النص المفهرس

صفحات 521-540

- البقرة -
قوله: ((ونحن أَحَقُّ)) جملةٌ حاليةٌ، و((بالمُلْك)) و((منه)) كلاهما متعلقٌ
بـ ((أحقُّ)). ((ولم يُؤْتَ سَعَةً)) هذه الجملةُ الفعليةُ عطفٌ على الاسمية قبلها،
فهي في محلّ نصب على الحالِ، ودخلت الواوُ على المضارعِ لكونه منفياً
و ((سعةً)) مفعولٌ ثانٍ لِيُؤْتَ، والأولُ قَام مقامَ الفاعلِ .
و((سَعَةً)) وزنُها (عَلَة)) بحذفِ الفاءِ وأصلُها ((وُسْعَة)) وإنما حُذِفَتِ الفاءُ
في المصدر حَمْلاً له على المضارع، وإنما حُذِفَتْ في المضارعِ لوقوعِها بين
ياءٍ - وهي حرفُ المضارعة - وكسرةٍ مقدرة(١)، وذلك أنَّ ((وَسِع)) مثلُ
(وَثِقِ))، فحقُّ مضارعهِ أن يجيء على يَفْعِل بكسرِ العين، وإنما مَنَّعَ ذلك في
(يَسَع)) كونُ لامِهِ حرف حلقٍ فَفُتِحَ عينُ مضارعِهِ لذلك، وإنْ كان أصلُها
الكسرَ، فَمِنْ ثَمَّ قلنا: بين ياءٍ وكسرةٍ مقدرةٍ، والدليلُ على ذلك أنهم قالوا:
وَجِلَ يَوْجَل فلم يَحْذفوها لمّا كانت الفتحةُ أصليةٌ غيرِ عَارِضةً، بخلاف فتحة
((يَسَع)» و «یَھَب)» وبابِهما.
فإن قيل: قد رأيناهم يَحْذِفُون هذه الواو وإنْ لم تَقَعْ بين ياءٍ وكسرةٍ،
وذلك إذا كان حرفُ المضارعةِ همزة نحو: ((أَعِدُ)) أوتاءً نحو: ((تَعِد)» أو نوناً
نحو: (نَعِد)»، وكذلك في الأمرِ والمصدر نحو: ((عِدْ عِدة حسنةً)) فالجوابُ أنَّ
ذلك بالحَمْلِ على المضارِعِ مع الياءَ طَرْداً لِلْبَابِ، كما تقدَّم لنا في حذفٍ
همزةٍ أَفْعَلَ إذا صار مضارعاً لأجلِ همزةِ المتكلمِ ثم حُمِل باقي البابِ عليه.
وفُتِحَتْ سينُ ((السَّعة)) لَمَّا فُتِحَتْ في المضارعِ لأجل حرفِ الحلقِ، كما
كُسِرت عينُ ((عِدة)) لَمَّا كُسِرَت في ((يَعِد)) إلا أنه يُشْكِلُ على هذا: وَهَبَ يَهَبُ
هِبة، فإنهم كَسَروا الهاء في المصدرِ وإنْ كانت مفتوحةً في المضارعِ لأجْلِ
أنَّ العينَ حرفُ حلقٍ، فلا فرقَ بين ((يَهَب)) و((يَسَع)) في كونِ الفتحةِ عارضةٌ
(١) انظر: الممتع ٤٣٤.
٥٢١

-
- البقرة -
والكسرة مقدرةً، ومع ذلك فالهاء مكسورةٌ في ((هِبة))، وكان مِنْ حَقُّها الفتحُ
لفتحها في المضارع كـ ((سَعَة)).
و ((من المال)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بَيُؤْتَ. والثاني: أنه
متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لسَعَة، أي: سَعَةً كائنةً من المالِ .
قوله: ((في العلم)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلُّقٌ بـ (بَسْطَة) كقولك:
(بَسَطْتُ له في كذا)). والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ((يَسْطَّة))،
أي: بَسْطَة مستقرةً أو كائنة.
و ((واسعٌ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه على النسبِ أي: ذو سَعَةٍ
رحمةٍ، كقولهم: لابن وتامر أي: صاحبُ تمرٍ ولبنٍ. والثاني: أنه جاءً على
حذفِ الزوائدِ من أَوْسَع، وأصلُه مُؤْسِع. وهذه العبارةُ إنما يتداولُها النحويون
في المصادرِ فيقولون: مصدر / على حذفِ الزوائدِ. والثالث: أنه اسمُ فاعلٍ [٢/١٠٠]
من ((وَسِع)) ثلاثياً. قال أبو البقاء (١): ((فالتقديرُ على هذا: واسعُ الحلم، لأنك
تقول وَسِعَ(٢) حلمه)).
آ. (٢٤٨) قوله تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكم التابوتُ﴾: ((أَنْ)) وما في حَيِّزها
في محلِّ رفعٍ خبراً لـ(إنَّ)، تقديرُه: إنَّ علامَة مُلْكِه إيتاؤكم التابوت.
وفي ((التابوتِ)) قولان، أحدُهما: أنه فاعولٌ، ولا يُعْرَفُ له اشتقاقٌ،
وَمَنَعَ قائلُ هذا أن يكون وَزْنُه فَعَلُوتاً مشتقاً من تابَ يَتوبُ كَمَلَكوت من المُلْكِ
ورهَبوت من الرُّهْبِ، قالى: لأنَّ المعنى لا يساعِدُ على ذلك. والقول الثاني:
أن وزْنَه فَعَلوت كمَلَكوتٍ، وجَعَلَه مشتقاً من التَّوْب وهو الرجوعُ، وجَعَلَ معناه
(١) الاملاء ١٠٤/١.
(٢) الاملاء: وسعنا.
٥٢٢

