النص المفهرس
صفحات 141-160
- البقرة - عباس، وذكر البيهقي عن ابن عباس: ((لا تقولوا بمثلٍ ما آمنتم [به] فإنَّ الله لَيس لَه مِثْلٌ ولكن قولوا بالذي آمنتم به)» وهذه تُرْوَى قراءةً [عن] أُبَيّ، ونظيرُها في الزيادةِ قولُ الشاعرِ(١): ٧٤٨ - فَصُيِّروا مثلَ كعصفٍ مَأْكُولْ وقال بعضهم: هذا من مجازِ الكلام تقولُ: هذا أمرٌ لا يَفْعَلُه مثلُك، أي لا تَفْعَلُه أنت، والمعنى: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، نَقَلَه ابنُ عطية (٢)، وهو يَؤُول إلى إلغاءِ ((مثل)) وزيادتها. والثاني: أنها ليست بزائدةٍ، والمثليةُ متعلقةٌ بالاعتقادِ، أي: فإن اعتقدوا بمثلِ اعتقادكم، أو متعلقةٌ بالكتابِ أي : فإنْ آمنوا بكتاب مثلِ الكتابِ الذي آمنتُمْ به، والمعنى: فإِنْ آمَنوا بالقرآنِ الذي هو مُصَدِّقٌ لِما في التوراةِ والإِنجيلِ ، وهذا التأويلُ ينفي زيادةَ الباء. و ((ما)) قوله: ((بمثلِ ما آمَنْتُم)) فيها وجهان، أحدُهما: أنَّها بمعنى الذي والمرادُ بها حينئذٍ: إمَّا اللهُ تعالى بالتأويل المتقدِّمِ عِندَ مَنْ يُجيز وقوعَ ((ما)) على أولي العلمِ نحو: ((والسماءِ وما بناها))(٣) وإمَّا الكتابُ المنزِّلُ. والثاني: أنَّها مصدريةٌ وقد تقدَّم ذلك. والضميرُ في ((به)) فيه أيضاً وجهان، أحدُهما: أنَّه يعودُ على اللهِ تعالى كما تقدَّم. والثاني: أن يعودَ على ((ما)) إذا قيل: إنَّها بمعنى الذي. قوله: ((فقد اهتَدَوا)) جواب الشرط في قوله: ((فإنْ آمنوا))، وليس الجوابُ محذوفاً، كهو في قوله: ((وإنْ يُكَذِّبوك فقد كُذِّبَتْ رَسُلٌ))(٤) لأنَّ تكذيبَ الرسلِ (١) تقدم برقم ٢١٠. (٢) التفسير ٤٣١/١. (٣) الآية ٥ من سورة الشمس. (٤) الآية ٤ من سورة فاطر. ١٤١ - البقرة - ماضٍ محقَّقٌ هناك فاحتجْنا إلى تقديرِ جوابٍ، وأمَّا هنا فالهدايةُ منهم لم تقعْ بعدُ فهي مستقبلةٌ معنىٍّ وإن أُبْرِزَتْ في لفظِ المُضِيّ . قوله: ((في شِفَاقٍ)) خبرٌ لقوله: ((هم) وجَعَلَ الشِّقَاقَ ظرفاً لِهم وهم مظروفون له مبالَغَةً في الإِخبارِ باستعلائِه عليهم، وهو أَبْلَغُ مِنْ قولِك هم مُشاقُون، ومثلُه: ((إِنَّا لَنراكَ فِي سَفاهةٍ))(١) ونحوُه. والشِّقاقُ مصدرٌ مِن شاقّه يُشاقُّه نحو: ضاربه ضِراباً، ومعناه المخالَفَةُ والمُعَادَاةُ، وفي اشتقاقِه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه من الشِّقِّ وهو الجانبُ. وذلك أن أحد المشاقِّين يَصير في شِقٌّ صاحبِه / أي: جانبِه، قال امرؤ القيس(٢): [ ١/٥٦ ] ٧٤٩ - إذا ما بَكَى مِنْ خَلْفِها انْصَرَفَتْ لِه بِشِقِّ وشِقَّ عندَنا لم يُحَوَّلِ أي: بجانبٍ. الثاني: أنه من المَشَقَّةَ فإنَّ كلّ منهما يَحْرِصُ على ما يَشْقُّ على صاحبِهِ. الثالث: أنَّه من قولهم: ((شَقَفْتُ العَصا بيني وبينك)) وكانوا يفعلون ذلك عند تَعادِيهم. والفاءُ في قوله: ((فَسَيَكْفِيكَهُم)» تُشْعِرُ بتعقيبِ الكفاية عَقِبَ شِقاقهم. وجيءَ بالسينِ دونَ سوف لأنها أقربُ منها زماناً بَوَضْعِها، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: فسيكفيكَ شِقاقَهم؛ لأنَّ الذواتِ لا تُكْفَى إنما تُكْفَى أفعالُها، والمَكْفِيُّ به هنا محذوفٌ أي: بمَنْ يَهْدِيه الله أو بتفريق كلمتهم. آ. (١٣٨) قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾: قرأ الجمهورُ ((صبغةً)) بالنصبِ، وقال الطبري (٣): ((مَنْ قَرَأَ مِلْهُ إبراهيمَ بالرفع قرأ صبغةُ بالرفع)) وقد تقدَّم أنها قراءةُ ابنٍ هرمز وابن أبي عبلة (٤). فأمَّا قراءةُ الجمهورِ ففيها أربعةُ (١) الآية ٦٦ من الأعراف. (٢) تقدم برقم ٢٢٢. (٣) تفسير الطبري ١١٧/٣. (٤) البحر ٤١١/١. ١٤٢ - البقرة - أوجهٍ أحدُها: أنَّ انتصابَها انتصابُ المصدرِ المؤكَّد وهذا اختارَه الزمخشري(١)، وقال: ((هو الذي ذَكَر سيبويه(٢) والقولُ ما قالَتْ حَذامٍ)) انتهى قولُه. واختُلَفِ حينئذٍ عن ماذا انتصَبَ هذا المصدرُ؟ فقيل عن قوله: ((قولوا آمنًا)» وقيل عن قوله: ((ونحنُ له مسلمون))، وقيل: عَنْ قوله: ((فقد اهْتَدَوْا)». الثاني: أنَّ انتصابَها على الإِغراءِ أَي: الزَّمُوا صبغةَ الله، قال الشيخ(٣): (وهذا ينافِرُه آخرُ الآيةِ وهو قولُه: ((ونحن له عابِدُون)) إلا أَنْ يُقَدَّر هنا قولٌ، وهو تقديرٌ لا حاجةَ إليه ولا دليلَ من الكلامِ عليه)). الثالث: أنها بدلٌ من (مِلَّةً)) وهذا ضعيف إذ قد وَقَعَ الفصلُ بينهما بجُملٍ كثيرة. الرابع انتصابُها بإضمار فعلٍ أي: أَتَبِعوا صبغةَ الله، ذكره أبو البقاء(٤) مع وجهِ الإِغراءِ، وهو في الحقيقةِ ليس زائداً فإنَّ الإِغراءَ أيضاً هو نصبٌ بإضمارٍ فعلٍ . قال الزمخشري(٥): ((وهي - أي الصبغةُ - مِنْ صَبَغَ كالجِلْسَة من