النص المفهرس

صفحات 361-380

- البقرة -
فصغيرَيْنِ حالٌ من فاعل ((عُلِّقْتُ)) ومن ((سلمى)) لأنك لوقُلْت: أنا
وسَلْمى صغيران [لَصَحَّ]، ومثلُه قولُ امرىء القيس(١):
٩١٠ - خَرَجْتُ بها نمشي تَجُرُّ وراءَنا على أَثْرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَخِّلٍ
فنمشي حالٌ من فاعل ((خَرَجْتُ)) ومن ((ها)) في ((بها»، لأنَّك لوقلت:
((أنا وهي نمشي)) لصَحَّ، ولذلك أَعْرِب المُعْرِبون ((نَمْشِي)) حالاً منهما كما
تَقَدَّم، و((تَجُّ) حالاً من ((ها) في ((بها)) فقط، لأنه لا يصلح أن تجعل
(تَجُرُّ) خبراً عنهما، لو قلت: ((أنا وهي تَجَرُّ» لم يَصِحَّ فكذلك
يتقدَّر بمفردٍ وهو («جارَّة)) وأنت لو أَخْبَرْتَ به عن اثنين لم يَصِحَّ فكذلك
((تحمله)) لا يَصْلُح أن يكونَ خبراً عن اثنين، فلا يَصِحُّ أن يكونَ حالاً منهما،
وأمَّا (كافة)) فإنها بمعنى ((جميع))، و((جميع)) يَصحُّ فيها ذلك(٢)، لا يُقال:
(كافة)) لا يصحُّ وقوعُها خبراً لوقلتَ: ((الزيدون والعمرون كافة)) لم يَجُزْ،
فلذلك لا تقع حالاً على ما قَرَّتُ؛ لأنَّ ذلك إنما هو بسبب التزام نصب
(كافةً)) على الحال، وأنها لا تتصرَّف لا من مانعِ معنوي، بدليلِ أنَّ مرادفها
وهو (جميع)) و((كل)) يُخْبَرُ به، فالعارضُ المانِعُ لـ((كافَّة)) من التصرُّفِ
لا يَضُرُّ، وقوله: ((الجماعة التي تَكُفُّ مخالِفيها)) يعني أنَّها في الأصلِ
كذلك، ثم صار استعمالها بمعنى جميع وكُل)).
واعلَمْ أنَّ أصلَ ((كافة)) اسمُ فاعل من كَفَّ يَكُفُّ أي مَنَع، ومنه:
((كَفُّ الإِنسان))، لأنها تَمْنَعُ ما يقتضيه، و«كِفّة الميزان)) لجمعِها الموزون،
والكُفَّة بالضم لكل مستطيلٍ، وبالكسر لكلِّ مستدير. وقيل: ((كافة)) مصدرٌ
(١) ديوانه ١٤؛ وشرح القصائد للتبريزي ٨٥؛ والدرر ٢٠١/١. والمرط: إزار خز معلم؛
والمرحل: فيه صور الرحال من الوشى.
(٢) أي يصح أن يكون حالاً من شيئين، وقد عاد الآن إلى أصل المسألة وهي مجيء ((كافة))
حالاً من شیئین.
٣٦١

- البقرة .-
كالعاقبة والعافية. وكافة وقاطبة مِمَّا لَزِمِ نصبُهما على الحالِ فإخراجُهما عن
ذلك لَحْنُ.
آ. (٢٠٩) والجمهورُ على ﴿زَلَّلْتُم﴾: بفتح العين، وأبو السَّمَّال(١)
قرأها بالكسرِ، وهما لغتان كضَلَلْتُ وضَلِلْتُ. و((ما)) في ((مِنْ بعدِما)) مصدريّةٌ،
و ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، وهي متعلِّقَةٌ بـ((زَلَلْتُمْ)).
أ. (٢١٠) قوله تعالى: ﴿هل يَنْظُرون﴾: ((هل)) لفظُهُ استفهامٌ
والمرادُ به النفيُّ كقوله(٢):
٩١١ - وهلْ أنا إلا مِنْ غُزَيَّةَ إِنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وإِنْ تَرْشُدْ غُزَيَّةُ أَرْشُدِ
أي: ما ينظُرون، وما أنا، ولذلك وقَعَ بعدها ((إلَّ) كما تَقَعُ بعد (ما)).
و((يَنْظُرون)» هنا بمعنى يَنْتَظِرُون، وهو مُعَدَّىَّ بنفسِه، قال امرؤ
القيس(٣):
٩١٢ - فإِنَّكما إنْ تَنْظُراني ساعةً من الدَّهْرَ يَنْفَعْنِي لدى ◌ُمِّ جُنْدَبٍ
وليس المرادُ هنا بالنظرِ تَرَدُّدَ العينِ، لأنَّ المعنى ليس عليه. واستدَلَّ
بعضُهم على ذلك بأن النظر بمعنى البصر يتعدَّى بإلى، ويُضافُ إلى الوجه،
وفي الآية الكريمة متعدٍّ بنفسِه، وليسَ مضافاً إلى الوجه، ويعني بإضافته إلى
الوجهِ قوله تعالى: ((وجوه يومئذ ناضرةٌ إلى ربِّها ناظِرَةً»(٤) فيكونُ بمعنى
الانتظار. وهذا ليس بشيءٍ. أمَّا قولُه: ((إنَّ الذي بمعنى البصر يتعدَّى بإلى
(١) البحر ١٢٣/٢؛ الشواذ ١٣.
(٢) البيت لدريد بن الصمة وهو في الأصمعيات ١٠٧؛ والحماسة ٣٩٧/١؛ والبخر
١٢٤/٢؛ والخزانة ٤ /٥١٣.
(٣) تقدم برقم ٦٦٨.
(٤) الآية ٢٣ من القيامة.
٣٦٢

- البقرة -
فُمُسَلَّم(١)، قوله: ((وهو هنا متعدٍّ بنفسه)) ممنوعٌ، إذ يُحتمل أن يكونَ حرفُ
الجر وهو ((إلى)) محذوفاً، لأنه يَطَّرِدُ حَذْفُه مع ((أَنْ)) و((أَنَّ))، إذا لم يكن لَبْسُ،
وأمَّا قولُه: ((يُضافُ إلى الوجهِ)) فممنوعٌ أيضاً، إذ قد جاء مضافاً للذاتِ. قال
تعالى(٢): ((أَرِني أنظر إليك)) ((أفلا ينظرون إلى الإِبل))(٣). والضميرُ في
((ينظرون)) عائدٌ على المخاطبين بقوله: ((زَلَلْتُم)) فهو التفاتٌ.
قولُه: ((إلَّ أَنْ يأتيَهم)) هذا مفعولُ ((ينظرون)) وهو استثناءً مفرَّغٌ أي:
ما ينظرون إلا إتيان الله .
قوله: ((في ظُلَلٍ)) فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يتعلَّق بيأتِيَهم،
والمعنى: يأتيهم أمرُه أو قُدْرَتُه أو عقابُه أو نحو ذلك، أو يكونُ كنايةً عن
الانتقام؛ إذ الإتيان يمتنعُ إسنادُه إلى الله تعالى حقيقةً. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ
بمحذوفٍ على أنه حالٌ، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: هو مفعولُ يأتيهم،
أي: في حالٍ كونهم مستقرين في ظُلَل وهذا حقيقةٌ. والثاني: أنه الله تعالى
بالمجاز المتقدِّم، أي: أمرُ الله في حال كونه مستقراً في ظُلَل. الثالث: أن
تكونَ ((في)) بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإِتيانِ، أي: إلَّ أَنْ يأتيهم بِظُلَل. ومِنْ
مجيءٍ ((في)) بمعنى الباءِ قوله(٤):
خَبيرون في طَعْنِ الكُلى والأباهِرِ
٩١٣ -
لأنَّ ((خبيرين)) إِنَّما يتعدَّى بالباءِ كقوله(٥):
خبيرٌ بِأَدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
٠
٩١٤ _
(١) الأصل: ((مسلم)) وهو سهو، لأن الفاء واجبة بعد أمَّا.
(٢) الآية ١٤٣ من الأعراف.
(٣) الآية ١٧ من الغاشية .
(٤) تقدم برقم ٨٥٢.
(٥) تقدم برقم ١٠.
٣٦٣