- البقرة -
صحيحاً فيه، لأنَّ التابوتَ هو الصندوقُ الذي توضع فيه الأشياءُ فَيَرجع إليه
صاحبُه عند احتياجِه إليه، فقد جعلنا(١) فيه معنى الرجوعٍ .
والمشهورُ أن يوقَفَ على تائِه بتاءٍ من غير إبدالِها هاءً لأنها: إمَّا أصلٌ إِنْ
كان وزنُه فاعولاً، وإمَّا زائدةٌ لغيرِ التأنيثِ كمَلَكوت، ومنهم مَنْ يَقْلِبها هاءً،
وقد قُرِىء بها شاذاً، قرأها(٢) أُبيّ وزيد بن ثابت وهي لغةُ الأنصار، ويحكى
أنهم لمَّا كَتَبوا المصاحفَ زمنَ عثمانَ رضي الله عنه اختلفوا فيه فقالَ زيد:
(بالهاء))، وقال [أَبَيّ:] ((بالتاء))، فجاؤوا عثمان فقال: ((اكتبوه على لغةٍ
قريش)) يعني بالتاء.
وهذه الهاءُ هل هي أصلّ بنفسِها فيكونُ فيه لغتان، ووزنُه على هذا
فاعول ليس إلا، أو بَدَلّ من التاءِ لأنها قريبةٌ منها لاجتماعهما في الهَمْسِ ،
أو إجراءً لها مُجْرى تاءِ التأنيث؟ قال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلت: ما وزنُ
التابوت؟ قلت: لا يَخْلو أَنْ يكونَ فَعَلوتا أو فاعولا، فلا يكون فاعولا لقلةٍ نحو
سَلِسٌ وقَلِقٌ))، يعني أنَّ اتِّحاد الفاءِ واللامِ في اللفظِ قليلٌ جداً. ((ولأنه تركيبٌ
غيرُ معروفٍ)) يعني في الأوزان العربية، ولا يجوز تَركُ المعروفِ [إليه](٤)
فهو إذاً فَعَلوت من التوبِ وهو الرجوعُ، لأنه ظرفٌ تُودَعُ فيه الأشياءُ فَيُرْجَعُ إليه
كلَّ وقتٍ.
وأَمَّا مَنْ قرأ بالهاءِ فهو فاعول عندَه، إلَّ مَنْ يَجْعَلُ هاءَه بدلاً من التاءِ
لاجتماعِهِما في الهَمْسِ، ولأنهما من حروفِ الزيادة، ولذلك أُبْدِلَتْ من تاءِ
التَّانِيثِ.
(١) تحتمل في الأصل: عقلنا، كما في نسخة ي.
(٢) الشواذ ١٥؛ البحر ٢٦١/٢؛ والقرطبي ٢٤٨/٣.
(٣) الكشاف ٣٨٠/١.
(٤) أي: إلى غير المعروف، وهي زيادة من الكشاف.
٥٢٣

- البقرة -
قوله: ((فيه سَكينَةٌ)) يجوز أن يكونَ ((فيه)) وحدَه حالاً من التابوت، فيتعلَّقَ
بمحذوفٍ، ويرتفعُ ((سكينة)) بالفاعلية، والعاملُ فيه الاستقرارُ والحالُ هنا من
قبيلِ المفردات، ويجوزُ أن يكونَ ((فيه)) خبراً مقدماً. و((سكينةٌ)) مبتدأ مؤخراً،
والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال، والحالُ هنا من قبيلِ الجملِ .
و ((سكينةُ)) فعيلة من السكون، وهو الوقارُ. وقرأ(١) أبو السَّمَّال بتشديدِ الكاف،
قال الزمخشري(٢): ((وهو غريبٌ)).
قوله: ((مِنْ رَبِّكم)) يجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((سكينة))،
ومحلُّه الرفعُ. ويجوز أن يتعلَّق بما تعلّق بِه ((فيه)) من الاستقرار. و((مِنْ)) يجوز
أن تكونَ لابتداءِ الغايةِ وأَنْ تكونَ للتبعيضِ . وثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: من
سکیناتٍ ربکم.
و(بَقِيَّة)) وزنها فَعِيلة والأصلُ: بَقِنْيَة بياءين، الأولى زائدةٌ والثانيةُ لامُ
الكلمةِ، ثم أُدْغِمَ، ولا يُسْتَدَلُّ على أنَّ لامَ (بَقِيَّة)) ياءٌ بقولهم: ((بَقِيَ)) في
الماضي، لأنَّ الواوَ إذا انكسَرَ ما قبلَهَا قُلِبَت ياءً، ألا ترى أنَّ: ((رَضِي)»
و((شَقِيَ)) أصلهما من الواوِ: الشِّقْوَة والرُّضوان.
و ((مِمَّا تَرَك)) في محلٌّ رفعٍ لأنه صفةٌ لـ ((بَقِيَّة)» فيتعلُّقُ بمحذوفٍ أي:
بقيةٌ كائنةٌ. و((مِنْ)) للتبعيضِ، أي: من بَقِيَّاتِ ربكم، و((ما)) موصولةٌ اسميةٌ،
ولا تكونُ نكرةً ولا مصدريةً .
و ((آل)) تقدَّم الكلامُ فيه، وقيل: هوهنا زائدٌ كقولهِ: (٣)
١٠٢٢- بثينةُ من آلِ النساءِ وإنَّما يَكُنَّ لوصلٍ لا وصالَ لغائِبٍ
(١) البحر ٢٦٢/٢؛ شواذ ابن خالويه ١٥.
(٢) الكشاف ٣٨٠/١.
(٣) البيت لجميل، وليس في ديوانه، وهو في الطبري ٣٧/٢؛ والبحر ٢٦٢/٢.
٥٢٤

- البقرة -
يريدُ بُثَيْنَةُ من النساء. قال الزمخشري(١): ((ويجوزُ أن يريدَ: مِمَّا تَرَّكَ
موسى وهارون، والآلُ مقحمٌ لتفخيم شأنِهِما، أي زائدٌ للتعظيمِ. واستشكل
الشيخ (٢) كيفية إفادةِ التفخيمِ بزيادةِ الآل. و((هارون)) أعجمي. قيل: لم يَرِدْ
في شيءٍ من لغةِ العربِ، قاله الراغب(٣)، أي: لم تَرِدْ مادتُهُ فِي لُغَتِهِم.
قوله: ((تَحْمِلُهُ الملائكة)» هذه الجملةُ تحتملُ أن يكونَ لها محلٌّ من
الإِعرابِ على أنها حالٌ من التابوتِ أي: محمولاً للملائكةِ وألاّ يكونَ لها
محلٌّ لأنها مستأنفةٌ، إذ هي جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قيل: كيف يأتي؟ فقيل:
تَحْمِلُهُ الملائكةُ.
وقرأ مجاهد(٤) ((يَحْمِلُه)) بالياء من أسفلَ، لأنَّ الفعلَ مُسْنَدْ لجمعٍ
تكسيرٍ فيجوزُ في فِعْلِهِ الوجهان. و((ذلك)) مشارٌ به قيل: إلى التابوت. وقيل:
إلى إتيانه، وهو الأحسنُ لتناسِبَ آخرُ الآيةِ أولَها. و((إِنْ)) الأظهَرُ فيها أنها على
بابها من كونها شرطيةٌ وجوابُها محذوفٌ. وقيل: هي بمعنى ((إذ)).
آ. (٢٤٩) قوله تعالى: ﴿فَصَلَ﴾: أي: انفصلَ، فلذلك كان
قاصراً. وقيل: إنَّ أصلَه التَّعدِّي إلى مفعولٍ ولكنه حُذِفَ، والتقديرُ: فَصَلَ
نفسَه ثم كَثُرَ حَذْفُ هذا المفعولِ حتى صار الفعلُ كالقاصِرِ.
و ((بالجنود) متعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من ((طالوت)) أي: مصاحباً لهم.
وبين جملةِ قولِهِ ((فلمَّا فَصَلَ)) وبين ما قبلَها من الجملِ جملةٌ محذوفةٌ يَدُلُّ
(١) الكشاف ٣٨٠/١.
(٢) البحر ٢٦٢/٢.
(٣) المفردات ٥٤٠.
(٤) البحر ٢٦٣/٢، ونسبها في القرطبي ٢٤٨/٣، إلى حميد بن قيس.
٥٢٥

