النص المفهرس
صفحات 341-360
- البقرة - وذلك أن أفعلَ التفضيلِ يجب أن تُضَاف إلى ما بعدها إذا كان مِنْ جنسٍ ما قبلها نحو: ((وجهُ زيدٍ أحسنُ وجهٍ»، ((وعِلْمُهُ أكثرُ علم)» وإنْ لم يكن مِنْ جنسٍ ما قبلها وجب نصبُه نحو: ((زيد أحسنُ وجهاً وخالدٌ أكثرُ علماً)). إذا تقرَّر ذلكَ فقولُه: ((ذِكْراً)) هو من جنس ما قبلها فعلى ما قُرِّر كان يقتضي جَرَّه، فإنه نظيرُ: ((اضربْ بكراً كضربٍ عمرو زيداً أو أشدَّ ضرب)» بالجرِّ فقط. والجوابُ عن هذا الإشكالِ مأخوذٌ من الأوجه المتقدمة في النصبِ والجر المذكورين في ((أشدَّ)) من حيث أن يُجْعَل الذكرُ ذاكراً مجازاً كقولهم: ((شِعْرٌ شاعرٌ)) كما قال به الفارسي وصاحبُه، أو يُجْعَلَ ((أشدَّ) من صفاتِ الأعيان لا من صفاتِ الإِذكار كما قال به الزمخشري(١)، أو يُجْعَلَ ((أشدَّ)) حالاً من ((ذِكْراً)) أو ننصبه بفعلٍ . وهذا كلُّه وإن كان مفهوماً مِمّا تقدَّم إلا أني ذكرتُه بالتنصيص، تسهيلاً للأمر فإنه موضعٌ يحتاج إلى نظرٍ وتأمل. وهذا نهايةُ القول في هذه المسألةِ بالنسبة لهذا الكتاب. و((أو)) هنا قيل للإِباحةِ، وقيل للتخيير، وقيل: بمعنى بل. قوله: ((مَنْ يقولُ: ربّنا آتِنا)) ((مَنْ)) مبتدأٌ، وخبرُه في الجارِّ قبله، ويجوز أن تكونَ فاعلةً عند الأخفش، وأن تكونَ نكرةً موصوفة. وفي هذا الكلام التفاتٌ، إذ لو جَرَى على النسقِ الأولِ لقيل: ((فمنكم))، وحُمِل على معنى ((مَنْ)) إذ جاء جَمْعَاً في قوله: ((ربَّنا آتِنا»، ولو حُمِل على لفظِها لقال ((ربِّ آتني)). وفي مفعول ((آتِنا)) الثاني - لأنه يتعدَّى لاثنين ثانيهما غيرُ الأول - ثلاثةُ أقوالٍ، أظهرُها: أنه محذوفٌ اختصاراً أو اقتصاراً، لأنه من باب ((أعطى))، أي: آتِنا ما نريد أو مطلوبنا. والثاني: أن ((في)) بمعنى ((مِنْ)) أي: من الدنيا. والثالث: أنها زائدةٌ، أي: آتِنا الدنيا، وليسا بشيء. (١) الكشاف ١ / ٣٥٠. ٣٤١ - البقرة - آ. (٢٠١) قوله تعالى: ﴿في الدنيا حسنةً﴾: يجوز في الجار وجهان، أحدهما: أن يتعلَّقَ بآتِنا كالذي قبله. والثاني: أجازه أبو البقاء (١) أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حالٌ من ((حسنةً)) لأنه كان في الأصل صفةً لها، فلما قُدِّم عليها انتصَبَ حالاً . قوله: ((وفي الآخرة حسنةً)) هذه الواوُ عاطفةٌ شيئين على شيئين متقدمين. فـ ((في الآخرة)) عطفُ على ((في الدنيا)) بإعادةِ العاملِ. و ((حسنةً)) عطفُ على ((حسنة)). والواو تَعْطِفُ شيئين فأكثرَ على شيئين فأكثرَ. تقول: (أَعْلَم الله زيداً عمراً فاضلاً وبكراً خالداً صالحاً)) اللهم إلا أن تنوبَ عن عاملين ففيها خلافٌ لأهلِ العربية وتفصيلٌ كثيرٌ يأتي في موضعِه إنْ شاء الله تعالى. وليس هذا كما زعم بعضهُم أنه من بابِ الفصلِ / بين حرفِ العطفِ [٧٧/ب] وهو على حرفٍ واحدٍ وبين المعطوفِ بالجار والمجرور، وجعله دليلاً على أبي علي الفارسي حيث منع ذلك إلا في ضرورةٍ؛ لأن هذا من باب عَطْفٍ شيئين على شيئين كما ذكرتُ لك، لا من باب الفصلِ ، ومحلُّ الخلافِ إنّما هو نحو: ((أكرمت زيداً وعندك عمراً». وإنما يُرَدُّ على أبي علي بقولهِ: (إنَّ الله يأمرُكم أن تؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها، وإذا حَكَمْتم بين الناسِ أن تحكموا [بالعدلِ](٢))) وقوله تعالى: ((اللهُ الذي خلق سَبْعَ سَمواتٍ ومن الأرض مثلهن)»(٣) .. وقوله: (قِنا)) ممَّا حُذِفَ منه فاؤه ولامُه من وقى يقي وقاية. أمَّا حذفُ . فائه فبالحَمْلِ على المضارع لوقوعِ الواوِ بين ياءٍ وكسرةٍ، وأمَّا حذفُ لامِه فلأنَّ الأمرَ جارٍ مجرى المضارعِ المجزومِ، وجزمِه بحذفِ حرفِ العلةِ (١) الإِملاء ٨٨/١. (٢) الآية ٥٨ من النساء فصل بالظرف ((إذا)) بين المعطوف ((أن تحكموا)) والمعطوف عليه. (٣) الآية ١٢ من الطلاق، فصل بالجار بين المعطوف ((مثلهن)) والمعطوف عليه ((سبع)) .. ٣٤٢ - البقرة - فكذلك الأمرُ منه، فوزن ((قِنا)) حينئذ: عِنا، والأصل: أوْقِنا، فلمَّا حُذِفَت الفاءُ أَسْتُغْنِي عن همزةِ الوصلَ فَحُذِفَتْ. و ((عذاب)) مفعولٌ ثانٍ . آ. (٢٠٢) قوله تعالى: ﴿أولئك﴾: مبتدأ و ((لهم)) خبرٌ مقدم، و ((نصيب)) مبتدأ، وهذه الجملةُ خبرُ الأولِ، ويجوز أن يكونَ ((لهم)) خبرَ (أولئك))، و((نصيب)) فاعلٌ به لِما تضمَّنه من معنى الفعلِ لاعتمادِهِ، والمشارُ إليه بأولئك فيه قولان، أظهرهُما: أنهما الفريقان: طالبُ الدنيا وحدَها وطالبُ الدنيا والآخرة. وقيل: بل للفريقِ الأخيرِ فقط، أعنى طالبَ الدنيا والآخرة. قوله: ((مِمَّا كَسَبوا)) متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ ((نصيب))، فهو