- البقرة -
الرابع: أن يكونَ حالاً من («الملائكة)) مقدَّماً عليها، والأصل: إِلَّ أَنْ
يأتيَهم اللهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ، ويؤيِّد هذا قراءة عبد الله(١) إياه كذلك،
وبهذا أيضاً يَقِلُّ المجازُ، فإنّه والحالةُ هذه لم يُسْنَدْ إلى اللهِ تعالى إلا الإِتيانُ
فقط بالمجازِ المتقدِّم.
وقرأ(٢) أُبَيّ وقتادةُ والضحاك: في ظلالٍ، وفيها وجهان، أَحدُهما:
أنَّها جمع ظِلّ نحو: صِلّ(٣) وصِلال. والثاني: أنها جمعُ ظُلَّهُ كَقُلَّة وقِلالِ،
وخُلَّة وخِلال، إلَّ أنَّ فِعالاً لا يَنقاس في فُعْلَة.
قوله: ((من الغمام)) فيه وجهانٍ، أحدُهما: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه صفةٌ
لـ «ظُلَلَ)) التقدير: ظُلِّلٍ كائنةٍ من الغَمام. و((مِنْ)) على هذا للتبعيض.
والثاني: أنها متعلقةٌ بـ ((يأتيهم))، وهي على هذا لابتداءِ الغاية، / أي: من [٨٠/أ]
ناحية الغمام.
والجمهور: ((الملائكةُ)) رفعاً عطفاً على اسم ((الله)). وقرأ الحسن (٤)
وأبو جعفر: ((والملائكةِ)) جراً وفيه وجهان، أحدُهما: الجر عطفاً على ((ظُلَلِ))،
أي: إلا أن يأتيهم في ظللٍ وفي الملائكة؛ والثاني: الجر عطفاً على
((الغمام)) أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصفُ الملائكة بكونِهَا ظُلِلًا على
التشبيه .
قوله: ((وقُضِيَ الأمرُ)) الجمهور على ((قُضِيَ)) فعلًا ماضياً مبنياً للمفعول وفيه
وجهان، أحدُهما: أن يكونَ معطوفاً على ((يَأْتِيهم)» وهو داخلٌ فِي خَيِّز
الانتظار، ويكونُ ذلك من وَضْعِ الماضي موضعَ المستقبل، والأصل:
(١) البحر ١٢٥/٢؛ والقرطبي ٢٥/٣.
(٢) الشواذ ١٣ البحر ١٢٥/٢؛ القرطبي ٢٥/٣.
(٣) الصل: نوع من الحيات.
(٤) البحر ١٢٥/٢؛ القرطبي ٢٥/٣؛ الشواذ ١٣.
٣٦٤

- البقرة -
ويُقْضى الأمر، وإنما جيء به كذلك لأنه محققٌ كقوله: ((أتى أمرُ الله))(١).
والثاني: أن يكونَ جملةٌ مستأنفةً برأسِها، أَخْبر الله تعالى بأنه قد فَرَغَ من
أمرهم، فهو من عطفِ الجملِ وليس داخلاً في حَيِّز الانتظار. وقرأ معاذ ابن
جبل(٢) (وقضاء الأمر)) قال الزمخشري(٣): ((على المصدرِ المرفوع عطفاً على
الملائكة)). وقال غيره: بالمدِّ والخفض عطفاً على ((الملائكة)) قيل: ((وتكون
على هذا ((قي)) بمعنى الباء)) أي: بظُللٍ وبالملائكةِ وبقضاء الأمر، فيكونُ عن
معاذ قراءتان في الملائكة: الرفعُ والخفضُ، فنشأ عنهما قراءتان له في قوله:
((وقُضي الأمر)».
قوله: ((وإلى الله تُرْجَعُ الأمور)) هذا الجار متعلُّقٌ بما بعدَه، وإنما قُدِّم
للاختصاص، أي: لا تَرْجِعُ إلا إليه دون غيره. وقرأ الجمهور: ((تُرْجَعُ))
بالتأنيث لجريان جمع التكسير مَجْرى المؤنث، إلَّ أنَّ حمزةَ والكسائي ونافعاً
قرؤوا(٤) ببنائه للفاعل، والباقون بينائِه للمفعول، و((رجع)) يُستعمل متعدياً تارةً
ولازماً أخرى. وقال تعالى: (فإنْ رَجَعَك الله))(٥) فجاءت القراءتان على ذلك،
وقد سُمِع في المتعدي ((أرجع)) رباعياً وهي لغةٌ ضعيفة، ولذلك أَبَت العلماءُ
أن تَجْعَل قراءَة مَنْ بناه للمفعول مأخوذةً منها. وقرأ خارجة(٦) عن نافع:
(يُرْجَعُ)) بالتذكير وببنائه للمفعول لأن تأنيثه مجازي، والفاعلُ المحذوفُ
(١) الآية ١ من النحل.
(٢) أحد قرَّاء الصحابة الذين أشار إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، توفي سنة ١٨.
انظر: طبقات القراء ٣٠١/٢. وانظر: الشواذ ١٣.
(٣) الكشاف ٣٥٣/١.
(٤) السبعة ١٨١؛ الكشف ٢٨٩/١.
(٥) الآية ٨٣ من التوبة .
(٦) خارجة بن مصعب، أخذ عن نافع وحمزة، وروى عنه العباس بن الفضل، توفي سنة
١٦٨. انظر: طبقات الفراء ٦٨/١؛ وانظر: الشواذ ١٣ .
٣٦٥