- البقرة: ـ
عليها فحوى الكلامِ وقوتُه، تقديرُهُ: فجاءَهم التابوت، فَمَلَكُوا طالوتَ وتأهُّوا
للخروجِ وهي كقولِهِ: ((فَأَرْسِلون، يوسُفُ أيها الصِّدِّيق))(١).
والجمهورُ على قراءةِ (بنهَر)) بفتح الهاء وهي اللغةُ الفصيحةُ، وفيه لغةً
أخرى: تسكينُ الهاء، وبها قرأ(٢) مجاهد وأبو السَّمَّال في جميع القرآنِ، وقد
تقدَّم ذلك واشتقاقُ هذه / اللفظة عند قولهِ تعالى: ((من تحتها الأنهارُ))(٣).
[١٠٠/ب]
وأصلُ الياءِ في ((مُبْتَلِيكُمْ)) واوٌ لأنه من بَلَا يَبْلُو أي: اختبَرَ، وإِنَّمَا قُلِبَتْ
لانكسارِ ما قبلَها.
وقوله: ((فليس مني) أي: من أشياعي وأصحابي، و((من)) للتبعيضٍ،
كأنه يجعلُ أصحابَه بعضَه، ومثلُه قولُ النابغة: (٤)
فإِنِي لَسْتُ منكَ ولَسْتَ مِنِي
١٠٢٣ - إذا حاوَلْتَ في أسدٍ فُجوراً
ومعنى يَطْعَمْهُ: يَذُقْهُ، تقولُ العربُ: ((طَعِمْتُ الشيءَ) أي: ذُقْتُ طَعْمَهُ
قال : (٥)
١٠٢٤ - فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكُمُ
وإِنْ شئتٍ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا
قوله: ((إلَّ مِنَ اغترفَ)) منصوبٌ على الاستثناء، وفي المستثنى منه
وجهان، الصحيحُ أنه الجملة الأولى وهي: ((فَمَنْ شَرِبَ منه فليس مني))،
والجملة الثانيةُ معترِضَةٌ بين المستثنى والمستثنى منه، وأصلُها التأخيرُ، وإنَّما
(١) الآية ٤٥ - ٤٦ من يوسف، والتقدير: فأرسلوا إليه وقالوا له.
(٢) البحر ٢٦٤/٢؛ الشواذ ١٥.
(٣) الآية ٢٥ من البقرة.
(٤) ديوانه ١٩٩؛ والكتاب ٢٩٠/٢؛ والقرطبي ٢٥٢/٣.
(٥) البيت للعرجي، وهو في ديوانه ١٠٩؛ والأضداد ٦٤؛ وشواهد الكشاف ٣٦٩/٤.
والنقاخ: الماء العذب، والبرد: النوم.
٥٢٦

- البقرة -
قُدِّمَتْ لأنها تَدُلُّ عليها الأولى بطريقِ المفهومِ، فإنَّه لَمَّا قال تعالى: ((فَمَنْ
شَرِبَ منه فليس مني)) فُهِمَ منه أنَّ مَنْ لم يَشربْ فإِنَّه منه، فلمَّا كانَتْ مدلولاً
عليها بالمفهومِ صارَ الفصلُ بها كَلا فصل. وقال الزمخشري(١): ((والجملةُ
الثانية في حكم المتأخرةِ، إلاّ أنها قُدِّمَتْ للعنايةِ، كما قُدِّمَ ((والصابئون)) في
قولهِ: ((إن الذين آمنوا والذينَ هادُوا والصابِئون))(٢).
والثاني: أنه مستثنى من الجملةِ الثانيةِ، وإليه ذهب أبو البقاء(٣). وهذا
غيرُ سديدٍ لأنه يؤدِّي إلى أن المعنى: ومَنْ لم يَطْعَمْه فإنه مني إلَّ مَنِ اغتَرَف
بيدِهِ فإنه ليس مني، لأنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، ومن الإِثباتِ نفيٌ،
كما هو الصحيحُ، ولكن هذا فاسدٌ في المعنى لأنهم مفوحٌ لهم في الاغترافِ
غَرِفَةً واحدةً .
والاستثناء إذا تعقّبَ الجملَ وصَلَحَ عَوْدُهُ على كلّ منها هل يختصُّ
بالأخيرة أم لا؟ خلافٌ مشهورٌ، فإنْ دَلَّ دليلٌ على اختصاصِهِ بإحدى (٤)
الجملِ عمِلَ به، والآيةُ من هذا القبيلِ، فإنَّ المعْنى يعود إلى عَوْدِهِ إلى
الجملَّةِ الأولى لا الثانيةِ لِمَا ذکرْتُ لك.
وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو(٥): ((غَرفة)) بفتحِ الغين والباقون بضمها.
فقيل: هما بمعنى المصدرِ، إلاّ أنهما جاءا على غيرِ الصدر كنبات من أَنْبَتَ،
(١) الكشاف ٣٨١/١.
(٢) الآية ٦٩ من المائدة.
(٣) الإملاء ١٠٤/١.
(٤) الأصل: «بأحد» وهو سهو.
(٥) السبعة ١٨٧؛ الكشف ٣٠٣/١، والحرميان: ابن كثير مقرىء الحرم المكي، ونافع
مقرىء الحرم المدني.
٥٢٧

- البقرة -
ولو جاءَ على الصدرِ لقيل: اغترافاً. وقيل: هما بمعنى المُغْتَرَفِ كالأكل
بمعنى المأكول. وقيل: المفتوحُ مصدرٌ قُصِدَ به الدلالة على الوَحْدَةِ فإنَّ
((فَعْلَة)» يدلُّ على المَرَّة، والمضِمُومُ بمعنى المفعول، فحيث جعلتهما مصدراً
فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: إلَّ من اغترف ماءً، وحيث جعلتهما بمعنى
المفعولِ كانا مفعولاً به، فلا يُحتاج إلى تقديرِ مفعولٍ.
وتُقِلَ عن أبي عليّ (١) أنه كان يُرَجِّح قراءة الضم لأنه في قراءةِ الفتح
يَجْعلها مصدراً، والمصدرُ لا يوافق الفعلَ في بنائِهِ، إنما جاء على حَذْفٍ
الزوائد وجَعْلُها بمعنى المفعول لا يُحْوِج إلى ذلك فكانَ أُرجَح .
قوله: ((بيده)) يجوزُ أن يتعلَّق بـ ((اغتَرَف)) وهو الظاهِرُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ
بمحذوفٍ على أنه نعتُ لـ((غُرْفة)، وهذا على قولنا بأن ((غُرفة))، بمعنى
المفعولِ أظهرُ منه على قولِنَا بأنها مصدرٌ، فإنَّ الظاهرَ من الباءِ على هذا أَنْ
تكونَ ظرفيةً، أي غُرفةً كائنةً في يدِهِ.
قوله: (إلا قليلاً)) هذه القراءةُ المشهورةُ، وقرأ(٢) عبدُ اللهِ وَأُبَيّ (إلا
قليلٌ)) وتأويلُهُ أنَّ هذا الكلامَ وإن كان موجباً لفظاً فهو منفيٍّ معنّى، فإنه في
قوةِ: لم يُطيعوه إلا قليلٌ منهم، فلذلك جَعَلَهُ تابعاً لِمَا قبله في الإِعراب. قَالَ
الزمخشري: (٣) ((وهذا مِنْ مَيْلِهم مع المعنى والإِعراضِ عن اللفظِ جانباً،
وهو بابٌ جليلُ من علمِ العربيةِ، فلمَّا كان معنى ((فَشَرِبُوا منه)) في معنى
(١) الحجة (خ) ٢٩٤/٢.
(٢) البحر ٢٦٦/١؛ شواذ ابن خالويه ١٥.
(٣) الكشاف ٣٨١/١.
٥٢٨