في محلِّ رفعٍ. وفي ((مِنْ)) ثلاثةُ أقوال، أحدها: أنها للتبعيض، أي: نصيب من جنس ما كسبوا. والثاني: أنها للسببية، أي: من أجلٍ ما كَسَبوا. والثالث: أنها للبيان. و((ما)) يجوزُ فيها وجهان، أن تكونَ مصدريةً أي: مِنْ كَسْبِهم، فلا تحتاجُ إلى عائدٍ. والثاني: أنها بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ لاستكمال الشروط، أي: من الذي كسبوه. آ. (٢٠٣) قوله تعالى: ﴿معدوداتٍ﴾: صفة لأيام، وقد تقدَّم أن صفةً ما لا يعقل يَطَّرِد جَمْعُها بالألفِ والتاءِ. وقد طَوّل أبو البقاء(١) هنا بسؤال وجواب، أما السؤالُ فقال: إنْ قيل («الأيام» واحدُها ((يوم)» و «المعدودات)» واحدتُها ((معدودةٌ))، واليومُ لا يُوَصَفُ بمعدودة لأنَّ الصفةَ هنا مؤنثة والموصوفُ مذكَّر، وإنما الوجهُ أن يقالَ: ((أيامٌ معدودةٌ، فَتَصِفُ الجمع بالمؤنثِ، فالجوابُ أنه أَجْرى ((معدودات)) على لفظ أيام، وقابَلَ الجمعَ بالجمع مجازاً، والأصلُ معدودة، كما قال: ((لَنْ تَمَسَّنَا النارُ إلا أياماً (١) الإملاء ٨٨/١. ٣٤٣ - البقرة :- معدودةٌ)(١)، ولو قيل: إن الأيامَ تَشْتمل على الساعات، والساعةُ مؤنثة فجاء(٢) الجمعُ على معنى ساعات الأيام، وفيه تنبيهً على الأمر بالذكر في كلِّ ساعاتٍ هذه الأيامِ أو في معظمِها لكانَ جواباً سديداً. ونظيرُ ذلكَ الشهر والصيف والشتاء فإنّها يُجاب بها عن كم، [وكم](٣) إنما يجابُ عنها بالعدد، وألفاظُ هذه الأشياءِ ليسَتْ عدداً وإنما هي أسماءُ المعدودات فكانت جواباً من هذا الوجهِ)) وفي هذا السؤالِ والجوابِ تطويلٌ من غيرِ فائدةٍ، وقولُه ((مفرد معدودات معدودة بالتأنيث)) ممنوعٌ بل مفردُهَا ((معدود)» بالتذكير، ولا يضُرُّ جمعُه بالألفِ والتاء، إذ الجمع بالألفِ والتاءِ لَا يسْتدعي تأنيثَ المفرد، ألا ترى إلى قولهم: حَمَّامات وسِجِلَات وسُرادِقات. قوله: ((فَمَنْ تَعَجَّل في يومين)) ((مَنْ)) يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطيةً، فـ((تَعَجِّل)) في محلِّ جزمٍ، والفاءُ في قوله: ((فلا» جوابُ الشرط، والفاءُ وما في حَيِّزها في محلِّ جزمٍ أيضاً على الجواب. والثاني: أنها موصولةٌ لا فلا محلّ لتَعَجَّل لوقوعِه صلةً، ولفظه ماضٍ ومعناه يحتمل المضيَّ والاستقبالَ؛ لأنَّ كلَّ ما وقع صلةً فهذا حكمُه. والفاءُ في ((فلا)) زائدةً في الخبرِ، وهي وما بعدها في محلِّ رفعٍ خبراً للمبتدأ. و((في يومين)) متعلق بتعجّل، ولا بد من ارتكابٍ مجاز لأن الفعلَ الواقعَ في الظرفِ المعدودِ يستلزم أن يكونَ واقعاً في كلٍّ مِنْ معدوداتِهِ، تقولُ: ((سِرْت يومين)) لا بد وأَنْ(٤) يكونَ السيرُ وقع في الأول والثاني أو بعضِ الثاني، وهنا لا يقع التعجيل في اليوم. الأول من هذين اليومين بوجهٍ، ووجهُ المجاز: إمَّا من حيث إنه نَسَب الواقعَ في (١) الآية ٨٠ من البقرة. (٢) في مطبوعة الإملاء: ((فجاز))، والمعنى واحد. (٣) زيادة من الإِملاء. (٤) الواو في ((وأن)) مقحمة، الأجود: لا بد أن. ٣٤٤ - البقرة - أحدهما واقعاً فيها كقوله: ((نسِيا حوتهما))(١) و((يَخْرُجُ منهما اللؤلؤ والمَرْجان))(٢)، والناسي أحدُهما، وكذلك المُخْرَجُ من أحدِهما، وإمَّا من حيث حَذْفُ مضافٍ أي: في تمامٍ يومين أو كمالهما. و ((تعجّل)) يجوزُ أن يكونَ بمعنى استعجَلَ، كتكبِّر واستكبر، أو مطاوعاً لعجّل نحو كَسَّرْتُه فَتَكَسَّر، أو بمعنى المجرد، وهو عَجِل، قال الزمخشري(٣): (والمطاوعة أوفق، لقوله: ((ومَنْ تأخّر)»، كما هي كذلك في قوله(٤): ٨٩٢ - قد يُدْرِك المتأنّي بعضَ حاجتِه وقد يكونُ مع المُسْتعجِلِ الزَّلَلُ لأجلِ قولهِ ((المتأني))(٥). وتعجّل واستعجل يكونان لازمين ومتعديين، ومتعلَّقُ التعجيلِ محذوفٌ، فيجوزُ أن تقدِّرَه مفعولاً صريحاً أي: من تعجّل النَّفْرِ، وأن تقدِّرَه مجروراً أي: بالنفر، حَسَبَ استعمالِه لازماً ومتعدياً. وفي هذه الآيات من علمِ البديعِ : الطباقُ، وهو ذكرُ الشيء وضدِّه في (تعجّل وتأخر)) فهو كقوله: ((أضحك وأبكى)) و((أمات وأحيا))(٦) وهذا طباقٌ (١) الآية ٦١ من الكهف. (٢) الآية ٢٢ من الرحمن. (٣) الكشاف ٣٥١/١. (٤) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ٢؛ ومجالس ثعلب ٣٦٩/٢؛ وشواهد الكشاف ٤ /٤٧٧. (٥) لعل الزمخشري يقصد بقوله إنَّ تعجل هنا مطاوع عجّل بأن ثمة فعلًا آخر في الآية له عكس معنى الأول يحتمل هذا الاحتمال وهو ((تأخر)) مطاوع أخَّر، ووجود الفعلين يوحي بأن هناك معالجة وتحريضاً وإعمالاً لقيام الحدث، الأمر الذي يتم بالمطاوعة، فهناك شيء قد عَجّلهم فتعجلوا أو أخَّرهم فتأخّروا، والمستعجل في البيت اسم فاعل