النص المفهرس
صفحات 121-140
- البقرة - أوجهاً أُخَرَ، ثم قال: ((والوجهُ الأول(١)، وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث: ((الكِبْرُ أَنْ تَسْفَهَ الحقَّ وَتَغْمَصَ الناسَ))(٢). الثاني: أنه مفعولٌ به ولكن على تضمين ((سَفِه)) معنى فِعْلٍ يتعدَّى، فقدَّره الزجاج(٣) وابنُ جني بمعنى جَهِل، وقدَّره أبو عبيدة (٤) بمعنى أهلك. الثالث: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الجرِّ تقديره: سَفِه في نفسه. الرابع: توكيدٌ لمؤكّدٍ محذوفٍ تقديره: سَفِه قولَه نفسَه، فحذَفَ المؤكَّد، قياساً على النعت والمنعوت، حكاه مكي(٥). الخامس: أنه تمييزٌ وهو قولُ بعض الكوفيين، قال الزمخشري(٦): ((ويجوز أَنْ يكونَ في شذوذِ تعريفِ المُمَيِّز نحو قوله(٧). ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرِّقَابا ٧٢٧ - أجبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ ٧٢٨ - فجعل الرِّقابَ(٨) والظهرَ تمييزَيْن، وليسَ كذلك، بل هما مُشَبَّهان (١) قوله (الأول)) خبر عن ((الوجه)). (٢) رواه ابن حنبل في مسنده ٢/ ١٧٠. (٣) معاني القرآن ١٩١/١. (٤) مجاز القرآن ٥٦/١. (٥) لم يرد هذا الرأي في كتابيه المشكل والكشف، وإنما حكى وجهي المفعولية ونزع الخافض. انظر: المشكل ٧١/١. (٦) الكشاف ٣١٢/١. (٧) البيت الحارث بن ظالم المري، وصدره: فما قومي بثعلبةَ بنِ سعدٍ وهو في الحماسة الشجرية ٢٤٧/١؛ وشواهد الكشاف ٣٢٨/٤. والبيت بعده للنابغة : وصدره: ونأخذ بعده بذِناب عيشٍ وهو في ديوانه ٢٣٢؛ والكتاب ١٠٠/١؛ وأمالي الشجري ١٤٣/٢، وذناب كل شيء: طرفه، والأجب: المقطوع. (٨) في الأصل ((الشعر)) وهو سهو، والصواب. ما أثبتناه. ١٢١ - البقرة ـ بالمفعول به لأنهما معمولا صفةٍ مشبهةٍ، وهي الشَّعْر جمع أَشْعر، وأجَبّ وهو اسمٌ. السادس: أنه مشبّهُ بالمفعولِ به وهو قولُ بعض الكوفيين. السابع: أنه توكيدٌ لِمَنْ سَفِه، لأنه في محلِّ نصبٍ على الاستثناء في أحد القولين، وهو تخريجٌ غريبٌ نقله صاحب(١) ((العجائب والغرائب))، والمختارُ الأولُ لأنَّ التضمينَ لا يَنْقَاسُ وكذلك حرفِ الجرِّ، وأمّا حَذْفُ المؤكَّد وإبقاءُ التوكيدِ فالصحيحُ لا يجوزُ، وأَمَّا التمييزُ فلا يقع معرفةً، وما وَرَدَ نادرٌ أو مُنَّأَوَّل، وأمّا ! النصبُ على التشبيهِ بالمفعولِ فلا يكونُ في الأفعالِ إنما يكون في الصفاتِ المشبّهةِ خاصةً . قوله: ((في الآخرةِ)) فيه خمسةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلّق بالصالحين على أن الألفَ واللامَ للتعريفِ وليستْ موصولةٌ. الثاني أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ أيضاً لكن مِنْ جنسِ الملفوظِ به أي: وإنه لصالحٌ في الآخرة لَمِن الصالحين. الرابع: أن يتعلَّقَ بقولِهِ ((الصالحين)) وإنْ كانت أل موصولةً(٢): لأنه يُغْتفر في الظروفِ وشِبْهِها ما لا يُغْتَفَرُ في غيرِها اتِّساعاً، ونظيرُه قوله(٣): ٧٢٩ - رَبَّيْتُه حتى إذا تَمَعْدَدا كان جزائي بالعَصَى أَنْ أُجْلَدًا الخامس: أن يتعلَّق بـ ((اصطَفَيْناه)) قال الحسين بن الفضل: ((في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، مجازُه: ولقد اصطفيناه في الدنيا وفي الآخرة)) وهذا ينبغي ألَّ يجوزَ مثلُه في القرآنِ لنّبُوِّ السَّمْعِ عنه . (١) وهو محمود بن حمزة الكرماني، تاج القراء، توفي بعد الخمسمئة. انظر: كشف الظنون ١٨٦/٤. (٢) ولولا الظرف لم يجز، لأنه لا يعمل ما بعد أل فيما قبلها. (٣) البيت للعجاج وهو في ملحق ديوانه ٢٨١/٢؛ والمحتسب ٣١٠/٢؛ والمخصص ١٧٥/١٤؛ وابن يعيش ١٥١/٩؛ وإملاء العكبري ٦٤/١؛ والخزانة ٥٦٣/٣؛ والدرر ! ٦٦/١. وتمعدد: تكلّم بكلام معدّ أي: كُبُر. ١٢٢ - البقرة - والاصطفاءُ: الاختيارُ، افتعال من صَفْوةِ الشيء وهي خِيارُه، وأصلُه: اصْتَفى، وإنما قُلِبت تاءُ الافتعال طاءً مناسبةً للصادِ لكونِها حرفَ إطباقٍ وتقدَّم ذلك عند قوله: ((أضطَرُّه))(١). وأكَّد جملةَ الاصطفاءِ باللام، والثانية بإنّ واللام، لأنَّ الثانية محتاجةٌ لمزيدٍ تأكيدٍ، وذلك أنَّ كونَه في الآخرةِ من الصالحين أمرٌّ مغيَّبُ، فاحتاجَ الإخبارُ به إلى فَضْلِ توكيدٍ، وأمَّا اصطفاءُ الله [٥٤/أ] له / فقد شاهَدُوه منه ونَقَله جيلٌ بعد جيلٍ . آ. (١٣١) قوله تعالى: ﴿إِذ قال له ربُّ﴾: في ((إذ)) خمسةُ أوجهٍ أَصَحُّها أنه منصوبٌ بـ ((قال أَسْلَمْتُ))، أي: قال أسلمتُ وقتَ قولِ الله له أَسْلَمْ. الثاني: أنه بَدَلّ من قوله ((في الدنيا)). الثالث: أنه منصوبٌ باصطفيناه. الرابع: أنه منصوبٌ بـ ((اذكر)) مقدَّراً، ذكر ذلك أبو البقاء (٢) والزمخشري(٣). وعلى تقدير كونه معمولاً لاصطفيناه أو لـ ((اذكر)) مقدراً يبقى قولُه ((قال أسلمْتُ)) غيرَ منتظم مع ما قبله، إلا أنْ يُقدَّرَ حذفُ حرفِ عطفٍ أي: فقال، أو يُجْعَلَ جواباً لسؤالٍ مقدَّرٍ أي: ما كان جوابُه؟ فقيل: قال أسلَمْتُ. الخامس: أَبْعَدَ بعضُهم فجعله مع ما بعدَه في محلِّ نصبٍ على الحالِ والعاملُ فيه ((اصطَّفَيْناه)). وفي قوله: ((إذ قال له ربُّه)) التفاتُ إذ لوجاءَ على نَسَقِهِ لقيل: إذ قلنا، لأَّه بعدَ ((ولقَدِ اصْطَفَيْناه)) وعكسُه في الخروجِ من الغَيْبةِ إلى الخطابِ قولُه(٤): وقد حَمَلْتُكَ سبعاً بعدَ سَبْعينا ٧٣٠ - باتّتْ تَشَكَّى إليَّ النفسُ مُجْهِشَةٌ وقوله ((لرب العالمين)» فيه من الفخامة ما ليس في قوله ((لك)) (١) الآية ١٢٦ من البقرة. (٢) الإملاء ٦٤/١. (٣) الكشاف ٣١٢/١. (٤) البيت للبيد وهو في ديوانه ٣٥٢؛ والأضداد ١١٧؛ وتفسير الطبري ٥٢/١؛ وابن عطية ١٠٧/١؛ والبحر ٣٩٥/١. ١٢٣ - البقرة ـ أو ((لربّي))، لأنه إذا اعترف بأنَّه ربُ جميعِ العالمينِ اعترف بأنه ربُّه وزيادةٌ بخلافِ الأول فلذلك عَدَلَ عن العبارَتَيْنِ. وفي قوله: ((أَسْلِمْ)) حَذْفُ مفعولٍ تقديرُه: أَسْلِمْ لربِّك. آ. (١٣٢) قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى﴾: قُرِىء(١) مِنْ وصَّى، وفيه معنى التكثير باعتبارِ المفعولِ المُوَصَّى، وأَوْصى رباعياً وهي قراءةُ نافعٍ وابنٍ عامر، وكذلك هي في مصاحفِ المدينةِ والشام، وقيل أَوْصى ووصَّى بمعنىّ. والضميرُ في ((بها)» فيه ستةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه يعودُ على المِلَّة في قوله: ((ومَنْ يرغبُ عن ملَّة إبراهيمَ))، قال الشيخ(٢): ((وبه ابتدأ الزمخشري(٣)، ولم يذكُرٍ [المهدوي](٤) غيره)) والزمخشري - رحمه الله - لم يذكرْ هذا، وإنما ذَكَرَ عَوْدَه على قوله ((أَسْلَمْتُ)) لتأويله بالكلمةِ، قال الزمخشري: ((والضميرُ في ((بها)) لقولِه ((أسلمْتُ لربِّ العالمين)) على تأويلٍ الكلمةِ والجملةِ، ونحوُهُ رجوعُ الضميرِ في قوله: ((وجَعَلَها كلمةٌ باقيةً))(٥) إلى قوله: ((إنني بَراءٌ مِمَّا تعبُدون إلَّ الذي فَطَرَنِي)) وقولُه («كلمةً باقيةً)) دليلٌ على أن التأنيثِ على معنى(٦) الكلمة. انتهى. الثاني: أنَّه يعودُ على الكلمةِ المفهومةِ من قوله ((أَسْلَمْتُ)) كما تقدَّم تقريرُه عن الزمخشري. قال ابن عطية (٧): ((وهو أصوبُ لأنه أقربُ مذكور)). الثالثُ: أنه يعودُ على متأخر، وهو الكلمةُ المفهومةُ مِنْ قوله: ((فلا تَموتُنَّ إلَّ وَأَنْتُم مسلمون)). الرابع: أنه (١) قرأ الجمهور: ((وصى)) ما خلا نافعاً وابن عامر. انظر: السبعة ١٧١؛ الكشف ٢٦٥/١؛ والقرطبي ١٣٥/٢. (٢) البحر ٣٩٨/١. (٣) الكشاف ٣١٢/١. (٤) عن البحر، وسقطت سهواً من الأصل. (٥) الآية ٢٨ من الزخرف. (٦) عبارة الزمخشري: ((تأويل)). (٧) التفسير ٤٢٥/١. ١٢٤ - البقرة - يعودُ إلى كلمةِ الإِخلاص وإن لم يَجْرِ لها [ذِكْرٌ](١). الخامسُ: أنه يعودُ على الطاعةِ للعلم بها أيضاً. السادسُ: أَنَّه يعودُ على الوصيَّةِ المدلولِ عليها بقوله: (ووصَّى))، و((بها)) يتعلَّق لوصَّى. و((بنِيه)) مفعولٌ به. قوله: ((ويعقوبُ)) الجمهورُ على رفعه وفيه قولان، أظهرهُما: أنه عطفُ على ((إبراهيم)) ويكونُ مفعولُه محذوفاً أي: ووصَّى يعقوبُ بنيه أيضاً، والثاني: أن يكونَ مرفوعاً بالابتداءِ وخبرُه محذوفٌ تقديرُه ويعقوبُ قال: يا بَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى. وقرأ(٢) إسماعيل بن عبدالله(٣) وعمرو بن فائد(٤) بنصبه عطفاً على (بَنيه))، أي: ووصَّى إبراهيمُ يعقوبَ أيضاً. قوله: ((يا بَنِيَّ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه من مقولٍ إبراهيمِ، وذلك على القولِ بعطفٍ يعقوبَ على إبراهيم أو على قراءته منصوباً. والثاني: أنه مِنْ مقولٍ يعقوبَ إنْ قُلْنا رفعُه بالابتداءِ ويكونُ قد حَذَفَ مقولَ إبراهيم للدلالةِ عليه تقديرُه: ((ووصَّى إبراهيمُ بنيه يا بَنِيَّ، وعلى كلِّ تقديرٍ فالجملةُ من قوله: (يا بَنِيَّ)) وما بعدها [منصوبةٌ] بقولٍ محذوفٍ على رأيِ البصريين، أي: فقال يا بَنِيَّ، وبفعلِ الوصيَّةِ لأنَّها في معنى القولِ على رأيِ الكوفيين، وقال الراجز (٥): ٧٣١ - رَجُلانٍ مِنْ ضَبَّةَ أَخْبرانًا إِنَّا رَأَيْنا رجلاً عُرْيانا بكسر الهمزة على إضمارِ القولِ، أو لإجراءِ الخبرِ مُجْرى القولِ، (١) سقط من الأصل، وأثبتها ناسخ ي. (٢) البحر ٣٩٩/١؛ وابن عطية ٤٢٥/١؛ الشواذ ٩. (٣) أبو إسحاق المكي القسط، قرأ على ابن كثير، وقرأ عليه الشافعي، توفي سنة ١٧٠ . انظر: طبقات القراء ١٦٥/١. (٤) عمروبن فائد البصري، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى عنه حسان ابن محمد وبكر العطار، ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٦٠٢/١. (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في الخصائص ٣٣٨/٢؛ والمحتسب ١٠٩/١؛ والبحر ٣٩٩/١. ١٢٥ - البقرة ــ ويؤيِّد تعلُّقَها بالوصية قراءةُ ابنٍ مسعود: ((أَنْ يَا بَنِيِّ)) بـ ((أَنْ)) المفسرة، ولا يجوزُ أن تكونَ هنا مصدريةً لعدمِ ما يَنْسَبِكُ منه مصدرٌ، ومَنْ أبى جَعْلَها مفسرةً وهم الكوفيون يجعلونَها زائدةً. ويعقوبُ عَلَمُ أعجمي ولذلك لا يَنْصَرِفُ، ومَنْ زَعَم أنَّه سُمِّ يعقوب لأنه وُلِد عَقِبَ العَيْص أخيه وكانا تَوْءَمين أَوْ لأنه كَثُر عَقِبُهُ ونَسْلُه فقد وَهِمَ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصَرِفَ لأنه عربيٍّ مشتق. ويعقوب أيضاً ذَكَرُ الحَجَل(٢)، إذا سُمِّ به المذكرُ انصرفَ، والجمعُ يعاقِبَة ويعاقيب. و((اصطفى)) ألفُه عن ياءِ، تلك الياءُ منقلبةٌ عن واو لأنها من الصَّفْوة، ولمَّا صارتِ الكلمةُ أربعةً فصاعداً، قُلِبَتْ ياءً ثم انقَلَبَتْ ألفاً. و((لكم)) أي لأجلكم، والألفُ واللامُ في ((الذين)» للعهدِ. قوله: ((فلا تَموتُنَّ إلا)» هذا نَهْيَ في الصورةِ عن الموتِ، وهو في الحقيقةِ نَهْيٌّ عن كونِهم على خلافِ حالِ الإِسلامِ إذا ماتوا كقولك: (لا تُصَلَّ إلا وأنت خاشع))، فَنْيُك له ليس عن الصلاة، إنما هو عن تَرْكِ · الخشوع في حالٍ صلائِه، والنكتةُ في إدخالِ حرفِ النهي على الصلاةِ وهي غيرُ مَنْهِيٍّ عنها هي إظهارُ أنَّ الصلاةَ التي لا خشوعَ فيها كلاصلاة، كأنه قال: أَنْهَاك عنها إذا لم تُصَلِّها على هذه الحالةِ، وكذلك المعنى في الآيةِ إظهارُ أَنَّ موتهم لا على حالِ الثباتِ على الإِسلامِ موتٌ لا خيرَ فيه، وأنَّ حقَّ هذا الموتِ ألَّ يُجْعَلَ فيهم. وأصل تموتُنَّ: تموتُونَنَّ: النونُ الأولى علامةُ الرفعِ والثانيةُ المشدّدةُ للتوكيدِ، فاجتمع ثلاثةُ أمثالٍ فَحُذِفَتْ نونُ الرفعِ (٣)؛ لأنَّ نونَ التوكيدِ أَوْلِى (١) وأُبَيّ والضحاك؛ البحر ٣٩٩/١؛ وابن عطية ٤٢٦/١. (٢) الحجل: طائر بعينه. (٣) قد يقالَ هنا: إن حذف نون الرفع بسبب عامل الجزم. ١٢٦ - البقرة - بالبقاءِ لدلالتِها على معنَّى مستقلٍ فالتقى ساكنان: الواوُ والنونُ الأولى المُدْغمةُ فَحُذِفَتِ الواوُ لالتقاءِ الساكنين، وبقيتِ الضمةُ تَدُلُّ عليها وهكذا كلُّ ما جاء من نظائره(١). ((إلا وأنتم مسلمون)) هذا استثناءً مفرَّغٌ من الأحوالِ العامة، و((أنتم مسلمون)) مبتدأ وخبرٌ في محلِّ نصلٍ على الحالِ كأنه قال تعالى: ((لا تَموتُنَّ على كلِّ حالٍ إلا على هذه الحالِ))، والعاملُ فيها ما قبلَ إلاّ. ﴾: في أم هذه ثلاثةُ أقوالٍ ، أحدُهما آ. (١٣٣) قوله تعالى: - وهو المشهورُ -: أنها منقطعةٌ، والمنقطعةُ تُقَدَّر بـ ((بل)) وهمزةِ الاستفهامِ وبعضُهم يقدِّرُها بيل وحدَها. ومعنى الإضرابِ انتقالٌ من شيءٍ إلى شيءٍ لا إيطالٌ له، ومعنى الاستفهامِ الإِنكارُ والتوبيخُ فيؤُول معناه إلى النفي أي: [٥٤/ب] بل أكنتم شهداءَ يعني لم تكونوا. الثاني: أنها بمعنى / همزةِ الاستفهامٍ وهو قولُ ابن عطية(٢) والطبري (٣)، إلا أنهما اختلفا في محلّها: فإِنَّ ابن عطية قال: (وأم تكون بمعنى ألفِ الاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةً يمانيَّة)) وقال الطبري: ((إنَّ أم يُستفهم بها وسْطَ كلامٍ قد تقدَّم صدرُه))، قال الشيخ(٤) في قول ابن عطية: ((ولم أقفْ لأحدٍ من النحويين على ما قال))، وقال في قول. الطبري: ((وهذا أيضاً قولٌ غريبٌ)). الثالث: أنها متصلةٌ وهو قولُ الزمخشري(٥)، قال الزمخشري بعد أن جَعَلَها منقطعةً وجَعَلَ الخطابَ للمؤمنين قال بعد ذلك: ((وقيل الخطابُ لليهود، لأنهم كانوا يقولون: مامات نبيٌّ إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شَهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه لظَهَر لهم (١) انظر: المقتضب ٢٠/٣ - ٢٤؛ وابن عقيل ٢٤٦/٢. (٢) التفسير ٤٢٧/١. (٣) تفسير الطبري ٩٧/٣. (٤) البحر ٤٠١/١. (٥) الكشاف ٣١٣/١. ١٢٧ - البقرة - حِرْصُهِ على مِلَّة الإِسلامِ ولَمَا ادَّعَوا عليه اليهوديةَ، فالآيةُ منافيةٌ لقولهم، فكيف يُقال لهم: أم كنتم شهداءَ؟ ولكن الوجهَ أن تكونَ ((أم)) متصلةً على أَنْ يُقَدَّرَ قبلَها محذوفٌ كأنه قيل: أَتَذَّعُون على الأنبياءِ اليهوديةَ أم كنتُمْ شهداءَ، يعني أنَّ أوائلكم من بني إسرائيلَ كانوا مشاهِدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ومَّةِ الإِسلامِ فما لكم تَدَّعُون على الأنبياءِ ما هم منه بَراءُ؟)). قال الشيخ(١): ((ولا أعلَمُ أحداً أجازِ حَذْفَ هذه الجملةِ، لا يُحْفَظُ ذلك في شعرٍ ولا غيرِهِ، لو قلت: ((أم زيدٌ)) تريد: ((أقام عمروٌ أم زيدٌ)) لم يَجُزْ، وإنما يجوز حَذْفُ المعطوفِ عليهِ مع الواوِ والفاءِ إذا دَلَّ عليه دليلٌ كقولك: ((بلى وعمراً) لمَنْ قال: لم يَضرِبْ زيداً، وقوله تعالى: ((فانفجرت))(٢) أي فضربَ فانفجَرَتْ، ونَدَرَ حَذْفُه مع أو كقوله(٣): ٧٣٢ - فَهل لكَ أو مِنْ والدٍ ذَكَ قبلنا أي: من أخٍ أو والدٍ، ومع حتى كقوله(٤): كأن أباها نَهْشَلٌ أو مجاشِعُ ٧٣٣ - فواعَجَباً