جَلَسَ، وهي الحالةُ التي يقع عليها الصِّبْغُ، والمعنى تطهيرُ الله، لأنَّ الإِيمانَ يُطَهِّرُ النفوسَ، والأصلُ فيه أنَّ النصارى كانوا يُغْمِسون أولادَهم في ماء المَعْمودِيَّة ويقولون هو تطهيرٌ لهم، فَأُمِرَ المسلمون أَنْ يقولوا: آمنًّا وصَبَغَنا الله صِبْغَةً لا مثلَ صِبْغَتِكم، وإنَّما جيء بلفظِ الصِّبْغَةِ على طريقِ المُشاكلةِ كما تقول لِمَنْ يَغْرِسُ الأشجار: اغْرِسْ كما يَغْرِسُ فلانٌ، تريدُ رجلًا يصطنعُ الکرام». وأمَّا قراءةُ الرفعِ فتحتملُ وَجْهين أحدُهما: أنَّها خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: (١) الكشاف ٣١٦/١. (٢) الكتاب ١٩١/١. (٣) البحر ٤١٢/١. (٤) الإملاء ٦٦/١. (٥) الكشاف ٣١٦/١. ١٤٣ : - البقرة ــ ذلك الإِيمانُ صبغةُ الله. والثاني: أن تكونَ بدلاً مِنْ ((مِلَّة)) لأنَّ مَنْ رَفَعَ ((صِبْغَة)) رفع ((مِلَّة)) كما تقدَّم فتكونَ بدلاً منها كما قيل بذلك في قراءةِ النصبِ. قوله: ((ومَنْ أَحْسَنُ)) مبتدأ وخبرٌ، وهذا استفهامُ معناه النّفْيُّ أي: لا أحدَ، و((أَحْسَنُ)) هنا فيها احتمالان، أحدُهما: أنها ليست للتفضيل إذ صبغةُ غيرِ الله منتفٍ عنها الحُسْنُ. والثاني: أنْ يُراد التفضيلُ باعتبارِ مَنْ يظنُّ أنَّ في صِبْغَةِ غيرِ اللهِ حُسْناً لا أنَّ ذلكَ بالنسبةِ إلى حقيقةِ الشيءٍ. و((مِنَ الله)) متعلُّقٌ بأَحْسَنُ فهو في محلٌ نَصْبٍ. و((صبغةً) نصبٌ على التمييز مِنْ أَحْسَنُ، وهو من التمييز المنقولِ من المبتدأ والتقديرُ: ومَنْ صِبْغَتُه أحسنُ مِنْ صبغةِ اللّه، فالتفضيلُ إنَّما يَجْري بين الصبغتينِ لا بينَ الصابغين. وهذا غريبٌ أعني كَوْنَ التمييزِ منقولاً من المبتدأ. قولُه: ((ونحنُ له عابدونَ)) جملةٌ من مبتدٍ وخبرِ معطوفةٌ على قَوْلِهِ («قولوا آمنًّا بالله)) فهي في محلِّ نصبٍ بالقول، قال الزمخشري(١): ((وهذا العطفُ يَرُدُّ قولَ مَنْ زَعَمَ أنَّ ((صبغة الله)) بدلُ مِنْ ((مِلَّةَ)) أو نصبٌ على الإِغراءِ بمعنى عليكم صبغةَ الله لما فيه مِنْ فَكَّ النَّظم وإخراجِ الكلامِ عن التئامِهِ واتِّساقِهِ) قال الشيخ (٢): ((وتقديرُه في الإِغراءِ: عليكم صبغةً ليس بجيدٍ؛ لأنَّ الإِغْراءَ إذا كانَ بالظروفِ والمجروراتِ لا يجوزُ حَذْفُ ذلك الظرفِ ولا المجرورِ، ولذلك حينَ ذَكَرْنا وجهَ الإِغراءِ قدَّرْناه بالزموا صبغةَ الله. انتهى)). كأنَّه لضَعْفِ العَمَلِ. بالظروف والمجروراتِ ضَعُفَ حَذْفُها وإبقاءُ عملِها. آ. (١٣٩) قوله تعالى: ﴿أتحاجُوننا﴾: الاستفهامُ هنا للإِنكارِ والتوبيخِ. والجمهورُ: ((أتحاجُوننا)) بنونين الأولى للرفعِ والثانيةُ نونُ ((نا)» (١) الكشاف ٣١٦/١. (٢) البحر ٤١٢/١. ١٤٤ - البقرة - وقرأ(١) زيدٌ والحسنُ والأعمشُ بالإِدغام، وأجاز بعضُهم حَذْفَ النونِ الأولى، فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فواضحةٌ، وأمّا قراءةُ الإِدغامِ فلاجتماعٍ مِثْلَيْن، وسَوَّغَ الإدغام وجودُ حرفِ المَدِّ واللين قبلَه القائمِ مقام الحركةِ، وأما من حَذَّفَ فبالحَمْلِ على نونِ الوقايةِ كقراءة: ((فَبِمَ تُبَشِّرون))(٢) وقوله(٣): ٧٥٠ - تَراه كالثَّغام يُعَلُّ مِسْكاً يَسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي يريد: فلينني، وهذه الآيةُ مثلُ قولِه: ((أفغيرَ اللهِ تأمرونِّي أعبدُ»(٤) فإنه قُرِئَتْ بالأوجهِ الثلاثةِ: الفَكَّ والإِدغامِ والحَذْفِ، ولكن في المتواتر، وهنا لم يُقْرَأْ في المشهورِ كما تقدَّم إلا بالفك. ومَحَلُّ هذه الجملةِ النصبُ بالقولِ قَبْلها. والضميرُ في ((قل)) يَحْتَمِلُ أن يكونَ للنبي عليه السلام أو لكلِّ مَنْ يَصْلُح للخطابِ، والضميرُ المرفوعُ في ((أتحاجُّوننا)) لليهودِ والنصارى أو لمشركي العَرَبِ. والمُحَاجَّةُ مُفَاعَلة من حَجَّه يَحُجُّه. وقولُه ((في الله)) لا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: في شأنِ الله أو دينِ الله . قوله: ((وهو ربُّنا) مبتدأ وخبرٌ في محلٌّ نصبٍ على الحالِ ، وكذا ما عُطِفَ عليه من قولِهِ: ((ولنا أعمالُنا)» ولا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: جَزَاءُ أعمالنا ولكم جزاء أعمالِكم. (١) البحر ٤١٢/١، ونسبها القرطبي إلى ابن محيصن ١٤٥/٢، وزيد هنا هو زيد ابن ثابت كما في البحر. (٢) الآية ٥٤ من الحجر، قرأها ابن كثير بتشديد النون مكسورة وقرأها نافع بتخفيفها، وقرأ الباقون بفتح النون مخففة. انظر: السبعة ٣٦٧. (٣) البيت لعمرو بن معد يكرب، وهو في الكتاب ١٥٤/٢؛ واللسان: فلا؛ وابن يعيش ١٩/٣؛ والهمع ٩٥/١؛ والدرر ٤٣/١. يصف شعره وقد علاه الشيب، والثغام: نبت له نَور أبيض. ويعل: يُطَيِّب. (٤) الآية ٦٤ من الزمر، قرأ ابن