من استعجل الذي هو مطاوع لعجّل، ودفعه إلى عَدِّهِ للمطاوعة وجود المتأني وفعله تأتىَّ الذي هو مطاوع أنّْتُهُ. (٦) الآية ٤٣ من النجم ((وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا)). ٣٤٥ - البقرة- غريب، من حيث جَعَل ضدَّ (تَعَجَّل)): ((تأخّر))، وإنما ضدُّ ((تعجّل)): ((تَأَنَّى)) وضدُّ تأخّر: تقدَّم، ولكنه في ((تعجّل)) عَبَّر بالملزوم عن اللازم، وفي ((تأخّرُ)) باللازم عن الملزوم .. وفيها من علم البيان: المقابلةُ اللفظية، وذلك أن المتأخِّرَ بالنّفْر آتٍ بزيادةٍ في العبادة فله زيادةٌ في الأجر على المتعجِّل فقال في حقه أيضاً: ((فلا إثمَّ عليه)) ليقابلَ قولَه أولاً: ((فَمَنْ تعجّل في يومَيْن فلا إثمَ : عليه))، فهو كقولهِ: ((وجزاءُ سيئةٍ سيئة مثلها))(١) ((فَمَنِ اعتدى عليكم فاعتدُوا عليه))(٢). وقرأ الجمهور ((فلا إثمَ)) بقطعِ الهمزة على الأصلِ، وقرأ(٣) سالم ابن عبد الله: ((فلا اثمّ)» بوصلِها وحَذْفِ ألفِ لا، ووجهُه أنه خَفَّف الهمزةَ بينَ بينَ فَقَرُبَتْ من الساكنِ فَحَذَفَها تشبيهاً بالألف، فالتقى ساكنان: ألفُ لا وثاء (أثم))، فَحُذِفت ألفُ ((لا)) لالتقاءِ الساكنين. وقال أبو البقاء(٤): ((ووجهُها أنَّه لَمَّا خَلَطَ الاسمَ بـ((لا)) حَذَفَ الهمزةَ تشبيهاً لها بالألف)) يعني أنه لمَّا رُكَّبت (لا)) مع اسمها صارا كالشيء الواحد، والهمزةُ شبيهةُ الألف، فكأنه اجتمعَ ألِفان فَحُذِفَت الثانيةُ لذلك، ثم حُذِفَت الألفُ لِما ذكرْتُ لك. قوله: ((لِمَنِ اتَّقى)) / هذا الجارُّ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، واختلفوا في ذلك [٧٨/أ] المبتدأ حَسَبَ اختلافِهم في تعلُّقِ هذا الجارِّ من جهةٍ المعنى لا الصناعة، فقيل: يتعلَّقُ من جهةِ المعنى بقوله: ((فلا إثمَ عليه))، فتُقَدِّر له ما يَليُ به أي: انتفاءُ الإِثمِ لِمَن اتَّقَى. وقيل: متعلَّقُ بقوله: ((واذكروا)) أي: الذكرُ لِمَنِ اتقى. وقيل: متعلِّق بقوله: ((غفورٌ رحيم)) أي: المغفرة لمن اتقى. وقيل: (١) الآية ٤٠ من الشورى. (٢) الآية ١٩٤ من البقرة. (٣) البحر ١١١/٢. (٤) الإِملاء ٨٨/٢. ٣٤٦ - البقرة - التقديرُ: السلامة لمن اتقى. وقيل: التقديرُ: ذلك التخييرُ وَنَفْيُ الإِثم عن المستعجلِ والمتأخرِ لأجلِ الحاجِّ المتَّقي، لئلا يتخالجَ في قلبِهِ شيءٌ منهما فيحسَبَ أنَّ أحدَهما يُرْهِقُ صاحبَه إثماً في الإِقدامِ عليه، لأنَّ ذا التقوى حَذِرٌ متحرزٌ من كلِّ ما يُريبه. وقيل: التقديرُ: ذلكَ الذي مَرَّ ذكرهُ من أحكام الحج وغيرهِ لِمَنِ اتقى، لأنه هو المنتفعُ به دون مَنْ سِواه، كقوله: ((ذلك خيرٌ للذين يريدون وجه الله))(١). قال هذين التقديرين الزمخشري(٢). وقال أبو البقاء(٣): ((تقديرُه: جوازُ التعجيل والتأخير لمن اتقى)). وكلُّها أقوالٌ متقاربة. ويجوز أن يكونَ ((لمن اتقى)» في محلِّ نصب على أن اللامَ لامُ التعليل، ويتعلَّقُ بقوله (فلا إثمَّ عليه)) أي: انتقى الإِثمُ لأجلِ المتَّقي. ومفعولُ: اتَّقى)) محذوفٌ، أي: اتَّقى اللهَ، وقد جاءَ مصرَّحاً به في مصحفِ عبدِالله وقيل: اتقى الصيدَ. آ. (٢٠٤) قولُه تعالى: ﴿مَنْ يُعْجِبُك﴾: ((مَنْ)) يجوزُ أن تكونَ موصولةً، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، وقد تقدَّم نظيرُها أول السورة فيُنْظر هناك(٤). والإِعجاب: استحسان الشيء والميلُ إليه والتعظيمُ له. والهمزةُ فيه للتعدي. وقال الراغب(٥): ((العَجَبُ خَيْرَةٌ تَعْرِضُ للإِنسان [عند الجهل](٦) بسبب الشيء، وليس هو شيئاً له في ذاته حالةٌ. بل هو بحسَبِ الإِضافات إلى مَنْ يَعْرِف السبب ومَنْ لا يعرفه، وحقيقةُ أعجبني كذا: ظَهَر لي ظهوراً لم أَعْرِفْ سَبَبه)). انتهى. ويقال: عَجِبْتُ من كذا، قال(٧): (١) الآية ٣٨ من الروم. (٢) الكشاف ٣٥٢/١. (٣) الإملاء ٨٨/١. (٤) الآية ٨ من البقرة. (٥) المفردات ٣٣٣. (٦) من الراغب. (٧) البيت لزياد الأعجم، وهو في الكتاب ٨٧/٢؛ والمحتسب ١٩٦/١؛ واللسان: لم؛ والدرر ٢٣٤/٢ . ٣٤٧ ٢٠٠ - البقرة ــ ٨٩٣ - عَجِبْتُ والدهرُ كثيرٌ عجبُهْ مِنْ عَنْزِيّ سَبّني لم أَضْرِبُهْ قوله: ((في الحياة))، فيه وجهانٍ، أحدهما أن يتعلَّقَ بـ ((قوله))، أي: يعجِبُك ما يقولُه في معنى الدنيا، لأنَّ ادِّعاءَه المحبةَ بالباطلِ يَطْلُب حظاً من الدنيا. والثاني: أن يتعلَّقَ بـ ((يعجِبُك)) أي: قولُه حلوٌ فصيحٌ في الدنيا فهو يعجبُك ولا يعجبُك في الآخرة، لِمَا يُرْهِقُه في الموقف من الحَبْسَة والُّكْنة، أو لأنه لا يُؤَذَنُ لهم في الكلامِ. قال الشيخ(١): ((والذي يظهرُ أنه متعلق بيعجُبك، لا على المعنى الذي قاله