- البقرة -
((فلم يُطيعوه)) حَمَل عليه، ونحوُه قولُ الفرزدق: ((لم يَدَعْ من المالِ إِلا مُسْحَتّاً
أو مُجَلَّفُ)) يشير إلى قولهِ: (١)
١٠٢٥ - وَعَضُّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتَاً أو مُجَلَّفُ
فإنَّ معنى ((لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتً» لم يَبْقَ من المال إلا مُسْحَتْ،
فلذلك عَطَفَ عليه ((مُجَلَّفُ)) بالرفعِ مراعاةً للمعنى الذي ذكرْتُهُ لك. وفي
البيت وجهان آخران، أحدُهما ... (٢).
ولا بُدَّ من التعرُّضِ لهذه المسألةِ لعمومِ فائدتِهَا فأقولُ: إذا وَقَع في
كلامِهم استثناءٌ موجَبُ نحو: ((قام القومُ إلا زيداً)) فالمشهورُ وجوبُ النصبِ
على الاستثناءِ. وقال بعضُهم: يجوزُ أن يُتْبَعَ ما بعدَ ((إلا)) ما قبلَها في الإِعراب
فتقول: ((مررت بالقومِ إلا زيدٍ)) بجرّ ((زيد))، واختلفوا في تابِعِيَّةِ هذا، فعبارةٌ
بعضِهم أنه نعتٌ لما قبلَه، ويقولُ: إنه يُنْعَتُ بإلاَّ وما بعدَها مطلقاً سواءً كان
متبوعُها معرفةً أم نكرةً مضمراً أم ظاهراً، وهذا خارجٌ عن قياس باب النعتِ
لِما قَد عَرَفْتَ فيما تقدَّم. ومنهم مَنْ قال: لا يُنْعَتُ بها إلا نكرةً أو معرفةٌ بأل
الجنسيةِ لقربِها من النكرة. ومنهم مَنْ قال: قَوْلُ النَّحْوِبين هنا نعتٌ إنما يَعْنُون
به عطفَ البيانِ. ومن مجيءِ الإِتباعِ بما بعد ((إلَّ)) قولُهُ: (٣)
١٠٢٦ - وكلُّ أَخِ مفارقُه أخوه لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفرقدانِ
قولُهُ: ((جاوَزَه هو والذين آمنوا)» ((هو)) ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مؤكِّدٌ للضميرِ
المستكنُّ في ((جاوَزَ).
(١) الديوان ٥٥٦؛ والخصائص ١٩٩/١؛ والمحتسب ١٨٠/١؛ وابن يعيش ٣١/١؛
والإنصاف ١٨٨؛ واللسان: سحت؛ والخزانة ٣٤٧/٢. والمسحت: المستأصل الذي
فني كله، والمجلف: الذي ذهب أكثره.
(٢) بياض في النسخ. بقدر سطر.
(٣) تقدم برقم ٥٧٩.
٥٢٩

- البقرة -
وقوله: ((والذين)) يَحْتَمِلُ وجهين، أظهرهُما: أنه عطفُ على الضميرِ
المستكنِّ في ((جاوَزَ)) لوجودِ الشرطِ، وهو توكيدُ المعطوفِ عليه بالضميرِ
المنفصلِ. والثاني: أن تكونَ الواوُ الحالِ، قالوا: ويَلْزَمُ من الحالِ أن
يكونوا جاوزوا معه، وهذا القائلُ يجعلُ ((الذين)» مبتدأ والخبرَ «قالوا: لاطاقة)) فصارّ
المعنى: «فلمَّا جاوزه والحالُ أنَّ الذين آمنوا قالوا هذه المقالة)» والمعنى ليس عليه.
ويجوز إدغامُ هاءُ ((جاوزه) في هاء ((هو))، ولا يُعْتَدُّ بفصلٍ صلةِ الهاءِ
لأنها ضعيفةٌ، وإنْ كان بعضُهم(١) استضعَفَ / الإِدغامَ، قال: ((إلا أَنْ تُخْتَلَسِ [١٠١/أ]
الهاء» يعني فلا يبقى فاصلٌ. وهي قراءةُ أبي عمرو. وأَدْغَمَ أيضاً واوَ ((هو)» في
واو العطف بخلافٍ عنه، فوجهُ الإِدغام ظاهرٌ لالتقاءِ مِثْلِين بشروطِهِما. ومَنْ
أظهر(٢) وهو ابنُ مجاهد وأصحابُهُ قال: ((لأنَّ الواو إذا أُدْغِمَتِ سَكَنَتْ، وإذا
سَكَنَتِ صَدَقَ عليها أنْها واوٌ ساكنة قبلَها ضمة، فصارَتْ نظيرَ: ((آمنوا
وكانوا))(٣) فكما لا يُدْغُم ذاك لا يدغم هذا)». وهذه العلةُ فاسدةٌ لوجهين،
أحدُهما: أنها [ما] صارَتْ مثلَ ((آمنوا وكانوا)) إلا بعد الإدغام، فكيف يُقال
ذلك؟ وأيضاً فإنهم أدغموا: ((يأتي يوم)) (٤) وهو نظيرُ: ((في يوم))(٥) و ((الذي
يوسوس)»(٦) بعينِ ما عَلَّلُوا به(٧).
(١) لعله يعني أبا حيان في البحر ٢٦٧/٢.
(٢) أي لم يدغم واو ((هو)) مع واو ((والذين)).
(٣) الآية ٦٣ من يونس: ((الذين آمنوا وكانوا يتقون)).
(٤) الآية ٢٥٤ من البقرة: ((من قبل أن يأتي يوم)).
(٥) الآية ١٨ من إبراهيم: ((في يوم عاصف)).
(٦) الآية ٤ من الناس.
(٧) العبارة قلقة، لعله يعني بها أنهم أدغموا ((يأتي يوم)) وكان عليهم أن يرفضوا إدغامها أيضاً
لأنها أصبحت بالإِدغام نظير ((في يوم)»: في أنها بالإِدغام سكنت الياء فيها وقبلها كسرة،
والحق أن ((يأتي يوم)) ما صارت مثل ((في يوم)) إلا بعد الإدغام، لأن الياء هنا متحركة أما
ياء («في يوم)) فهي ساكنة.
٥٣٠

