النص المفهرس
صفحات 541-560
- البقرة - كسُبُوح وقُدُّوس وضَرَّاب وقَتَّال، فالزائدُ من جنسِ العَيْنِ، فلمَّا جاء بالياءِ دونَ الواوِ علمنا أن أصله فَيْعُول لا فَعُول؛ وعدَّ بعضُهم فَيْعُولاً من صيغ المبالغة كضّرُوب وضَرَّاب. قوله: ((لا تأخُّذُه سِنَةٌ)) في هذه الجملةِ خمسةُ أوجه، أحدُها: أنها في محلٌّ رفعٍ خبراً للحيّ كما تقدَّم في أحدِ أوجهِ رفعِ الحيّ. الثاني: أنها خبرٌ عن الله تعالى عند مَنْ يُجيز تعدُّد الخبرِ. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ المستكنِّ في ((القُّوم)» كأنه قيل: يقوم بأمرِ الخلق غيرَ غافلٍ ، قاله أبو البقاء(١). الرابع: أنها استئنافٌ إخبارٍ، أخبر تعالى عن ذاتِه القديمة بذلك. الخامس: أنها تأكيدٌ للقُّوم لأن مَنْ جاز عليه ذلك استحالَ أن يكونَ قَيُّوماً، قاله الزمخشري(٢)، فعلى قولِه إنها تأكيدُ يجوز أن يكونَ محلُّها النصبَ على الحالِ المؤكدة، ويجوز أن تكونَ استئنافاً وفيها معنى التأكيدِ فتصيرُ الأوْجُه أربعةً . والسِّنَةُ: النُّعاس، وهو ما يتقدَّم النومَ من الفتور، قال عديّ بن الرقاع(٣): في عينِه سِنَةٌ وليس بنائمِ ١٠٣٢- وَسْنانُ أَقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ وهي مصدرُ وَسَنْ يَسِنُ مثلَ: وَعَد يَعِد، وقد تقدَّم علةُ الحذفِ عند قوله ((سَعَةً من المال))(٤). وقال ابن زيد: ((الوَسْنان: الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى إنه ربما جرَّد السيف على أهله)) وهذا القولُ ليس بشيءٍ لأنه لا يُفْهَمُ من لغةِ العرب ذلك. وقال المفضَّل: ((السِّنَةُ: ثِقَلٌ في الرأسِ، والنعاسُ في العينين، والنومُ في القلب)). (١) الاملاء ١٠٦/١. (٢) الكشاف ٣٨٤/١. (٣) الحماسة الشجرية ٦٨٢/٢؛ واللسان: نعس؛ وشواهد الكشاف ٤ /٥١٧. (٤) الآية ٢٤٧ من البقرة. ٥٤١ - البقرة- وكررت ((لا)) في قوله: ((ولا نومٌ)) تأكيداً، وفائدتها انتفاءُ كلِّ واحدٍ منهما، ولو لم تُذْكَرْ لاجتُمِلَ نفيُهما بقيدِ الاجتماعِ ، ولا يَلْزَمُ منه نفيُّ كلٍ واحدٍ منهما على حِدَتهِ، ولذلك تقول: ((ما قامَ زيدٌ وعمروٌ بل أحدُهما))، ولو قلت: ((ما قامَ زيدٌ ولا عمرو بل أحدُهما)) لم يَصِحَّ، والمعنى: لا يَغْفَلُ عن شيءٍ دقيقٍ ولا جليلٍ ، فَعبَّر بذلك عن الغفلةِ، لأنه سببها، فَأَطْلَقَ اسمَ السببِ على مُسَبِّبه. قوله: ((له ما في السموات)) هي كالتي قبلها إلَّ في كونها تأكيداً و ((ما)» للشمولِ، واللامُ في ((له)) للمِلْك، وكَرَّر ((ما)) تأكيداً، وذَكَر هنا المظروفَ دون الظرفِ لأنَّ المقصودَ نفيُ الإلهية عن غيرِ الله تعالى، وأنه لا ينبغي أَنْ يُعْبد إلا هو، لأنَّ ما عُبِد من دونِهِ في السماء كالشمس والقمر والنجوم أو في الأرض كالأصنامِ وبعض بني آدم، فكلُّهم مِلْكُه تعالى تحتَ قهرِه، واستغنى عن ذِكْر أنَّ السمواتِ والأرضَ مِلْكُ له بذكرِه / قبلَ ذلك أنه خالقُ السموات [١٠٢/ب]: والأرض . قوله: ((مَنْ ذا الذي يَشْفع عنده)) كقوله: ((مَنْ ذا الذي يُفْرض))(١). و ((مَنْ)) وإن كان لفظُها استفهاماً فمعناه النفيُّ، ولذلك دَخَلَتْ ((إلا)) في قولِه ((إلا بإذنه)). و ((عنده)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ بَيَشْفَع. والثاني: أنه متعلُّقٌ بمحذوفٍ لكونِه [حالاً](٢) من الضمير في ((يَشْفِع)) أي يَشْفَعُ مستقراً عنده، وقوي هذا الوجهُ بأنه إذا لم يَشْفَعْ عَنده مَنْ هو عنده وقريبٌ منه فشفاعةٌ غيرِهُ أبعدُ. وضَعَّفَ بعضُهم الحالِيَّة بأنَّ المعنى: يَشْفَع إليه . (١) الآية ٢٤٥ من البقرة. (٢) سقط من الأصل، وورد في: صح. ٥٤٢ - البقرة - و ((إلاّ بإذنه)) متعلقٌ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ من فاعلِ ((يَشْفَع)) فهو استثناءٌ مفرِّغ، والباءُ المصاحبةِ، والمعنى: لا أحدَ يشفعُ عندَه إلاّ مأذوناً له منه، ويجوزُ أن يكونَ مفعولاً به أي: بإذنه يَشْفعون كما تقول: ((ضَرَب بسيفه)) أي هو آلةٌ للضربِ، والباءُ للتعديةِ . و (يَعْلَمُ)) هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ خبراً لأحدٍ المبتدأين المتقدمين أو استئنافاً أو حالاً. والضميرُ في ((أيديهم)) و((خلفهم)) يعودُ على ((ما)) في قوله: ((له ما في السموات وما في الأرض)) إلا أنه غَلَّبَ مَنْ يعقِلُ على غيرِهِ. وقيل: يعودُ على العُقَلاء ممَّن تضمَّنه لفظُ ((ما)) دونَ غيرِهم. وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه ((مَنْ ذا)» من الملائكةِ والأنبياء. وقيل: من