الزمخشري (٢)، بل على معنى أنك. تستحْسِنُ مقالتَه دائماً في مدةٍ حياته إذ لا يَصْدُرُ منه من القولِ إلا ما هو معجِبٌ رائقٌ لظيفٌ، فمقالتُه في الظاهرِ مُعْجِبَةٌ دائماً، لا تراه يَعْدِل عن تلك المقالةِ الحسنةِ الرائعة إلى مقالةٍ خَشِنَةٍ منافيةٍ» . قوله: ((ويُشْهِدُ الله) في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها عطفٌ على (يُعْجِبَك))، فهي صلةٌ لا محلّ لها من الإعرابِ أو صفةٌ، فتكونُ في محلِّ رفعٍ على حَسَبِ القول في ((مَنْ)). والثاني: أن تكونَ حالیةً، وفي صاحبها حينئذٍ وجهان، أحدهما: أنه الضميرُ المرفوعُ المستكنُّ في ((يعجبك))، والثاني: أنه الضميرُ المجرورُ في ((قوله)) تقديرُه: يُعْجِبُك أَنْ يقولَ في أمر الدنيا، مُقْسِماً على ذلك. وفي جَعْلها حالاً نظرٌ من وجهين، أحدهما: من جهةِ المعنى، والثاني من جهةِ الصناعة، وأمَّا الأول فلأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ الإِعجابُ والقولُ مقيدين بحالٍ والظاهرُ خلافهُ. وأمَّا الثاني فلأنه مضارع مثبتٌ فلا يَفَعُ حالاً إلا في شذوذٍ، نحو: ((قُمْتُ وأصُكُّ عينه، أو ضرورةً نحو(٣): نَجَوْتُ وأَرْهُنُهم مالِكا ٨٩٤ - (١) البحر ١١٤/٢. (٢) الكشاف ٣٥٢/١. (٣) تقدم برقم ٤١٩. ٣٤٨ - البقرة - وتقديرُه مبتدأَ قبلَه على خلافِ الأصلِ ، أي: وهو يُشْهِدُ. والجمهورُ على ضَمَّ حرفِ المضارعة وكسرِ الهاء، مأخوذاً من أَشْهَدّ ونصب الجلالة مفعولاً به. وقرأ (١) أبو حيوة وابن محيصن بفتحهما ورفعٍ الجلالةِ فاعلًا، وقرأ أُبيّ: ((يستشهد الله)). فأمّا قراءةُ الجمهور وتفسيرُهم فإن المعنى: يَحْلف بالله ويُشْهده إنه صادق، وقد جاءَتِ الشهادةُ بمعنى القَسَم في آية اللِّعان(٢)، قيل: فيكونُ اسمُ الله منتصباً على حَذْفِ حرفِ الجر أي: يُقْسِمُ بالله، وهذا سهوً من قائِله، لأنَّ المستعملَ بمعنى القسم ((شَهِد)) الثلاثي لا ((أَشْهَد)) الرباعي، لا تقولُ: أُشْهِد بالله، بل: أَشْهَدُ بالله، فمعنى قراءةٍ الجمهور: يَطَّلِعُ الله على ما في قلبه، ولا يَعْلَمُ به أحدٌ لشدةِ تكتُّمِه. وأمَّا تفسيرُ الجمهورِ فيحتاجُ إلى حَذْفِ ما يَصِحُ به المعنى، تقديرُه: وَيْحْلِفُ بالله على خِلافِ ما في قلبه، لأنَّ الذي في قلبه هو الكفرُ، وهو لا يَحْلِفُ عليه، إنما يَحْلِفُ على ضدِّه وهو الذي يُعْجِبُ سامَعَه، ويُقَوِّي هذا التأويلَ قراءةُ أبي حيوة؛ إذ معناها: وَيَطَّلِعُ الله على ما في قلبه من الكفر. وأمَّا قراءة أُبيّ فَيَحْتمل استفْعَل وجهين، أحدهما: أن يكونَ بمعنى أَفْعل فيوافِقَ قراءةَ الجمهور. والثاني: أنه بمعنى المجرد وهو شَهِد، وتكونُ الجلالةُ منصوبةً على إسقاطِ الخافضِ . قوله: ((وهو أَلَّدُّ الخصامِ)) الكلامُ في هذه الجملةِ كالتي قبلَها، ونزيد (١) البحر ١١٤/٢؛ الشواذ ١٢. (٢) الآية ٦ - ٧ من النور: ((والذين يَرْمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسُهم فشهادةُ أحدهم أربعُ شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أنَّ لعنةُ الله عليه إنْ كانَ من الكاذبين)» . ٣٤٩ - البقرة ــ عليها وجهاً آخرَ وهو أن تكونَ حالاً من الضميرِ في ((يُشْهِدُ)). والْأَلَدُّ: الشديدُ من اللَّدَدِ وهو شدةُ الخصومةِ، قال(١): ٨٩٥ - إنَّ تحتَ الترابَ عَزْماً وحَزْما وخَصيماً أَلَسدَّ ذا مِغْلاقِ ويقال: لَدِدْتُ بكسر العين ألَّدُّ بفتحِها، ولَدَدْتُه بفتح العَيْنِ أَلُدُّه بضمها أي: غَلَبْتُه في ذلك فيكُونُ متعدياً قال(٢): ٨٩٦ - تُلُدُّ أقرانَ الرجالِ اللَّدَدِ ورجلٌ أَلَدُّ وَأَلَنْدَدٌ وَيَلَنْدَدٌ، وامرأةٌ لَدَّاءُ، والجمعُ لُدَّ كحُمْر. وفي اشتقاقِهِ أقوالٌ، أحدُها: من لُدَيْدَي العُنُقَ وهما صَفْحِتاه قاله الزجاج (٣)، وقيل: مَن لُدَيْدَي الوادي وهما جانباه، سُمِّيا بذلك لاعوجاجهما وقيل: هو مِنْ للَّه إذا جَبَسه فكأنه يَحْبِسُ خصمه عن مفاوضته. وفي ((الخصامِ)) قولان، أحدُهما: أنه جَمْعُ خَصْم / بالفتح نحو: كَعْب [٧٨/ب] وكِعاب وكَلْب وكِلَابٍ وبَحْر وبِحار، وعلى هذا فلا تَحْتاج إلى تأويلٍ، والثاني: أنه مصدرٌ، يقال: خاصَمَ خِصاماً نحو: قاتل قتالاً، وعلى هذا فلا بد من مُصَحِّحٍ لوقوعِه خبراً عن الجثة، فقيل: في الكلام حذفٌ من الأولِ أي: -- (١) البيت لمهلهل، وهو في الكامل ٣٧/١؛ والقرطبي ١٦/٣؛ وذو مغلاق أي: يغلق الحجة على خصمه . (٢) لم أهتد إلى قائله وقبله. ثم أَرَدِّي بهم مَنْ تُرْدي وهو في معاني القرآن للفراء ١٢٣/١؛ والطبري ٢٣٥/٤؛ واللسان: لدد؛ والبحر ١٠٨/٢؛ ويرؤى البيت بضمير المتكلم: أَلَدُّ. (٣) معاني