- البقرة -
وشرطُ هذا الإِدغام في هذا الحرفِ عند أبي عمرو ضمُّ الهاءِ كهذه
الآيةِ، ومثله ((هو والملائكةُ))(١) ((هو وجنودُهُ)(٢)، فلو سَكَنَتِ الهاءُ امتنع
الإِدغامُ نحو: ((وهو وليُّهم))(٣) ولو جرى فيه الخلاف أيضاً لم يكن بعيداً، فله
أُسوة بقوله: (خُذ العفو وأمر))(٤) بل أَوْلِى لأن سكونَ هذا عارضٌ بخلافٍ:
((العفو وأمر))(٥).
قوله: ((لا طاقة لنا)) ((لنا)) هو خبرُ ((لا)» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. ولا يجوز أن
يتعلَّقَ بطاقة، وكذلك ما بعدَه من قولِهِ ((اليوم)) و((بجالوت)) لأنه حينئذٍ يَصير
مُطَوَّلاً، والمُطَوَّلُ ينصبُ منوناً، وهذا كما تراه مبنياً على الفتح، بل ((اليوم))
و ((بجالوت)) متعلِّقان بالاستقرارِ الذي تعلَّق به ((لنا)).
وأجاز أبو البقاء(٦) أن يكونَ ((بجالوت)) هو خبرَ ((لا))، و((لنا)) حينئذٍ: إما
تبيينٌ أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لطاقة.
والطاقَةُ: القدرةُ وعينُها واو، لأنها من الطَّوْق وهو القدرةُ، وهي مصدرٌ
على حذفِ الزوائدِ، فإِنَّها من ((أَطَاقِ))(٧) ونظيرُها: أجاب جابةً، وأغار غارةً،
وأطاع طاعةٌ .
(١) الآية ١٨ من آل عمران.
(٢) الآية ٣٩ من القصص؛ والشاهد في الآيتين: الإدغام عند أبي عمرو بين الواوين لتوفر
شرطه وهو ضم هاء ((هو)).
(٣) الآية ١٢٧ من الأنعام.
(٤) الآية ١٩٩ من الأعراف.
(٥) أي إن الأصل في هاء ((هوه من قوله: ((وهو وليُّهم)) الضم ولكن تسكينها عارض
فلا يبعد أن نجد منهم من يوافق على الإدغام بحجة أن الأصل فيها التحريك، وإذا
كان بعضهم قد قَبِل الإِدغام في ((العفو وأمر)) مع أن تسكين الفاء غير عارض فقبول
الإدغام في ((وهو وليهم)) من باب أولى.
(٦) الإملاء ١٠٥/١.
(٧) الأصل ((طاق)) وسقطت الهمزة سهواً، لأنها إذا كانت من طاق فلا تكون طاقة مصدراً
على حذف الزوائد، وتنظيره بالأمثلة التالية يؤكد ذلك.
٥٣١

- البقرة :-
و «جالوت)) اسمٌ أعجميّ ممنوعُ الصرفِ، لا اشتقاقَ له، ولیس
هو فَعَلوتا من جال يَجُول كما تقدَّم في طالوت، ومثلُهما داود.
قوله: ((كم من فئةٍ) ((كم)) خبريةٌ فإنَّ معناها التكثيرُ، ويدل على ذلك
قراءة أُبَيّ(١): (وكاثْن)) وهي للتكثير ومحلَّها الرفعُ بالابتداء و(من فئةٍ))
تمييزُها، و((مِنْ)) زائدةٌ فيه. وأكثرُ ما يجيء مميِّزها ومميِّز ((كائن)) مجروراً
بمِنْ، ولهذا جاء التنزيلُ على ذلك، وقد تُحْذَفُ ((مِنْ)) فَيُجَرُّ مميّزها بالإِضافة
لا بمِنْ مقدرةٌ على الصحيح، وقد يُنْصَبُ حَمْلاً على مميِّز ((كم)).
الاستفهامية، كما أنه قد يُجَرُّ مميِّز الاستفهاميةِ حَمْلاً عليها وذلك بشروط
مذكورةٍ في النحو. ومِنْ مجيءٍ مميِّز (كائن)) منصوباً قولُ الشاعر (٢):
١٠٢٧ - الطرُدِ اليأسَ بالرجاءِ فكائِنْ ألماً حُمٍّ يُسْرُهُ بعدَ عُسْرٍ
وأجازوا أن يكون ((من فئةٍ) في محلِّ رفعٍ صفةً لـ((كم) فيتعلَّقَ بمحذوفٍ .
و((غَلَبَت)) هذه الجملةُ هي خبرُ ((كم)) والتقديرُ: كثيرٌ من الفئاتِ القليلةِ غالبةٌ
الفئاتِ الكثيرةَ.
وفي (فئة) قولان أحدُهما: أنها من فاء يَفِيء أي: رَجَعَ فَحُذِفَتْ عينُها
ووزنُهَا فِلَة . والثاني: أنها من فَأْوَتُّ رأسَه أي: كسرتُه، فَحُذِفَت لامُها ووزنُها
فِعَة كمئة، إلاّ أنَّ لامَ مئة ياءً ولامَ هذه واوٌ، ومعناها على كلٍّ من الاشتقاقين
صحيحٌ، فإنَّ الجماعَةَ من الناس يَرْجِعُ بعضُهم إلى بعضٍ، وهم أيضاً قطعةٌ
من الناسِ كقِطَعِ الرأسِ المكسِّرة.
قوله: ((بإذن اللَّهِ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه حالٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ،
(١) البحر ٢٦٧/٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في أوضح المسالك ٢٢٩/٣؛ والأشموني ٨٥/٤؛ والجمع
٢٢٥/١؛ والدرر ٢١٢/١. والآلم: المتألم، وجمُ: قدِّر.
٥٣٢

