَّا تَأَكَّدَتْ مطلوبِيتُهُ امْتَنَعَ
خَذْفُهُ .
وتَقَوَّى الكوفيون بقراءةٍ (٤) عبدِ الله وأُبَيّ وعثمان: ((وإن كان ذا عُشْرِةٍ)
أي: وإنْ كان الغريمُ ذا عسرةٍ. قال أبو عليّ: ((في ((كان)) اسمُها ضميراً
(١) البحر ٣٤٠/٢.
(٢) البيت للبيد وصدره:
وإذا أُقْرِضْتَ قَرْضاً فاجْزِهِ
وهو في ديوانه ١٧؛ واللسان: ((قرض))؛ وأوضح المسالك ٣٨/٣؛ والتصريح
١٩١/١.
(٣) البيت لشمردل الليثي أو عبدالله بن أيوب، وهو في المغني ٧٠٠؛ والتصريح ٢٠٠/١؛
والأشموني ٢٥٦/١؛ والعيني ١٠٣/٢؛ والجمع ١١٦/١؛ والدرر ٨٥/١. وصدره:
لَّهَفي عليك لِلَّهُفَّةِ من خائِفٍ
(٤) البحر ٣٤٠/٢؛ والقرطبي ٣٧٣/٣.
٦٤٤

- البقرة -
تقديرُه: هو، أي الغريمُ، يَدُلُّ على إضمارِهِ ما تقدَّم من الكلامِ، لأنّ
المُرابي لا بُدَّ له مِمَّنْ يُرابيه)).
وقرأ الأعمشُ: ((وإنْ كان مُعْسِراً)) قال الداني عن أحمد بن موسى(١):
(إنها في مصحف عبدالله (٢) كذلك)).
ولكنَّ الجمهورَ على ترجيحٍ قراءةِ العامةِ وتخريجِهم القراءةَ المشهورة.
قال مكي (٣): ((وإنْ وقع ذو عسرةٍ، وهو سائغٌ في كلِّ الناس، ولو نَصَبْتَ «ذا)»
على خبرِ ((كان)» لصار مخصوصاً في ناسٍ بأعيانِهم، فلهذه العلةِ أَجْمَعَ القُرَّاءُ
المشهورون على رفع ((ذو)). وقد أَوْضَحَ الواحدي هذا فقال: ((أي: وإن وقع
ذو عسرةٍ، والمعنى على هذا يَصِحُّ، وذلك أنه لو نُصِبَ فقيل: وإنْ كان ذا
عسرةٍ لكان المعنى: وإنْ كان المشتري ذا عسرةٍ فنظرةً، فتكون النظرةُ
مقصورةٌ عليه، وليس الأمرُ كذلك، لأن المشتريّ وغيرَه إذا كان ذا عسرةٍ فله
النظرةُ إلى الميسرةِ». وقال الشيخ(٤): ((مَنْ نصب («ذا عسرة)) أو قرأ (مُعْسِرا)
فقيل: يختصُ بأهلِ الربا، ومَنْ رفع فهو عامٌّ في جميعٍ مَنْ عليه دَيْنٌ، قال:
((ليس بلازمٍ، لأنَّ الآية إنما سيقت في أهلِ الربا وفيهم نَزَلَتْ)) قلت: وهذا
الجوابُ لا يُجْدِي، لأنه وإن كان السياقُ كذا فالحكمُ ليس خاصاً بهم.
والعُسْرَةُ بمعنى العُسْر.
قوله: ((فنظِرةٌ) الفاءُ جوابُ الشرط و((نَظِرةٌ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي:
فالأمرُ أو فالواجِبُ، أو مبتدأُ خبرُهُ محذوفٌ، أي: فعليكم نظرةٌ، أو فاعلٌ
بفعلٍ مضمرٍ، أي: فتجِبُ نظرةٌ.
(١) وهو أبو بكر ابن مجاهد وتقدمت ترجمته.
(٢) عبارة البحر والقرطبي: ((مصحف أبيّ)).
(٣) المشكل ١١٧/١.
(٤) البحر ٣٤٠/٢.
٦٤٥

- البقرة -
وقرأ العامة: ((نَظِرة)) بزنة ((نَبِقَة))(١). وقرأ الحسن(٢) ومجاهد وأبو رجاء:
((فَنَظْرة)) بتسكين العين، وهي لغةٌ تميمية يقولون: ((كَبْد)) في ((كَبِد)) و ((كَنْف)) في
(كَتِف)). وقرأ عطاء ((فَناظِرَة)) على فاعِلَة، وقد خَرَّجَهَا أبو إسحاق(٣) على أنها
مصدرٌ نحو: ((ليس لوقعتها كاذبةٌ))(٤) ((يَعْلَمُ خائنةَ الأعين))(٥) ((أن يُفْعَلَ بها [١١٣/ب]
فاقِرَة))(٦). وقال الزمخشري (٧) ((فناظِرُهُ أي فصاحبُ الحقِ ناظرُه أي: منتظره،
أو صاحبُ نظرته على طريقةٍ النسب، كقولهم: ((مكان عاشِب وباقل)) بمعنى
ذو عشبٍ وذو بَقْلٍ، وعنه: ((فناظِرُهُ)) على الأمرِ بمعنى: فسامِحْهُ بالنظرةِ
وباشِره(٨) بها)) فنقلُه عنه القراءةَ الأولى يقتضي أن تكونَ قراءتُهُ («ناظِر)) اسمَ
فاعل مضافاً لضميرٍ ذَي العُسْرَةِ بخلافِ القراءةِ التي قَدَّمْتُها عن عطاء، فإنها
(ناظرة)) بتاء التأنيث، ولذلك خَرَّجها الزجاج على المصدرِ. وقرأ عبدالله:
((فناظِرُوه)» أمراً للجماعةِ بالنظرةِ، فهذه ستُ قراءاتٍ مشهورُها واحدةٌ.
وهذه الجملةُ لفظُها خبرٌ ومعناها الأمرُ، كقولهِ: ((والوالداتُ يُرْضِعْنَ))(٩)
وقد تقدَّم. والنظرةُ من الانتظارِ وهو الصبرُ والإِمهالُ.
قوله: ((إلى مَيْسَرة)) قرأ نافع(١٠) وحده: ((مَيْسُرَة)) بضم السين، والباقون
(١) النبقة: دقيق حلو يخرج من لب جذع النخلة.
(٢) البحر ٢ /٢٤٠؛ والقرطبي ٣٧٣/٣؛ شواذ القراءات ١٧.
(٣) معاني القرآن ٣٥٩/١. وهو الزجَّاج.
(٤) الآية ٢ من الواقعة.
(٥) الآية ١٩ من غافر.
(٦) الآية ٢٥ من القيامة.
(٧) الكشاف ٤٠١/١.
(٨) الكشاف: ((يأسره)) والأصل: بدون نقط، وما أثبتناه من ي.
(٩) الآية ٢٣٣ من البقرة
(١٠) السبعة ١٩٢؛ الكثيف ٣١٩/١.
٦٤٦