- البقرة -
في قراءةِ مَنْ بناء للمفعول: إمَّا اللهُ تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإغناء هذه
الدار، وإمَّا ذوو الأمور؛ لأنه لَمَّا كانت ذواتُهم وأحوالُهم شاهدةً عليهم بأنهم
مَرْبوبون مَجْزِيُّون بأعمالهم كانوا رادِين أمورَهم إلى خالقها.
آ. (٢١١) قوله تعالى: ﴿سَلْ﴾: قرأ الجمهور: ((سَلْ)) وهي تحتمل
وجهين، أحدُهما: أَن تكونَ مِنْ لغة: سال يَسال مثل: خاف يخاف، وهل
هذه الألفُ مُبْدَلَةٌ من همزة أو واو أو ياء؟ خلافٌ تقدَّم في قوله: ((فَإنَّ لِكم
ما سألتم))(١) فحينئذٍ يكونُ الأمر منها: ((سَلْ)) مثل (خَفْ))، لَمَّا سكنت اللامِ حَمْلاً
للأمر على المجزوم التقى ساكنان فَحُذِفت العين لذلك، فوزنُه على هذا فَلْ.
والثاني: أن تكون من سأل بالهمز، والأصل: اسْأَلْ ثم ألقيت حركة الهمزة
على السين تخفيفاً، واعتدَدْنا بحركةِ النقلِ فاستَغْنينا عَنْ همزة الوصل
فَحَذَقْنَاها ووزنُه أيضاً:﴿ قُلْ بحذفِ العين، وإنْ كان المأخَذُ مختلفاً .. وروى
عباس(٢) عن أبي عمرو: ((أسألْ)) على الأصْلِ من غير نَقْلٍ. وقرأ قومُ(٣):
((اسَلْ)) بالنقلِ وهمزة الوصلٍ، كأنهم لم يَعْتَدُّوا بالحركةِ المنقولةِ كقولهم:
(الَحْمَر)» بالهمز(٤). وسيأتي لهذه المسائل مزيدُ بيانٍ في مواضِعها كما ستقفُ
عليه إنْ شاء الله. و((بني)) مفعولٌ أولُ عند الجمهور.
وقوله: ((كم آتيناهم)) في ((كَمْ)) وجهانِ، أحدُهما أنَّها في محل نصبٍ.
واختلف في ذلك فقيل: نصبُها على أنها مفعولٌ ثانٍ لآتيناهم على مذهبٍ
(١) الآية ٦١ من البقرة.
(٢) العباس بن الفضل روى عن أبي عمرو، توفي سنة ١٨٦. انظر: طبقات القراء
٣٥٣/١.
(٣). البحر ١٢٦/٢.
(٤) أصلها الأحمر، نقلنا حركة الهمزة إلى اللام وحذفنا الهمزة فأصبحت الَحْمَر، وإذا اعتددنا
بالحركة المنقولة نَحذف همزة الوصل فنقول لَحْمر وإذا لم نعتدَّ نقول الَّحْمَر.
٣٦٦

- البقرة -
الجمهور، وأولُ على مذهبِ السهيلي، كما تقدَّم تقريرُه. وقيل: يجوز أَن
يَنْتَصِبَ بفعلٍ مقدَّر يفسِّرَهُ الفعلُ بعدَها تقديرُه: كم آتينا آتيناهم، وإنما قدَّرْنَا
ناصبَها بعدَها لأنَّ الاستفهامَ له صدُر الكلامِ ولا يَعْمَلُ فيه ما قبلَه، قاله ابنُ
عطية (١)، يعني أنه عنده من باب الاشتغالِ. قال الشيخ (٢): ((وهذا غيرُ جائز إنْ
كان ((من آية)) تمييزاً، لأن الفعلَ المفسَّر لم يعملْ في ضمير ((كم)) ولا في
سبّها، وإذا لم يكن كذلك امتنع أن يكون من باب الاشتغال، إذ من شرط
الاشتغال أن يعملَ المفسِّرُ في ضميرِ الأولِ أو في سبيِّه. ونظيرُ ما أجازه أن
تقولَ: ((زيداً ضربْتُ)) ويكونُ من بابِ الاشتغال، وهذا ما لا يُجيزه أحدٌ. فإنْ
قُلْنَا إِنَّ مميّزها محذوفٌ، وأُطْلِقَتْ ((كم)) على القوم جاز ذلك لأنَّ في جملةٍ
الاشتغالِ ضميرَ الأول، لأنَّ التقديرَ: ((كم من قومٍ آتيناهُمْ)) قلت: هذا الذي
قاله الشيخُ مِنْ كونِه لا يتمثَّى على كونِ ((من آية)) تمييزاً قد صَرَّح به ابنُ
عطية (٣) فإنه قال: ((وقولُه ((مِن آية)) هو على التقديرِ الأولِ مفعولٌ ثانٍ
لآتيناهم، وعلى الثاني في موضعٍ التمييز)» يعني بالأول نصبها على
الاشتغالِ، وبالثاني نصبَها بما بعدَها.
والثاني من وَجْهَي كم: أن تكون في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ والجملةُ بعدَها
في محلِّ رفعٍ خبراً لها والعائدُ محذوفٌ تقديرُه: كم آتيناهموها أو آتيناهم
إياها، أجاز ذلك ابنُ عطية(٤) وأبو البقاء(٥)، واستَضْعَفَه الشيخ(٦) من حيث إنَّ
حَذْفَ عائدِ المبتدأ المنصوبِ لا يجوزُ إلَّ في ضرورةٍ كقوله(٧).
(١) المحرر ١٤٧/٢.
(٢) البحر ١٢٦/٢.
(٣) المحرر ١٤٨/٢.
(٤) المحرر ١٤٨/٢.
(٥) الاملاء ٩٠/١.
(٦) البحر ١٢٧/٢.
(٧) تقدم برقم ٦٨٤.
٣٦٧

- البقرة -
بالحقِّ لا يُحْمَدُ بِالْبَاطِلْ
٩١٥ ۔ وخالدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا
أي: وخالدٌ يحمَدُه / . وهذا نقلُ بعضِهم، وأمَّا ابنُ مالك(١) فَتَقَل أَنَّ [٨٠/ب]
المبتدأ إذا كانَ لفظَ ((كُل)) أو ما أشبهها في الافتقار والعموم جازَ حَذْفُ عائده
المنصوب اتفاقاً من البصريين والكوفيين، ومنه: (وكلِّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى))(٢)
في قراءة نافعٍ، وإذا كان المبتدأُ غيرَ ذلك فالكوفيون يَمْنَعُون ذلك إلاّ في
السَّعَةِ، والبصريُّون يُجيزونه بضعفٍ، ومنه: ((أفحكمُ الجاهليةِ يَبْغون))(٣) برفع
((حكم)). فقد حَصَل أنَّ الذي أجازَه ابن عطية ممنوعٌ عند الكوفيين ضعيفٌ
عند البصريين.
وهل ((كَمْ)) هذه استفهاميةٌ أو خبريةٌ؟ الظاهرُ الأولُ، وجَوَّزَ الزمخشري(٤)
فيها الوجهين، ومَنَّعَه الشيخُ(٥) من حيث إنَّ ((كَمْ)) الخبرية مستقلةٌ بنفسها غيرُ
متعلقةٍ بالسؤال، فتكونُ مفلتةٌ مِمّا قبلها، والمعنى يؤدِّي إلى انصباب السؤال
عليها، وأيضاً فَيَحْتَاج إلى حَذْفِ المفعول الثاني للسؤالِ تقديرُه: سَلْ بَنِي
إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم، ثم قال: كثيراً من الآيات التي آتيناهم،
والاستفهاميةُ لا تحتاجُ إلی ذلك.
و ((من آيةٍ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنها مفعولٌ ثانٍ على القول بأن ((كم))
منصوبةٌ على الاشتغال كما تقدَّم تحقيقُه، ويكون مميِّز (كم)) محذوفاً، و ((مِن))
زائدةٌ في المفعول؛ لأنَّ الكلام غيرُ موجب إذ هو استفهامُ. وهذا إذا قلنا إنَّ
(كم)) استفهاميةٌ لا خبريةٌ، إذ الكلام مع الخبرية إيجابٌ، و ((مِنْ)) لا تُزادُ في
(١) شرح الكافية الشافية ٣٤٥/١.
(٢) الآية ٩٥ من النساء.
(٣) الآية ٥٠ من المائدة وهي قراءة السلمي وابن وثاب وآخرين . البحر ٥٠٥/٣.
(٤) الكشاف ٣٥٣/١.
(٥) البحر ١٢٧/٢.
٣٦٨