الملائكة خاصةً. قوله: ((بشيءٍ)) متعلَّقٌ بيحيطون. والعلمُ(١) هنا بمعنى المَعْلوم لأنَّ عِلْمَه تعالى الذي هو صفةٌ قائمةٌ بذاتِهِ المقدَّسة لا يتبعَّضُ، ومِنْ وقوعِ العلم موقعَ المعلوم قولُهم: ((اللهم اغفر لنا عِلْمَك فينا)» وحديثُ موسى والخَضِر عليهما السلام «ما نَقَص عِلْمي وعلمُك من عِلمه إلَّ كما نَقَص هذا العصفورُ من هذا البحر))(٢) ولكونِ العلمِ بمعنى المعلومَ صَحَّ دخولُ التبعيضِ، والاستثناءُ عليه. و((مِنْ علمه)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بيحيطون، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لشيء، فيكونَ في محلَّ جر. و((بما شاءً)) متعلّقٌ بُيُحيطون أيضاً، ولا يَضُرُّ تعلُّقُ هذين الحرفين المتَّحدين لفظاً ومعنَّى بعاملٍ واحدٍ؛ لأنَّ الثاني ومجروره بدلان من الأوَّلَيْن (٣)، بإعادةِ العاملِ بطريقِ الاستثناءِ، كقولك: «ما مررت بأحدٍ إلا بزيدٍ)» ومفعولُ ((شاء)» محذوفٌ تقديرُه: إلا بما شاء أن يُحيطوا به، وإنما قَدَّرتُه كذلك لدلالةِ قوله: ((ولا يحيطون بشيءٍ من علمه)). (١) وذلك في قوله تعالى: ((من عِلْمِه)). (٢) البخاري: باب العلم (الفتح) ٢١٨/١؛ ابن حنبل ١١٨/٥. (٣) يعني بالأولين قوله: ((بشيء). ٥٤٣ -٠ - البقرة - قوله: ((وَسِع كرسيُّه)) الجمهورُ على ((وَسِعَ)) بفتح الواوِ وكسرِ السِينِ وفتحِ العينِ فعلاً ماضياً. و ((كرسيُّه)) بالرفع على أنه فاعلُه، وَقُرىءٍ (١) ((وَسْعَ)) سَكَّن عينَ الفعلِ تخفيفاً نحو: عَلْمَ فِي عَلِمَ. وقرىء أيضاً: ((وَسْعُ كرسيُّه)) بفتح الواو وسكونٍ السين ورفعِ العين على الابتداء، ((كرسيِّه)» خفضّ بالإِضافة، ((السمواتُ)) رفعاً على أنه خبرٌ للمبتدأ(٢). والكُرْسِيُّ الياءُ فيه لغير النسب واشتقاقُه من الكِرْس وهو الجمع، ومنه الكُرَّاسة للصحائف الجامعةِ العلمِ، ومنه قولُ العجاج(٣). ١٠٣٣ - يا صاحِ هل تَعْرِفُ رسماً مُكْرَساً قال نَعَمْ أعرِفُه وَأَبْلَسا وجمعه كَرَاسيّ كُخْتِيّ (٤) وبَخَاتِيّ، وفيه لغتان: المشهورةُ ضمُّ كافِهِ، والثانيةُ كسرُها، وكأنه كسرُ إتباع، وقد يُعَبَّر به عن المَلِك لجلوسه عليه تسميةٌ للحالِّ باسم المَحَلِّ، ومنه(٥): ١٠٣٤ - قد عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلى القُدْسِ أنَّ أبا العباسِ أَوْلِى نَفْسِ فِي مَعْدِنِ المَلِكِ القديمِ الكُرْسي وعن العلمِ تسميةً للصفةِ باسمِ مكانٍ صاحبها، ومنه قيل للعلماء: ((الكَراسيّ)) قال: (٦) (١) ذكرها صاحب البحر ٢٧٩/٢ من دون نسبة. (٢) وهي بعض روايات يعقوب. انظر: شواذ ابن خالويه ١٦؛ البحر ٢٧٩/٢. (٣) تقدم برقم ٣٦٢. (٤) البختي: الإِبل الخراسانية . (٥) الأبيات للعجاج؛ ديوانه ٢١٧/٢؛ والطبري ٤٠٣/٥؛ البحر ٢٧٩/٢؛ واللسان . کرس . (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في الطبري ٤٠٢/٥؛ والقرطبي ٢٧٧/٣. ٥٤٤ - البقرة - ١٠٣٥- يَحُفُّ بهم بيضُ الوجوه وعُصْبَةٌ كراسِيُّ بالأحداثِ حين تَنُوبُ وَصَفَهم بأنهم عالمونَ بحوادثِ الأمورِ ونوازِلِها، ويُعَبَّرُ به عن السُّرِّ قال: (١) ولا بِكُرْسِيٍّ ـ عَلْمَ اللَّهُ -مَخْلُوقٍ ١٠٣٦ - مالي بأَمْرِكَ كُرْسِيٍّ أُكاتِمُهُ وقيل: الكُرْسيُّ لكل شيء أصلُه. قوله: ((ولا يُؤْدُه) يقال: آدَه كذا أي: أَنْقله ولَحِقه منه مَشَقَّةٌ، قال: (٢) ١٠٣٧ - ألا ما لسَلْمَى اليومَ بَتَّ جَدِيدُها وَضَنَّتْ وما كانُ النَّوالُ يَؤُودُها أي: يُثُقِلها، ومنه المَوْءُوْدَة للبنت تُدْفَنُ حيةً، لأنهم يثقلونها بالتراب. وقُرىء(٣) (يَوْدُه) بحذفِ الهمزة، كما تُحذف همزة ((أناس))، وقرىء «يُؤُوده)) بإبدال الهمزة واواً . و ((حِفْظ)) مصدرٌ مضافٌ لمفعولِهِ، أي لا يَؤُوْده أَنْ يحفظَهما. و((العليّ)) أصلُه: عَلِيْوٌ فَأُدْغم(٤) نحو: مَيِّت، لأنه من علا يعلو، قال: (٥) تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لنسٍ وكاسِرٍ ١٠٣٨- فَلَمَّا عَلَوْنَا واستَوَيْنَا عليهِمُ و ((العظيمُ)) تقدَّم معناها، وقيل: هوهنا بمعنى المُعَظِّم كما قالوا: اعتيق)) بمعنى مُعَتَّق قال: (٦) (١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٨٠/٢. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٧٢/٢. (٣) البحر ٢٨٠/٢ من دون نسبة. (٤) أي: أدغم بعد قلب الواو ياء لأن الثانية سبقت بالسكون. (٥) تقدم برقم ٣٢٤. (٦) البيت للأعشى، وهو في الديوان٥؛ والطبري ٤٠٦/٥. الاسفنط: ضرب من الأشربة فارسي معرِّب. والزلال: الصافي السائغ. ٥٤٥ - البقرة - سفَنْطِ ممزوجةً بماءٍ زُلالِ ١٠٣٩- فكأنَّ الخمرَ العتيقَ من الإِسْـ قيل: وأَنْكِرَ ذلك(١) لانتفاء هذا الوصفِ قبل الخَلْقِ وبعد فنائِهم، إذ لا مُعَظِّم له حينئذٍ، وهذا فاسدٌ لأنه مستحقٌ هذا الوصفَ. وقيل في الجواب: عنه: إنه صفة فعلٍ كالخَلْق والرِّزْق، والأولُ أصحُ. قال الزمخشري: (٢) (فإن قلت: كيف تَرَتََّتِ الجملُ في آية الكرسي من غير حرفٍ عطفٍ؟ قلت: ما منها جملةٌ إلا وهي واردةٌ على سبيل البيانِ لما تَرَتَّبَتْ عليه، والبيانُ مُتَّحِدٌ بالمُبَيِّن، فلو توسَّط بينهما عاطفٌ لكان كما تقول العرب: ((بين العصا ولِحائها)(٣) فالأُولى بيانٌ لقيامِهِ بتدبيرِ الخَلْق وكونِهِ مهيمناً عليه غيرَ ساهٍ عنه، والثانيةُ لكونِهِ مالكاً لما يدَبِّره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لإِحاطته بأحوال الخلق وعِلْمِه بالمرتضى منهم، المستوجِبٍ للشفاعةِ وغيرِ المُرْتَضَى، والخامسةُ لسَعَةِ علمه وتعلُّقِهِ بالمعلوماتِ كلِّها أو لجلالِهِ وعِظَم قدرتِهِ» انتهى. يعني غالبَ الجملِ وإلَّ فبعضُ الجمل فيها معطوفة وهي قولُهُ: ((ولا يُحيِطُونَ)) وقولُهُ ((ولا يَؤُودُه) وقولُه: ((وهو العليُّ العظيم)). آ. (٢٥٦) قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾: كقوله ((لا ريبَ فيه))(٤) وقد تقدَّم. والجمهور على إدغام دالِ ((قد)) في تاءِ ((تَبِيِّن)) لأنها من: مَخْرَجِها. ومعنى الإِكراه نسبتُهم إلى كراهةِ الإِسلام. قال الزجاجُ: ((لا تَنْسُبوا إلى الكراهةِ مَنْ أسلمَ مُكْرَهً)). يقال: ((أَكْفَرِه)) نَسَبَه إلى الكفرِ، قال: (٥). (١) أي كون العظيم بمعنى المعظّم. (٢) الكشاف ٣٨٦/١. (٣) مثل عربي؛ مجمع الأمثال ١٢٦/١. واللحاء: القشر، يضرب للمتحابين شفيقين، إشارة إلى غاية القرب بينهما. (٤) الآية ٢ من البقرة. (٥) البيت للكميت بن زيد، وهو في البحر ٢٨١/٢. ٥٤٦ - البقرة - وطائفةٌ قالوا مسيءٌ ومُذْنِبُ ١٠٤٠- وطائفةٌ قد أَكْفروني بحبِّهم [وأل في (الدين)) للعهدِ، وقيل: عِوَضٌ من الإِضافة أي ((في دين الله))](١). والرُّشْدُ: مصدرُ رَشَدَ بفتح العين يَرْشُد بضمها. وقرأ(٢) الحسن (الرُّشُد)) [بضمتين كالعُنُقْ، فيجوز أن يكونَ هذا أصلَه، ويجوزُ أَنْ يكونَ إتباعاً، وهي مسألةُ خلافٍ أعني ضَمَّ عينِ الفعل. وقرأ أبو عبدالرحمن](٣) الرَّشَد بفتح الفاء والعينِ، وهو مصدرُ رشِد بكسرِ العينِ يَرْشَد بفتحها، ورُوي عن أبي عبدالرحمن أيضاً: ((الرَّشادُ)) بالألف. [ ١/١٠٣] / قوله (من الغَيّ)) متعلُّقٌ بتبيَّن، و((مِنْ)) للفصلِ والتمييزِ كقولك: مَيِّزتُ هذا من ذاك. وقال أبو البقاء: (٤) ((في موضعِ نصبٍ على أنه مفعولٌ)) وليس بظاهرٍ لأنَّ معنى كونِهِ مفعولاً به غيرُ لائقِ بهذا المحلِّ. ولا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعرابِ، لأنها استئنافٌ جارٍ مجرى التعليلِ لعدَمِ الإِكراه في الدين. والغَيُّ: مصدرُ غَوَى بفتح العين قال: ((فَغَوَى))(٥)، ويقال: ((غَوَى الفصيلُ)) إذا بَشِمَ وإذا جاع أيضاً، فهو من الأضدادِ. وأصلُ الغَيّ: ((غَوْيٌّ)) فاجتمعت الياء والواو، فَأُدْغِمَتْ نحو: مَيْت وبابِهِ . قوله: ((بالطاغوتٍ)) متعلَّقٌ بـ ((يكْفر))، والطاغوتُ بناء مبالغةٍ كالجَبّروت والملَكوت. واختُلِفَ فيه، فقيل: هو مصدرٌ في الأصلِ ولذلك يُوَحَّد ويُذَكَّر، كسائرِ المصادرِ الواقعةِ على الْأُعْيَان، وهذا مذهبُ الفارسي، وقيل: هو اسمُ (١) ما بين معقوفين سقط من مصورة الأصل وأثبتناه من باقي النسخ . (٢) البحر ٢٨٢/٢، القرطبي ٢٧٩/٣. (٣) ما بين معقوفين سقط من مصورة الأصل. (٤) الإملاء ١٠٧/١. (٥) الآية ١٢١ من طه: ((وعصى آدمُ ربَّه فَغَوى)). ٥٤٧ - البقرة - جنسٍ مفردٍ، فلذلك لَزِمَ الإِفرادَ والتذكيرَ، وهذا مذهبُ سيبويه(١). وقيل هو جمعٌ، وهذا مذهبُ المبردِ، وهو مؤنثٌ بدليل قوله تعالى: ((والذين اجتنبوا الطاغوتَ أن يَعْبُدوها))(٢). واشتقاقُه من طغَى يَطْغَى، أو من طَغَا يَطْعُوِ، على حَسَبِ ما تقدَّم أولَ السورة؟ هل هو من ذواتِ الواوِ أو من ذواتِ الياءِ؟ وعلى كلا التقديرين فأصلُه طَغَيُوت أو طَغَوُوت لقولِهِم ((طُغْيان)) في معناه، فَقُلِبَت الكلمةُ بأَنْ قُدِّمَتْ اللامُ وأُخْرت العينُ، فتحرَّك حرفُ العلةِ وانفْتَحَ ما قِبَلَه فَقُلِبَ ألفاً، فوزنه الآن فَلَعُوت، وقيل: تأؤُه ليسَتْ زائدةً، وإنما هي بدلٌ من لامِ الكلمة، ووزنُه فاعول. قال مكي : (٣) ((وقد يَجُوز أن يكونَ أصلُ لَامِهِ واواً فيكونُ أصلُه طَغَووتاً لأنه يقال: طَغَى يَطْغَى وَيَطْغَو، وطَغَيْتُ وطَغَوْتُ، ومثلُه في القلب والاعتلال والوزن: حانوت، لأنه من حَنا يَحْنُو وأصله حَنَوُوت، ثم قُلِب وأُعِلَّ، ولا يجوزُ أن يكونَ من: حانَ يَجِين لقولِهم في الجمع خَوانيت» انتهى. كأنَّه لمَّا رأى أَنَّ الواوَ قد تُبْدَل تاءً كما في تُجاه وتُخَمَة وتُراث وتُكَأَةٍ، ادَّعى قَلْبَ الواوِ التي هي لامُ تاءً، وهذا ليسَ بشيءٍ. وقَدَّمِ ذِكْرَ الكفر بالطاغوتِ على ذِكْرِ الإِيمانِ باللّهِ اهتماماً بوجوبٍ الكفرِ بالطاغوتِ، وناسَبَّه اتصالُهُ بلفظِ ((الغَيّ)). والعُرْوَة: موضعُ شَدِّ الأيدي، وأصلُ المادةِ يَذُلُّ على التعلُق، ومنه: عَرَوْتُهُ: أَلْمَمْتُ به متعلَّقً، واعتراه الهَمُّ: تعلَّق به. والوُثْقى: فُعْلى للتفضيل تأنيثَ الأوثق، كفُضْلى تأنيثَ الأفضل، وجَمْعُها على وُثَق نحو: كُبْرى وكُبَرَ، فأمّا ((وُثُق)) بضمتين فجمع وَثِيْق. (١) الكتاب ٢٢/٢. (٢) الآية ١٧ من الزمر. (٣) المشكل ١٠٧/١. ٥٤٨ - البقرة - قوله: ((لا انفصامَ لها)) كقولِهِ: ((لا ريبَ فيه))(١) والجملةُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ استئنافاً فلا محلّ لها حينئذٍ. والثاني: أنها حالٌ من الْعُرْوة، والعاملُ فيها ((استمسَكَ)). والثالث: أنها حالٌ من الضميرِ المستترِ في ((الوُثْقَى)). و((لها)) في موضِعِ الخبرِ فتتعلُّقُ بمحذوفٍ أي: كائنٌ لها. والانفصامُ - بالفاء - القَطْعُ من غير بَيْنُونة، والقصمُ بالقافِ قَطْعٌ ببينونةٍ، وقد يُستعمل ما بالفاءِ مكانَ ما بالقافِ. آ. (٢٥٧) قوله تعالى: ﴿والذين كَفَروا أولياؤهم﴾: الذين مبتدأ أولُ، وأولياؤهم مبتدأٌ ثانٍ، والطاغوتُ: خبرُه، والجملةُ خبرُ الأول. وقرأ(٢) الحسن [((الطواغيت)) بالجمعِ، وإن كان أصلُه مصدراً لأنه لمَّا](٣) أطلق على المعبودِ مِنْ دونِ الله اختلفَت أنواعُه، ويؤيِّد ذلك عَوْدُ الضميرِ مَجْمُوعاً من قوله: ((يُخْرِجونهم)). قوله: ((يُخْرِجونهم)) هذه الجملةُ وما قبلَها من قولِهِ: ((يُخْرِجُهم)» الأحْسنُ فيها ألَّ يكون لها محلُّ من الإِعراب، لأنهما خَرَجا مخرجَ التفسيرِ للولاية، ويجوزُ أن يكونَ (يُخْرِجُهم)) خبراً ثانياً لقولِهِ: ((الله)) وأن يكونَ حالاً من الضميرِ في ((وليُّ))، وكذلك ((يُخْرِجونهم)) والعامِلُ في الحال ما في معنى الطاغوت، وهذا نظيرُ ما قاله الفارسي في قولِهِ: ((نَزَّاعة))(٤) إنها حالٌ العاملُ فيها ((لَظَى)) وسيأتي تحقيقُه. و((من)) [و] ((إلى)) متعلقان بفعلي الإخراج. آ. (٢٥٨) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الذي﴾: تقدَّم نظيرُه في قوله: (١) الآية ٢ من البقرة. (٢) البحر ٢٨٣/٢. (٣) لم يظهر في فيلم الأصل. (٤) الآية ١٦ من المعارج: ((كلا إنها لَغَلَى نَزَّاعةً للشوى)). ٥٤٩ - البقرة ــ ((أَلَمْ تر إلى الذين خرجوا))(١). وقرأ عليّ (٢) رضي الله عنه: ((تَرْ) بسكون الراء، وتقدَّم أيضاً توجيهُها. والهاءُ في ((ربه)) فيها قولان، أظهرهُما: أنها تعودُ على (إبراهيم))، والثاني: تعودُ على ((الذي))، ومعنى حاجَّه: أظهرَ المغالَبَة في حُجَّتِهِ. قوله: ((أن آتاه اللَّهُ)) فيه وجهان، أظهرهُما: أنه مفعولٌ من أجله على حذفِ حرفِ العلةِ، أي: لأنْ آتاه، فحينئذٍ في محلِّ ((أَنْ)) الوجهان المشهوران، أعني النصبَ أو الجرَّ، ولا بُدَّ من تقديرِ حرفِ الجرِ قبل ((أَنْ)) لأنَّ المفعول من أجله هنا نَقَّص شرطاً وهو عدمُ اتحادِ الفاعلِ، وإنما حُذِفَتْ اللام، لأنَّ حرفَ الجرِّ يطَّرد حَذْفُهُ معها ومع أنَّ، كما تقدَّم غيرَ مرة. وفي كونِهِ مفعولاً من أجلِهِ معنيان، أحدُهما: أنه من بابِ العكسِ في الكلام بمعنى أنه وَضَعَ المُحَاجَّة موضعَ الشكر، إذ كان من حَقُّه أن يشكرَ في مقابلة إتيانِ المُلْك، ولكنه عَمِلَ على عكس القضية، ومنه: ((وَتَجْعَلُون رزقكم أنكم تُكَذِّبون))(٣)، وتقول: ((عاداني فلانٌ لأني أَحْسنت إليه)) وهو باب بليغٌ. والثاني: أنَّ إيتاءَ المُلْكِ حَمَلَه على ذلك، لأنه أورثه الكِبْرَ والبَطَرَ، فتسبَّب عنهما المُحاجّةُ. الوجه الثاني: أنَّ ((أَنْ)) وما في حُيِّزها واقعةٌ موقعَ ظرفِ الزمان، قال الزمخشري : (٤) ((ويجوزُ أن يكونَ التقديرُ: حاجَّ وقتَ أَنْ آتاه)) وهذا الذي أجازه الزمخشري محلُّ نظرٍ، لأنه إنْ عنى أنَّ ذلكَ على حَذْفِ مضاف ففيه (١) الآية ٢٤٣ من البقرة (٢) البحر ٢٨٦/٢. (٣) الآية ٨٢ من الواقعة. (٤) الكشاف ٣٨٨/١. ٥٥٠ - البقرة - بُعْدٌ من جهةِ أنَّ المُحاجَّةَ لم