- البقرة -
بفتحِها. والفتحُ هو المشهورُ إذ مَفْعَل وَمَفْعَلَة بالفتحِ كثيرٌ، ومَفْعُلٌ بالضم
معدومُ إلا عند الكسائي، وسأُورد منه ألفاظاً، وأَما مَفْعُلة فقالوا: قليلٌ جداً
وهي لغةُ الحجاز، وقد جاءَتْ منها ألفاظٌ نحو: المَسْرُقَةَ والمَقْبُرَةِ والمَشْرُبة،
والمَسْرُبة(١) والمَقْدُرَة والمَأْدُبَة والمَفْخُرَةِ والمَزْرُعة ومَعْوُلَة وَمَكْرُمَة ومَأْلُكة(٢).
وقد رَدَّ النحاسُ (٣) الضمَّ تجرُّؤاً منه، وقال: ((لم تَأْتِ مَفْعُلة إلا في
حروفٍ معدودةٍ ليس هذه منها، وأيضاً فإنَّ الهاءَ زائدةٌ ولم يأتِ في كلامِهِم
مَفْعُلِ البِتَةَ)) انتهى. وقال سيبويه (٤): ((ليس في الكلامِ مَفْعُل)) قال أَبو علي(٥):
(يعني في الآحادِ(٦). وقد حَكَى عن سيبويه ((مَهْلَك)) مثلثَ اللامِ. وقال
الكسائي: ((مَفْعُل)) في الآحادِ، وأوردَ منه: مَكْرُماً في قولِ الشاعر(٧):
١١١٧ - ليوم. رَوْعٍ أو فَعالِ مَكْرُمٍ
ومَعْوُن في قولِ الآخر (٨) - هو جميل -:
١١١٨ - بُثْنُ الزمي ((لا)) إنَّ لا إنْ لَزِمْتِهِ
على كثرةِ الواشين أيُّ مَعُونٍ
(١) المسربة: جماعة النحل.
(٢) المالكة: الرسالة.
(٣) إعراب القرآن له ٢٩٦/١.
(٤) الكتاب ٣٢٨/٢.
(٥) الحجة (خ) ٣١٤/٢.
(٦) أي: في المفردات.
(٧) البيت لأبي الأخزر الحماني وقبله:
مروانُ مروانُ أخو اليومِ اليّمي
وهو في معاني القرآن للفراء ١٥٢/٢؛ والكتاب ٣٧٩/٢؛ وإصلاح المنطق
٢٢٣؛ والخصائص ٣١٢/٣؛ واللسان: كرم.
(٨) ديوانه ٢٠٨؛ والمحتسب ١٤٤/١؛ وأدب الكاتب ٤٧٦؛ وإصلاح المنطق ٢٤٩؛
واللسان: عون؛ والشاهد في قوله: ((معون)) أصلها مَعْوُن وقد أثبتها الكسائي على هذا
الوزن.
٦٤٧

- البقرة -
ومَأْلُكاً في قول عديّ (١):
أنه قد طالَ حَبْسي وانتظاري
١١١٩ - أَبْلِغِ النعمانَ عنِي مَأْلُكاً
وهذا لا يَرِدُ على سيبويهِ لوجهين، أحدُهما: أنَّ هذا جمعَ لمَكْرُمَة
ومَعُونَةَ وَمَأْلُكَة، وإليه ذهب البصريون والكوفيون خلا الكسائي، ونُقِلَ عن
الفراء أيضاً. والثاني: أن سيبويه لا يعتدُّ بالقليل فيقول: ((لم يُرِدْ كذا)) وإن كان :
قد ورَدَ منه الحرفُ والحرفانِ، لعدمِ اعتدادِهِ بالنادر القليلِ .
وإذا تقرَّر هذا فقد خَطَّأ النحويون مجاهداً وعطاءً في قراءتهما(٢): ((إلى
مَيْسُرِهِ)) بإضافة ((مَيْسُر) مضمومَ السينِ إلى ضميرِ الغريم، لأنهم بَنَوْهُ على أنه
ليسَ في الآحادِ مَفْعُل، ولا ينبغي أن يكونَ هذا خطأ، لأنه على تقديرِ تسلیمِ
أنَّ مَفْعُلاً ليس في الإحادِ، فَمَيْسُر هنا ليس واحداً، إنما هو جَمْعُ مَيْسُرَة
كما قلتم أنتم: إن مَكْرُماً جمع مَكْرُمَة ونحوه، أو يكونُ قد حَذَفَ تَاءَ التأنيثِ
للإضافةِ كقوله : (٣)
١١٢٠ - إنَّ الخليطَ أَجَدُّوا البَّيْنَ فانجردوا
وَأَخْلَفوك عِدَ الأمرِ الذي: وَعَدوا
أي: عِدة الأمر، ويَدُلُّ على ذلك أنهم نقلوا عنهما أنهما قرآ أيضاً:
(إلى مَيْسَرِهِ) بفتح السينِ مضافاً لضميرِ الغريمِ، وهذه القراءةُ نَصَّ فيما ذكرْتُهُ
لك من حذفِ تاءِ التأنيثِ للإِضافةِ لتوافق قراءةً العامةِ: ((إِلى مَيْسَرَة)) بتاءٍ
التأنيث.
(١) ديوانه ٩٣ - عدي بن زيد -؛ والمحتسب ٤٤/١؛ وحاشية الشيخ يس ٧٩/٢؛
والبحر ٣٤٠/٢. والمألك: الرسالة.
(٢) البحر ٣٤٠/٢؛ القرطبي ٣٧٤/٣.
(٣) البيت الفضل بن العباس، وهو في الخصائص ١٧١/٣؛ والأشموني ٢٣٧/٢؛
والتصريح ١٣٩٦/٢ وأوضح المسالك ٣٤٦/٣، الخليط: المخالط، أجدوا: صَيَّرُوه
جديداً، انجردوا: بَعُدوا.
٦٤٨