- البقرة -
الواجب إلا على رأي الأخفش والكوفيين، بخلاف ما إذا كانت استفهاميةً.
قال الشيخ (١): ((فيمكن أن يجوزَ ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما بعده(٢)
وفيه بُعْدٌ، لأنَّ متعلَّقَ الاستفهامِ هو المفعولُ الأول لا الثاني، فلو قلت: ((كم
من درهمٍ أعطيتُه من رجلٍ)) على زيادةِ (من)) في ((رجل)) لكان فيه نظرٌ))
انتھی .
والثاني: أنها تمييزٌ، ويجوزُ دخولُ ((مِنْ)) على مميِّز ((كم)) استفهاميةٌ
كانت أو خبريةً مطلقاً، أي: سواءً وليها مميِّزها أم فُصِل بينهما بجملةٍ أو ظرفٍ
أو جارٍ ومجرورٍ، على ما قَرَّره النحاةُ. و((كم)) وما في حَيِّزها في محلّ نصب
أو خفضٍ ، لأنها في محلَّ المفعول الثاني للسؤال فإنه يتعدَّى لاثنين: إلى
الأول بنفسه وإلى الثاني بحرفِ جَر: إمّا عن وإمَّا الباء نحو: سألته عن كذا
وبكذا، قال تعالى: ((فاسأل به خبيراً))(٣)، وقد جُمِع بينهما في قوله (٤):
٩١٦ - فَأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنني عن بما بِهِ
وقد يُحْذَفُ حرفُ الجرِّ، فمِنْ ثَمَّ جاز في محلٌّ ((كم)) النصبُ والخفضُ
بحسَبِ التقديرين و((كم)) هنا معلِّقةٌ للسؤال، والسؤالُ لا يُعَلَّقُ إلا بالاستفهامِ
كهذه الآية، وقوله تعالى: ((سَلْهم: أيُّهم بذلك زعيم))(٥) وقوله(٦):
(١) البحر ١٢٧/٢.
(٢) في مطبوعة البحر: ((على ما قبله)) وهو خطأ لأنه يعني أن الاستفهام يشمل ما بعد ((كم))
وهو: ((آتيناهم)) و ((من آية)).
(٣) الآية ٥٩ من الفرقان .
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: صعد، والبحر ١٢٧/٢ وعجزه:
أصعّد في علو الهوى أم تصوّبا
(٥) الآية ٤٠ من القلم.
(٦) البيت لرويشد بن كثير الطائي وهو في الحماسة ١٠٢/١؛ والخصائص ٤١٦/٢؛
واللسان: صوت؛ وابن يعيش ٩٥/٥؛ والدرر ٢١٦/٢. والمزجي: السائق.
٣٦٩

- البقرة -
سائلْ بني أسدٍ ما هذه الصَّوْتُ
٩١٧ _ يا أيُّها الراكبُ المُزْجِي مَطِيَّتَه
وقال آخر(١):
واسألْ بَمَصْقَلَةَ الْبَكْرِيِّ مَا فَعَلا
٠
٩١٨ -
وإنما علَّق السؤالَ وإن لم يكن من أفعال القلوب، قالوا: لأنه سببٌ
للعلمِ والعلمُ يُعَلَّقَ فَكذلك سَبَبُه، وإذا كانوا قد أَجْرَوا نقيضه في التعليق
مُجْراه في قوله(٢):
٩١٩ - وَمَنْ أنْتُمُ إِنَّا نسِينا مَنَ أَنْتُمُ
وريحُكمُ من أيِّ ریحِ الْأعاصِرِ
فإجراؤهم سببه مُجْراه أَوْلِى .
واختلفَ النحويُون في ((كم)): هل بسيطةٌ أو مركبةً من كافِ التشبيه
وما الاستفهاميةُ حُذِفَتْ ألفُها لانجرارِها، ثم سُكِّنَتْ ميمُها، كما سُكِّنَّتْ مِيمُ
(لِمْ)) من ((لِمْ فَعَلْتَ كَذَا)» في بعض اللغاتِ، فَرُكِّبتا تركيباً لازماً؟ والصحيحُ
الأول. وأكثرُ ما تجيءٍ في القرآنِ خبريةً مراداً بها التكثيرُ ولم يأتِ مميِّزُها فِي
القرآنِ إلا مجروراً بِمِنْ.
قوله : ((وَمَنْ يُبَدِّلْ نعمةَ اللَّهِ)) ((مَنْ)) شرطيةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء. وقد
تقَدَّمَ الخلافُ في خبرِ اسمِ الشرطِ ما هو؟ ولا بُدَّ للتبديل من مفعولين: مُبَدَّل
وبَدَل، ولم يَذْكر هنا إلا أحدَهما وهو المُبَدَّل، وحَذَفَ البَدَلَ، وهو المفعول
(١) البيت للأخطل وصدره:
دَعِ المُغَمِّرِ لا تَسْأَلْ بمَصْرعه
وهو في ديوانه ١٥٧؛ والكتاب ٢٩٩/٢؛ وأدب الكاتب ٣٩٨. والمغمر: الذي
تغمره الرجال أي: تعلوه .
(٢) تقدم برقم ٤٢٦.
٣٧٠

- البقرة -
الثاني لفهمِ المعنى. وقد صَرَّحَ به في قوله: ((بَدَّلوا نعمةَ الله كُفرا))(١) فكفراً
هو المحذوفُ هنا. وكان قد تقدَّم عند قولهِ تعالى: ((فَبَدَّل الذين ظلموا))(٢) أن
(بَدَّل)) يتعدَّى لاثنين أحدُهما بنفسه وهو البدلُ وهو الذي يكون موجوداً وإلى
الآخر بحرفِ الجر وهو المُبَدَّلُ وهو الذي يكون متروكاً، وقد يُحْذَفُ حرفُ
الجَرِّ لفهمِ المعنى فالتقديرُ هنا: ((وَمَنْ يُبَدِّل بنعمتِهِ كفراً»، فَحَذَفَ حرفَ الجر
والبدل لفهمِ المعنى. ولا جائزٌ أَنْ تُقَدِّر حرف الجر داخِلاً على ((كفراً)) فيكونَ
التقديرُ: (وَمَنْ يُبَدِّل بالكفرِ نعمةَ الله)) لأنه لا يترتَّبُ عليه الوعيد في قوله: ((فإنَّ
الله شديد العقاب)). وكذلك قولُه: ((فأولئك يُبَدِّل الله سيئاتهم حسناتٍ))(٣)
تقديرُهُ: بسيئاتهم حسناتٍ، ولا يجوز تقديُره: ((سيئاتِهِم بحسناتٍ)) لأنه
لا يترتَّبُ على قوله: ((إلا مَنْ تاب)).
وقُرِىء: (٤) ((يُبْدِل)) مخففاً، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ. و((ما)» مصدريةً،
والعائدُ من جملةِ الجزاءِ على اسمِ الشرطِ محذوفٌ لفهمِ المعنى أي:
العقاب له، أو لأنَّ ((أَلْ)) نابَتْ منابَه عند الكوفيين.
آ. (٢١٢) قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾: إنَّما لم تَلْحَقِ الفعلَ علامةُ تأنيثٍ
لكونِهِ مؤنثاً مجازياً، وحَسَّن ذلك الفصلُ. وقرأ(٥) ابن أبي عبلة: ((زُيِّنَتْ))
بالتأنيث مراعاةً للفظِ. وقرأ مجاهد وأبو حيوة: ((زَيَّنَ)) مبنياً للفاعل، و ((الحياة)»
مفعولٌ، والفاعلُ هو الله تعالى، والمعتزلةُ يقولون: إنه الشيطان.
وقوله: ((يَسْخَرُون)) يَحْتَمِلِ أن يكونَ من باب عَطْفِ الجملةِ الفعلية على
(١) الآية ٢٨ من إبراهيم.
(٢) الآية ٥٩ من البقرة.
(٣) الآية ٧٠ من الفرقان.
(٤) البحر ١٢٨/٢؛ والشواذ ١٣ من دون نسبة.
(٥) البحر ١٢٩/٢؛ القرطبي ٢٨/٣؛ الشواذ ١٣.
٣٧١

- البقرة -
الجملةِ الفعليةِ، لا من بابِ عطفِ الفعلِ وحدَه على فعلٍ آخرَ، فيكونُ من
عطف المفردات، لِعَدَمِ اتِّحادِ الزمانِ. ويَحْتَمل أن يكونَ ((يَسْخَرُون)) خبرَ
مبتدأ محذوفٍ، أي: وهم يَسْخَرُون فيكون مستأنفاً، وهو من عَطْفِ الجملةِ
الاسمية على الفعلية(١). وجِيءَ بقولِهِ: ((زُيِّن)) ماضياً دلالةً على أنَّ ذلك قد
وقع وَفُرِغَ منه، وبقوله: ((وَيَسْخَرُون)) مضارعاً دلالةٌ / على التَّجَدُّدِ والحدوثِ. [٨١/أ]
قوله: ((والذين (َتَّقَوْا فَوْقَهم)) مبتدأ وخبرٌ، و((فوق)) هنا تَحْتَمِل وجهين،
أحدُهما: أن تكونَ ظرفَ مكانٍ على حقيقتها، لأنَّ المتقين في أَعلى عَلِِّينَ ،
والكافرين في أسفلِ سِجِّين. والثاني: أن تكونَ الفوقيةُ مجازاً: إمَّا (٢) بالنسبة
إلى نعيمِ المؤمنين في الآخرة ونعيمِ الكافرين في الدنيا. و((يوم)) منصوب
بالاستقرار الذي تعلّق به («فوقهم)).
قولُه: ((مَنْ يَشاءُ)) مفعولُ ((يشاء)» محذوفٌ، أي: مَنْ يشاءُ أَنْ يَرزقَه.
و ((بغيرِ حساب)) هذا الجارُّ فيه وجهان، أحدُهما: أنه زائدٌ. والثاني: أنه غيرُ
زائدٍ، فعلى الأول لا تَعَلَّقَ له بشيء، وعلى الثاني هو متعلُّقٌ بمحذوف. فأمّا
وجهُ الزيادةِ: فهو أنه تقدَّمه ثلاثةُ أشياءَ في قوله: ((والله يرزق من يشاء)» الفعلُ
والفاعلُ والمفعولُ، وهو صالحٌ لأنْ يتعَلَّقَ من جهةِ المعنى بكلِّ واحدٍ منها،
فإذا تعلَّق بالفعلِ كان من صفاتِ الأفعالِ، تقديرُهُ: والله يرزق رزقاً غيرَ
حساب، أي: غير ذي حساب، أي: أنه لا يُحْسَب ولا يُحْصَى لكثرتِهِ، فيكونُ
في محلِّ نصبٍ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والباءُ زائدةٌ.
وإذا تَعَلَّقَ بالفاعل كان من صفاتِ الفاعلين، والتقديرُ: واللَّهُ يرزق غِيرَ
(١) الاسمية: وهم يسخرون، والفعلية: زين.
(٢) ((إِمَّا) هنا مقحمة، أو يكون ثَمَّ سقط، والتقدير: ((وإمَّا بالنسبة إلى علو حالهم لأنهم في
كرامة والكفار في هوان)) كما في البحر ١٣٠/٢.
٣٧٢

- البقرة -
محاسِبٍ بل متفضلاً أو غيرَ حاسِبٍ، أي: عادِّ. فـ ((حساب)) واقعٌ موقعَ اسمِ
فاعلٍ من حاسَب أو من حَسَبَ، ويجوزُ أن يكونَ المصدرُ واقعاً موقعَ اسمِ
مفعولٍ من حاسَبَ، أي: الله يرزقُ غيرَ مُحَاسَبٍ أي: لا يحاسبه أحدٌ على
ما يُعْطِي، فيكونُ المصدرُ في محلّ نصبٍ على الحالِ من الفاعل، والباءُ فيه
ـزيدةٌ.
وإذا تعلَّق بالمفعولِ كانَ من صفاتِهِ أيضاً والتقديرُ: والله يرزقُ مَنْ يشاء
غيرَ محاسَبٍ أو غيرَ محسوبٍ عليه، أي: معدودٍ عليه، أي: إنَّ المرزوق
لا يحاسِبُهُ أحدٌ، أو لا يَحْسُبُ عليه أي: لا يَعُدُّ. فيكونُ المصدرُ أيضاً واقعاً
موقعَ اسمِ مفعولٍ من حاسَبَ أو حَسَبَ، أو يكونُ على حَذْفِ مضافٍ أي غيرَ
ذي حساب أي: محاسبة، فالمصدرُ واقعٌ موقعَ الحالِ والباءُ أيضاً زائدةٌ فيه،
ويحتمل في هذا الوجهِ أن يكونَ المعنى أنه يُرْزَقِ مِنْ حيثُ لا يَحْتَسِبُ، أي:
من حيث لا يظنُّ أن يأتيَه الرزقُ، والتقديرُ: يرزقُه غيرَ محتسِبٍ ذلك، أي:
غيرَ ظانٌّ له، فهو حالٌ أيضاً. ومثلُه في المعنى «ويرزقه من حيثُ
لا يَحْتسب))(١). وكونُ الباء تُزادُ في الحال ذكروا لذلك شرطاً - على خلافٍ
في جواز ذلك في الأصل - وهو أن تكون الحال منفيَّةً كقوله(٢):
٩٢٠ - فما رَجَعَتْ بخائبةٍ رِكابٌ حكيمُ بِنِ الْمُسَيِّبِ مُنْتَهَاها
وهذه الحالُ - كما رأيتَ - غيرُ منفيةٍ فالمنعُ من الزيادة فيها أَوْلِى.
وأمَّا وجهُ عدمِ الزيادةِ فهو أن تَجْعَلَ الباءَ للحالِ والمصاحبة، وصلاحيةٌ
وصفِ الأشياء الثلاثة - أعني الفعلَ والفاعلَ والمفعولَ - بقولِهِ: ((بغيرِ
(١) الآية ٣ من الطلاق.
(٢) تقدم برقم ١٥.
٣٧٣