تقعْ وقتَ إيتاءِ اللَّهِ له المُلْكَ، إلا أنْ يُتَجَوَّزَ في الوقتِ، فلا يُحْمَل على الظاهِرِ، وهو أنَّ المُحاجَّة وَقَعَتْ ابتداءَ إِيتَاءِ المُلْك، بل يُحْمَلُ على أنَّ المُحاجَّة وقعتْ وقتَ وجودِ المُلْك، وإنْ عنى أَنَّ ((أَنْ)) وما في حَيُّزها واقعةٌ موقعَ الظرفِ فقد نَصَّ النحويون على منعِ ذلك وقالوا: لا يُنْوب عن الظرفِ الزماني إلا المصدرُ الصريحُ، نحو: ((أتيتُكَ صياحَ الديك)) ولو قلت: ((أن يصيح الديك)) لم يَجُزْ. كذا قاله الشيخ(١)، وفيه نظرٌ، لأنه قال: ((لا ينوبُ عن الظرفِ إلا المصدرُ الصريحُ)) وهذا معارَضٌ بأنهم نَصُّوا على أنَّ ((ما)) المصدريةَ تنوبُ عن الزمان، وليست بمصدرٍ صريحٍ. والضمير في ((آتاه)) فيه وجهان، أحدُهما - وهو الأظهرُ ــ أن يعودَ على (الذي))، وأجاز المهدوي أن يعودَ على ((إبراهيم)) أي: مَلَكَ النبوة. قال ابن عطية(٢): ((هذا تحاملٌ من التأويل)) وقال الشيخ: (٣) «هذا قولُ المعتزلة، قالوا: لأنَّ الله تعالى قال: ((لا ينال عهدي الظالمين))(٤) والمُلْك عهدٌ، ولقولِهِ تعالى: ((فقد آتينا آلَ إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلْكاً عظيما))(٥). قوله: ((إذ قال)) فيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه معمولٌ لحاجّ. الثاني: أن يكونَ معمولاً لآتاه، ذَكَرَهُ أبو البقاء(٦). وفيه نَظَرٌ من حيث إنَّ وقتَ إيتاءِ المُلْكِ ليس وقتَ قولِ إبراهيم: ((ربي الذي يُحِي ويميت))، إلا أن يُتَجَوَّز في الظرفِ كما تقدَّم. والثالث: أن يكونَ بدلاً من ((أنْ آتاه الله المُلْك)) إذا (١) البحر ٢٨٧/٢. (٢) المحرر ٢٨٨/٢. (٣) البحر ٢٨٧/٢. (٤) الآية ١٢٤ من البقرة. (٥) الآية ٥٤ من النساء. (٦) الإملاء ١٠٨/١. ٥٥١ - البقرة - جُعِلَ بمعنى الوقت، أجازه الزمخشري(١) بناءً منه على أنَّ ((أَنْ)) واقعةٌ موقعَ الظرفِ، وقد تقدَّم ضعفُهُ، وأيضاً فإن الظرفَيْنِ مختلفان كما تقدَّم إلا بالتجوزِ المذكورِ. وقال أبو البقاء: (٢) ((وذكر بعضُهم أنه بدلٌ من ((أَنْ آتَاه)) وليس بشيءٍ، لأنَّ الظرفَ غِيرُ المصدرِ، فلو كانَ بدلًا لكانَ غلطاً إلا أَنْ تُجْعَل ((إذ) بمعنى ((أَنْ)) المصدرية، وقد جاء ذلك)) انتهى. وهذا بناءً منه على أنَّ ((أَنْ)) مفعولٌ من أجله / وليست واقعةً موقعَ الظرفِ، أمّا إذا كانَتْ ((أَنْ)) واقعةٌ موقعَ [١٠٣/ب] الظرفِ فلا تكونُ(٣) بدلَ غلط، بل بدلُ كلٍ من كلٍ، كما هو قولُ الزمخشري وفيه ما تقدَّم، مع أنه يجوزُ أَنْ تكونَ بدلاً مِنْ ((أَنْ آتاه)) و((أن آتاه)» مصدرٌ مفعولٌ من أجلِهِ بدلَ اشتمالٍ، لأنَّ وقتَ القولِ لاتساعِهِ مشتملّ عليه وعلى غيره. الرابع: أنَّ العاملَ فيه (تَرَ)) من قوله: ((ألم ترَ) ذكره مكي(٤)، وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ الرؤيةَ على كِلا التفسيرين المذكورين في نظيرتها لم تكنْ في وقتٍ قوله: ((ربيَ الذي يُحيي ويُميت)). و (ربيَ الذي يحيي)) مبتدأ وخبرٌ في محلِّ نصب بالقول. قولُه: ((قَال أنا أُحْبِي)) مبتدأ وخبرٌ منصوبُ المحل بالقول أيضاً. وأخبر عن ((أنا)) بالجملةِ الفعلية، وعن ((ربي)) بالموصولِ بها، لأنه في الإخبارِ بالموصولِ يُفيد الاختصاصَ بالمُخْبَرِ عنه بخلافِ الثاني، فإنه لم يَدُّعِ لنفسِهِ الخسيسةِ الخصوصيةَ بذلك. و ((أنا)) ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ، والاسمُ منه ((أَنْ)) والألفُ زائدةٌ لبيانِ (١) الكشاف ٣٨٨/١. (٢) الإملاء ١٠٨/١. (٣) أي: ((إذ قال)). (٤) المشكل ١٠٨/١. ٥٥٢ - البقرة - الحركةِ في الوقفِ(١)، ولذلك حُذِفَتْ وصلاً، ومن العربِ مَنْ يُثبتها مطلقاً، فقيل: أُجري الوصلُ مُجْرى الوقف. قال: (٢) في بعدَ المشيبِ كفى ذاك عارًا ١٠٤١- وكيفَ أنا وانتحالِ القوا وقال آخر:(٣) حَمِيداً قد تَذَرَّيْتُ السَّناما ١٠٤٢- أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِفوني والصحيح أنه فيه لغتان، إحداهما: لغةُ تميمٍ ، وهي إثباتُ ألفه وصلاً ووقفاً وعليها تُحْمَلُ قراءةُ نافع(٤) فإنه قرأ بثبوتِ الألفِ وصلاً قبل همزةٍ مضمومة نحو: ((أنا أُحيي)) أو مفتوحةٍ نحو: ((وأنا أَوَّلُ))(٥)، واخْتُلِفَ عنه في المكسورة نحو: ((إنْ أنا إلا [نذيرٌ]))(٦)، وقراءةُ ابن عامر: ((لكنَّا هو اللَّهُ ربي))(٧) على ما سيأتي، وهذا أحسنُ من توجيهِ مَنْ يقول: ((أَجْرِي الوصلُ مُجرى الوقف)). واللغةُ الثانية: إثباتُها وقفاً وَحَذْفُها وصلاً، ولا يجوزُ إثباتُها وصلاً إلا ضرورةً كالبيتين المتقدِّمين. وقيل: بل ((أنا)) كلُّه ضمير. وفيه لغاتٌ: أنا وأَنْ - كلفظِ أَنْ الناصبةِ - وآن، وكأنه قَدَّم الألفَ على (١) هذا مذهب البصريين، ويرى الكوفيون أن الاسم ((أنا) بكماله. انظر: الكشف لمكي ٣٠٦/١. (٢) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٥٣؛ وابن يعيش ٤٥/٤؛ واللسان: نحل؛ ورصف المباني ١٤، وينبغي حذف ياء ((القوافي)) عروضياً ليستقيم الوزن. (٣) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ١٣٣؛ والمنصف ١٠/١؛ والمقرب ٢٤٦/١؛ وابن يعيش ٩٣/٣؛ واللسان: أنف. وتذرَّيت: علوت. (٤) السبعة ١٨٨؛ الكشف ٣٠٦/١. (٥) الآية ١٤٣ من الأعراف: ((وأنا أولُ المؤمنين). (٦) الآية ١١٥ من الشعراء. (٧) الآية ٣٨ الكهف، وقد قرأ ابن عامر بإثبات الألف في الوصل والوقف، كما في السبعة ٣٩١. ٥٥٣ - البقرة - النونِ فصار أان. قيل: إِنَّ المرادُ به الزمانُ، [و] قالوا: أنَّهْ وهي هاءُ السكت، لا بدلٌ من الألف: قال: ((هكذا فَرْدِي أَنَهْ))(١) وقال آخر(٢) :. ١٠٤٣- إنْ كنتُ أدري فعليَّ بَدَنَهْ من كَثْرةِ التخليطِ فِيَّ مَنْ أَنَّهْ وإنما أثبت نافع ألفَه قبل الهمز جمعاً بين اللغتين، أو لأنَّ النطقّ بالهمزِ عَسِرٌ فاستراح له بالألف لأنها حرفُ مدٍّ. قوله: ((فإن الله)) هذه الفاءُ جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ تقديرُه: قال إبراهيم إنْ زعمت أو مَوَّهت بذلك فإن الله، ولو كانت الجملةُ محكيةً بالقولِ لَمَا دَخَلَتْ هذه الفاءُ، بل كان تركيبُ الكلامِ: قال إبراهيم إنَّ الله يأتي. وقال أبو البقاء (٣): ((دخلَتِ الفاءُ إيذاناً بتعلُّق هذا الكلامِ بما قَبْلَه، والمعنى إذا ادَّعَيْت الإِحياء والإِماتَة ولم تَفْهَمْ فالحجةُ أنَّ الله يأتي، هذا هو المعنى)) والباءُ في ((بالشمسِ)) للتعديةِ، تقولُ: أَتَتِ الشمسُ، وأتى اللـهُ بها، أي: أجاءها .. و ((من المشرق)) و ((مِن المغرب)) متعلقان بالفعلَيْن قبلهما، وأجاز أبو البقاء(٤) فيهما بَعْدَ أَنْ منع ذلك(٥) أن يكونا حالَيْن، وجَعَلَ التقدير: مسخرةً أو منقادةً. وليته استمرَّ على مَنْعِه ذلك. قوله: ((فَبُهِتَ)) الجمهورُ: (بُهِتَ)) مبنياً للمفعول، والموصولُ مرفوعٌ به، والفاعلُ في الأصلِ هو إبراهيمُ، لأنه المناظِرُ له. ويُحْتمل أن يكونَ الفاعلُ (١) لم أقف على هذا القول بهذه الرواية، وفي ابن يعيش ٩٤/٣ أن أعرابياً قال ((هذا فَصْدي. أنه)» من: فَصَد الناقة، أي أخرج دمها. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن يعيش ٩٤/٣. والبدنة: الناقة. (٣) الاملاء ١٠٨/١. (٤) الاملاء ١٠٨/١. (٥) أي بعد أن منع الحالية ٥٥٤ - البقرة - في الأصل ضميرَ المصدرِ المفهوم من ((قال)) أي: فَبَهَتَه قولُ إبراهيم. وقرأ(١) ابن السَّمَيْفَعِ: ((فَبَهَتَ)) بفتحِ الباءِ والهاءِ مبنياً للفاعلِ، وهذا يَحْتَمِلُ وجهين، أحدُهما: أن يكونَ الفعلُ متعدِّياً، وفاعلُه ضميرٌ يعودُ على إبراهيم، و((الذي)) هو المفعولُ، أي: فَبَهَت إبراهيمُ الكافرَ، أي غَلَبة في الحُجَّة، أو يكونُ الفاعلُ الموصولَ، والمفعولُ محذوفٌ وهو إبراهيمُ، أي: بَهَتَ الكافرُ إبراهيم أي: لَمّا انقطَع عن الحُجَّة بَهَته. والثاني: أن يكونَ لازماً والموصولُ فاعلٌ، والمعنى معنى بُهِت، فَتَّحدُ القراءتان، أو بمعنى أَتَى بالبُهْتان. وقرأ أبو حَيْوة: ((فَبَهُتَ)) بفتح الباء وضمِّ الهاء كظَرُفَ، والفاعلُ الموصولُ. وحكى الأخفش(٢): ((فَبِّهِتَ)) بكسر الهاء، وهو قاصرُ أيضاً. فَيَحصُلُ فيه ثلاثُ لغاتٍ: بَهَتَ بفتحهما، بَهُت بضم العين، بَهِت بكسرها، فالمفتوحُ يكون لازماً ومتعدياً، قال: ((فَتَبْهَتُهُمْ)) (٣). والبَهْتُ: التحيُّر والدَّهَشُ، وباهَتَه وبَهَته واجهه بالكذبِ، ومنه الحديث: ((إنَّ اليهودَ قومٌ بُهُتَ))(٤)، وذلك أن الكذب يُحَيِّر المكذوب عليه . آ. (٢٥٩) قوله تعالى: ﴿أُو كالذي مَرَّ﴾: الجمهورُ على سكونٍ واوٍ ((أو)) وهي هنا للتفصيل، وقيل: للتخيير بين التعجب مِنْ شأنهما. وقرأ أبو سفيان ابن حسين(٥) ((أُوَ)) بفتحِها، على أنها واوُ العطفِ، والهمزةُ قبلها للاستفهام. (١) الشواذ ١٦؛ البحر ٢٨٩/٢؛ الكشاف ٣٨٨/١. (٢) لم يحك في معاني القرآن ١٨٢ غير بَهَت وبُهتَ وقال: إن الأخيرة أجود وأكثر. (٣) الآية ٤٠ من الأنبياء. (٤) رواه البخاري: (فتح الباري) الأنبياء ٣٦٢/٦؛ ابن حنبل ١٠٨/٣. (٥) سفيان بن حسين السلمي روى عن ابن سيرين وروى عنه شعبة، مات في خلافة المهدي. انظر: الخلاصة ١٢٣. ولعل لفظة ((أبو)) في النص مقحمة. ٥٥٥ - البقرة