- البقرة -
والتقدير: ملتبسين بتيسيرِ الله لهم. والثاني: أنَّ الباءَ للتعدية ومجرورُها مفعولٌ
به في المعنى، ولهذا قال أبو البقاء(١): ((وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مفعولاً به)).
وقوله: ((واللَّهُ مع الصابرين)) مبتدأ وخبرٌ، وَتَحْتَمِل(٢) وجهين،
أحدُهما: أن يكونَ محلّها النصبَ على أنها من مقولهم. والثاني: أنها لا محلّ
لها من الإِعراب، على أنها استئنافٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى بها.
آ. (٢٥٠) قوله تعالى: ﴿بَرَزوا لجالوتَ﴾: في هذه اللام وجهان،
أحدُهما: أنَّها تتعلَّق ببرزوا، والثاني: أنها تتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنها
ومجرورَها حالٌ من فاعلِ (بَرَزوا)) قال أبو البقاء (٣): ((ويجوزُ أن تكونَ حالاً
أي: برزوا قاصدين لجالوت)). ومعنى برزوا صاروا إلى بَراز من الأرض،
وهو ما انكشَفَ منها واستوى، ومنه المُبَارَزَةُ فِي الحَرْبِ لظهورِ كلِّ قِرْن
لصاحبهِ. وفي ندائِهِم بقولهم: ((ربَّنا)) اعترافٌ منهم بالعبودية وطلبٌ
الإِصلاحهم لأنَّ لفظة ((الرب)) تُشْعر بذلك دون غيرها، وأتوا بلفظِ ((على)) في
قولهم: ((أَفْرِغ علينا)) طلباً لأنْ يكونَ الصبرُ مستعلياً عليهم وشاملاً لهم
کالظرفِ .
أ. (٢٥١) قوله تعالى: (وَاهَزْمُ): أصلُه الكَسْر، ومنه ((سِقاء
مُتَهَزِّم)) و((قَصَبُ متهزّمٌ)) أي متكسِّر. قوله: ((بإذنِ الله)) فيه الوجهانِ المتقدِّمان
أعني كونَه حالاً أو مفعولاً به. و «مِمَّا يشاء)) فاعلٌ (يشاء)» ضميرُ الله تعالى.
وقيل: ضميرُ داود والأولُ أظهرُ.
قوله: ((ولولا دَفْع)) قرأ(٤) نافع هنا، وفي الحج(٥): «دِفاع)» والباقون:
(١) الإملاء ١ /١٠٥.
(٢) لعل أصل العبارة: ((وهي جملة تحتمل)).
(٣) الإملاء ١٠٥/١.
(٤) السبعة ١٨٧؛ الكشف ٣٠٤/١؛ القرطبي ٢٥٩/٣.
(٥) الآية ٤٠.
٥٣٣

- البقرة -
(دَفْع)). فأمَّا ((دَفْع)) فَمصدر دَفَعَ يَدْفَع ثلاثياً. وأمَّا ((دفاع)) فيحتمل وجهين،
أحدُهما: أن يكونَ مصدرَ دَفَعَ الثلاثي أيضاً نحو: كَتَب كتاباً، وأن يكُونَ
مصدرَ ((دافع)) نحو: قاتل قتالاً، قال أبو ذؤيب: (١)
١٠٢٨- ولقد حَرَصْتُ بأَنْ أدافعَ عنْهُم فإِذا المَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ
و(فاعل)) هنا بمعنى فَعَل المجرد فتَّحد القراءتان في المعنى.
ومَنْ قرأ «دفاع» وقرأ في الحج ((يدافع عن الذين آمنوا))(٢) وهو نافع،
أو قرأ ((دَفْع)) وقرأ ((يَدْفَع)) - وهما أبو عمرو وابن كثير - فقد وافق أُصَلَه،
فجاء بالمصدرِ على وَفْقِ الفعل. وأمَّا من قرأ هنا ((دَفْع)) وفي الحج ((يُدَافِعِ))
وهم الباقون فقد جَمَعَ بين اللغتين، فاستعمل الفعلَ من الرباعي والمصدر من
الثلاثي. والمصدرُ ها مضافٌ لفاعِله وهو الله تعالى، و((الناسَ)) مفعول أول،
و (بعضهم)) بدلٌ من ((الناس)) بدلُ بعضٍ مِنْ كُلِّ.
و ((ببعضٍ )) متعلَّقٌ بالمصدرِ، والباءُ للتعديةِ، فمجرورُها المفعولُ الثاني
في المعنى، والباءُ إنما تكون للتعديةِ في اللازمِ نحو: ((ذَهَبَ به))
فأمّا المتعدِّي لواحدٍ فإنما يتعدَّى بالهمزة تقول: ((طَعِمَ زَيدٌ اللحم وأَطْعَمْتُه
اللحم)) / ولا تقول: (طَعِمْته باللحم)) فتعدِّيه إلى الثاني بالباءِ إلَّ فيما شَذَّ [١٠١/ب]
قياساً وهو (دَفَع)) و((صَكَّ))، نحو: صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ أي: جَعَلْتُ
:
أحدهما يَصُكُّ الآخر، ولذلك قالوا: صَكَكْتُ الحجرَيْنِ أحدهما بالآخر.
قوله: ((ولكنَّ الله)) وجهُ الاستدراكِ(٣) أنه لَمَّا قسَّم الناسَ إلى مدفوعٍ
ومدفوعٍ به، وأنه بهذا الدفعِ امتنع فسادُ الأرض فقد يَهْجِسُ في نفسِ مَنْ
(١) ديوان الهذليين ٢/١.
(٢) الآية ٣٨.
(٣) انظر: البحر ٢٧٠/٢.
٥٣٤

- البقرة -
غُلِب عمّا يريدُ من الفسادُ أنَّ اللّه غيرُ متفضِّلٍ عليه حيث لم يُبْلِغِه مقاصده
وطلبه، فاستدرك عليه أنَّه وإن لم يَبْلُغْ مقاصده أنَّ الله متفضلٌ عليه ومُحْسِنْ
إليه لأنه مندرجٌ تحت العالمين، وما مِنْ أحدٍ ألا ولله عليه فضلٌ وله فضلُ
الاختراعِ والإِیجادِ.
و((على) يتعلَّق بـ (((فَضْل))، لأنَّ فعلَه يتعدَّى بها، وربما حُذِقَتْ مع
الفعلِ. قال - فَجَمع بين الحذف والإِثبات _(١):
١٠٢٩ - وجَدْنا نَهْشَلا فَضَلَتْ فُقَيْماً
كفَضْلِ ابنِ المَخاض على الفَصيلِ
أمّا إذا ضُعِّف فإنه لا تُحْذَفُ ((على)) أصلاً كقوله: ((فَضَّلْنا بعضَهم على
بعضٍ))(٢)، ويجوزُ أن تتعلُّقَ ((على)) بمحذوفٍ لوقوعِها صفةٌ لفَضْل.
آ. (٢٥٢) قوله تعالى: ﴿تلك آياتُ اللهِ﴾: مبتدأ وخبرٌ،
و((نْلوها)) فيه قولان، أحدُهما: أن تكونَ حالاً، والعاملُ فيها معنى الإِشارة.
والثاني أن تكونَ مستأنفةً فلا محلَّ لها. ويجوزُ غيرُ ذلك، وأَخْذُه مِمّا مضى
سَهْلٌ وأُشير إليها إشارةُ البعيدِ لِما تقدَّم في قوله: ((ذلك الكتابُ))(٣). قوله:
((بالحقَّ)) يجوزُ فيه أن يكونَ حالاً من مفعول (نَتْلوها)) أي: ملتبسةً بالحق،
أو مِنْ فاعِله؛ أي: نَتْلوها ومعنا الحقُّ، أو من مجرورٍ ((عليك)) أي: ملتبساً بالحق.
آ. (٢٥٣) قوله تعالى: ﴿فَضَّلْنا بعضَهم﴾: يجوزُ أن يكونَ حالًا
من المشارِ إليه، والعاملُ معنى الإِشارةِ كما تقدَّم، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً،
ويجوزُ أن يكونَ خبرَ ((تلك)) على أن يكونَ ((الرسلُ)) نعتاً لـ «تلك)) أو عطفَ بيانٍ
أو بدلاً.
(١) تقدم برقم ٤٣٤.
(٢) الآية ٢٥٣ من البقرة.
(٣) الآية الثانية من البقرة.
٥٣٥