- البقرة -
حساب)) باقيةٌ أيضاً، كما تقدَّم في القولِ بزيادَتِها. والمُراد بالمصدرِ المحاسبةُ
أو العدُّ والإِحصاءُ أي : يرزقُ مَنْ يشاء ولا حسابَ على الرزقِ، أو ولا حسابَ
للرازق، أو ولا حسابَ على المرزوق، وهذا أَوْلَى لما فيه من عدمِ الزيادةِ،
التي الأصلُ عدمُها ولِما فيه من تَّبَعِيَّة المصدرِ على حالِهِ، غيرَ واقعٍ موقع
اسمِ فاعلٍ أو اسم مفعولٍ، ولِما فيه من عَدَمِ تقديرِ مضافٍ بعد ((غير)) أي:
غيرَ ذي حساب. فإذاً هذا الجارُّ والمجرورُ متعلُّقٌ بمحذوفٍ لوقوعِه حالاً من
أي الثلاثةِ المتقدِّمةِ شِئْتَ كما تقدَّم تقريرُه، أي: ملتبساً بغيرِ حسابٍ.
آ (٢١٣) قوله تعالى: ﴿مُبَشِّرين وَمُنْذِرِينَ﴾: حالان من ((النبيين)).
قيل: وهي حالٌ مقارنَةٌ، لأنَّ بعثَهم كان وقتِ البِشارة والنَّذارة. وفيه نظرً، لأنَّ
البِشارةَ والنِّذارةَ بعدَ البعثِ. والظاهِرُ أنها حالٌ مقدَّرَةٌ. وقد تقدَّم معنى البشارة
والنذارةِ في قولِهِ: ((أَأَنْذَرْتَهم))(١) ((وَبَشِّر الذين آمنوا))(٢).
قوله: ((معهم)) هذا الظرفُ فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بأنزلَ.
وهذا لا بُدَّ فيه من تأويلٍ، وذلك أنه يلزَمُ من تعلُّقِهِ بأَنْزَلَ أن يكونَ النبيون
مصاحِبين للكتابِ في الإِنزالِ، وهم لا يُوصَفُونَ بذلكِ لِعَذَمِهِ فيهم. وتأويلُهُ
أنَّ المرادَ بالإِنزالِ الإِرسالُ، لأنه مُسَبِّبٌ عنه، كأنه قيل: وأرسلَ معهم الكتابَ
فتصِحُّ مشاركتُهم له في الإِنزالِ بهذا التأويلِ. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ
على أنه حالٌ من الكتابِ، وتكونُ حالاً مقدرةً أي: وأنزلَ مقدِّراً مصاحبتَه
إياهم، وقدَّره أبو البقاء (٣) بقوله: ((شاهداً لهم ومُؤَيِّداً))، وهذا تفسيرُ معنَى
لا إعراب.
والألفُ واللامُ في ((الكتاب)) يجوزُ أَنْ تكونَ للعهدِ بمعنى أنه كتابٌ
(١) الآية ٦ من البقرة.
(٢) الآية ٢٥ من البقرة.
(٣) الإملاء ٩١/١.
٣٧٤

- البقرة -
معينُ كالتوراةِ مثلًاً، فإنها أُنْزِلَتْ على موسى وعلى النبيين بعدَه، بمعنى أنَّهَم
حَكَموا بها، واستداموا على ذلك، وأَنْ تكونَ للجنس، أي: أنزلَ مع كلٍّ
واحدٍ منهم من هذا الجنسِ . وقيل: هو مفردٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الجَمْعِ ، أي :
وأَنْزَلَ معهم الكُتُبَ وهو ضعيفٌ.
وهذه الجملةُ(١) معطوفةٌ على قولِهِ: ((فَبَعَثَ)) لا يُقال: البشارة والنِّذارة
ناشئةٌ عن الإِنزال فكيفَ قُدِّما عليه؟ لأنا لا نُسَلُّم أنَّهما إنما يكونَان بإنزالِ
كتابٍ، بل قد يكونَانِ بوحيٍ من اللَّهِ تعالى غير مَتْلُوٌّ ولا مَكْتُوبٍ. ولئن سَلَّمنا
ذلك، فإنَّما قُدِّما لأنهما حالان من ((النبيين)) فالْأَوْلَى أَتِّصالُهُما بهم.
قوله : ((بالحقِّ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ متعلُّقاً بمحذوف على
أنه حالٌ من الكتابِ أيضاً عند مَنْ يُجَوّزُ تَعَدُّدَ الحالِ وهو الصحيحُ. والثاني :
أن يتعلَّق بنفسِ الكتابِ لما فيه من معنى الفعلِ ، إذ المرادُ به المكتوبُ.
[٨١/ب] والثالث: أن يتعلَّق بأنزلَ، وهذا أَوْلَى لأنَّ / جَعْلَه حالاً لا يَسْتَقِيم إلا أَنْ يكونَ
حالاً مؤكدةً، إذ كُتُبِ اللَّهِ تعالى لا تكونُ ملتبسةً بالحقِّ، والأصلُ فيها أَنْ
تكونَ منتقلةً، ولا ضرورةَ بنا إلى الخروج عن الأصلِ ، ولأنَّ الكتابَ جارٍ
مَجْری الجوامِدِ .
قوله: ((ليحكم)) هذا الجارُّ متعلقٌ بقوله: ((أنزل)) واللامُ للعلةِ، وفي
الفاعلِ المضمرِ في ((ليحكم)) ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: وهو أظهرُها، أنه يعودُ
على اللَّهِ تعالى لتقدُّمِهِ في قوله: ((فَبَعَثَ الله)) ولأنَّ نسبةَ الحكمَ إليه حقيقةٌ،
ويؤيِّده قراءةُ الجَحْدَرِي(٢) فيما نقله عنه مكي(٣): ((لنحكمَ)) بنون العظَمَةِ،
(١) أي: جملة ((وأنزل)).
(٢) عاصم بن العجاج، أخذ عن سليمان بن قتيبة، وأخذ عنه عيسى بن عمر، وتوفي سنة
١٢٨. انظر: طبقات ابن سعد ٢٣٥/٧؛ طبقات القراء ٣٤٩/١.
(٣) لم أجد هذا النقل في كتاب ((المشكل)) لمكي.
٣٧٥