- البقرة -
وقد خَرَّجها أبو البقاء(١) على وجهٍ آخرَ، وهو أَنْ يكونَ الأصلُ:
((ميسورِه)) فَخُفَّفَ بحذفِ الواوِ اكتفاءً بدلالةِ الضمةِ عليها، وقد يتأيَّدُ ما ذَكَرَهُ
على ضَعْفِهِ بقراءةٍ عبدالله، فإنه قرأ: إلى ((مَيْسُوره)) بإضافةِ ((ميْسور) للضمير،
وهو مصدرٌ على مفَعْول كالمَجْلود والمَعْقُول، وهذا إنما يتمشّى على رأي
الأخفش، إذ أَثْبَتَ من المصادرِ زنة مَفْعُول، ولم يُثِْتْه سيبويه.
قوله: ((وأَنْ تَصَدَّقُوا)) قرأ عاصم بتخفيفِ الصاد(٢)، والباقون بتثقيلها.
وأصلُ القراءتين واحدٌ، إذ الأصلُ: تَتَصَدَّقُوا، فَحَذَفَ عاصم إحدى التاءين:
إمَّا الأولى وإما الثانيةِ، وتَقَدَّمَ تحقيقُ الخلافِ فيه، وغيرُهُ أدغم التاء في
الصادِ، وبهذا الأصلِ قرأ عبدالله(٣): (تَتَصَدَّقوا)). وحُذِفَ مفعولُ التصدُّقِ
للعلمِ به، أي: بالإِنظار. وقيل: برأس المال على الغريم. و((إن كنتم
تعلمون)» جوابُهُ محذوفٌ. و((أَنْ تَصَدَّقُوا)) بتأويل مصدرٍ مبتدأٌ، و ((خيرٌ لكم))
خبرُهُ.
آ (٢٨١) قوله تعالى: ﴿تُرْجَعُون فيه﴾: هذه الجملةُ في محلٌّ
نصبٍ صفةً للظرفِ. وقرأ أبو عمرو(٤): (تَرْجِعُون)) بفتح التاء مبنياً للفاعل،
والباقون مبنياً للمفعول. وقرأ الحسن: ((يَرْجِعُون)» بياء الغيبة على الالتفاتِ.
قال ابن جني (٥): ((كأنَّ اللَّهَ تعالى رَفَقَ بالمؤمنين عن أَنْ يواجِهَهُم بذکرٍ
الرَّجْعَةِ إِذ هي مِمَّا تتفطّر لها القلوبُ فقال لهم: ((واتقوا)) ثم رَجَعَ في ذكرِ
الرجعة إلى الغَيْبَةِ فقال: ((يَرْجِعُون)).
(١) الإملاء ١١٧/١.
(٢) السبعة ١٩٣؛ الكشف ٣١٩/١.
(٣) البحر ٣٤١/٢.
(٤) السبعة ١٩٣؛ الكشف ٣١٩/١؛ البحر ٣٤١/٢.
(٥) المحتسب ١٤٥/١.
٦٤٩

- البقرة -
قوله: ((وهم لا يُظْلَمُون)) جملةٌ حاليةٌ من ((كلُّ نفس)) وجُمِعَ اعتباراً
بالمعنى، وأعادَ الضميرَ عليها أولاً مفرداً في ((كَسَبَتْ)) اعتباراً باللفظِ، وقُدِّمَ
اعتبارُ اللفظ، لأنه الأصلُ، ولأنَّ اعتبارَ المعنى وَقَعَ رأسَ فاصلة فكان تأخيرُهُ
أحْسَنَ.
قال أبو البقاء (١): ((ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الضمير في: ((يُرْجَعُون))
على القراءةِ بالياء، ويجوزُ(٢ أن يكونَ حالاً منه أيضاً على القراءة بالتاء٢)،
على أنه خروجٌ من الخطابِ إلى الغَيْبة كقوله تعالى: ((حتى إذا كُنتم في
الفلكِ وجَرَيْنَ بهم))(٣)، ولا ضرورةَ تَدْعُو إلى ما ذكر.
آ. (٢٨٢) قوله تعالى: ﴿إِلى أَجْل﴾: متعلَّقٌ بتدائنْتُمْ، ويجوزُ أن
يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لدَيْن. و((مُسَمَّى)) صفةٌ لِدَيْن، فيكونُ قد قَدَّم
الصفةَ المؤولةَ على الصريحةِ وهو ضعيفٌ، فكان الوجهُ الأولُ أوجَّهَ .
و(تَدَايَنَ)) تفاعَلَ من الدَّيْن كتبايَعَ من البَيْعِ، يقال: داينْتُ الرجل أي: عامِلْتُه
بِدَيْنٍ، وسواءً كنت معطياً أم آخذاً، قال رؤية (٤):
١١٢١ - دايَنْتُ أَرْوُى والديونُ تُقْضى
· فَمَطَّلَتْ بعضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا
ويقال: دِنْتُ الرجلَ: إذا بِعْتُهُ بِدَيْنِ، وأَدَنْتُه أنا: أَخَذْتُ منه بدَيْنِ،
فَفَرَّقوا بين فَعَل وَأَفْعَلَ.
قوله: ((فاكتُبوه)) الضميرُ يعودُ على ((بدَيْن)) وإنما ذَكَرَ قولَه ((بدَيْن)) ليعيدَ
عليه هذا الضميرَ، وإنْ كان الدَّيْن مفهوماً / من قولِهِ: ((تدايَنْتُم))، أو لأنه قد [١/١١٤]
(١) الإملاء ١١٨/١.
(٢ - ٢) لم يرد في الإملاء .!
(٣) الآية ٢٢ من يونس.
(٤) ديوانه ٧٩؛ الكتاب ٣٠٠/٢؛ الخصائص ٩٦/٢؛ شواهد الكشاف ٤٣٤/٤:
٦٥٠