ــ وفي قوله: ((كالذي)) أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه عطفٌ على المعنى وتقديرُه عند الكسائي والفراء(١): هل رأيتَ كالذي حاجَّ إبراهيم أو كالذي مَرَّ على قرية، هكذا قال مكي(٢)، أمّا العطفُ على المعنى فهو وإنْ كان موجوداً في لسانهم كقوله(٣): ١٠٤٤ - تقيَّ نقيّ لم يُكَثِّرْ غنيمةً بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبى ولاٍ بِحَقَلَّدٍ وقول الآخر (٤) :: ولا بَيْدَانَ ناجيةً ذَمُولا ١٠٤٥ - أجِدَّكَ لن تَرَى بَثُعَيْلِباتِ ببعضٍ نواشغِ الوادِي حُمُولا ولا متدارِكٍ والليلُ طَفْلٌ فإِنَّ معنى الأول: ليسَ بمكثرٍ ولذلك عَطَفَ عليه ((ولا بِحَقَّدِ))(٥)، ومعنى الثاني: أَجِدَّك لستَ براءٍ، ولذلك عَطَف عليه ((ولا متداركٍ))، إلا أنهم نَصُوا على عدمِ اقتیاسِهِ. الثاني: أنه منصوبٌ على إضمارِ فعلٍ، وإليه نَحَا الزمخشري (٦)، وأبو البقاء(٧)، قال الزمخشري: ((أو كالذي: معناه أو رَأَيْتَ مثلَ الذي))، فَحُذِفَ (١) معاني القرآن ١ /١٧٠ .. (٢) المشكل ١٠٨/١. (٣) البيت لزهير، وهو في ديوانه ٢٣٤؛ واللسان: حقلد؛ والمغني ٥٨٢. والنهكة: الانتهاك، والحقلد: سيء الخلق. (٤) البيتان للمرار بن سعيد الفقعسي، وهما في معاني القرآن للفراء ١٧١/١؛ ومجالس ثعلب ١٥٩/١؛ وتفسير الطبري ٤٤٣/١؛ واللسان: بيد؛ والخزانة: ٢٦٢/١. وثعيلبات وبيدان: موضعان. والناجية والذمول: الناقة السريعة؛ النواشغ: ج ناشغة: مجرى الماء إلى الوادي . (٥) أي ولذلك جاءت الباء زائدة في ((بحقلد)) التي تكون عادة في خبر ليس. (٦) الكشاف ٣٨٩/١. (٧) الاملاء ١٠٩/١. ٥٥٦ . - البقرة - لدلالةِ«ألم تّرَ» عليه، لأنَّ كلتيهما كلمتا تعجّب، وهو حسنٌ، لأنَّ الحذفَ ثابتٌ كثيرٌ بخلافِ العطفِ على المعنى. الثالث: أنَّ الكافَ زائدةٌ كهي في قوله: ((ليسَ كمثله شيءً»(١) وقول الآخر (٢) : ١٠٤٦- فَصُيِّروا مثلَ كَعَصْفٍ مأكولْ والتقدير: ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ، أو إلى الذي مَرَّ على قريةٍ. وفيه ضعفٌ لأنَّ الأصلَ عدُ الزيادةِ. والرابع: أنَّ الكافَ اسمُ بمعنى مِثْل، لا حرفٌ، وهو مذهبُ الأخفش(٣) وهو الصحيحُ من جهةِ الدليل، وإنْ كان جمهورُ البصريين على خلافِهِ، فالتقديرُ: ألم تَرَ إلى الذي حاجّ، أو إلى مِثْل الذي مَرَّ وهو معنى حسنٌ. وللقولِ باسميةِ الكافِ دلائلُ مذكورةٌ في كتب القوم، ذَكَّرْنَا أحسَنها في هذا الكتابِ، منها معادَلَتُها في الفاعليةِ بـ ((مثل)) في قوله(٤): ١٠٤٧ - وإنّك لم يَفْخَرْ عليك كفاخرٍ ، ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبٍ ومنها دخولُ حروف الجرِ(٥)، والإِسناد إليها(٦). وتقدَّم الكلامُ في اشتقاقٍ القرية(٧). (١) الآية ١١ من الشوري. (٢) تقدم برقم ٢١٠. (٣) مذهبه في معاني القرآن ١٨٢ انها هنا زائدة. (٤) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ٤٤؛ والمزهر ٤٨٧/٢؛ والخزانة ٢٦٤/٤؛ والدرر ٢٩/٢. (٥) نحو قوله: ((ورُحْنا بكابنِ الماء)». (٦) نحو قوله: ولن يَنْهَى ذَوي شَطَطٍ كالطَّعْن)) وانظر المسألة في: رصف المباني ٢٢٠؛ والمغني ١٩٢ . (٧) الآية ٥٨ من البقرة. ٥٥٧ - البقرة : - قوله: ((وهي خاويةٌ)) هذه الجملةُ فيها / خمسةُ أوجهٍ، أحدُها أنْ تكونَ [١٠٤/أ] حالاً من فاعلِ ((مَرَّ) والواوُ هنا رابطةٌ بين الجملةِ الحاليةِ وصاحبها، والإِتيانُ بها واجبٌ لخلوِّ الجملةِ من ضميرٍ يعودُ إليه. والثاني: أنها حالٌ من ((قرية)): إِمَّا على جَعْل ((على عروشها)) صفةً لقرية على أحدِ الأوجهِ الآتيةِ في هذا الجارِّ، أو على رأي مَنْ يجيزُ الإِنيانَ بالحالِ من النكرة مطلقاً، وهو ضعيفٌ عند سيبويهِ(١). الثالث: أنها حالٌ من ((عروشها)) مقدَّمةٌ عليه، تقديرُه: مَرَّ على قرية على عروشِها وهي خاويةٌ. الرابع: أن تكونَ حالاً من ((ها)) المضافِ إليها ((عروش)) قال أبو البقاء(٢): ((والعاملُ معنى الإِضافة وهو ضعيفٌ مع جوازه) انتهى. والذي سَهَّل مجيءَ الحال من المضاف إليه كونُه بعضَ المضافِ، لأنَّ ((العروش)» بعضُ القريةِ، فهو قريبٌ من قولِه تعالى: ((ما في صدورهم مِنْ غِلِّ إخواناً)(٣). الخامس: أن تكونَ الجملةُ صفةً لقرية، وهذا ليسَ بمرتضى عندَهم، لأنَّ الواوَ لا تَدْخُلُ بين الصفةِ والموصوفِ، وإنْ كانَ الزمخشري (٤) قد أجازَ ذلك في قوله تعالى: ((وما أَهْلَكْنا من قريةٍ إلا ولها كتابٌ معلوم))(٥) فَجَعَل ((ولَّهَا كتابٌ)) صفةً، قال: ((وتوسَّطت الواوُ إيذاناً بإلصاق الصفة بالموصوف)) وهذا