:
- البقرة -
وفيه التفاتٌ من الغَيْبَةِ إلى التكلُّمِ. وقد ظَنَّ ابنُ عطية(١) أن مكياً غَلِطَ في
نَقْلِ هذه القراءةِ عنه وقال: ((إنَّ الناسَ رَوَوْا عن الجحدري: ((ليُحْكَمَ)) على بناءِ
الفعلِ للمفعولِ)) ولا ينبغي أن يُغَلِّطَه لاحتمالِ أن يكونَ عنه قراءتانِ.
والثاني: أنه يعودُ على ((الكتاب)) أي: ليحكم الكتابُ، ونسبةُ الحكم إليه
مجازٌّ كنسبةِ النطق إليه في قوله تعالى: ((هذا كتابُنَا يَنْطِقُ عليكم بالحق))(٢)،
ونسبةُ القضاء إليه في قوله: (٣)
وقضى عليك به الكتابُ المُنَزِّلُ
٩٢١ - ضَرَبَتْ عليك العنكبُوتُ بنَسْجِها
ووجهُ المجازِ أنَّ الحكمَ فيه فَنُسِبَ إليه. والثالثُ: أنه يعودَ على
النبي، وهذا استضعَفَهُ الشيخُ(٤) من حيث إفرادُ الضميرِ، إذ كان ينبغي على
هذا أن يُجْمَعَ ليطابِقَ ((النبيين)). ثم قال: ((وما قالَه جائزٌ على أَنْ يعودُ الضميرُ
على إفراد الجمعِ على معنى: ليحكمَ كلُّ نبي بكتابِهِ. و((بين)) متعلق
بـ ((يَحْكم)). والظرفيةُ هنا مجازٌ. وكذلك ((فيما اختلفوا)) متعلقٌ به أيضاً.
و ((ما)) موصولةٌ، والمرادُ بها الدين، أي: ليحكم اللَّهُ بين الناسِ في الدِّينِ،
بعد أن كانوا متفقين عليه. ويَضْعُفُ أن يُرَادَ بـ ((ما)) النبيُّ صلى الله عليه
وسلم، لأنها لغير العقلاءِ غالباً. و((فيه)) متعلُّقٌ بـ ((اختلفوا))، والضميرُ عائدٌ
على ((ما)) الموصولةِ .
قوله: ((وما اختَلَفَ فيه)) الضمير في ((فيه)) فيه أوجهٌ، أظهرُها: أنه عائدٌ
على ((ما)) الموصولةِ أيضاً، وكذلك الضميرُ في (أوتوه)). وقيل: يعودان على
الكتابِ، أي: وما أَخْتَلَفَ في الكتاب إلا الذين أوتوا الكتابَ. وقيل: يعودان
(١) المحرر ١٥٣/٢.
(٢) الآية ٢٩ من الجاثية.
(٣) تقدم برقم ٥٠٥.
(٤) البحر ١٣٦/٢.
٣٧٦

- البقرة -
على النبيِّ قاله الزجاج(١). أي: وما اختلفَ في النبيّ إلا الذين أوتوا علمَ
نبوته. وقيل: يعودُ على عيسى للدلالةِ عليه.
قوله: ((مِنْ بعدِ)» فيه وجهانٍ، أحدُهما: وهو الصحيحُ، أن يتعلَّقَ
بمحذوفٍ تقديرُهُ: اختلفوا فيه مِن بَعْد. والثاني: أنه متعلِّقٌ بـ ((اختلف))
الملفوظ به، قال أبو البقاء (٢): ولا تَمْنَعُ ((إلَ)) من ذلك، كما تقول: ((ما قام
إلا زيدٌ يومَ الجمعة)). وهذا الذي أجازه أبو البقاء للنحاةِ فيه كلامٌ كثيرٌ.
وملخّصُه أن ((إلا)) لا يُسْتَثْنَى بها شيئان دونَ عطفٍ أو بدليةٍ، وذلك أنَّ ((إلاَّ))
مُعَدِّيَةُ للفعلِ ، ولذلك جازَ تَعَلُّقُ ما بعدها بما قبلَها، فهي كواوٍ مع وهمزة
التعدية، فكما أن واو ((مع)) وهمزة التعدية لا يُعَدِّيان الفعلَ لأكثرَ من واحدٍ، إلاَّ
مع العطفِ، أو البدليةِ كذلك ((إلا)). وهذا هو الصحيحُ، وإنْ كان بعضُهم
خالَفَ. فَإِن وَرَدَ من لسانِهم ما يُوهم جوازَ ذلك يُؤَوَّل. فمنه قولُه: ((وما أرسلنا
قبلَك إلا رجالاً نُوحِي))(٣) ثم قال: ((بالبينات))، فظاهر هذا أن ((بالبينات)) متعلقُ
بأرسلنا، فقد استْنِيَ بـ((إلا)) شيئان، أحدُهما ((رجالاً)) والآخرُ ((بالبينات)).
وتأويلُه أنَّ ((بالبينات)) متعلُّقٌ بمحذوفٍ لئلا يلزَمَ منه ذلك المحذورُ. وقد منع
أبو الحسن(٤) وأبو علي: ((ما أخذ أحدٌ إلا زيدٌ درهماً» و «ما ضربَ القومُ إلا
بعضُهم بعضا)». واختلفا في تصحيحِها فقال أبو الحسن: «طريقُ تصحيحِها
بأَنْ تُقَدِّم المرفوعَ الذي بعد (إلَّ)) عليها، فيقال: ما أخذَ أحدٌ زيدٌ إلا درهماً، فيكونُ
(زيدٌ)) بدلاً من ((أحد)) و((درهماً)) مستثنى مفرغْ من ذلك المحذوف، تقديرُهُ:
ما أخذ أحدٌ زيدٌ شيئاً إلا درهماً)). وقال أبو علي: ((طريقُ ذلك زيادةُ منصوبٍ
(١) معاني القرآن ٢٧٦/١.
(٢) الإملاء ١/ ٩١.
(٣) الآيتان ٤٣ - ٤٤ من النحل.
(٤) أي الأخفش والفارسي.
٣٧٧