- البقرة -
يُقال: تَداينوا أي: جازى بعضُهم بعضاً فقال: ((بدَيْنِ)) ليُزِيلَ هذا الاشتراكَ،
أو ليدُلَّ به على العمومِ ، أي: أيِّ دينٍ كان من قليلٍ وكثيرٍ.
وقوله: ((إلى أجلٍ)) على سبيلِ التأكيدِ، إذ لا يكونُ الدَّيْنِ إلاّ مؤجّلاً،
وألفُ ((مُسَمَّى)) منقلبةٌ عن ياءٍ، تلك الياءُ منقلبةٌ عن واو، لأنه من التسميةِ،
وقد تقدَّم أنَّ المادةَ مِنْ سما يسمو.
قوله: ((بالعدلِ)) فيه أوجه، أحدُها: أن يكونَ الجارُّ متعلقاً بالفعلِ
قبلَه. قال أبو البقاء (١): ((بالعدلِ)) متعلُّقٌ بقولِهِ: فَلْيَكْتُبْ، أي: ليكتبْ
بالحقِّ، فيجوزُ أَنْ يكونَ حالا أي: ليكتبْ عادِلاً، ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً به
أي: بسببِ العَدْلِ)). قولُه أولاً: ((بالعدلِ متعلَّقٌ بقوله فَلْيَكْتُب)) يريدُ التعلقَ
المعنويَّ؛ لأنه قد جَوَّزَ فيه بعدَ ذلك أَنْ يكونَ حالاً، وإذا كانَ حالاً تعلَّقَ
بمحذوفٍ لا بنفسِ الفعلِ . وقوله: ((ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً)) يعني فتتعلَّقُ
الباءُ حينئذٍ بنفسِ الفعلِ .
والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بـ((كاتب)). قال الزمخشري(٢): ((متعلِّقٌ بكاتب صفةً
له، أي: كاتبٌ مأمونٌ على ما يَكْتب)» وهو كما تقدَّم في تأويل قول
أبي البقاء. وقال ابنُ عطية (٣): ((والباءُ متعلقةٌ بقولِهِ: ((وَلْيَكْتُب))، ولْيْسَتْ
متعلقةٌ بقولِهِ ((كاتبٌ)) لأنه كان يَلْزَمُ ألَّ يكتبَ وثيقةً إلا العدلُ في نفسِهِ، وقد
يكتُبها الصبيُّ والعبدُ».
الثالث: أن تكونَ الباءُ زائدةً، تقديرُهُ: فَلْيكتب بينكم كاتبُ العدلِ (٤).
(١) الاملاء ١١٨/١.
(٢) الكشاف ٤٠٢/١.
(٣) المحرر ٣٦٠/٢.
(٤) لعل هذا أضعف الأقوال لأن لزيادة الباء مواضعَ نصُّوا عليها ليس هذا منها.
٦٥١

- البقرة -
قوله: ((أَنْ يَكْتُبَ)) مفعولٌ به أي: لا يأبَ الكتابَةَ.
و ((كما عَلَّمه الله)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقولِهِ: ((أَنْ يَكْتُبَ)) على أنه نعتٌ
لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضميرٍ المصدرِ على رأي سيبويه(١)، والتقدير:
أَنْ يكتبَ كتابةً مثلَ ما عَلَّمه الله، أو أَنْ يكتبَهُ أي: الكَتْبَ مثلَ مَا عَلَّمه الله.
ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقوله ((فَلْيَكْتُبْ)) بعدَه.
قال الشيخ(١): ((والظاهرُ تعلُّق الكافِ بقولِهِ: ((فَلْيَكْتُب)) وهو قَلِقٌّ لأجلِ
الفاءِ، ولأجلِ أنه لو كانَ متعلِّقاً بقولِهِ: ((فَلْيكتب)) لكان النظمُ فَلْيكتب
كما عَلَّمه الله، ولا يُحتاج إلى تقديمِ ما هو متأخرٌ في المعنى)).
وقال الزمخشري (٣) : - بعد أَنْ ذكرَ تعلُّقَهُ بِأَنْ يكتُبَ، وبـ ((فليكتب)) -
((فإِنْ قلت: أَيُّ فرقٍ بيْن الوجهين؟ قلت: إِنْ عَلَّقْتَه بأَنْ يكتب فقد نَهَى عن
الامتناعِ من الكتابةِ المقيّدةِ، ثم قيل له: فَلْيَكْتُب تلك الكتابةَ لا يَعْدِلُ عنها،
وإنْ عَلَّقْته بقوله: ((فَلْيكتب)) فقد نَهَى عن الامتناعِ بالكتابة (٤) على سبيل
الإِطلاق، ثم أَمَرَ بها مقيدةً، ويجوزُ أن تكونَ متعلقةً بقولِهِ: لا يَأْبَ، وتكونُ
الكافُ حينئذٍ للتعليلِ. قالَ ابنُ عطية (٥): ((ويُحْتَمل أن يكونَ ((كما)) متعلقاً
بما في قولِهِ ((ولا يأْبَ)) من المعنى أي: كما أَنْعَمَ الله عليه بعلم الكتابةِ
فلا يَأْبَ هو، وَلْيُفْضِل كما أُفْضِلَ عليه)). قال الشيخ(٦): ((وهو خلافُ الظاهِرِ،
وتكونُ الكافُ في هذا القولِ للتعليلِ)» قلت: وعلى القولِ بكونِها متعلقةً
(١) الكتاب ١١٦/١.
(٢) البحر ٣٤٤/٢.
(٣) الكشاف ٤٠٢/١.
(٤) الكشاف: من الكتابة
(٥) المحرر ٣٦٠/٢.
(٦) البحر ٣٤٤/٢.
٦٥٢