مذهبُ سبقه إليه أبو الفتح ابن جني في بعضٍ تصانيفِه، وفيه ما تقدَّم، وكأنَّ الذي سَهَّل ذلك تشبيهُ الجملة الواقعة صفةً بالواقعَةِ حالاً، لأنَّ الحالَ صفةٌ في المعنى. ورتّب أبو البقاءِ (٦) جَعْلَ هذه الجملة صفةً لقرية على جوازٍ جَعْلِ ((على عروشها)) بدلاً من ((قرية)) على (١) الكتاب ٢٨٢/١. وانظر: المقتضب ٢٨٦/٤. (٢) الاملاء ١٠٩/١. (٣) الآية ٤٣ من الأعراف. (٤) الكشاف ٤٢٣/١. (٥) الآية ٤ من الحجر. (٦) الاملاء ١٠٩/١. ٥٥٨ - البقرة - إعادةِ حرفِ الجر ورتّب جَعْلَ ((وهي خاويةٌ)) حالاً من العروش أو من القرية أو مِنْ ((ها)» المضافِ إليها على جَعْلِ ((على عروشها)) صفةً للقرية، وهذا نصُّه قد ذكرتُه ليتضِحَ لك، فإنه قال: ((وقيل هو بدلّ من القرية تقديرُه: مَرَّ على قرية على عروشها أي: مَرَّ على عروش القرية، وأعادَ حرفَ الجر مع البدلِ، ويجوز أن يكونَ ((على عروشها)) على هذا القول صفةً للقريةِ لا بدلاً، تقديرُه: على قريةٍ ساقطةٍ على عروشها، فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ ((وهي خاويةٌ)) حالاً من العروشِ وأن تكونَ حالاً من القرية لأنها قد وُصِفَتْ، وأن تكونَ حالاً من ((ها)» المضافِ إليه، وفي هذا البناءِ نظرٌ لا يخفى. قوله: ((على عروشها)) فيه أربعةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ بدلاً من «قرية)» بإعادة العاملِ. الثاني: أن يكونَ صفةً لـ ((قرية)) كما تقدَّم تحقيقُه، فعلى الأولِ يتعلَّقُ بـ ((مَرَّ) لأنَّ العاملَ في البدلِ العامِلُ فِي الْمُبْدَلِ منه، وعلى الثاني يتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: ساقطةٍ على عروشِها. الثالث: أن يتعلَّقَ بنفسِ خاوية، إذا فَسَّرنا ((خاوية)) بمعنى متهدِّمة ساقطة. الرابع: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه المعنى، وذلك المحذوفُ قالوا: هو لفظُ ((ثابتة))، لأنهم فَسَّروا (خاويةٌ)) بمعنى: خاليةٌ مِنْ أهلِها ثابتةٌ على عروشِها، وبيوتُها قائمةٌ لم تتهدَّمْ، وهذا حَذْفٌ من غيرِ دليلٍ ولا يتبادَرُ إليه الذهن. وقيل: ((على)) بمعنى ((مع)) أي: مع عروشِها، قالوا: وعلى هذا فالمرادُ بالعروشِ الأبنيةُ. والخاوي: الخالي. يقال: خَوَتِ الدارُ تَخْوِي خَواءً بالمد، وخُوِيَّاً، وَخَوِيَتْ أيضاً بكسرِ العينِ تَخْوَى خَوَىِّ بالقصر، وخَوْياً. والخَوَى: الجوعُ الخلوِّ البطنِ من الزاد. والخَوِيُّ على فَعِيل: البطنُ السهل من الأرض، وخَوَّى البعيرُ: جافى جَنْبَه عن الأرض. قال(١): (١) البيت للعجاج، وهو في ديوانه ٢٠١/٢؛ والكتاب ٢١٥/١؛ واللسان: ثفن. يصف جملاً برك متجافياً عن الأرض في بروكه لضمره وعظم ثفتاته وهي ما ولي الأرض من قوائمه إذا برك، والكركرة: ما ولي الأرض من صدره. ٥٥٩ - البقرة - كِرْكِرَةٍ وَثَفِناتٍ مُلْسٍ ١٠٤٨ - خُوَّی علی مُسْتَوِیات خَمْسٍ والعروشُ: جمعُ عَرْش، وهو سقفُ البيت، وكذلك كل ما هُيِّىء لُيُسْتَظَلَّ به. وقيل: هو البنيانُ نفسُه، قال(١): ١٠٤٩ - إنْ يَقْتُلوكَ فقد ثَلَلْتُ عروشَهُمْ بِعُتيبةَ بنِ الحارثِ بِنْ شهابٍ قوله: ((أَنَّى يُحيي هذه اللـهُ)) في ((أنَّى)) وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ بمعنى ((متى)) قال أبو البقاء(٢): ((فعلى هذا تكونُ ظرفً) والثاني: انها بمعنى كيف. قال أبو البقاء (٣): ((فيكونُ موضعُها حالاً من ((هذه)) وتقدَّم لما فيه من الاستفهام، والظاهر انها بمعنى كيف، وعلى كلا القولين فالعاملُ فيها (يُحْيِي)). و((بعد)) أيضاً معمولُ له. والإِحياءُ والإِماتةُ مَجازٌ إِنْ أُريدَ بهما العمرانُ والخرابُ، أو حقيقةٌ إنْ قَدَّرْنا مضافاً أي: أنَّى يُحْيي أهلَ هذه القريةِ بعد مَوْتِ أهلِها، ويجوزُ أن تكونَ هذه إشارةً إلى عظامِ أهلِ القريةِ البالية وجثثهم المتمزقةِ، دَلَّ على ذلك السياقُ. قوله: ((مئة عام)) قال أبو البقاء (٤): ((مئة عام ظرفٌ لأماتَه على المعنى، لأنَّ المعنى ألبثه مئة عام، ولا يجوزُ أن يكونَ ظرفاً على ظاهر اللفظِ، لأنَّ الإِماتةَ تقعُ في أدنى زمان، ويجوزُ أن يكونَ ظرفاً لفعلٍ محذوف تقديره: ((فَأَماته اللهُ فلبِثَ مئة عام))، ويَدُلُّ على ذلك قولُه: ((كم لَبِثْتَ))، ولا حاجّة إلى هذين التأويلين، بل المعنى جَعَلَه ميِّتاً مئة عام. و «مئة)) عقدٌ من العدد معروفٌ، ولامُها محذوفةٌ، وهي ياءً، يدُلُّ على: (١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٨٥/٢. (٢) الاملاء ١٠٩/١. (٣) الاملاء ١٠٩/١. (٤) الاملاء ١٠٩/١. ٥٦٠