- البقرة -
قوله: ((منهم مَنْ كَلَّم الله)) هذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما: أن
تكونَ لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافِها. والثاني: أنها بدلٌ من جملةِ قوله
((فَضَّلْنا)». والجمهورُ على رفعِ الجلالة على أنه فاعلٌ، والمفعولُ محذوفٌ
وهو عائدُ الموصولِ أي: مَنْ كَلَّمه الله. وقُرِىء بالنصبِ (١) على أنَّ الفاعِلَ
ضميرٌ مستترٌ وهو عائدُ الموصولِ أيضاً، والجلالةُ نَصْبٌ على التعظيمِ .
وقرأ أبو المتوكل (٢) وابن السَّمَيْفَع: ((كالَمَّ اللهَ)) على وزن فاعَلَ ونصبٍ
الجلالة، و((كليم)) على هذا معنى مكالِم(٣) نحو: جَلِيس بمعنى مُجالِس،
وخليط بمعنى مخالط وفي هذا الكلامِ التفاتٌ لأنه خروجٌ من ضمِيْرٍ
المتكلمِ المعظّم نفسَه في قوله: ((فَضَّلْنا» إلى الاسمِ الظاهرِ الذي هو في
حكمِ الغائبِ.
قوله: ((درجاتٍ)) في نصبِهِ ستةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مصدرٌ واقعٌ موقع
الحالِ. الثاني: أنه حالٌ على حذفِ مضافٍ، أي:
ذوي درجاتٍ. الثالث: أنه مفعول ثان لـ ((رفع))
على أنه ضُمِّنَ معنى بلَّغ بعضهم درجات. الرابع
أنه بدلُ اشتمالٍ، أي: رَفَع درجاتٍ بعضَهم، والمعنى: على درجاتٍ بعض.
الخامس: أنه مصدرٌ على معنى الفعل لا لفظِه، لأن الدرجةَ بمعنى الرَّفْعَةِ،
فكأنه قيل: وَرَفَع بعضَهم رَفعاتٍ. السادس: أنّه على إسقاطِ الخافضِ ،
وذلك الخافضُ يَحْتمل أن يكونَ ((على)) أو ((في)) أو ((إلى)) تقديرُه: على
درجاتٍ أو في درجاتٍ أَوٍ إلى درجاتٍ، فلمَّا حُذِفَ حِرفُ الجر انتصَبَ ما بعده.
(١) وهي قراءة ابن ميسرة كما في شواذ ابن خالويه ١٥؛ انظر: البحر ٢٧٣/٢.
(٢) علي بن داود، روى عن ثلة من الصحابة والتابعين، ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات
ابن سعد ٢٢٥/٧ .
(٣) في العبارة غموض، قال صاحب البحر ٢٧٣/٢: ((إن قراءة كالم من المكالمة وهي صدور
الكلام من اثنين، ومنه قيل: كليم الله أي مكالمه فعيل بمعنى فاعل)).
٥٣٦

- البقرة -
قوله: ((ولو شاءَ الله)) مفعولُه محذوفٌ، فقيل: تقديرُه: أَنْ لا تختلفوا
وقيل: أَنْ لا تفشلوا، وقيل: أَنْ لا تُؤمروا بالقتال، وقيل: أَنْ يضطرّهم إلى
الإِيمانِ، وكلُّها متقاربة.
و ((مِنْ بعدِهم)» متعلُّقُ بمحذوفٍ لأنه صلةٌ، والضميرُ يعودُ على الرسل.
و ((مِنْ بعدما جاءتهم)) فيه قولان، أحدُهما: أنه بدلٌ من قولِه: ((مِنْ بعدِهم))
بإعادةِ العاملِ . والثاني: أنه متعلقُ باقتل، إذ في البينات - وهي الدلالاتُ
الواضحةُ - ما يُغْنِي عن التقاتلِ والاختلافِ. والضميرُ في ((جاءتهم)) يعودُ
على الذين مِنْ بعدِهم، وهم أممُ الأنبياء.
قوله: ((ولكنِ اختلفوا)) وجهُ هذا الاستدراكِ واضحٌ، فإنَّ ((لكن)) واقعةٌ
بين ضدين، إذ المعنى: ولو شاءَ اللهُ الاتفاقَ لاتفقوا ولكنْ شاءَ الاختلافَ
فاختلفوا. وقال أبو البقاء(١): ((لكنْ)) استدراك لما دَلَّ الكلامُ عليه، لأنَّ
اقتتالهم كان لاختلافهم، ثم بيَّن الاختلاف بقوله: ((فمنهم مَنْ آمن، ومنهم مَنْ
كفر)) فلا محلَّ حينئذٍ لقوله: ((فمنهم مَنْ آمن)).
وقوله: ((ولو شاء اللـهُ ما اقتتلوا)) فيه قولان، أحدُهما: أنها
الجملةُ الأولى كُرِّرت تأكيداً قاله الزمخشري (٢). والثاني: أنها ليست لتأكيد
الأولى، بل أفادَتْ فائدةً جديدةً، والمغايرةُ حَصَلَتْ بتغايرٍ متعلَّقهما، فإنَّ
متعلَّقَ الأولى مغايرٌ لمتعلَّق المشيئةِ الثانيةِ، والتقديرُ في الأولى: ((ولو شاءَ الله
أن يَحُولَ بينهم وبين القتال بأن يَسْلُبَهم القِوى والعقول، وفي الثاني: ولو شاءَ
لم يأمرِ المؤمنين بالقتال، ولكن شاءَ أَمَرهم بذلك. وقوله: ((ولكنَّ الله يفعلُ
ما يريد)) هذا استدراك أيضاً على المعنى، لأنَّ المعنى: ولو شاءَ اللّه لمنعَهم
(١) الاملاء ١٦٠/١.
(٢) الكشاف ٣٨٤/١.
٥٣٧