- البقرة -
في اللفظ فَيَظْهَرُ ذلك المقدَّرُ المستثنى منه، فيقال: ((ما أخذ أحدٌ شيئاً إلا زيدٌ
درهماً)) فيكونُ المرفوعُ بدلاً من المرفوعِ ، والمنصوبُ بدلاً من المنصوب
وكذلك: ما ضَرَبَ القومُ أحداً إلا بعضُهم بعضاً. وقال أبو بكر بن السراج(١):
تقول: ((أعطيت الناسَُ درهماً إلا عُمَراً)) جائز. ولو قلت: ((أعطيتُ الناسَ
درهماً إلا عمراً الدنانيرَ)) لم يَجُزْ، لأنَّ الحرفَ لا يُسْتَثْنَى به إلا واحدٌ. فإِنْ
قُلْتَ: ((ما أَعْطَيْتُ الناسَ درهماً إلا عَمْراً دانقاً) على الاستثناءِ لم يَجُزْ، أو على
البدلِ [جاز](٢) فَتُبْدِلُ ((عمراً)) من الناس، و((دانقاً) من ((درهماً). كأنك
قلتَ: ((ما أعطيت إلا عمراً دانقاً) يعني أنَّ الحصرَ واقِعٌ في المفعولين.
قال بعض المحققين: ((وما أجازَه ابن السراج من البدل في هذه المسألة
ضعيفٌ، وذلك أنَّ البدلَ في الاستثناء لا بُدُّ من مُقارَنَتِهِ بـ ((إلَّ))، فَأَشْبَهَ
العطفَ، فكما أنه لا يَقَعُ بعدَ حرفِ العطفِ معطوفان لا يَقَعُ بعدَ (إلََّ))
بدلان».
فإِذا عُرِفَ هذا الأصلُ وما قال الناسُ فيه كان إعرابُ أبي البقاء في هذه
الآيةِ الكريمةِ من هذا البابِ، وذلك أنه استثناءٌ مفرٌَّ، وقد وَقَعَ بعدَ ((إلاّ )
الفاعلُ وهو ((الذين))، والجارُّ والمجرورُ وهو ((مِنْ بعد)»، والمفعولُ من أجلِهِ
وهو ((بغياً) فيكونُ كلٍّ منهما محصوراً. والمعنى: وما اختلفَ فيه إلا الذين
أُوتوه إلاّ من بعدِ مَا جَاءَتْهُم البيناتُ إلا بغياً. وإذا كان التقدير كذلك فقد
اسْتُثْنِيَ بـ ((إلَ)) شيئان دونَ الأولِ الذي هو فاعلٌ من غيرِ عطفٍ ولا بدليةٍ.
وإنما استوفيتُ الكلام في هذه المسألة لكثرةِ دَوْرِها.
قوله: (بَغياً)) في نصبِهِ وجهان، أظهرُهما: أنه مفعولٌ من أجلِهِ
لاستكمالِ الشروطِ، وهو علةٌ باعثةٌ. والعامِلُ فيه مضمِرٌ على ما اخترناه،
(١) الأصول له ٢٨٣/١.
(٢) سقط من الأصل، وأثبتناه من الأصول ٢٨٣/١؛ البحر ١٣٨/٢.
٣٧٨

- البقرة -
وهو الذي تُعَلَّقُ به ((فيه)) و((اختلف)) المفلوظُ به عند مَنْ يرى أنَّ ((إِلَ)) يُسْتثنى
بها شيئان. والثاني: أنه مصدرٌ في محلِّ حالٍ أي: باغين، والعامِلُ فيها
ما تقدَّم. و((بينهم)) متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ ((بغياً)). أي: بَغْياً كائناً بينهم.
قوله: ((لِما اختلفوا فيه)) ((لِما)) متعلَّقُ بـ ((هَدَى)) وما موصولةٌ، والضميرُ في
(اختلفوا)) عائدٌ على ((الذين أوتوه))، وفي ((فيه)) عائدٌ على ((ما)) وهو متعلَّقٌ
بـ «اختلف)).
و ((مِن الحق)» متعلَّقٌ بمحذوفٍ لأنه في موضعِ الحالِ من ((ما)) في
((لِما)). و ((مَنْ)) يجوزُ أن تكونَ للتبعيضِ وأن تكونَ للبيانِ عند مَنْ يرى
ذلك تقديرُهُ: الذي هو الحق. وأجاز أبو البقاء(١) أن يكونَ ((مِنَ الحق)) حالاً
من الضميرِ في ((فيه)) والعامِلُ فيها ((اختلفوا)). وزعم الفراء(٢) أنَّ في الكلامِ
قَلْباً والأصلُ: ((فَهَدى الله الذين آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا)) واختاره الطبري(٣).
وقال ابن عطية(٤): ((ودعاه إلى هذا التقديرِ خَوْفُ أن يحتملَ اللفظُ أنهم
اختلفوا في الحقِّ، فهدى الله المؤمنين لبعضِ ما اختلفوا فيه، وعَسَاهُ أن يكونَ
غيرَ حقٍ في نفسِهِ) قال: ((والقلبُ في كتابِ اللَّهِ دونَ ضرورةٍ تدفعُ إليه عجزٌ
وسوءُ فهمٍ)) انتهى. قلت: وهذا الاحتمالُ الذي جَعَلَه ابنُ عطية حاملاً للفراء
على ادعاءِ القلبِ لا يُتَوَهَّمُ أصلاً.
قوله: ((بإذنِهِ)) فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من
(الذين آمنوا)) أي: مأذوناً لهم. والثاني: أن يكونَ متعلقاً بهدى مفعولاً به،
أي: هداهم بأمرهِ.
(١) الإملاء ٩١/١.
(٢) معاني القرآن ١٣١/١.
(٣) تفسير الطبري ٤ /٢٨٦.
(٤) المحرر ٢/ ١٥٤.
٣٧٩

- البقرة -
آ. (٢١٤) قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ((أم)) هذه فيها أربعةُ
أقوالٍ: أنْ تكونَ منقطعةً فتقدَّر بـ ((بل)) والهمزةِ. فـ ((بل)) لإضرابِ انتقالٍ من
إخبارٍ إلى إخبارٍ، والهمزةُ للتقريرِ. والتقديرُ /: بل أَحَسِبْتُم. والثاني: أنها [١/٨٢]
لمجردِ الإضرابِ من غيرِ تقديرِ همزةٍ بعدها، وهو قولُ الزجاج(١) وأنشد(٢):
٩٢٢ - بَدَتْ مثل قَرْنِ الشمسِ فِي رَوْنَقِ الضحى
وصورتِها أم أنتَ في العينِ أَمْلَحُ
أي: بل أنت. والثالث: وهو قولُ بعض الكوفيين أنها بمعنى الهمزةِ.
فعلى هذا يُبْتَدَأُ بها في أولِ الكلامِ، ولا تحتاجُ إلى الجملةِ قبلَها يُضْرَبُ
عنها. والرابع: أنها متصلةٌ، ولا يَسْتَقِيمُ ذلك إلا بتقديرِ جملةٍ محذوفٍ قبلَها،
فقدَّرَهُ بعضُهم: فَهَدَى اللَّهُ الذين آمنوا، فصَبَروا على استهزاءٍ قومهم، أفتسلُكون
سبيلَهم أم تحسَبون أن تدخلوا الجنة من غيرِ سلوكٍ سبيلِهِم.
و((حَسِبْتُمْ)) هنا من أخوات ((ظنَّ»، تنصبُ مفعولَيْن أصلُهما المبتدأ
والخبرُ، و((أَنْ)) وما بعدَها سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولَيْنِ عند سيبويهِ، ومسبدَّ الأولِ.
والثاني محذوفٌ عند أبي الأخفش، كما تقرَّر ذلك. ومضارِعُها فيه الوجهان:
الفتحُ - وهو القياسُ - والكسرُ. ولها من الأفعالِ نظائرُ، سيأتي ذلك في آخرٍ
السورةِ، ومعناها الظنُّ، وقد تُسْتَعْمَلُ في اليقين قال(٣):
٩٢٣ - حَسِبْتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ رَباحاً إذا ما المرءُ أصبحَ ثاقِلاً
(١) لعل هذا الرأي من كتاب له غير ((معاني القرآن)) حيث إنه لم يقل فيه هنا غير: ((معناه بل
أحسبتم أن تدخلوا الجنة)) ٢٧٦/١ .
(٢) تقدم برقم ٢٢٦.
(٣) البيت للبيد، وهو في ديوانه ٢٤٦؛ والأشموني ٢١/٢؛ والهمع ١٤٩/١؛ والدور
١٣٢/١. ورباحاً: ربحاً، وثاقلًا: ميتاً.
٣٨٠