- البقرة -
بقوله: ((فَلْيكتب)) يجوزُ أَنْ تكونَ للتعليلِ أيضاً، أي: فلأجلِ ما عَلَّمه اللَّهُ
فلیکتبْ.
وقرأ العامةُ: (فَلْيكتب)) بتسكينِ اللام كقولهم: ((كْف)) في كَتِف، إجراءً
للمنفصلِ مُجْرى المتصلِ. وقد قرأَ الحسن(١) بكسرِها وهو الأصلُ.
قوله: ((وَلْيُمْلِل)) أمرٌ من أَمَلْ يُمِلُ، فلمَّا سَكَنَ الثاني جزماً جَرى فيه
لغتان: الفكُّ وهو لغةُ الحجازِ، والإِدْغامُ وهو لغةُ تميم، وكذا إذا سَكْنَ وقفاً
نحو: أملِلْ عليه وأَمِلَّ، وهذا مطَّرِدٌ في كلِّ مضاعفٍ وسيأتي تحقيقُ هذا إنْ
شاء الله تعالى عند قراءتَيْ: ((مَنْ يَرْتَدِدْ، ويرتدَّ)» في المائدةِ(٢) وعلّة كلِّ لغةٍ.
وقُرىء هنا شاذاً(٣): (وَلَيُمِلْ)) بالإِدغامِ، ويقال: أَمَلِّ يُمِلُّ إملالاً،
وأَمْلَى يُملي إملاءُ. ومِن الأولى قولُه(٤).
١١٢٢ - ألا يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعانِ
أَمَلَّ عليها بالبِلَى المَلَوانِ
ومن الثانيةِ قولُه تعالى: ((فَهِي تُمْلَى عليه))(٥)، ويقال: أَمْلَلْتُ وَأَمْلَيْتُ،
فقيل: هما لغتانٍ، وقيل: الياءُ بدلٌ من أحدِ المِثْلَيْنِ، وأصلُ المادتين:
الإِعادةُ مرةً بعد أخرى.
و ((الحقُّ)) يجوز أَنْ يكونَ مبتدأ، و((عليه)) خبرٌ مقدمٌ، ويجوزُ أَنْ يكونَ
(١) البحر ٣٤٤/٢، ونسبها في شواذ القراءات ١٨ إلى عيسى وابن أبي اسحاق.
(٢) الآية ٥٤ من المائدة.
(٣) لم أجد مّنْ نسبها.
(٤) البيت لتميم بن أبي مقبل، وهو في ديوانه ٣٣٥، كما يُنْسب إلى ابن أحمر، وهو في
الكتاب ٣٢٢/٢؛ وأوضح المسالك ٢٧٨/٣؛ والأشموني ٣٠٩/٤؛ والخزانة ٢٧٥/٣.
والملوان: الليل والنهار.
(٥) الآية ٥ من الفرقان.
٦٥٣

- البقرة -ـ
فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتمادِهِ على الموصولِ، والموصولُ هو فاعِلُ ((يملل))
ومفعولُه محذوفٌ أي وَلْيُمْلِلْ الدَّانُ الكاتبَ ما عليه من الحقِّ، فَحَذَفَ
المفعولين للعلمِ بهما. ويتعدَّى بـ ((على)) إلى أحدِهما فيُقال: أَمْلَلْتُ عليه
كذا، ومنه الآيةُ الكريمة ..
قوله: ((ولا يَبْخَسْ منه)) يجوزُ في ((منه)) أن يكونَ متعلقاً بيبخَسْ، و ((مِنْ))
لابتداءِ الغايةِ، والضميرُ في ((منه)) للحقِّ. والثاني: أنها متعلقةً بمحذوفٍ لأنها
في الأصلِ صفةٌ للنكرةِ، فلمَّا قُدِّمَتْ على النكرةِ نُصِبَتْ حالاً .
و ((شيئاً)»: إمّا مفعولٌ به وإمَّا مصدرٌ.
والبَخْسُ: النّقْصُ، يُقال منه: بَخَس زيدٌ عمراً حقَّه يَبْخَسُهُ بَخْسَاً،
وأصلُهُ من: بَخَسْتُ(١) عينه، فاستعيرَ منه بَخْسُ الحق، كما قالوا: ((عَوَرْتُ
حَقَّه)) استعارةً مِنْ عَوَرِ العَيْنِ. ويقال: بَخَصْتُهُ بالصادِ. والتباخُسُ في البَيْعِ:
التناقُصُ، لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايِعَيْنِ يُنْقِصُ الآخرَ حَقَّه.
قوله: ((أن يُمِلَّ هُو)) أَنْ وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ مفعولاً به، أي:
لا يستطيعُ الإِملالَ، و((هو)) تأكيدٌ للضميرِ المستتر. وفائدةُ التوكيدِ به رَفْعُ
المجازِ الذي كان يحتمِلُه إسنادُ الفعلِ إلى الضميرِ، والتنصيصُ على أنه غيرُ
مستطيعٍ بنفسه، قاله الشيخ (٢).
وقُرىء بإسكان هاء ((هو)) وهي قراءةٌ ضعيفة (٣) لأنَّ هذا الضميرَ كلمةٌ
مستقلةٌ منفصلة عما قبلها. ومَنْ سَكَّنَهَا أجرى المنفصلَ مُجْرى المتصل ، وقد
تقدَّم تحقيقُ هذا في أول / هذه السورة. قال الشيخ (٤): ((وهذا أشدُّ مِنْ قراءةٍ [١١٤/ب]
(١) قال في الصحاح ((بخص)): ((بخص عينه: قَلَعها. ولا تَقُلْ: بخس)).
(٢) البحر ٣٤٥/٢.
(٣) وهي قراءة أبي جعفر انظر: الاتحاف ١٦٦؛ البحر ٣٤٥/٢.
(٤) البحر ٣٤٥/٢.
٦٥٤