عامر بنونين ظاهرتين، وقرأ نافع بنون واحدة خفيفة، وقرأ الباقون بنون مشددة. السبعة ٥٦٣؛ والكشف ٢٤٠/٢. ١٤٥ - البقرة - آ. (١٤٠) قوله تعالى: ﴿أم تَقُولون﴾: قرأ حمزة(١) والكسائي وحفص وابن عامر بتاءٍ الخطابِ والباقون بالياء، فأمّا قراءةُ الخطابِ فتحتمل ((أم)) فيها وَجْهين، أحدُهما: أن تكونَ المتصلةَ، والتعادلُ بين هذه الجملةِ وبين قوله: أتحاجُوننا، فالاستفهامُ عن وقوعِ أحدٍ هذين الأمْرَيْن: المُحاجَّةِ في اللهِ أو ادِّعاءٍ على إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه اليهوديةَ والنصرانيةَ، وهو استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ كما تقدَّم فإِنَّ كِلا الأمرين باطلٌ. والثاني: أن تكونَ المنقطعةَ فتتقدَّرَ بـ ((بل)) والهمزةِ، على ما تقرَّر في المنقطعة على أصحّ المذاهبِ، والتقدير: بل أتقولون. والاستفهامُ للإِنكار والتوبيخِ أيضاً فيكونُ قد انتقل عن قوله: أتجاجُّوننا وأَخَذَ في الاستفهامِ عن قضيةٍ أخرى، والمعنى على إنكارٍ نسبةِ اليهوديةِ والنصرانيةِ إلى إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه. وأمَّا قراءةُ الغَيْبة: فالظاهرُ أنَّ ((أم)) فيها منقطعةٌ على المعنى المتقدَّم. وحكى الطبري (٢) عن بعضِ النحويين أنها متصلةٌ لأنك إذا قلت: أتقومُ أم يقوم عمروٌ: أيكونُ هذا أم هذا. وردَّ ابنُ عطية(٣) هذا الوجهَ فقال: ((هذا المثالُ غيرُ جيدٍ، لأنَّ الْقَائِلَ فيه واحدٌ والمخاطَبُ واحدٌ، والقولُ في الآيةِ من اثنينِ والمخاطَبُ اثنانٍ غَيْرانٍ، وإنّما تَتَّجِهُ مَعادَلةُ ((أم)) للألفِ على الحكم المعنوي، كأنَّ معنى قُلْ أتحاجُونا: أيُحاجُون يا محمد أم يقولون)) انتهى. وقال الزمخشري(٤): ((وفيمَنْ قَرَأَ بالياء لا تكونُ إلا منقطعةً)) قال الشيخ(٥): ((ويمكن الاتصالُ مع قراءةِ الياءِ، ويكون ذلك من الالتفاتِ إذ صارَ فيه (١) السبعة ١٧١؛ والكشف ٢٦٦/١. (٢) تفسير الطبري ١٢٣/٣. (٣) تفسير ابن عطية ٤٣٤/١. (٤) الكشاف ٣١٦/١. (٥) البحر ٤١٤/١. ١٤٦ - البقرة - [خروجٌ](١) من خطابٍ إلى غَيْبةٍ، والضميرُ لناسٍ مخصوصين)). وقال أبو البقاء (٢): ((أم يقولونَ يُقْرأ بالياء ردًّاً على قوله: ((فَسَيَكْفِيكَهُم الله)) فَجَعَل هذه الجملةَ متعلقةً بقولِه: ((فسيكفيكَهم)) وحينئذٍ لا تكونُ إلا منقطعةً لِمَا عَرَفْتَ أنَّ من شرط المتصلةِ تقدُّمَ همزة استفهامٍ أو تسويةٍ مع أن المعنى [٥٦/ب] ليس / على أنَّ الانتقالَ مِن قوله: ((فَسَيَكْفيكهم) إلى قوله ((أم يقولون)) حتى يَجْعَلَه ردَّاً عليه وهو بعيدٌ عنه لفظاً ومعنَّى. وقال الشيخ (٣): ((الأحسنُ في القراءتين أن تكونَ ((أم)) منقطعةً وكأنه أنكرَ عليهم مُحاجَّتَهم في الله ونسبة أنبيائِه اليهودية والنصرانية، وقد وَقَع منهم ما أَنْكَرَ عليهم، ألا ترى إلى قوله: ((قل يا أهلَ الكتابِ لِمَ تُحاجُّون في إبراهيم)) الآيات(٤) وإذا جَعَلْناها متصلةً كان ذلك غيرَ متضمِّنٍ وقوعَ الجملتين، بل إحداهما، وصارَ السؤالُ عن تعيينٍ إحداهما، وليس الأمرُ كذلك إذ وقعا معاً. وهذا الذي قاله الشيخُ حسنٌ جداً. و((أو)) في قوله: ((هوداً أو نصارى)) كهي في قوله: ((لن يَدْخُلَ الجنَّةَ إلا مَنْ كان هُوداً أو نصارى))(٥) وقد تقدَّم تحقيقُه . قوله: ((أَمِ الله)) أم متصلةٌ، والجلالةُ عَطْفٌ على (أنتم))، ولكنه فَصَل بين المتعاطِفِينَ بالمسؤولِ عنه، وهو أحسنُ الاستعمالاتِ الثلاثةِ: وذلك أنه يَجوزُ في مثلِ هذا التركيبِ ثلاثةُ أوجهٍ: تقدُّمُ المسؤولِ عنه نحو: أأعلم أنتم أم اللـهُ، وتوسُّطُه نحو: أأنتم أعلمُ أم اللـهُ، وتأخيرُه نحو: أأنتم أم الله أعلمُ. وقال أبو البقاء(٦): (أم الله)) مبتدأ والخبرُ محذوفٌ، أي: أم الله أعلمُ، و((أم)) هنا (١) من البحر. (٢) الإملاء ٦٦/١. (٣) البحر ٤١٤/١. (٤) الآية ٦٥ من آل عمران. (٥) الآية ١١١ من البقرة. (٦) الإملاء ٦٦/١. ١٤٧ - البقرة - المتصلةُ أي: أيُّكم أعلم)) وهذا الذي قاله فيه نظرً، لأَنَّه إذا قَدَّر له خبراً صناعياً صار جملةً، وأم المتصلةُ لا تَعْطِفُ الجملةَ بل المفردَ وما في معناه. وليس قولُ أبي البقاء بتفسيرِ معنّى فَيُغْتَفَرَ له ذلك بل تفسيرُ إعرابٍ، والتَفْضِيلُ في قوله ((أعلمُ)) على سبيلِ الاستهزاءِ وعلى تقديرِ أن يُظَنَّ بهم عِلْمٌ من الجَهَلَةِ وإلَّ فلا مشاركةَ، ونظيرُه قولُ حسان(١): فَشَرُّكما لخيرِ كما الفِداءُ ٧٥١ - أَتَهْجوه ولَسْتَ لِه بِكُفْءٍ وقد عُلِمٍ أنَّ الرسولَ خيرٌ كلُّه. قوله: ((من الله)) في ((مِنْ)) أربعة أوجه، أحدها: أنها متعلّقةٌ بـ«كَتَم))، وذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: كَتَم مِنْ عبادِ الله شهادةً