القرآن ٢٦٧/١. ٣٥٠ - البقرة - وخصامُه أشدُّ الخصامِ، وقيل: من الثاني أي: وهو أشدُّ ذوي الخصام. وقيل: [أُريد] بالمصدر اسمُ الفاعلِ كما يُوصَفُ به في قولِهِم: رجلٌ عَدْلُ. وقيل: ((أَفْعَلُ)) هنا ليسَتْ للتفضيلِ، بل هي بمعنى لَديدُ الخِصام، فهو من بابِ إضافةِ الصفةِ المشبهةِ. وقال الزمخشري (١): ((والخِصامُ المُخَاصَمَةُ، وإضافةُ الألدِّ بمعنى ((في)) كقولهم: (ثَبْتُ الغَدْر) يعني أن ((أَفْعَل)) ليس من بابٍ ما أُضيف إلى ما هو بعضه بل هي إضافةً على معنى ((في)) قال الشيخ (٢): (وهذا مخالفٌ لِما يَزْعمه النحاةُ من أن أَفْعَل لا تُضاف إلا إلى ما هي بعضُه، وفيه إثباتُ الإِضافةِ بمعنى ((في)) وهو قولٌ مرجوحٌ. وقيل: ((هو)) ليس ضميرَ ((مَنْ)) بل ضميرُ الخصومة يفسِّرهُ سياقُ الكلامِ، أي: وخصامُه أشدُّ الخصام. وجعل أبو البقاء (٢) (هو)) ضميرَ المصدر الذي هو ((قوله)) فإنه قال: ((وَيجوزُ أن يكونَ ((هو)) ضميرَ المصدرِ الذي هو («قولُه)) وقوله خِصام))(٣). آ (٢٠٥) قوله تعالى: ﴿وإذا تَوَلَّى سعى): ((سَعَى)) جوابُ إذا الشرطية وهذه الجملةُ الشرطيةُ تحتملُ وَجْهَيْنٍ، أحدُهما: أن تكونَ عطفاً على ما قبلَها وهو ((يُعْجِبُكَ)) فتكون: إمَّا صلةً أو صفةً حسب ما تقدَّم في ((مَنْ))، والثاني أن تكونَ مستأنفةً لمجردِ الاخبارِ بحالِهِ، وقد تَمَّ الكلامُ عند قولهِ: «ألدّ الخصام)) . والتولِّي والسَّعْيُ يحتملان الحقيقةَ أي: تولَّى ببدنِهِ عنكَ وسعى بِقَدَمَيْهِ، والمجازَ بأن يريدَ بالتولِّي الرجوعَ عن القولِ الأولِ، وبالسعي العملّ والكَسْبَ من السَّعاية، وهو مجازٌ شائعٌ، ومنه: ((وَأَنْ ليسَ للإِنسانِ إلَّ (١) الكشاف ٣٥٢/١. (٢) الإِملاء ٨٩/١. (٣) قال أبو البقاء: ((والتقدير: خصامه ألد الخصام)). ٣٥١ - البقرة - ما سعى))(١)، وقال امزِؤُ القيس(٢): كفاني ولم أَطْلُبْ قليلٌ من المالِ ٨٩٧ - فلو أنَّ ما أسْعى لأدنى معيشةٍ وقد يُدْرُِ المجدَ المؤثّلَ أَمْثَالِي ولكنَّمَا أسعى لمجدٍ مُؤَثَّلٍ وقال آخر:(٣) ٨٩٨ - أسعی علی حَيٍّ بني مالِكِ كلُّ امرىءٍ فِي شَأْتِهِ ساعِي والسَّعايَةُ بالقولِ ما يقتضي التفريقَ بين الأخِلَّءِ، قال (٤): ٨٩٩ - ما قلتُ ما قال وشاةٌ سَعَوْا سَعْيَ عَدُوٍ بَيْنَنَا يَرْجُفُ قوله: ((في الأرضِ)) ((متعلِّقٌ بـ ((سَعَىَ))، فإنْ قيل: معلومٌ أنَّ السَّعْيَ لا يكونُ إلَّ في الأرضِ قيل: لأنه يُفيدُ العمومَ، كأنه قيل: أيَّ مكانٍ جَلٍّ فيه من الأرضِ أفسدَ فيه، فَيَدُلُّ لفظُ الأرضِ على كثرة فسادِهِ، إذ يلزَمُ مِنْ عمومِ الّرفِ عمومُ المظروفِ، و((ليفسِدَ)) متعلقٌ بـ ((سعى)) علةً له. قوله: ((ويُهْلِكَ الحرث)) الجمهورُ على: ((يُهْلِكَ)) بضم الياء وكسر اللامِ ونصبِ الكافِ. ((الحَرْثَ)) مفعولٌ به، وهي قراءةٌ واضحةٌ من: أَهْلَكَ يُهْلِكِ، والنصبُ عطفٌ على الفعِل قبلَهُ، وهذا شبيهً بقولِهِ تعالى: ((ملائكتِهِ ورُسُلِه وجبريلَ))(٥) فإنَّ قوله: (ليفسدَ)) يشتملُ على أنه يُهْلِكُ الحرثَ والنسلَ، فخصَّهُما (١) الآية ٣٩ من النجم. (٢) ديوانه ٣٩؛ والانصاف ٤٨؛ وابن يعيش ٧٩/١؛ والدرر ١٢٢/١. (٣) البيت لأبي القيس بن الأسلت، وهو في اللسان: سعي، والبحر ١١٥/٢؛ وشواهد الكشاف ٤٥٢/٤. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١١٥/٢. (٥) الآية ٩٨ من البقرة. ٣٥٢ - البقرة - بالذكر لذلك. وقرأ أُبيّ (١): ((وليُهْلِكَ)) بإظهارٍ(٢) لامِ العلة وهي معنى قراءةٍ الجمهور، وقرأ أبو حيوة - ورُويت عن ابن كثير وأبي عمرو ـ ((وَيَهْلِكَ الحرثُ والنَّسْلُ)) بفتح الياء وكسرِ اللام من هَلَك الثلاثي، و ((الحرث)) فاعل، و((النسلُ)) عطفُ عليه. وقرأ قوم(٣): ((ويُهْلِكُ الحرثَ)) من أَهْلَكَ، و((الحرث)) مفعولٌ به إلا أنهم رفعوا الكافَ. وخُرِّجتْ على أربعة أوجهٍ: أن تكونَ عطفاً على (يُعْجِبُك)) أو على ((سَعَى)) لأنه في معنى المستقبل، أو على خبر مبتدأٍ محذوفٍ أي: وهو يُهْلِكُ، أو على الاستئنافِ. وقرأ الحسن: ((ويُهْلَكَ)) مبنياً للمفعول، ((الحَرْثُ)) رفعاً، وقرأ أيضاً: ((ويَهلَكُ)) بفتح الياء واللامِ ورفعِ الكافِ، (الحرثُ)) رفعاً على الفاعلية، وفتحُ عينِ المضارعِ هنا شاذُ لفَتْحِ عينٍ ماضِيهِ، وليس عينُهُ ولا لامُهُ حرفَ حلقٍ فهو مثلُ رَكْنَ يَرْكَنُ بالفتِحِ فيهما. و ((الحَرثُ)) تقدَّم(٤). والنَّسْلُ: مصدرُ نَسَلَ يسُل أي: خَرَج بسرعة، ومنه: نَسَلَ وَبَرُ البعيرِ، ونَسَلَ ريشُ الطائِرِ أي: خَرَجَ وتطايَرَ، وقيل: النسلُ الخروجُ متابعاً، ومنه: (نُسألُ الطائر)) ما تتابعَ سقوطُهُ من ريشِهِ، قال امرُؤُ القيس(٥): ٩٠٠ - وإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مني خليقَةٌ فَسُلِّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ وقوله: ((من كل حَدَبٍ يَنْسِلُونَ))(٦) يحتمِلُ المعنيين. و((الحرثَ والنسلَ)) وإن كانا في الأصلِ مصدَرَيْنِ فإنهما هنا واقعان موقعَ المفعولِ به. آ (٢٠٦) قوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتَّقِ اللـه﴾: هذه الجملةُ (١) انظر في قراءاتها: الشواذ: ١٣؛ البحر ١١٦/٢. (٢) الأصل: بإضمار وهو سهو. (٣) قراءة الحسن كما في الشواذ ١٣ . (٤) البقرة: آية ٧١. (٥) ديوانه ١٣ وشرح القصائد العشر للتبريزي ٩٠. (٦) الآية ٩٦ من الأنبياء. ٣٥٣ - البقرة :- الشرطيةُ تحتملُ الوجهين المتقدِّمَيْنِ في نظيرتها، أعني كونَها مستأنفةٌ أو معطوفةً على ((يُعْجِبُك)) وقد تقدَّم أيضاً أولَ السورةِ عند قولِهِ: ((وإذا قيل لهم: لا تُفْسِدُوا))(١) ما الذي قام مقامَ الفاعلِ؟ وخلافُ الناسِ فيه. قوله: ((بالإِثمِ)) في هذه الباءِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنْ تكونَ للتعديةِ وهو قولُ الزمخشري(٢) فإنه قال: ((أَخَذْتُهُ بكذا إذا حَمَلْتُهُ عليه وَأَلْزَمْتُهُ إِياه أي: حَمَلَتْهُ العِزَّةُ عَلَى الإِثْمِ وَأَلْزَمَتْهُ ارتكابَه)) قال الشيخ (٣): ((وباء التعدية بأبُها الفعلُ اللازم نحو: ((ذهَبَ الله بنورِهم))(٤)، ([ولو شاء الله لَذَهَبَ] بسمِعِهِم))(٥)، ونَذَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو: ((صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ)) أي: جَعَلْتُ أحدَهما يَصُكُّ الآخرَ. الثاني: أن تكونَ للسببيةِ بمعنى أنَّ إثمَه كان سباً لِنْذِ العِزَّةِ له كما في قوله(٦): ٩٠١ - أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضُّجِرْ والثالث: أن تكونَ للمصاحبةِ فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفيها حينئذٍ وجهانٍ، أحدُهما: أن تكونَ حالاً من ((العزَّةُ)) أي: ملتبسةً بالإِثمِ. والثاني: أن تكونَ حالاً من المفعولِ أي: أَخَذَتْهُ ملتبساً بالإِثمِ. وفي قوله ((العزّةُ بالإِثم)) الَتْميم وهو نوعٌ من عِلْمِ البديعِ ، وهو عبارةٌ عن إردافٍ الكلمةِ بِأُخْرَى تَرْفَعُ عنها اللَّبْسَ وتُقَرِّبُها من الفَهْم، وذلك أنَّ العزَّةَ تكونُ : محمودةً ومَذمومةً. فَمِنْ مجيئها محمودة: ((وللهِ العِزَّةُ ولرسولِهِ وللمؤمنين)»(٧) (١) الآية ١١ من البقرة. (٢) الكشاف ٣٥٢/١. (٣) البحر ١١٧/٢. (٤) الآية ١٧ من البقرة. (٥) الآية ٢٠ من البقرة. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في زاد المسير ٢٢٢/١؛ البحر ١١٧/٢. (٧) الآية ٨ من المنافقون .. ٣٥٤ - البقرة - ((أعِزَّةٍ على الكافرين))(١)، فلو أُطْلِقَتْ لَتَوَهَّمَ فيها بعضُ مَنْ لا عنايةً له المحمودةَ فقيل ((بالإِثم)) تتميماً للمرادِ فَرُفِعَ اللَّبْسُ بها. قوله: ((فَحَسْبُهُ جَهَّهُ)) ((حَسْبُهُ) مبتدأ و((جهنّمُ)) خبرُه أي: كافيهم جهنّمُ، وقيل: ((جهنّمُ)) فاعلٌ بـ ((حَسْب))، ثم اختلف القائلُ بذلك في (حَسْب)) فقيل: هو بمعنى اسم الفاعل، أي الكافي، وهو في الأصل مصدرٌ [٧٩/أ] / أُريد به اسمُ الفاعِل، والفاعِلُ - وهوجهنّمُ - سَدَّ مَسَدَّ الخبر، وَقَوِيَ ((حَسْب)) لاعتمادِهِ على الفاءِ الرابطةِ للجملةِ بما قبلَها، وهذا كلَّه معنى كلام أبي البقاء(٢). وقيل: بل ((حَسْب)) اسمُ فعلٍ، والقائِلُ بذلك اختلَفَ: فقيل: اسمُ [فعلٍ ] ماضٍ ، أي: كفاهم، وقيل فعلُ أمرٍ أي: لِيَكْفِهم، إلَّ أن إعرابَه ودخولَ حروفِ الجر عليه يمنع كونَه اسم فعلٍ. وقد تلخّصَ مِمَّا تقدَّم أن (حَسْب)) هل هو بمعنى اسم الفاعل وأصلُه مصدرٌ أو اسمُ فعلٍ ماضٍ أو فِعْلُ أمر؟ وهو من الأسماءِ اللازمةِ للإِضافةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بإضافته إلى معرفةٍ، تقولُ، مَرَرْتُ برجلٍ حَسْبِك، ويُنْصَبُ عنه التمييزُ، ويكونُ مبتدأ فيُجُرُّ بباء زائدة، وخبراً فلا يُجَرُّ بها، ولا يُثَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ وإِنْ وقع صفةٌ لهذه الأشياء. و ((جهنَّمُ)» اخْتَلَفَ الناسُ فيها، فقيل: هي أعجميةٌ وعُرِّبتْ، وأصلُها كَهْنَام، فمنعُها من الصرفِ للعلمية والعُجْمَةِ. وقيل: بل هي عربيةُ الأصلِ، والقائلون بذلك اختلفوا في نونِها: هل هي زائدةٌ أم أصليةٌ؟ فالصحيحُ أنها زائدةٌ ووزنُها ((فَعَنَّل)) مشتقةٌ من ((رَكِيَّةٌ جَهْنَام)) أي: بعيدةُ القَعْر، وهي من الجَهْم وهو الكراهةُ، وقيل: بل نونُها أصليّةُ ووزنُها فَعَلَّل كعَدَبَّس(٣)، قال: (١) الآية ٥٤ من المائدة. (٢) الإملاء ٨٩/١. (٣) العدبس: الشديد الموثق الخَلْق. ٣٥٥ - البقرة - لأن ((فعنّلاً)) مفقودٌ في كلامِهم، وجعل (زَوْنَكاً) (١) فَعَلَّلَا أيضاً، لأنَّ الواوَ أصلٌ في بناتِ الأربعةِ كَوَرَنْتَل(٢)، لكنَّ الصحيحَ إثباتُ هذا البناءِ، وجاءَتْ منه ألفاظ، قالوا: ((ضَغَنَّطَ)) من الضَّغاطة وهي الضخامة، و((سَفَنَّج)) و((هَجَنَّف)) لِلظَّلِم، والزَّوْنَك: القصير سُمِّي بذلك لأنه يَنْزَوُ في مِشْيَتِهِ أي: يَتَخْتَرُ، قَال حسان(٣): في فُحْشِ زانيةٍ وَزْوكِ غُرابٍ ٩٠٢ - أَجْمَعْتَ أَنَّكَ أنتَ أَلْأُمُ مَنْ مَشَى وهذا كلُّه يَدُلُّ على أنَّ النونَ زائدةٌ في ((زَوْنَكَ)) وعلى هذا فامتناعُها للتأنيثِ والعلميةِ. ((وَلَبْسَ المِهادُ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: وَلَيْسَ المِهَادُ جَهَنَّمُ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ هنا كونُ ((المِهاد)» وقعَ فاصلةً، وقد تقدَّمَ الكلامُ على ((بئس)) وخلافِ الناسِ فيها. وحُذِفَ هذا المخصوصُ بذلك على أنه مبتدأ والجملةُ من نِعْمَ وبِئْسَ خبرُهُ، سواء تقدَّم أو تأخّرَ؛ لأنَّا لو جَعَلْنَاه خبرَ مبتدٍ محذوفٍ أو مبتدأَ محذوفَ الخبرِ، ثم حذَفْنَهُ، كنا قد حَذَفْنَا الجملةَ بأسْرِهَا مِن غَيْرِ أنْ ينوبَ عنها شيءٌ، وأيضاً فإنَّه يَلْزَمُ من ذلك أنْ تكونَ الجملةُ مُفْلَتَةً مِمَّا قبلها إذ ليس لها موضعٌ من الإِعرابِ، وليست معترضةٌ ولا مفسِّرةً ولا صلةً ولا مستأنفةً. والمِهَادُ فيه قولان، أحدُهما: أنه جَمْعُ ((مَهْد)) وهو ما يوطأُ للنومِ. والثاني: أنه اسمٌ مفردٌ، سُمِّيَ به الفراشُ المُوَطَّأُ للنومُ، وهذا من بابِ التهكم والاستهزاءِ، أي: جُعِلَتْ جَهَنَّمُ لهم بَدَلَ مِهادٍ يَفْترشونه وهو كقولِهِ (٤): (١) الزونك: اللحيم القصير. (٢) الورنتل: الشر. (٣) ديوانه ٣٤٣؛ البحر ١٠٩/٢. (٤) تقدم برقم ٦٦٥. ٣٥٦ - البقرة - تحيةُ بِنِهِمِ ضَرْبٌ وَجِیعُ ٩٠٣ - وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بِخَيْلٍ أي: القائمُ لهم مقامَ التحيةِ الضربُ الوجيع . آ. (٢٠٧) قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْتَرِي﴾: في (مَنْ» الوجهانِ المتقدِّمان في ((مَنْ)) الأولى، ومعنى يَشْري: يَبيع، قال تعالى: (وَشَرَوْه بثمنٍ بَخْسٍ)) (١)، إن أَعَدْنَا الضميرَ المرفوعَ على الآخرة، وقال(٢): ٩٠٤ - وَشَرَيْتُ بُرْداً ليتني من بعدٍ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ فالمعنى: يَبْذُل نفسَه في اللَّهِ، وقيل: بل هو على أصلِهِ من الشِّراء، وذلك أَنَّ صُهَيْباً اشترى نفسَه من قريشٍ لمَّا هاجَرَ، والآيةُ نَزَلَتْ فيه. قوله: ((ابتغاءَ)) منصوبٌ على أنه مفعولٌ من أجله. والشروطُ المقتضيةُ للنصبِ موجودةٌ. والصحيحُ أنَّ إضافةَ المفعولِ له مَحْضَةٌ، خلافاً للجرمي والمبرد والرياشي (٣) وجماعةٍ من المتأخّرين. و((مرضاة)) مصدرٌ مبنيٌّ على تاء التأنيث كَمَدْعَاة، والقياسُ تجريدُهُ عنها نحو: مَغْزَى ومَرْمَى . ووقَفَ حمزة(٤) عليها بالتاء، وذلك لوجهين: أحدهما أَنَّ بعضَ العربِ يقِفُ على تاء التأنيثِ بالتاءِ كما هي، وأنشدوا: (٥) (١) الآية ٢٠ من يوسف. (٢) البيت لابن مفرغ، وهو في ديوانه ٢١٣؛ وأمالي المرتضى ٩٥/٢؛ وشواهد الكشاف ٤ / ٥٦٠، ويقال: أصبح فلان هامة: إذا مات. (٣) العباس بن الفرج، قرأ على الأصمعي وأبي زيد والمازني، توفي سنة ٢٠٧، انظر: البغية ٢ /٢٧ . (٤) السبعة ١٨٠؛ الكشف ٢٨٨/١؛ البحر ١١٩/٢. (٥) البيت لسؤر الذئب، وهو في سر الصناعة ١٧٧/١؛ والخصائص ٣٠٤/١؛ واللسان: بلل؛ والإِنصاف ٣٧٩؛ وابن يعيش ١١٨/٢؛ وشواهد الشافية ٢٠٠. والجوز: الوسط، والجحفة: الترس. ٣٥٧ - البقرة - ٩٠٥ - دارٌ لسَلْمَى بعد حولٍ قد عَفَتْ بِلِ جَوْزِ تيهاءَ كظهْرِ الجَحَفَتْ وقد حكى هذه اللغةَ سيبويه(١). والثاني: أن يكونَ وقف على نية الإِضافة، كأنه نَوَى لفظَ المضافِ إليه لشدةِ اتّصال المتضايفَيْنِ فَأَقَرَّ التاءَ على حالِها مَنْبَهَةً على ذلك، وهذا كما أَشَمُّوا الحرفَ المضمومَ لِيُعْلِمُوا أَنَّ الضَّمَّة كالمنطوق بها. وقد أمالَ الكسائي(٢) وورش ((مَرْضات)). وفي قولِهِ: ((بالعِباد)) خروجٌ من ضميرِ الغَيْبَةِ إلى الاسمِ الظاهِرِ، إذ كان الأصلُ ((رؤوف به)) أو (بهم))، وفائدةُ هذا الخروجِ أنَّ لفظَ ((العباد)» يُؤْذِنُ بالتشريفِ، أو لأنَّه فاصلةٌ فاخْتِير لذلك. آ (٢٠٨) قوله تعالى: ﴿السِّلْمِ﴾: قرأ(٣) هنا ((السَّلْم)» بالفتحِ نافعٌ والكسائي وابن كثير، والباقون بالكَسْر، وأمَّا التي