- البقرة -
مَنْ قَرَأَ: ((ثم هْو يومَ القيامة))(١) قلت: فَجَعَلَ هذه القراءةَ شاذةً وهذه أشدَّ
منها، وليسَ بجيدٍ، فإِنَّها قراءةً متواترةً قرأ بها نافع بن أبي نُعَيم قارىءُ أهلِ
المدينة فيما رواه عنه قالُون، وهو أضبطُ رواتِهِ لحرفِهِ، وقرأ بها الكسائي أيضاً
وهو رئيس النحاة.
والهاء في ((وَلِيُّه)) للذي عليه الحقُّ إذا كان متَّصفاً بإحدى الصفاتِ
الثلاثِ. وقولُه ((بالعَدْل)) كما تقدَّم في نظيرِهِ فلا حاجةً إلى إعادتِهِ.
وقوله: ((فاسْتَشْهِدُوا)) يجوزُ أن تكونَ السينُ على بابِها من الطلب أي:
اطلُبُوا شهيدَيْن، ويجوزُ أن يكونَ استفعلَ بمعنى أَفْعَلَ، نحو: اسْتَعْجَلَ بمعنى
أَعْجَل، واسْتيقن بمعنى أَيْقَنَ وفي قوله: ((شهيدين)) تنبيهٌ على أنه ينبغي أن
يكونَ الشاهدُ ممِّن تتكرَّرُ منه الشهادةُ حيث أتى بصيغةِ المبالغة.
قوله: ((مِنْ رِجالِكم)) يجوزُ أن يتعلَّقَ باستشهِدوا، وتكونُ ((مِنْ)) لابتداءِ
الغاية، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لشهيدَيْن و ((مِنْ» تبعيضيةٌ.
قوله: ((فإنْ لم يكونَا رَجُلَيْنِ)) جَوَّزُوا في ((كان)» هذه أَنْ تكونَ الناقصةَ
وأَنْ تكونَ التامَةَ، وبالإِعرابين يختلفُ المعنى : فإنْ كانَتْ ناقصةً فالألفُ اسمُها،
وهي عائدةٌ على الشهيدَيْن أي: فإن لم يكنِ الشاهدان رَجُلَيْن، والمعنى على
هذا: إن أْفَلَ ذلك صاحبُ الحق أو قصد أَنْ لا يُشْهِدَ رجلين لغرضٍ له،
وإنْ كانَتْ تامةً فيكون ((رجلين)) نصباً على الحال المؤكّدة كقولهِ: ((فإنْ كانتا
اثنتين))(٢)، ويكونُ المعنى على هذا أنه لا يُعْدَل إلى ما ذَكَرَ إلا عند عدمِ
الرجال. والألفُ في ((يكونا) عائدةٌ على ((شهيدين))، تفيدُ الرجوليةَ، والتقديرُ:
فإنْ لم يُوجَدِ الشهيدان رَجُلَيْنِ.
(١) الآية ٦١ من القصص.
(٢) الآية ١٧٦ من النساء.
٦٥٥
۔۔

- البقرة -
قوله: ((فرجلٌ وامرأتان)) يجوزُ أَنْ يرتفعَ ما بعدَ الفاءِ على الابتداء والخبرُ
محذوفٌ تقديرُهُ: فرجلٌ وامرأتان يَكْفُون في الشهادةِ، أو مُجْزِئون ونحوُه.
وقيل: هو خبرٌ والمبتدأُ محذوفٌ تقديرُهُ: فالشاهدُ رجلٌ وامرأتان وقيل: بل
هو مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ تقديرُهُ: فيكفي رجلٌ أي: شهادةُ رجلٍ، فَحُذِفَ
المضافُ للعلمِ به، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه. وقيل: تقديرُ الفعلِ : فَلْيَشْهَدْ
رَجُلٌ، وهو أحسنُ، إذٍ لا يُحْوِج إلى حذفِ مضافٍ، وهو تقديرُ أبي القاسم
الزمخشري(١). وقيل: هو مرفوعٌ بكان الناقصةِ، والتقديرُ: فليكن مِمَّنْ
يشهدون رجلٌ وامرأتانٍ. وقيل: بل بالتامةِ وهو أَوْلى، لأنَّ فيه حذفَ فعلٍ فقط
بقي فاعلُهُ، وفي تقديرِ الناقصة حذفُها مع خبرِها، وقد عُرِفَ ما فيه، وقيل:
هو مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، تقديرُهُ: فليُسْتَشْهَد رجلٌ. قال أبو البقاءِ(٢):
((ولوكان قد قُرىء بالنصبِ لكانَ التقديرُ: فاسْتَشْهِدُوا)) قلت: وهو كلامٌ حسنٌ.
وقرىء: ((وامرأتان)» بسكون الهمزة(٣) التي هي لامُ الكلمة، وفيها
تخريجان، أحدُهما: أنَّه أَبْدَلَ الهمزةَ ألفاً، وليس قياسُ تخفيفِها ذلك، بل بَيْنَ
بِينَ، ولَمَّا أبدلَهَا ألفاً هَمَزَهَا كَمَا هَمزتِ العربُ نحو: العَأْلَمِ والخَأْتم
وقوله (٤):
١١٢٣ - وخِنْدِفّ هامةُ هذا العَأْلَمِ
وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سورة الفاتحة، وسيأتي له مزيدُ بيانٍ إن شاء
الله تعالى في قراءة ابنٍ ذكوان: «مِنْسَأْتَه)) في سبأ(٥).
(١) الكشاف ٤٠٣/١.
(٢) الإملاء ١١٨/١.
(٣) نسبها في شواذ القراءات إلى مَتّ بن عبدالرحمن: ص ١٧.
(٤) تقدم برقم ٨٧.
(٥) الآية ١٤ من سبأ. وانظر: النشر ٣٥٠.
٦٥٦