عندَه. الثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّها صفةٌ لشهادة بعد صفةٍ، لأنَّ ((عنده)) صفةٌ لشهادة، وهو ظاهرُ قولِ الزمخشري (٢) فإنَّه قال: و((مِنْ)) في قوله: ((شهادةً مِن الله)) مثلُها في قولك: ((هذه شهادةٌ مني لفلان)) إذا شَهِدْتَ له، ومثلُه: ((براءةٌ من الله ورسوله))(٣). الثالثُ: أنَّها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المضمرِ في ((عنده))، يعني مِن الضميرِ المرفوع بالظرفِ لوقوعِه صفةً، ذكره أبو البقاءِ (٤). الرابع: أن يتعلَّقَ بذلك المحذوفِ الذي تعلَّق به الظرفُ وهو ((عنده)) لوقوعِه صفةً، والفرقُ بينه وبين الوجهِ الثاني أنَّ ذاك له عاملٌ مستقلٌ غيرُ العاملِ: في الظرف. قال أبو البقاء(٥): ((ولا يجوزُ أَنْ تُعَلَّقَ ((مِنْ)) بشهادةٍ، لئلا يُفْصَلَ بِين (١) تقدم برقم ٢٦٦. (٢) الكشاف ٣١٦/١. (٣) الآية ١ من سورة براءة. (٤) الإملاء ١ /٦٦. (٥) الإِملاء ٦٦/١. ١٤٨ - البقرة - الصلةِ والموصولِ بالصفةِ يعني أنَّ ((شهادة)» مصدرٌ مؤولٌ بحرفٍ مصدري وفعلٍ فلو عَلَّقْتَ ((مِنْ)) بها لكنْتَ قد فَصَلْتَ بين ماهو في معنى الموصولِ وبين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي وهو الظرفُ الواقعُ صفةً لشهادة. وفيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما: لا نُسَلَّمُ أنَّ ((شهادة)) يَنْحَلُّ لموصولٍ وصلتِهِ، فإنَّ كلَّ مصدرٍ لا يَنْحَلُّ لهما. والثاني: سَلَّمْنا ذلك ولكن لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنَّ الظرفَ صفةٌ بل هو معمولٌ لها، فيكونُ بعضُ الصلةِ لا أجنبياً حتى يَلْزم الفصلُ به بين الموصول وصِلته، وإنَّما كان طريقُ مَنْع هذا بَغَيْرِ ما ذَكَر، وهو أنَّ المعنى یأبی ذلك. وكَتّمَ يتعدَّى لاثنين فأولُهما في الآيةِ الكريمة محذوفٌ تقديرُه: كَمَ الناسُ شهادةً، والأحسنُ من هذه الوجوهِ أن تكونَ ((من الله)) صفةٌ لشهادة أو متعلقةً بعامل الظرفِ لا متعلقةً بكتم، وذلك أنَّ كتمانَ الشهادةِ مع كونها مستودعةً مِنَ اللّه عندَه أبلغُ في الأظلميَّةِ مِنْ كتمانِ شهادةٍ مطلقةٍ من عبادِ الله. وقال في ((ريّ الظمآن))(١): ((في الآيةِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: ومَنْ أظلمُ مِنَ الله مِمَّنْ كَتَمَ شهادةً حَصَلَتْ له كقولك: ((ومَنْ أظلمُ من زيدٍ من جملةِ الكلمتين للشهادة)) والمعنى: لو كانَ إبراهيمُ وبنوه يهوداً أو نصارى، ثم إنَّ الله كَتَمَ هذه الشهادةَ لم يكن أحدٌ مِمَّنْ يكتُمُ الشهادةَ أظلمَ منه، لكن لمَّا استحال ذلك مع عَدْلِه وتنزيهه عن الكذبِ عَلِمْنا أنَّ الأمرَ ليس كذلك)). قال الشيخ (٢): ((وهذا متكلف جداً من حيث التركيبُ ومن حيث المدلولُ: أمَّا التركيبُ فإنَّ التقديم والتأخيرَ من الضرائرِ عند الجمهور، وأيضاً فيبقى قوله: ((مِمَّن كتم)) متعلِّقاً إمَّا بأظلم، فيكونُ ذلك على طريق البدليَّةِ، ويكون (١) وهو لشرف الدين محمد بن عبد الله المرسي الأندلسي المتوفي سنة ٦٥٥. انظر: إيضاح المكنون ٦٠٤/٣. (٢) البحر ٤١٦/١. ١٤٩ - البقرة - إذ ذاك بدلَ عامٍ من خاص وليس بثابتٍ، وإنْ كان بعضُهم زَعَمَ ورودَه، لكنَّ الجمهور تأوَّلوه بوضعِ العامِّ موضعَ الخاص، أو تكونُ (مِنْ)) متعلقةٌ بمحذوف فتكونُ في موضعِ الحال أي: كائناً من الكاتمين. وأمّا من حيث المدلولُ فَإنَّ ثبوتَ الأظلميَّة لمن جُرَّ بـ مِنْ)) يكونُ على تقدير، أي: إنْ كَتَمها فلا أحدَ أظلمُ منه، وهذا كلُّه معنَّى لا يَليقُ به تعالى ويُنَزَّه كتابُه عنه». آ. (١٤٢) قوله تعالى: ﴿من الناس﴾: في محلِّ نصبٍ على الحالِ من ((السفهاء)) والعاملُ فيها ((سيقولُ)) وهي حالٌ مبيّنة فإنَّ السَّفَه كما يوصف به الناسُ يُوْصَفُ به غيرُهُم من الجمادِ والحيوانِ، وكما يُنْسَبُ القولُ إليهم حقيقةً يُنْسَبُ لغيرهم مجازاً فَرَفَع المجازّ بقولِه: ((مِن الناسِ)) ذكره ابن عطية (١) وغیرُه. قوله: ((ما وَلَّهم)) ((ما)) مبتدأُ وهي استفهاميةٌ، والجملةُ بعدها خبرُ عنها، و((عن قِبْلَتِهِم)) متعلقٌ بـ ((وَلَّهم))، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ في قوله ((عليها)). أي: على توجُّهِهَا أو اعتقادِها، وجملةُ الاستفهامِ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، والاستعلاءُ في قولِه ((عليها)) مجازٌ، نَزَّلَ مواظَبَتّهم على المحافظةِ عليها منزلةً مَنِ استعلى على الشيء. آ. (١٤٣) قوله تعالى: ﴿وكذلك﴾: الكافُ فيها الوجهانِ المشهوران كما تقدَّم ذلك غيرَ مرةٍ، وهما: إمَّ النصبُ على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ أو على الحالِ من المصدرِ المحذوفِ، والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطاً جَعْلاً مثلَ ذلِك ولكنَّ المشارَ إليه بـ((ذلك)) غيرُ مذكورٍ فيما تقدَّم، وإنما تقدَّم ما يَدُلُّ عليهِ. واختلفوا في ((ذلك)) على خمسةِ أوجهٍ: أحدها أنَّ المشار إليه هو الهدفُ المدلولُ عليه بقولِه: ((يَهْدِي مَنْ يشاء)» والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطاً مثلَ ما هَدَيْناكم. (١) التفسير ٤٣٦/١. ١٥٠ - البقرة - الثاني: أنه الجعلُ، والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطاً مثلَ ذلك الجعلِ الغريبِ الذي فيه اختصاصُكم بالهدايةِ. الثالث: قيل: المعنى كما جَعَلْنَا قِبْلَتْكم متوسطةً جَعَلْناكم أمةً وسطاً. الرابع: قيل: المعنى كما جعلنا القِبْلة وسطَ الأرضِ جَعَلْناكم أمةً وسطاً. الخامس : - وهو أبْعَدُها - أنَّ المشار إليه قولُه: ((ولقد اصطفيناه في الدُّنيا)) أي: مثلُ ذلكَ الاصطفاءِ جَعَلْناكم أمةً وسطاً و((جَعَل)) بمعنى صَيِّر، فيتعدَّى لاثنين، فالضميرُ مفعولٌ أولُ، و((أمةً)) مفعولٌ ثانٍ ووسَطاً نعتُه. والوسَطُ بالتحريكِ: اسمٌ لما بينَ الطرفَيْن، ويُطْلَقُ على خِيارٍ الشيءٍ لأن الأوساطَ محميَّةٌ بالأطراف قال حبيب(١): ٧٥٢ - كانَتْ هي الوسَطَ المَحْمِيِّ فاكتَنَفَتْ بها الحوادثُ حتى أَصْبَحَتْ طَرَفا ووسَطُ الوادي خيرُ موضعٍ فيه، قالَ زهير(٢): ٧٥٣ - هُمُ وسَطْ تَرْضی الأنامُ بحُكْمِهِمْ إِذا نَزَلَتْ إحدى الليالي بمُعْظَمٍ وقوله(٣): ٧٥٤ - وكُنْ من الناسِ جميعاً وسَطًا وفَرَّق بعضُهم بين وسَط بالفتح ووسْط بالتسكين، فقال: كلَّ موضع صَلَح فيه لفظُ ((بَيْنَ)) يقال بالسكون وإلا فبالتحريك. فتقول: جَلَسْتُ وسْطَ القومِ بالسكون. وقال الراغب (٤): ((وسَطُ الشيءٍ ما له طرفان متساويا القَدْر، ويُقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، فتقول: وسَطُه صُلْبٌ، ووسْط بالسكون يُقال في الكميةِ المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين نحو: (١) ديوان أبي تمام ٣٧٤/٢؛ وشواهد الكشاف ٤٥٥/٤. (٢) ليس في ديوانه، وهو في الطبري ١٤٢/٣؛ أساس البلاغة: وسط؛ والبحر ٤١٨/١. (٣) لم أهتد إلى قائله وقبله . لا تسألنَّ إِن سأَلْتَ شَطْطَا وهو في القرطبي ١٥٤/٢. (٤) المفردات ٥٥٩. ١٥١ - البقرة - ((وسْط القوم)) كذا، وتحريرُ القول فيه هو أن المفتوحَ في الأصلِ مصدر، ولذلك استوى في الوصف به الواحد وغيره، المؤنث والمذكرُ، والساكنُ ظرفٌ والغالبُ فيه عدمُ التصرُّفِ، وقد جاء متمكناً في قول الفرزدق(١): ٧٥٥ - أَتْه بمَجْلومٍ كأنَّ جبينه صلاءَةُ وَرْسٍ وَسْطُها قَد تَفَلَّقًا رُوي برفع الطاءِ والضميرُ لصلاءة، وبفتحِها والضميرُ للجائية . قوله: ((لتكونوا)) يجوز في هذه اللام وجهان، أحدهما: أن تكونَ لام ((كي)) فتفيدَ العلة. والثاني أن تكونَ لامَ الصيرورةِ، وعلى كلا التقديرين فهي حرفُ جر، وبعدَها أَنْ مضمرةٌ، وهي وما بعدَها في محلٌّ جر، وأُتّى بـ ((شهداء)) جمعَ شهيدٍ الذي / يَدُلُّ على المبالغةِ دونَ شاهِدين وشهود [٥٧/أ] جمعَيْ شاهد. وفي ((على)) قولان أحدُهما: أنَّها على بابها، وهو الظاهرُ. والثاني أنها بمعنى اللام، بمعنى: أنكم تَنْقُلون إليهم ما عَلِمْتموه من الوحي والدين، كما نقله الرسولُ عليه السلام، وكذلك القولان في ((على)) الأخيرة، بمعنى أن الشهادة بمعنى التزكية منه عليه السلام لهم. وإنما قُدِّم متعلِّق الشهادة آخِراً وقُدِّم(٢) أولاً لوجهين، أحدُهما - وهو ما ذكره الزمخشري _(٣) أن الغرضَ في الأول. إثباتُ شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم يكونِ الرسولِ. شهيداً عليهم، والثاني: أن ((شهيداً) أَشْبَهُ بالفواصلِ والمقاطعِ من ((عليكم)) فكان قولُه ((شهيداً)) تمامَ الجملةِ ومقطعَها دون ((عليكم)). وهذا الوجهُ قاله (١). ديوانه ٥٩٦؛ والنوادر ١٦٣؛ والخصائص ٣٦٩/٢؛ واللسان جلم؛ وأمالي الشجري ٢٥٨/٢؛ والدرر ١٦٩/١؛ والمجلوم الشعر: المحلوقه، والصلاية: الحجر الأملس، وتفلق : تشقق . (٢) كذا في الأصول ولعله سهو، وإنما أخْر فقال: شهداء على الناس. (٣) الكشاف ٣١٨/١. ١٥٢ - البقرة - الشيخُ(١) مختاراً له رادّاً على الزمخشري مذهبَه من أنَّ تقديمَ المفعولِ يُشْعِرُ بالاختصاصِ وقد تقدَّم ذلك. قوله: ((التي كنت عليها)) في هذه الآية خمسةُ أوجهٍ أحدُها: أنَّ («القِبْلة)» مفعولٌ أولُ، و((التي كنت عليها)) مفعولٌ ثانٍ، فإنَّ الجَعْلَ بمعنى التصييرِ، وهذا ما جَزَمَ به الزمخشري(٢) فإنّه قال: ((التي كنت عليها)) ليس بصفةٍ للقبلة، إنما هي ثاني مفعولي جَعَلَ، يريد: وما جَعَلْنَا القبلةَ الجهةَ التي كنتَ عليها، وهي