في الأنفال(٤) فلم يَقْرَأْها بالكسر إلا أبو بكر وحدَه عن عاصم، والتي في القتال(٥) فلم يَقْرَأْها بالكسر إلا حمزةُ وأبو بكر أيضاً، وسيأتي. فقيل: هما بمعنىَّ وهو الصلحُ، ويُذَكَّر ويُؤَنَّث، قال تعالى: ((وإنْ جَنَحُوا للسِّلْمِ فَاجْنَحْ لها))، وحَكَوْا: ((بنو فلان سِلْمٌ وسَلْمٌ))، وأصلُه من الاستسلام وهو الانقيادُ، ويُطْلَقُ على الإِسلامِ، قاله الكسائي وجماعة، وأنشدوا(٦): ٩٠٦ - دَعَوْتُ عشيرتي للسُّلْمِ لَمَّا رأيتُهُمُ تَوَلَّوا مُذْبِرِينَا. (١) الكتاب ٢٨١/٢. (٢) السبعة ١٨٠؛ الكشف ٢٨٨/١. (٣) السبعة ١٨٠؛ البحر ١٢٠/٢. (٤) الآية ٦١ من الأنفال: ((وإن جَنَحُوا للسلم فاجنح لها)). (٥) الآية ٣٥ من القتال: (وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم): ((فلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السِّلم)». (٦) البيت لأخي كندة، وهو في تفسير الطبري ٣٥٣/٤؛ واللسان: سلم. ٣٥٨ - البقرة - يُنْشَد بالكسر، وقال آخر في المفتوح (١): ٩٠٧ - شرائِعُ السَّلْم قد بانَتْ معالِمُها فما يَرَى الكفرَ إلا مَنْ بِهِ خَبَلُ فالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتين بمعنى الإِسلام، إلَّ أنَّ الفَتْحَ فيما هو بمعنى الإِسلام قليلٌ. وقرىء(٢) ((السَّلَم)) بفتحِهِما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى : فبالكسر الإِسلامُ وبالفتحِ الصلحُ. قوله: ((كافةً)) منصوبٌ على الحالِ ، وفي صاحبِها ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: وهو الأظهَرُ أنه الفاعلُ في ((ادخلوا)) والمعنى: ادخُلُوا السُّلْم جميعاً. وهذه حالٌ تُؤَكِّدُ معنى العمومِ ، فإنَّ قولَكَ: ((قام القومُ كافةً)) بمنزلةٍ: قاموا كلُّهم. والثاني: أنه «السِّلْم))، قاله الزمخشري(٣) وأبو البقاء (٤)، قال الزمخشري: (وَيَجُوزُ أن تكونَ ((كافةً) حالاً من ((السِّلْمِ)) لأنها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّث الحَرْبُ، قال الشاعر: (٥) ٩٠٨ _ السِّلْمُ تأخذُ منها ما رَضِیتٌ به والحربُ يَكْفِيكَ مِن أَنْفَاسِها جُرَعُ على أنَّ المؤمنينَ أُمِرُوا أن يدخُلُوا في الطاعاتِ كلِّها، ولا يَدْخُلوا في طاعةٍ دونَ طاعةٍ. قال الشيخ(٦): ((تعليلُه كونُ ((كافةً)) حالاً من ((السِّلم)) بقولِهِ : [٧٩/ب] ((لأنها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّثُ الحرب)) ليس بشيءٍ / لأنَّ التاءَ في ((كافة)) ليست للتأنيثِ، وإن كان أصلُها أَنْ تَدُلُّ عليه، بل صار هذا نقلاً مَحْضاً إلى معنى (١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٠٩/٢. (٢) وهي قراءة الأعمش، الكشاف ١٢٧/١؛ ونسبها القرطبي إلى البصريين ٢٣/٣. (٣) الكشاف ٣٥٣/١. (٤) الإملاء ١ /٩٠. (٥) البيت للعباس بن مرداس، وهو في الخزانة ٨٢/٢؛ وحاشية الشيخ يس ٢٨٦/٢؛ وشواهد الكشاف ٤٣٨/٤. (٦) البحر ١٢١/٢. ٣٥٩ - البقرة - جميع وكل، كما صار قاطبةً وعامَّة إذا كانَ حالاً نَقْلًا مَخْضاً. فإذا قلت: ((قامَ الناسُ كافةً وقاطبةً)) لم يَدُلَّ شيءٌ من ذلك على التأنيث، كما لا يَدُلُّ عليه (كُلّ)) و((جميع)). والثالثُ: أن يكونَ صاحبُ الحالِ هما جميعاً، أعني فاعلَ ((ادْخُلُوا)) و ((السِّلْم)) فتكونُ حالاً من شيئين. وهذا ما أجازه ابنُ عطية (١) فإنه قال: (وَتَسْتَغْرِقُ ((كافة)) حينئذٍ المؤمنين وجميعَ أجزاءٍ الشرع، فتكونُ الحالُ مِنْ شيئين، وذلك جائِزُ نحو قولهِ: ((فأتَتْ به قومَها تَحْمِله))(٢). ثم قال بعد كلامٍ : ((وكافةً معناه جميعاً، فالمرادُ بالكافة الجماعةُ التي تَكُفُّ مخالِفيها)) .. وقوله: ((نحو قوله: تَحْمِلُه)) يعني أنَّ (تَحْمِلُهُ) حالٌ من فاعل ((أَتَتْ)) ومِنَ الهاء في ((بِهِ)). قال الشيخ (٣): «هذا المثالُ ليس مطابقاً للحال من شيئين لأنَّ لفظَ ((تَحْمِلُهُ)) لا يحتمل شيئين، ولا تقع الحالُ من شيئين إلا إذا كان اللفظُ يحتملُهما، واعتبارُ ذلك بجَعْلِ ذوي الحال(٤) مبتدأين، وجَعَلَ تَلْك الحالَ خبراً عنهما، فمتى صَحَّ ذلك صَحَّتِ الحالُ نحو: (٥) ولم يَبْدُ للأتْرابِ من تَدْبِها حَجْمُ ٩٠٩ - وَعُلِّقْتُ سلمى وَهْيَ ذاتُ مُوَصَّدٍ إلى اليوم لم نَّكْبَر ولم تَكْبَرِ البُّهْمُ صَغِيرَيْنِ نَرْعِى البَهْم يا ليت أنّنا (١) المحرر الوجيز ١٤٤/٢ - ١٤٥ (الطبعة المغربية) حيث وصلت الطبعة المصرية إلى هذه الآية . (٢) الآية ٣٧ من مريم. (٣) البحر ١٢١/٢. (٤) الأصل: ((الحالين)) وهو سهو، والتصحيح من البحر. (٥) البيتان للمجنون، وهما في ديوانه ٢٣٨؛ والبحر ١٢١/٢؛ والخزانة ١٧١/٢. والموصد: الخِدْرُ. ٣٦٠