- البقرة -
[من ذلك]، ولكنَّ اللهَ يفعل ما يريدُ مِنْ عدمٍ منعِهم من ذلك أو يفعلُ
ما يريدُ من اختلافهم.
آ. (٢٥٤) قوله تعالى: ﴿أُنفِقوا﴾: مفعولُه محذوفٌ، تقديرُه: شيئاً
ممَّا رزقناكم فعلى هذا ((ممَّا رزقناكم)) متعلقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعِه صفةً
لذلك المفعولِ، وإنْ لم تقدَّرْ مفعولاً محذوفاً فتكونُ متعلقةً بنفسِ الفعلِ .
و ((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: رزقناكُموه، وأن
تكونَ مصدريةً فلا حاجةً إلى عائٍ، ولكن الرزقَ المرادَ به المصدرُ لا يُنفِقُ،
فالمراد به اسمُ المفعول، وأن تكونَ نكرةً موصوفةٌ وقد تقدَّم تحقيقُ هذا عند
قوله: ((وممَّا رزقناهم ينفقون))(١).
قوله: ((من قبلِ)) متعلقٌ أيضاً بأنفقوا، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ
بفعلٍ واحدٍ لاختلافِهما معنىً؛ فإنَّ الأولى للتبعيضِ والثانيةَ لابتداءِ الغايةِ،
و ((أَنْ يأتي)» في محلُّ جرٍ بإضافة ((قبل)) إليه أي: من قبلٍ إتيانه.
وقوله: ((لا بَيْعُ فيه ولا خُلَّة)) إلى آخره: الجملةُ المنفيَّةُ صفةٌ لـ ((يوم)
فمحلّها الرفعُ. وقرأ / ((بَيْعُ)) وما بعدَه مرفوعاً منوناً نافع(٢) والكوفيون [١٠٢/أ]
وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيهُ ذلك، مذكورٌ في قوله: ((فلا
رفثَ ولا فسوقَ))(٣) فليُنْظر ثَمَّةً.
والخُلَّة: الصداقة كأنها تتخلَّل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي
وَسْطَها.
والخُلَّة: الصديقُ نفسه، قال(٤):
(١) الآية ٣ من البقرة.
(٢) السبعة ١٨٧؛ الكشف ٣٠٥/١.
(٣) الآية ١٩٧ من البقرة ..
(٤) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ٦٠؛ والبحر ٢٧١/٢ .
٥٣٨

- البقرة -
يُسارِقُ بالطَّرْفِ الخِباءَ المُسَتِّرا
١٠٣٠- وكان لها في سالفِ الدهرِ خُلّةً
وكأنه من إطلاقِ المصدرِ على العينِ مبالغةً، أو على حذفِ مضافٍ،
أي: كان لها ذو خُلَّة. والخليلُ: الصديقُ لمداخَلَتِهِ إياك، ويَصْلُحِ أَنْ يكونَ
بمعنى فاعل أو مفعول، وجَمْعُه ((خُلَّان))، وفُعْلان جمعُ فَعيل نُقِل في
الصفات، وإنما يَكْثُر في الجوامدِ نحو: ((رُغفانٍ)). وقوله: ((هم الظالمون))
يجوز أن يكونَ ((هم)) فصلاً أو مبتدأُ وما بعده خبرٌ، والجملةُ خبرُ الأولِ .
آ. (٢٥٥) قوله تعالى: ﴿اللـهُ لا إله إلّ هو [الحيُّ]﴾: مبتدأ
وخبرٌ(١). و((الحيّ)) فيه سبعةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ خبراً ثانياً للجلالة.
الثاني: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف أي: هو الحيَّ. الثالث: أن يكونَ بدلًاً
من قوله: ((لا إله إلا الله هو)) فيكونَ في المعنى خبراً للجلالةِ، وهذا في
المعنى كالأول، إلا أنه هنا لم يُخْبَرْ عن الجلالةِ إلَّ بخبرٍ واحدٍ بخلافٍ
الأول. الرابع: أن يكونَ بدلاً من ((هو)) وحدَه، وهذا يبقى من بابِ إقامةٍ
الظاهرُ مُقامَ المضمرِ، لأنَّ جملةَ النفي خبرٌ عن الجلالةِ، وإذا جعلتَه بدلاً حَلَّ
محَلَّ الأولِ فيصيرُ التقدير: الله لا إله إلا اللهُ. الخامس: أن يكون مبتدأ
وخبرُه ((لا تأخُذُهُ سِنَةٌ)). السادس: أنه بدلٌ من ((الله) السابع: أنه صفة لله،
وهو أجودُها، لأنه قرىء بنصبِهما ((الحيَّ القيومَ)) على القطع، والقطعُ إنما هو في
باب النعتِ، لا يقال في هذا الوجهِ الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالخبرِ،
لأنَّ ذلك جائزٌ حسن [تقول: زيدٌ قائمٌ العاقلُ](٢).
و ((الحيُّ)) فيه قولان، أحدهما: أن أصله حَيْيٌ بياءين من حَيي يَحْيَا
فهو حيٌّ، وهذا واضح، وإليه ذهب أبو البقاء(٣). والثاني: أن أصلَه حَيْوٌ فلامه
(١) المبتدأ ((الله))، والخبر: الجملة الاسمية بعده ((لا إله إلا الله)).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من مصورة نسخة الأصل.
(٣) الاملاء ١٠٦/١.
٥٣٩

- البقرة -
واو، فَقُلِبت الواوُ ياءٌ لانكسارِ ما قبلها متطرفةً، وهذا لا حاجةَ إليه وكأنَّ الذي
أَحْوَجَ هذا القائلَ إلى ادِّعاء ذلك أنَّ كونَ العينِ واللامِ من وادٍ واحد هو قليلٌ
في كلامِهم بالنسبةِ إلى عَدَمِ ذلك فيه، ولذلك كتبوا ((الحياة)) بواوٍ في رسم
المصحف العزيز تنبيهاً على هذا الأصل، ويؤيده ((الحيوان)) لظهورِ الواو فيه.
ولناصِر القولِ الأول أن يقول: قلبت الياءُ الثانيةُ واواً تخفيفاً، لأنه لمّا زيد في
آخره ألفٌ ونونٌ استُثْقل المِثْلان.
وفي وزنه أيضاً قُولان، أحدُهما: أنه فَعْل، والثاني: أنه فَيْعِل(١)
فَخُفِّف، كما قالوا مَيْت وهَيْن، والأصل: هَيّن ومَيِّت.
والقَيُّومِ: فَيْعُول من قام بالأمر يَقُوم به إذا دَبَّره، قال أمية (٢):
والشمسُ معها قَمَزِ يَعُومُ
١٠٣١- لم تُخْلَقِ السماءُ والنجومُ
والحشرُ والجنةُ والنعيمُ
قَدَّره مهيمنٌ قَيُّومُ
إلا لأمرٍ شأنُه عظيمُ
وأصلُه قَيُّوم، فاجتمعت الياءُ والواوُ وسَبَقَت إحداهما بالسكون فَقُلِبت
الواوُ ياءً وأدغمت فيها الياءُ فصارَ قَيُّوماً.
وقرأ(٣) ابن مسعود والأعمش: ((القَيَّام))، وقرأ علقمة (٤): ((القيِّم)) وهذا
كما يقولون: دَيُّور وديار ودَيِّر. ولا يجوز أن يكونَ وزنُه فَعُولاً كـ (سَفُّود)»(٥)
إذ لو كان كذلك لكان لفظُه قُوُّوما، لأن العينَ المضاعَفَة أبداً من جنس الأصلية.
(١) يعني أن أصله خ ثي ي يُ.
(٢) ديوانه ٥٧؛ والطبري ٣٨٨/٥؛ والقرطبي ٢٧١/٣.
(٣) البحر ٢٧٧/٢؛ والقرطبي ٢٧٢/٣.
(٤) علقمة بن قيس تابعي فقيه، عرض على عبدالله بن مسعود، وسمع من ثلة من الصحابة
توفي سنة ٦٢. انظر: طبقات ابن سعد ٨٦/٦؛ وطبقات القراء ٥١٦/١.
(٥) السفود: الحديدة التي يشتوى عليها.
٥٤٠