الكعبةُ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبةِ، ثم أُمِر بالصلاةِ إلى صخرةٍ بيتِ المَقْدِس ثم حُوَّلَ إلى الكعبةِ». الثاني: أنَّ ((القِبلةَ)) هي المفعولُ الثاني، وإنما قُدِّم، و((التي كنتَ عليها) هو الأول، وهذا ما اختاره الشيخُ(٣) محتجًّاً له بأنَّ التصييرَ هو الانتقالُ من حالٍ إلى حالٍ، فالمتلِّسُ بالحالةِ الأولى [هو المفعولُ الأولُ والملتِبِسُ](٤) بالحالةِ الثانية هو المفعولُ الثاني، ألا ترى أنك تقول: جَعَلْتُ الطينَ خَزَفاً وجَعَلْتُ الجاهلَ عالِماً، والمعنى هنا على هذا التقديرِ، وما جَعَلْنا القبلةَ - الكعبة التي كانَتْ قبلةً لك أولاً ثم صُرِفْتَ عنها إلى بيت المقدس - قبلتك الآن إلا لِنَعْلَمَ، ونسبَ الزمخشري (٥) في جَعْلِه ((القبلةَ)) مفعولاً أولَ إلى الوهم. وفيه نظر. الثالث: أنَّ ((القبلة)) مفعولٌ أول، و((التي كنتَ)) صفتَهَا، والمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديرُه: وما جعلْنا القبلةَ التي كنت عليها منسوخةً. ولَمًّا ذكر (١) البحر ٤٤٢/١. (٢) الكشاف ٣١٨/١. (٣) البحر ٤٢٣/١. (٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل سهواً وأثبتناه من البحر. (٥) الكشاف ٣١٨/١. ١٥٣ - البقرة - أبو البقاء(١) هذا الوجهَ قَدَّره: وما جَعَلْنَا القبلةَ التي كنت عليها قبلة، ولا طائل تحته . الرابع: أن ((القبلةَ)) مفعولٌ أولُ، و((إلا لِنَعْلَمَ)) هو المفعولُ الثاني، وذلك على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: وما جعلنا صَرْفَ القِبْلةِ التي كنت عليها إلَّ لنعلمَ، نحو قولك: ضَرْبُ زيدٍ للتأديبِ، أي: كائنٌ أو ثابتٌ للتأديبِ. الخامس: أنَّ (القبلةَ)) مفعولٌ أولُ، والثاني محذوفٌ، و((التي كنت عليها)) صفةٌ لذلك المحذوفِ، والتقديرُ: وما جَعَلْنا القبلةَ القبلةَ التِي، ذكره. أبو البقاء(٢)، وهو ضعيفٌ. وفي قوله: ((كنت)) وجهان أحدهما: أنها زائدةٌ، ويُروَى عن ابن عباس أي: أنتَ عليها، وهذا منه تفسيرُ معنىٍ لا إعراب. والقِبْلَةُ في الأصلِ اسمٌ للحالة التي عليها المقابِلُ نحو: الجلسة، وفي التعارف صار اسماً للمكان المقابل المتوجِّه إليه للصلاة. وقال قطرب: ((يقولون: ((ليس له قِبْلَةٌ)) أي جهةٌ يتوجه إليها)». وقال غيره: إذا تقابل رجلان فكلُّ واحدٍ قِبْلَةٌ للآخر. قوله: (إلَّ لِنَعْلَمْ)) قد تقدَّم أنه في أحدِ الأوجهِ يكون مفعولاً ثانياً، وأمَّا على غيره فهو استثناءٌ مفرغ من المفعولِ له العامِّ، أي: ما سببُ تحويلِ القبلة لشيء من الأشياء إلا لكذا. وقوله ((لنعلم)) ليس على ظاهره فإن علمه قديمٌ غيرُ حادثٍ فلابدَّ من تأويلِهِ وفيه أوجهٌ، أحدُها: لتمييز التابع من الناكص إطلاقاً للسببِ وإرادةَ المُسبَّبِ. وقيل: على حَذْفِ مضافٍ أي لنعلّمَ رسولَنا فَحَذَفَ، أو أرادُ بذلك تعلُّقَ العلمِ بطاعتِهم وعِصْيانِهم في أمرِ القِيْلَة. قوله: ((مَنْ يَتَّبِعُ)) في ((مَنْ)) وجهان، أحدُهما: أنها موصولةٌ، و ((يتّبع)) (١) الإملاء ٦٧/١. (٢) الإِملاء ١ /٦٧. ١٥٤ - البقرة - صلتُها، والموصولُ وصلتُه في محلِّ المفعولِ لـ ((نعلم)) لأنه يتعدَّى إلى واحدٍ. والثاني: أنها استفهاميةٌ في محلّ رفعٍ بالابتداءِ و ((يَتَّبِعُ)) خبرهُ، والجملةُ في محلِّ نصبٍ لأنّها معلِّقة للعلم، والعلم على بابِه، وإليه نحا الزمخشري(١) في أحدٍ قوليه. وقد رَدَّ أبو البقاء(٢) هذا الوجهَ فقال: ((لأنَّ ذلك يُوجِبُ أَنْ تُعَلَّق ((نعلم)) عن العمل، وإذا عُلِّقَتْ عنه لم يَبْقَ لـ ((مِنْ)) ما تتعلَّقُ به لأنَّ ما بعد الاستفهامِ لا يتعلّق بما قبله، ولا يَصِحُّ تعلُّقها بيتَبعُ لأنها في المعنى متعلَّقَةٌ بنَعْلَمَ، وليس المعنى: أيُّ فريقٍ يَتَّعُ مِمِّنْ ينقلب)) انتهى. وهو رَدِّ واضحٌ إذ ليس المعنى على ذلك، إنما المعنى على أَنْ يتعلَّقَ مِمَّنْ ينقلِبُ بنعلمَ نحو: عَلِمْتُ مَنْ أحسنَ إليك ممَّنْ أساءَ، وهذا يُقَوِّي التَجُّزَ بالعِلْمِ عن التمييز؛ فإنَّ العلمَ لا يتعدّى بِمِنْ إلا إذا أريد به التمييزُ. وقرأ(٣) الزهري: ((إلا لِيُعْلَمْ)) على البناءِ للمفعولِ، وهي قراءةٌ واضحةٌ لا تَحْتَاجُ إلى تأويلٍ، فإنَّا [لا] نُقَدِّرُ ذلك الفاعلَ غيرَ اللهِ تعالى . قوله: ((على عَقِبَيْه)) في محلِّ نَصْبٍ على الحال، أي: يَنْقَلِبُ مرتدًّاً راجعاً على عَقِبَيْهِ، وهذا مجازٌ، وقُرىء(٤) ((على عَقْبَيْه)) بسكون القاف وهي لغةُ تمیم. قوله: ((وإنْ كانَتْ لكبيرةً)) ((إنْ)) هي المخففةُ من الثقيلةِ دَخَلَتْ على ناسخِ المبتدأ والخبر، وهو أغلبُ أحوالِها، واللامُ للفرقِ بينها وبين إنْ النافيةِ، وهل هي لامُ الابتداءِ أو لامٌ أخرى أُتِيَ بها للفرقِ؟ خلافٌ مشهور، وزعم الكوفيون أنها بمعنى ((ما)) النافية وأنَّ اللام بمعنى إلَّ، والمعنى: ما كانت (١) الكشاف ٣١٩/١. (٢) الإِملاء ٦٧/١. (٣) البحر ٤٢٤/١؛ الشواذ ١٠. (٤) وهي قراءة ابن أبي إسحاق. البحر ٤٢٥/١؛ الكشاف ٣١٩/١؛ الشواذ ١٠. ١٥٥ - البقرة - إلا كبيرةً، نقل ذلك عنهم أبو البقاء(١)، وفيه نظرٌ ليس هذا موضعَ تحریرِه. والقراءةُ المشهورةُ نصبُ (كبيرة)) ((على خبر (كان)) واسمُ كانَ مضمرٌ فيها يعودُ على النَّوْلِيَةِ أو الصلاةِ أو القِبلةِ المدلولِ عليها بسياقِ الكلامِ وقرأ(٢) اليزيدي [عن أبي عمرو](٣) برفعِها، وفيه تأويلان، أحدُهما - وذكره الزمخشري -(٤): أنَّ ((كان)) زائدةٌ، وفي زيادتها عاملةً نظرٌ لا يَخْفى، وقد استدلَّ الزمخشري على ذلك بقوله(٥): وجيرانٍ لنا كانوا كرام ٧٥٦ _ فكيفَ إذا مَرَّرْتَ بدارٍ قومٍ فإنَّ قولَه ((كرام)) صفةٌ لجيران، وزادَ بينهما ((كانوا)) وهي رافعةٌ للضميرِ، ومَنْ مَنَع ذلك تأوَّل (لنا) خبراً مقدماً، وجملةُ الكونِ صفةٌ لجيران. والثاني: أنَّ ((كان)) غيرُ زائدةٍ، بل يكونُ ((كبيرةُ)) خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وإنْ كانَتْ لهي كبيرةٌ، وتكونُ هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ خبراً لكانت، ودخلت لام الفرقِ على الجملة الواقعةِ خبراً، وهو توجيهٌ ضعيفٌ، ولكن لا تُوَجَّه هذه القراءةُ الشاذةُ بأكثرَ مِنْ ذلك .. قوله: ((إلا على الذين)) متعلَّقٌ بـ((كبيرة))، وهو استثناءً مفرٌ، فإنْ قيل: لَمْ يتقدَّمْ هنا نفيٌ ولا شبهُه، وشرطُ الاستثناءِ المفرَّغِ تَقَدُّمُ شيءٍ من ذلك، فالجوابُ أنَّ الكلام وإن كان موجباً لفظاً فإنه في معنى النفي، إذ المعنى أنَّهَا لا تَخِفُّ ولا تَسْهُلُ إلا على الذينَ، وهذا التأويلُ بعينِه قد ذكروه في قوله: (١) الإملاء ٦٧/١. (٢) البحر ٤٢٥/١؛ واليزيدي: يحيى بن المبارك العدوي، نحوي مقرىء، أخذ عن أبي عمرو، له: المقصور والممدود؛ والوقف والابتداء، توفي سنة ٢٠٢. انظر: البلغة ٢٨٤؛ طبقات القراء ٣٧٥/٢؛ البغية ٣٤٦/٢. (٣) غير واضح في مصورة الأصل. (٥) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٨٣٥؛ والكتاب ٢٨٩١؛ وأوضح المسالك ١٨٢/١. (٤) الكشاف ٣١٩/١. ١٥٦ - البقرة - (وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين))(١)، وقال الشيخ(٢): ((هو استثناءً من مستثنىَّ محذوفٍ تقديرُه: وإنْ كانت لكبيرةٌ على الناسِ إلا على الذين، وليسَ استثناءً مفرغاً لأنه لم يتقدَّمْه نفيٌ ولا شِبْهُه)) وقد تقدم جوابُ ذلك. قوله: ((وما كانَ الله لِيُضيعَ)) في هذا التركيب وما أشبهه مِمَّا ورد في القرآن وغيرِه نحو: ((وما كانَ الله لِيُطْلِعَكم))(٣) «ما كانَ الله ليذَرَ))(٤) قولان أحدُهما : - قول البصريين _(٥) وهو أنَّ خبرَ ((كان)» محذوفٌ، وهذه اللامُ تُسَمِّى لامَ الجحود ينتصِبُ الفعلُ بعدها بإضمار ((أَنْ)) وجوباً، فينسبكُ منها ومن الفعلِ مصدرٌ مُنْجَرُّ بهذه اللامِ، وتتعلَّق هذه اللامُ بذلك الخيرِ المحذوفِ، والتقديرُ: وما كان اللهُ مريداً لإضاعةِ أعمالِكم، وشرطُ لام الجحودِ عندهم أن يتقدَّمَها كونٌ منفيُّ. واشترط بعضُهم مع ذلك أن يكونَ كوناً ماضياً. ويُفَرَّقُ بينها وبينَ لام كي ما ذكرنا من اشتراطٍ تقدُّمِ كونٍ منفِيٍّ ، [٥٧/ب] ويَدُلُّ على مذهبِ البصريين التصريحُ بالخبرِ المحذوفِ في قوله: / (٦) ٧٥٧ - سَمَوْتَ ولم تَكُنْ أَهْلَاً لِتَسْمُو والقولُ الثاني الكوفيين: وهو أنَّ اللامَ وما بعدَها في محلِّ الخبرِ، ولا يُقَدِّرون شيئاً محذوفاً، ويزعمون أنَّ النصبَ في الفعلِ بعدَها بنفسِها لا بإضمارٍ أَنْ، وأنَّ اللامَ للتأكيدِ، وقد رَدَّ عليهم أبو البقاء فقال(٧): ((وهو بَعيدٌ (١) الآية ٤٥ من البقرة. (٢) البحر ٤٢٥/١. (٣) الآية ١٧٩ من آل عمران. (٤) الآية ١٧٩ من آل عمران. (٥) انظر المسألة في: الإنصاف ٥٩٣ . (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في الجنى الداني ١١٩؛ والتصريح ٢٣٥/٢؛ وعجزه: ولكنَّ المُضَيُّعَ قد يُصابُ (٧) الإِملاء ٦٧/١. ١٥٧ - البقرة ــ لأنَّ اللامَ لامُ الجَرِّ و((أَنْ)) بعدها مُرادَةٌ، فيصيرُ التقدير على قولهم: وما كان الله إضاعةَ إيمانكم))، وهذا الردُّ غيرُ لازمٍ لهم، فإِنَّهم لم يقولوا بإضمارِ ((أَنْ)) بعد اللام كما قَدَّمْتُ نقلَّه عنهم، بل يزعمون النصبَ بها وأنها زائدةٌ للتأكيدِ، ولكنْ للردِّ عليهم موضعٌ غيرُ هذا. واعلم أنَّ قولَك: ((ما كان زيدٌ ليقومَ)) بلامِ الجحودِ أَبْلَغُ من: ((ما كان زيدٌ يقومُ))، أمَّا على مذهبِ البصريين فواضحٌ، وذلك أنَّ مع لام الجحود نفي الإِرادةِ للقيام والتهيئةٍ، ودونَها نفيٌّ للقيامِ فقط، ونفيُّ التهيئةِ والإِرادة للفعلِ أبلغُ من نفيِ الفعلِ ، إذ لا يلزم من نفي الفعل نفيُّ إرادته، وأمَّا على مذهب الکوفیین فلأنَّ اللام عندهم للتوکید والکلامُ مع التوکیدِ أبلغُ منه بلا توکیدٍ . وقرأ الضَّحاك(١): ((ليُضَيِّع)) بالتشديد، وذلك أن أَضاع وضَيِّع بالهمزةِ أو التضعيف للنقلِ من (ضاع)) القاصر، يقال: ضاع الشيء يضيع، وأَضَعْتُه أي أهملته فلم أحفظْه، وأمّا ضاعَ المِسْك يَضوع أي: فاحَ فمادةٌ أخرى. قوله: ((لرؤوفٌ)) قرأ أبو عمرو(٢) وحمزة والكسائي وأبو بكر: لَرُؤُفِّ على وزن: نَدُس(٣)، وهي لغةٌ فاشية كقوله (٤): ٧٥٨ _ وشَرُّ الظالمينَ فلا تَكُنْهُ يقاتِلُ عَمَّهِ الرَّؤُفَ الرَّحِيمَا وقال آخر(٥): ٧٥٩ - يَرَى لِلْمُسلمين عليه حَقَّاً كحقِّ الوالِدِ الرَّؤُفِ الرَحِيمِ (١) البحر ٤٢٦/١؛ ابن عطية ٤٤١/١؛ الشواذ ١٠. (٢) السبعة ١٧١؛ الكشف ٢٦٦/١؛ الشواذ ١٠؛ القرطبى ١٥٨/٢؛ والبحر ٤٢٧/١ (٣) الندس: الرجل الفَهِم. (٤) البيت الوليد بن عقبة، وهو في الطبري ١٧١/٣؛ القرطبي ١٥٨/٢؛ ومجمع البيان ٢٢٣/١؛ وابن عطية ٤٤٢/١؛ والبحر ٤٢٧/١. (٥) البيت لجرير وهو في ديوانه ٤١٢؛ والبحر ٤٢٧/١. ١٥٨ - البقرة - وقرأ الباقون: (لَرَؤُوف)) على زنة شَكُور، وقرأ أبو جعفر: (لَرَوُفّ))(١) من غير همزٍ، وهذا دأبُه في كلِّ همزةٍ ساكنةٍ أو متحركةٍ. والرأفة: أشدُّ الرحمةِ فهي أخصُّ منها، وفي رؤوف لغتان أَخْرَيَان لم تَصِلْ إلينا بهما قراءةٌ وهما: رَثِفٌ على وزن فَخِذ، ورَأْفٌ على وزن صَعْب(٢). وإنما قُدِّم على «رحيم)) لأجلِ الفواصل. آ. (١٤٤) قوله تعالى: ﴿قد نرى﴾: ((قد)) هذه قالَ فيها بعضُهم: إنها تَصْرِفُ المضارعَ إلى معنى المضيِّ، وجَعَلَ مِنْ ذلك هذه الآيةَ وأمثالَها وقولَ الشاعر(٣): مرابطَ للأمْهارِ والعَكْرِ الدُّثِرْ ٧٦٠ - لِقَوْمٍ لِعَمْري قد نَری أمسٍ فیھمُ وقال الزمخشري(٤): ((قد نرى)): ربما نرى، ومعناه كثرةُ الرؤيةِ كقول الشاعر (٦): ٧٦١ - قد أَتْرُكُ القِرْنَ مُصَفْرَّاً أناملُه كأنَّ أثوابَه مُجَّتْ بِفُرْصادٍ قال الشيخ(٦): ((وشرحه هذا على التحقيق متضادٌّ، لأنه شَرَحَ ((قد نرى)) بربما نرى، ورُبَّ على مذهب المحققين إنما تكون لتقليلِ الشيء في نفسِه أو لتقليلِ نظيرِهِ: ثم قال: ((ومعناه كثرةُ الرؤيةِ فهو مضادٌّ لمدلولِ رُبَّ على مذهب الجمهور. ثم هذا الذي ادَّعاه من كثرةِ الرؤيةِ لا يَدُلُّ عليه اللفظُ لأنه (١) ضبطها ابن عطية ١/٤٤٢ بواوين. (٢) نسب الطبري ١٧٢/٣ الأولى لغطفان والثانية الأسد. (٣) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١١٢ بالتقديم والتأخير بين لقوم لعمري؛ والبحر ٤٢٧/١؛ والعكرة من الإبل: ما بين الستين إلى السبعين والجمع: عكر، والدثر: الكثير. (٤) الكشاف ٣١٩/١. (٥) تقدم برقم ٥٢٥. (٦) البحر ٤٢٧/١. ١٥٩ - البقرة - لم تُوضَعْ للكثرةِ ((قد)» مع المضارع سواءً أريد به المضيُّ أم لا، وإنما فُهِمَت الكثرةُ من متعلَّقِ الرؤيةِ وهو التقلُّبُ)». قوله: ((في السماء)) في متعلَّق الجارِّ ثلاثةُ أقوال، أحدُها: أنه المصدرُ وهو ((تقلّب))، وفي ((في)) حينئذ وجهان، أحدُهما: أنَّها على بابِها من الظرفيةِ، وهو الواضحُ. والثاني: أنَّها بمعنى ((إلى)) أي: إلى السماء، ولا حاجةً لذلك، فإنَّ هذا المصدرَ قد ثَبَّتَ تعدِّيه بـ((في))، قال تعالى: (([ لا يَغُرَّنَّكَ] تقلُّبُ الذِين كفروا في البلاد))(١). والثاني من القولين(٢): أنه ((نرى)) وحينئذ تكونُ ((في)) بمعنى «مِنْ)) أي: قد نَرى مِن السماء، وذكر السماء وإن كان تعالى لا يتحيّزُ في جهة على سبيل التشريفِ. والثالث: أنه في محلِّ نصبٍ على الحالِ من ((وجهِك)) ذكرَه أبو البقاء(٣) فيتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى فاعِلِه، ولا يجوزُ أن يكونَ مضافاً إلى منصوبِهِ لأنَّ مصدرَ ذلك التقليب، ولا حاجةً إلى حَذْفِ مضافٍ من قولِه ((وجهك)) وهو بصرُ وجهِك لأنَّ ذلك لا يكادُ يُسْتَعملُ، بل ذكر الوجهَ لأنه أشرَفُ الأعضاءِ وهو الذي يُقَلِّه السائلُ فِي حاجته وقيل: كَنَى بالوجِهِ عن البصر لأنه مَحَلُّه. قوله: ((فَلَنُولَِّنَّك قبلةً)) الفاءُ هنا للتسبب وهو واضحٌ، وهذا جوابُ قسمٍ محذوفٍ، أي: فواله ◌ِلْنُوَلِيَنَّكَ، و(نُوَلِّي)) يتعدَّى لاثنين: الأول الكافُ والثاني ((قبلً))، و((ترضاها)) الجملة في محل نصبٍ صفةً لقبلةً، قال الشيخ (٤): ((وهذا - يعني ((فلنولينك)) - يَدُلُّ على أَنَّ في الجملةِ السابقةِ حالاً محذوفةً تقديرُه: قد نرى تقلُّبَ وجهِك في السماءِ طالباً قبلةً غيرَ التي أنت مستقبلُها. (١) الآية ١٩٦ من آل عمران. (٢) كذا في الأصل وهو سهو، لأن الأقوال ثلاثة. (٣) الإِملاء ١. (٤) البحر ٤٢٨/١. ١٦٠