- البقرة -
وقال أبو البقاء (١) في تقريرٍ هذا الوجهِ، ونَحا إلى القياسِ فقال:
((ووجهُهُ أنه خَفَّفَ الهمزةَ - يعني بينَ بينَ - فَقَرُبَتْ من الألفِ، والمُقَرِّبَةُ من
الألفِ في حكمِها؛ ولذلك لا يُبْتَدَأُ بها، فلمَّا صارَتْ كالألفِ قَلَبَها همزةٌ ساكنةٌ
كما قالوا: خَأْتم وعألم.
والثاني: أن يكونَ قد استثقلَ تواليَ الحركاتِ، والهمزةُ حرفٌ يُشْبِهُ
حرف العلةِ فَتُسْتثقل عليها الحركةُ فَسُكِّنَتْ لذلك. قال الشيخ(٢): ((ويمكن أَنْ
سَكَّنها تخفيفاً لتوالي كثرةِ الحركاتِ، وقد جاء تخفيفُ نظيرِ(٣) هذه الهمزةٍ في
قول الشاعر (٤):
لَعَمْرِي لقد أَعْيَلْتُ وأَنَ رَقُوبُ
١١٢٤ - يَقُولون جَهْلاً ليس للشيخِ عَيِّلٌ
يريدُ: وأنا رَقوب، فَسَكَّنَ همزةَ ((أنا)» بعد الواوِ، وحَذَفَ ألف ((أنا))
وصلاً على القاعدةِ. قلت: قد نَصَّ ابنُ جني(٥) على أن هذا الوجهَ لا يجوزُ
فقال: ((ولا يجوزُ أن يكونَ سَكَّنَ الهمزةَ لأنَّ المفتوحَ لا يُسَكَّنُ لخفةِ الفتحةِ»
وهذا من أبي الفتح محمولٌ على الغالِبِ، وإلا فقد تقدَّمَ لنا آنفاً في قراءة
الحسنِ ((ما بَقِي من الربا)» وقبلَ ذلك أيضاً الكلامُ على هذه المسألةِ، وورودُ
ذلك في ألفاظٍ نظماً ونثراً، حتى في الحروفِ الصحيحةِ السهلةِ، فكيف
بحرفٍ ثقيلٍ يُشْبِهِ السُّفْلَةِ (٦)؟.
(١) الإملاء ١١٨/١.
(٢) البحر ٣٤٦/٢.
(٣) البحر: جاء نظير تخفيف.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في المحتسب ١٤٧/١؛ والبحر ٣٤٦/٢. والرقوب: من لا يعيش
له ولد لأنه يرقب موته ويرصده خوفاً عليه.
(٥) المحتسب ١٤٧/١.
(٦) كذا في الأصل، ولم أهتد إلى معناها.
٦٥٧

- البقرة -
قوله: ((مِمَّنْ تَرْضَوْن)» فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه في محلُّ رفعٍ نعتاً لرجل
وامرأتين /. والثاني: أنه في محلِّ نصبٍ لأنه نعتٌ لشهيدين. واستضعف [١١٥/أ]
الشيخُ(١) الوجهَ الأولَ قال: ((لأنَّ الوصفَ يُشْعِر اختصاصَه بالموصوفِ، فيكون :
قد انتفى هذا الوصفُ عن ((شهيدين))، واستضعفَ الثاني أبو البقاء(٢) قال:
(للفصلِ الواقعِ بينهما)). الوجهُ الثالث: أنه بَدَلِ مِنْ قولِه ((من رجالكم)) بتكرير
العاملِ، والتقديرُ: ((واستشهدوا شهيدَيْن مِمِّنْ تَرْضَوْن))، ولم يذكر أبو البقاء
تضعيفه. وكان ينبغي أن يُضَعُّفَه بما ضَعَّفَ وجهَ الصفة، وهو للفصلِ بينهما،
وضَعَّفه الشيخ (٣) بأنَّ البدلَ يُؤْذِنُ أيضاً بالاختصاص بالشهيدين الرجلينِ فَيَغْرَى
عنه رجلٌ وامرأتان. وفيه نظرً، لأنَّ هذا من بدلِ البعضِ إنْ أخذنا ((رجالكم))
على العمومِ ، أو الكلِّ من الكلِّ إن أخذناهم على الخصوصِ ، وعلى كِلا
التقديرين فلا ينفي ذلك عَمَّا عَداه، وأمّا في الوصفِ فمسلَّمٌ، لأنَّ لها مفهوماً
على المختارِ، الرابع: أن يتعلَّقَ باستشهدوا، أي: استشهدوا مِمَّنْ تَرْضَوْنِ.
قال الشيخ: ((ويكون قيداً في الجميعِ، ولذلك جاء متأخراً بعد الجميعِ»
قوله: ((مِن الشهداء)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من العائدِ
المحذوفِ، والتقدير: مِمِّنْ تَرْضَوْنَه حالٌ كونِه بعضَ الشهداء. ويجوزُ أن
يكونَ بدلاً مِنْ ((مِنْ)) بإعادةِ العاملِ، كما تقدَّم في نفسِ ((مِمَّنْ تَرْضَوْنَ))،
فيكونُ هذا بدلاً مِنْ بدلٍ على أحدِ القولين في كلٍّ منهما.
قوله: ((أَنْ تَضِلُّ)) قرأ حمزةُ(٤) بكسر ((إنْ)) على أنَّها شرطيةٌ، والباقون
(١) البحر ٣٤٧/٢.
(٢) الإملاء ١١٩/١.
(٣) البحر ٣٤٧/٢.
(٤) السبعة ١٩٤؛ الكشف ٣٢٠/١.
٦٥٨

:
- البقرة -
بفتحِها، على أنَّها المصدريةُ الناصبةُ، فأمَّا القراءةُ الأولى فجوابُ الشرطِ فيها
قولُه ((فتذكِّرُ))، وذلك أنَّ حمزةَ رحمه الله يقرأ: ((فَتُذَكِّرُ)) بتشديدِ الكافِ ورفعِ
الراءِ فَصَحَّ أن تكونَ الفاءُ وما في حَيِّزها جواباً للشرطِ، وَرَفَعَ الفعلَ لأنه على
إضمارِ مبتدأ أي: فهي تُذَكِّر، وعلى هذه القراءةِ فجملةُ الشرطِ والجزاءِ هل
لها محلّ من الإِعرابِ أم لا؟ فقال ابن عطيةً (١): ((إنَّ محلّها الرفعُ صفةً
لامرأتين))، وكان قد تقدَّم أنَّ قولَه: ((مِمَّنْ تَرْضَوْن)) صفةٌ لقولِه ((فرجلٌ
وامرأتان)) قال الشيخ(٢): ((فصار نظيرَ ((جاءني رجلٌ وامرأتان عقلاءُ حُبْلَيَان)»
وفي جوازٍ مثلِ هذا التركيبِ نظرٌ، بل الذي تقتضيه الأقيسةُ تقديمُ ((حُبْلَان)»
على ((عقلاء))؛ وأمَّا إذا قيل بأنَّ ((ممَّنْ تَرْضَوْن)) بدلٌ من رجالكم، أو متعلِّقٌ
باستشهدوا فيتعذَّرُ جَعْلُه صفةٌ لامرأتين للزومِ الفصلِ بين الصفةِ والموصوفِ
بأجنبي)». قلت: وابن عطية لم يَبْتَدِعْ هذا الإِعرابَ، بل سَبَقَه إليه الواحدي
فإنه قال: ((وموضعُ الشرطِ وجوابُه رفعٌ بكونهما وصفاً للمذكورين وهما
((امرأتان)) في قوله: ((فرجلٌ وامرأتان)) لأنَّ الشرطَ والجزاءَ يُوصَفُ بهما، كما
يُوصَلُ بهما في قولِهِ ((الذين إنْ مكَتَّهم في الأرضِ أقاموا الصلاةَ))(٣).
والظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ الشرطيةَ مستأنفةٌ للإِخبار بهذا الحكمِ ، وهي
جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأن قائلاً قال: ما بالُ امرأتين جُعِلَتا بمنزلةِ رجل؟
فأُجيبَ بهذه الجملةِ.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فـ((أَنْ)) فيها مصدريةٌ ناصبةٌ بعدَها، والفتحةُ فيه حركةٌ
إعرابٍ، بخلافِها في قراءةٍ حمزة، فإنها فتحةُ التقاءِ ساكنين، إذ اللامُ الأولى
ساكنةٌ للإِدغامِ في الثانية، والثانيةُ مُسَكَّنَةٌ للجزم، ولا يمكنُ إدغامٌ في ساکنٍ،
(١) المحرر ٣٦٦/٢.
(٢) البحر ٣٤٩/١.
(٣) الآية ٤١ من الحجر.
٦٥٩

- البقرة -
فَحَرَّكْنا الثانيةَ بالفتحةِ هرباً من التقائِهما، وكانتِ الحركةُ فتحةً، لأنها أَخَفُّ
الحركاتِ، وأَنْ وما في حَيِّزها في محلٌّ نصبٍ أو جرٍّ بعدَ حذفٍ حرفِ الجر،
وهي لامُ العلة، والتقديرُ: لأنْ تَضِلَّ، أو إرادةَ أَنْ تَضِلُّ.
وفي متعلَّقِ هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه فِعْلٌ مضمرٌ دَلَّ عليه
الكلامُ السابق، إذ التقديرُ: فاستشهدوا رجلًا وامرأتين لأنْ تَضِلَّ إحداهما،
ودَلَّ على هذا الفعلُ قولُه: ((فإنْ لم يكونا رجلين فَرَجُلٌ وامرأتان))، قَالَه
الواحدي، ولا حاجةً إليه، لأنَّ الرافعَ لرجل وامرأتين مُغْنٍ عن تقدير شيءٍ
آخرَ، وكذلك الخبرُ المقدَّرُ لقولك: ((فرجلٌ وامرأتان» إذ تقديرُ الأولِ : فَلْيَشْهد
رجلٌ، وتقديرُ الثاني: فرجلٌ وامرأتان يشهدون لأَنْ تَضِلِّ، وهذان التقدیرانِ
هما الوجهُ الثاني والثالثُ من الثلاثةِ المذكورةِ.
وهنا سؤالٌ واضحٌ جَرَتْ عادةُ المُعْرِبين والمفسِّرين يسألونَه وهو: كيف
جُعِل ضلالُ إحداهماً علةً لتطلّبِ الإِشهاد أو مراداً لله تعالى، على حَسَبٍ
التقديرَيْن المذكورَيْن أولاً؟ وقد أجابَ سيبويه(١) وغيرُه عن ذلك بأن الضلالَ
لَمَّا كان سبباً للإِذكار، والإِذكارُ مُسَيَّاً عنه، وهم يُنَزِّلون كلَّ واحدٍ من السببِ
والمُسَبَّب منزلةَ الآخرِ لالتباسِهما واتصالِهما كانَتْ إرادةُ الضلالِ المُسَّبِ عنه
الإِذكارُ إرادةً للإِذكارِ. فكأنه قيل: إرادَةَ أَنْ تُذَكِّر إحداهما الأخرى إِنْ ضَلَّتْ،
ونظيرُه قولُهم: ((أَعْدَدْتُ الخشبةَ أَنْ يميلَ الحائطُ فأدعمَه، وأعدْدتُ السلاح أن
يجي ءَ عدوٌ فأدفعَه)) فليس إعدادُك الخشبةَ لأَنْ يميلَ الحائطُ ولا إعدادُك
السلاحَ لأنْ يجيءَ عدوٌ، وإنما هما للإِدعام إذا مالَ(٢) / وللدفع إذا جاء [١١٥/ب]
العدوُ، وهذا مِمَّا يعودُ إليه المعنى ويُهْجَرُ فيه جانبُ اللفظَ.
(١) الكتاب ٤٣٠/١ - ٤٧٦/١.
(٢) الأصل: ((مالت)) وهو سهو، والضمير المستتر يعود على الحائط. وقوله ((الإِدعام)) لم أجد
الفعل أدعم فالأنسب: للدعم.
٦٦٠