حتى كُلَيْبٌ تَسُبُّني أي: يَسُبُّني الناسُ حتى كُلَيْبٌ، على نظرٍ فيه، وإنما الجائزُ حَذْفُ ((أم)) مع ما عَطَفَتْ كقوله(٥): (١) البحر ٤٠١/١. (٢) الآية ٦٠ من البقرة. (٣) البيت لأمية الهذلي وعجزه: يُرَشَّح أولادَ العِشَارِ وَيَفْصِلُ وهو في شرح أشعار الهذليين للسكري ٥٣٧/٢؛ والمساعد لابن عقيل ٤٧٥٪ (٤) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٥١٨؛ والكتاب ٤١٣/١؛ والمقتضب ٤٠٦/٤؛ وابن يعيش ١٨/٨؛ والجمع ٢٤/٢؛ والدرر ١٦/٢. (٥) البيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين ٧١/١؛ والمغني ٦؛ والأشموني ١١٦/٣؛ والهمع ١٣٢/١؛ والدرر ١٧٢/٢. ١٢٨ - البقرة - سميعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها ٧٣٤ - دعاني إليها القلبُ إني لِأمرِهِ أي: أم غَيُّ، وإنما جاز ذلك لأنَّ المستفْهَمَ عن الإِثباتِ يتضمّن نقيضَه، ويجوز حَذْفُ الثواني المقابلاتِ إذا دَلَّ عليها المعنى، ألا ترى إلى قولِه: ((تَقِيكم الحَرّ)(١) كيف حَذَف ((والبردَ)). انتهى. و («شهداء)» خبرُ كان وهو جَمْعُ شاهد أو شهيد، وقد تقدَّم أول السورة(٢). قوله: ((إِذْ حَضَر)) ((إذ)) منصوبٌ بشهداءَ على أنَّه ظَرْفٌ لا مفعولٌ به أي : شهداء وقتَ حضور الموتِ إياه، وحضورُ الموتِ كنايةٌ عن حضورِ أسبابِهِ ومقدِّماته، قال الشاعر(٣): ٧٣٥ - وقلْ لهمْ بادِروا بالعُذْرِ والتمِسوا قولاً يُبرِّئُكُم إني أنا الموتُ أي: أنا سببُه، والمشهورُ نصبُ ((يعقوب)) ورفع ((الموت))، قَدَّم المفعولَ اهتماماً. وقرأ(٤) بعضُهم بالعكس. وقُرىء(٥) ((حَضِر)) بكسر الضاد قالوا: والمضارعُ يَحْضُر بالضم شاذ، وكأنه من التداخُلِ وقد تقدَّم. قوله: ((إذ قال)) ((إذ)) هذه فيها قولان أحدُهما: بدلٌ من الأولى، والعاملُ فيها: إمَّا العاملُ في إذ الأولى إنْ قلنا إنَّ البدلَ لا على نية تكرار العامل أو عاملٌ مضمرٌ إِنْ قلنا بذلك. الثاني: انها ظرفٌ لحَضَر. قوله: ((ما تَعْبُدُون))؟ ((ما)) اسمُ استفهام في محلِّ نصبٍ لأنه مفعولٌ مقدَّمٌ بتعبدون، وهو واجبُ التقديمِ لأنَّ له صدرَ الكلام وأتى بـ ((ما)) دون ((مَنْ)) لأحدٍ أربعةِ معانٍ، أحدُهما: أنَّ ((ما)) للمُبْهَمِ أمرُه، فإذا عُلِمَ فُرِّق بـ ((ما)) (١) الآية ٨١ من النحل. (٢) الآية ٢٣ . (٣) البيت لرويشد بن كثير وهو في الحماسة ١٠٢/١؛ والقرطبي ٢٥٨/٢. (٤) لم أجد نسبة لهذه القراءة وقد ذكرها ابن خالويه في شواذه ص ١٠. (٥). وهي قراءة أبي السمِّال كما في الشواذ ٩. ١٢٩ - البقرة - و(مَنْ)). قال الزمخشري(١): ((وكفاك دليلاً قولُ العلماء ((مَنْ لمَا يَعْقِل)). الثاني: أنها سؤالُ عن صفةِ المعبود، قال الزمخشري (٢): ((كما تقول: ما زيدٌ؟ تريد: أفقيةٌ أم طبيبٌ أم غيرُ ذلك من الصفات)). الثالث: أن المعبودات ذلك الوقتّ كانت غيرَ عقلاء كالأوثان والأصنام والشمس والقمرِ، فاسْتَفْهم بـ ((ما)) التي لغير العاقل فَعَرَف بنوه ما أراد فأجابوه بالحقِّ. الرابع: أنه اختبرَهم وامتحَنَهُم فسألهم بـ ((ما)» دون ((مَنْ)) لئلا يَطْرُقَ لهم الاهتداء فيكون كالتلقين لهم ومقصودُه الاختبارُ. وقولُه ((مِنْ بعدي)) أي بعد موتي. قوله: ((وإله آبائك)) أعاد ذكرَ الإِله لئلا يَعْطِفَ على الضمير المجرورِ دون إعادة الجارَّ، والجمهور على ((آبائِك)) وقرأ(٣) الحسن ويحيى وأبو رجاء ((أبيك))، وقرأ أُبَيّ: ((وإِلَه إبراهيم) فأسقط ((آبائك)). فأمّا قراءةُ الجمهورِ فواضحةٌ. وفي ((إبراهيم)) وما بعدَه حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ. والثاني : أنه عطفُ بياٍ، ومعنى البدلية فيه التفصيلُ. الثالثُ: أَنْهُ منصوبٌ بإضمار ((أعني))، فالفتحةُ على هذا علامةٌ للنصبِ، وعلى القَوْلين قبلَه علامةٌ . للجرِّ لعدَمِ الصَّرْفِ، وفيه دليلٌ على تسمية الجَدِّ والعمِّ أباً، فإنَّ إبراهيمَ جَدُّه وإسماعيلَ عمُّه، كما يُطْلَقُ على الخالة أب، ومنه: ((وَرَفَعَ أبويه))(٤) في أحد القولين. قال بعضهم: ((وهذا من باب التغليب، يعني أنه غَلَّب الأبَ على غيرِهِ وفيه نظرٌ، فإنه قد جاء هذا الإِطلاقُ حيث لا تثنيةٌ ولا جمعٌ فَيُغَلَّبُ فيهما، قال عليه السلام: (رُدُّوا عليٍّ أبي)) يعني العباس. وأمَّا قراءة ((أَبيك)» فتحتملُ وجهين، أحدُهما: أن يكونَ مفرداً غِيرَ (١) الكشاف ٣١٤/١. (٢) الكشاف ٣١٤/١. (٣) البحر ٤٠٢/١؛ القرطبي ١٣٨/٢؛ الشواذ ٩. (٤) الآية ١٠٠ من يوسف، ويبدو على هذا القول أن زوجة والد يوسف لم تكن أمه وإنما کانت خالته . ١٣٠ - البقرة - جمعٍ ، وحينئذٍ : فإمّا أَنْ يكونَ واقعاً موقعَ الجمعِ أولا، فإن كان واقعاً موقع الجمعِ فالكلامُ في ((إبراهيم)» وما بعدَه كالكلامِ فيه على القراءة المشهورةِ، وإنْ لم يكنْ واقعاً موقعه بل أُريد به الإِفرادُ لفظاً ومعنىً فيكون (إبراهيم)) وحدَه على الأوجه الثلاثة المتقدمة، ويكونُ إسماعيلُ وما بعده عطفاً على ((أبيك)) أي: وإله إسماعيل. الثاني: يكونَ جَمْعَ سلامةٍ بالياء والنون، وإنما حُذِفَت النون للإِضافة، وقد جاءَ جمعُ أب على ((أَبُون)) رفعاً، و((أبِين)) جَرَّاً ونَصْباً حكاها سيبويه(١)، قال الشاعر (٢): بَكْنَ وفَدَّيْنَنَا بالأبِينا ٧٣٦ - فلَمَّا تَبَيَّنَّ أصواتَنا ومثله(٣): ٧٣٧ - فَقُلْنَا أَسْلِموا إِنَّا أَبُوكمْ والكلامُ في إبراهيمٍ وما بعده كالكلام فيه بعد جمع التكسير (٤). وإسحق علم أعجمي ويكونُ مصدرَ أَسْحق، فلو سُمِّي به مذكرٌ لانصرَف، والجمعُ أساحِقة وأساحيق. قولُه: ((إلهاً واحداً) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها أنَّه بدل مِنْ ((إلهك)) بدلُ نكرةٍ موصوفةٍ من معرفةٍ كقوله: ((بالناصيةِ ناصيةٍ [كاذبةٍ])»(٥). والبصريون لا يَشْترطون الوصفَ مُسْتِدِلِّين بقوله(٦): (١) الكتاب ١٠١/٢. (٢) البيت لزياد بن واصل السلمي، وهو في الكتاب ١٠١/٢؛ والخصائص ٣٤٦/١؛ والمحتسب ١١٢/١؛ وأمالي الشجري ٣٧/٢؛ وابن يعيش ٣٧/٣؛ واللسان: أبي، والبحر ٤٠٢/١. (٣) لم أقف عليه. (٤) أي حين كانت القراءة: آبائك. (٥) الآية ١٥ من العلق. (٦) البيت لشمير بن الحارث الضبي، وهو في النوادر ١٢٤؛ والخزانة ٣٦٢/٢. ١٣١ - البقرة - لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ ٧٣٨ - فلا وأبيك خيرٍ منك إنِّي فـ ((خيرِ)) بدل من ((أبيك))، وهو نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ. والثاني أنه حالٌ مِنَ (إلهك)) / والعاملُ فيه (نعبدُ))، وفائدةُ البدلِ والحالِ التنصيصُ على أن [٥٥/أ] معبودَهم فَرْدٌ إذ إضافةُ الشيءٍ إلى كثير تُوهم تعدادَ المضافِ، فنصَّ بها علىَّ نَفْي ذلك الإبهامِ. وهذه الحالُ تسمّى ((حالاً موطئةً)) وهي أَنْ تذكرها ذاتاً موصوفةً نحو: جاء زيد رجلاً صالحاً. الثالث : - وإليه نحا الزمخشري -(١) أن يكونَ منصوباً على الإختصاص أي: نريد بإلهك إلهاً واحداً. قال الشيخ (٢). ((وقد نَصَّ النحويون على أنَّ المنصوبَ على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهماً)». قوله: ((ونحن له مُسْلمون)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها معطوفةٌ على قوله: ((نعبد)) يعني أنها تَتِمَّةُ جوابِهم له فأجابوه بزيادة. والثاني: أنها حالٌ من فاعلِ: ((نَعْبُدُ)) والعاملُ ((نَعْبُد)). والثالث : - وإليه نخا · الزمخشري _ (٣) ألَّ يكونَ لهَا مَحَلٌ، بل هي جملةُ اعتراضيةٌ مؤكِّدةٌ، أي: ومِنْ حالِنا أَنَّا له مخلصونَ. قال الشيخ(٤): ((ونصِّ النحويون على أنَّ جملةً الاعتراضِ هي التي تُفيدُ تقويةً في الحكمِ: إمَّا بين جُزْنَي صلةٍ وموصولٍ كقوله(٥) : ٧٣٩ - ماذا - ولا عُتْبَ في المقدورِ - رُمْتَ أما" يَكْفِيك بالنَّجْحِ أَمْ خُسْرٌ وَتَضْلِيل (١) الكشاف ٣١٤/١. (٢) البحر ١ /٤٠٣. (٣) الكشاف ٣١٤/١. (٤) البحر ٤٠٣/١. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في الدرر ٦٥/١؛ والهمع ٨٨/١. ١٣٢ - البقرة - وقوله(١): والحقُّ يَدْفَعُ تُرَّهَاتِ البَاطِلِ ٧٤٠ - ذاك الذي _ وأبيك -يَعْرِفُ مالكاً أو بين مسندٍ ومسند إليه كقوله(٢). أَسِنَّةُ قومٍ لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ ٧٤١ - وقد أَدْرَكَتْني - والحوادِثُ جَمَّةٌ أو بينَ شرطٍ وجزاءٍ أو قَسَمٍ وجوابِهِ، ممَّا بينهما تلازُمٌ ما، وهذه الجملةُ قبلَها كلامُ مستقلَّ عمَّا بعدَها، لَا يُقال: إنَّ بينَ المُشار إليه وبينَ الإِخبارِ عنه تلازماً (٣) لأنَّ ما قبلها مِنْ مقول بني يعقوبَ وما بعدَها من كلام الله تعالى، أَخْبر بها عنهم، والجملةُ الاعتراضيةُ إنما تكونُ من الناطقِ بالمتلازِمَيْنِ لتوكيدِ كلامِه)). انتهى ملخصاً. وقال ابن عطية (٤): ((ونحنُ لَه مسلمون ابتداءٌ وخبرٌ أي: كذلك كنّا ونحن نكون)). قال الشيخ(٥): ((يَظْهَرُ منه أنه جَعَلَ هذه الجملةُ عطفاً على جملةٍ محذوفةٍ (٦) ولا حاجةَ إليه)). آ. (١٣٤) قوله تعالى: ﴿تلك أمةٌ﴾: ((تلكَ)) مبتدأٌ، و((أمةٌ)) خبرُه، ويجوزُ أن تكونَ ((أمةٌ)) بدلاً من ((تلك)) و((قد خَلَتْ)) خبرٌ للمبتدأ. وأصل تلك: تي فلمَّا جِيء باللامِ للبعدِ حُذِفَتِ الياءُ لالتقاءِ الساكنَيْنِ، فإنْ قيلَ: لِمَ لَمْ تُكْسَرُ اللامُ حتى لا تُحْذَفَ الياءُ؟ فالجوابُ أَنَّه يَثْقُل اللفظُ بوقوع الياءِ بين كسرتين. وزعم الكوفيون(٧) أن التاءَ وحدَها هي الاسمُ، وليس ثَمَّ شيءٌ (١) البيت لجرير وهو في ديوانه ٤٣٠؛ والخصائص ٣٣٦/١؛ والمغني ٤٣٦؛ والهمع ٨٨/١؛ والدرر ٦٥/١. (٢) البيت لجويرية بن زيد أو حويرثة بن بدر أو رجل من بني دارم، وهو في الخصائص ٣٣١/١؛ وأمالي الشجري ٢١٥/١؛ والهمع ٢٤٨/١؛ والدرر ٢٠٥/١. (٣) في الأصل: ((تلازم)) وهو سهو. (٤) ابن عطية ٤٢٨/١. (٥) البحر ٤٠٤/١. (٦) وهي قوله: ((کنا)». (٧) انظر: الانصاف ٦٦٩. ١٣٣ - البقرة - محذوفٌ. وقوله ((قد خَلَتْ)) جملةٌ فعليةٌ في محلٌّ رفع صفةً لـ((أمَّة))، إنْ قِيل إِنَّها خبرُ ((تلك))، أو خبرُ ((تلك)) إنْ قيل إنَّ (أُمَّة)) بدلٌ من ((تلك))، كما تقدَّم، و (خَلَتْ)) أي صَارتْ إلى الخلاءِ وهي الأرْضُ التي لا أنيسَ بها، والمرادُ به ماتَتْ، والمشارُ إليه هو إبراهيم ويعقوبُ وأبناؤهم. قوله: ((لها ما كَسَبتْ)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنْ تكونَ صفةً لأمة أيضاً، فيكونُ محلُّها رفعاً. والثاني: أن تكونَ حالاً من الضمير في (خَلَتْ)) فمحلُّها نصبٌ، أي: خَلَتْ ثابتاً لها كَسْبُها. الثالث: أن تكونَ استئنافاً فلا محلَّ لها. وفي (ما)) مِنْ قوله: ((ما كَسَبَتْ)) ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنَّها بمعنى الذي. والثاني: أنها نكرةٌ موصوفة، والعائدُ على كِلا القولَيْنِ محذوفٌ أي: كَسَبَتْه، إلَّ أنَّ الجملةَ لا محلّ لها على الأول. والثالث: أنَ تكونَ مصدريةً فلا تحتاجُ إلى عائدٍ على المشهور، ويكونُ المصدرُ واقعاً موقعَ المفعولِ (١) أي: لها مكسُوبُها أو يكونُ ثمَّ مضافٌ أي: لها جزاءُ كَسْبِها . .. قوله: ((ولكم ما كُسَبْتُم)) إنْ قيل: إنَّ قولَه ((لها ما كَسَبَتْ)» مستأَنَفٌ كانت هذه الجملةُ عطفاً عليه، وإنْ قيل إنَّه صفةٌ أو حالٌ فلا، أمَّا الصفةُ فلعدم. الرابطِ فيها، وأمَّا الحالُ فلاختلافِ زمانٍ استقرارٍ كسبِها لها وزمانِ استقرارٍ كسب المخاطَبين، وعطفُ الحالِ على الحالِ يُوجِبُ اتحادَ الزمانِ و(ما)) مِنْ قوله ((ما كسبتم)) كـ ((ما)) المتقدمةِ. قوله: ((ولا تُسْأَلُون)). هذه الجملةُ استئنافٌ ليس إلَّ، ومعناها التوكيدُ لِما قبلَها، لأنه لمَّا تقدَّم أنَّ أحداً لا ينفعه كَسْبُ أحدٍ بل هو مختصِّ به إِنْ خيراً وإنْ شراً فلذلك لا يُسْألِ أحدٌ عن غيره، وذلك أنَّ اليهودَ افتخَروا بأسلافِهم فَأُخْبِروا بذلك. و((ما)) يجوزُ فيها الأوجهُ الثلاثةُ مِنْ كَوْنِها موصولةٌ اسميةً (١) كذا في الأصل. لعل الصواب: المبتدأ. ١٣٤ - البقرة - أو حرفية(١) أو نكرةً، وفي الكلامِ حَذْفٌ أي: ولا يُسْأَلون عمّا كنتم تعملون. قال أبو البقاء(٢): ((ودلَّ عليه: لَهَا مَا كَسَبَتْ ولكم ما كَسَبْتُم انتهى)) ولو جُعِلَ الدالُّ قولَه ((ولا تُسْأَلُونَ عمَّا كانوا يَعْملون)» كان أَوْلِى لأنه مقابلَةٌ. آ. (١٣٥) قوله تعالى: ﴿هُودا أو نصارى﴾: الكلامُ في ((أو)) كالكلامِ فيها عندَ قولِه: وقالوا: لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَنْ كان هوداً أو نصارى))(٣) وقد تقدَّم، و((تهتدوا)) جزمٌ على جوابِ الأمرِ، وقد عُرِفَ ما فيه من الخلافِ: أعني هل جَزْمُه بالجملةِ قبلَه أو بـ((إِنْ)) مقَدَّرَةً؟ قوله: ((مِلَّة إبراهيم)) قرأ الجمهور: ((مِلَّةَ)) نصباً، وفيها أربعة أوجه، أحدها: أنه مفعولُ فعلٍ مضمرٍ، أي: بل نتبعُ مِلّةَ، لأنَّ معنى كونوا هُودا: اتبعوا اليهوديةً أو النصرانية. الثاني: أنه منصوبٌ على خبر كان، أي: بل نكونُ مِلَّة أي: أهلَ ملة، كقول عدي بن حاتم: ((إني من دين)) أي من أهل دين، وهو قولُ الزجاج (٤) وتَبِعه الزمخشري(٥). الثالث(٦): أنه منصوبُ على الإِغراء أي: الزموا ملةَ وهو قولُ أبي عُبَيْدَةً(٧)، وهذا كالوجهِ الأولِ في أنَّه مفعولٌ به وإن اختلفَ العاملُ. الرابع: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الجَرِّ، والأصلُ: نَقْتَدِي بملةِ إبراهيم، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ انتصَبَ. وهذا يحتملُ أَنْ يكونَ من كلامِ المؤمنين فيكونَ تقديرُ الفعلِ : بل نكونُ أو نَتَّبع أو نَقْتدي كما (١) أي مصدرية، وتسمى موصولاً حرفياً. (٢) الإملاء ٦٥/١. (٣) الآية ١١١ من البقرة. (٤) معاني القرآن ١٩٤/١. (٥) الكشاف ٣١٤/١، وقد نسب صاحب ((البيان في غريب إعراب القرآن)) ١٢٤/١، هذا القول إلى الكوفيين. (٦) انظر: مجاز القرآن ٥٧/١. (٧) المجاز ٥٧/١. ١٣٥ - البقرة - تقدَّم، وأن يكونُ خطاباً للكفارِ فيكونُ التقديرُ: كونوا أو اتَبعوا أو اقتدوا. وقرأ(١) ابن هرمز وابن أبي عبلة ((مِلَّةُ)) رفعاً. وفيها وجهان، أحدُهما: خبرٌ المبتدأٍ محذوفٍ، أي: بل ملتُنا ملةُ إبراهيمَ أو نحن ملةُ، أي أهلُ ملة. والثاني: أنها مبتدأُ حُذِفَ خبرُه، تقديرُه: مِلَّةُ إبراهيمَ مَّتُنا. قوله: ((حنيفاً) في نصبهِ أربعةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه حالٌ من «إبراهيم» لأنَّ الحالَ تجيءُ من المضافِ إليهِ قياساً في ثلاثةِ مواضعَ على ما ذَكَرَ بعضُهم، أحدها: أنْ يكونَ المضافُ عاملاً عملَ الفعلِ. الثاني: أنْ يكون جزءاً نحو: (ونَزَعْنا ما في صدورِهم من غلِّ إخواناً)(٢). الثالث: أن يكونَ كالجزءِ كهذه الآيةِ؛ لأنَّ إبراهيمَ لمَّا لازمَها تنزَّلَتْ منه منزلةَ الجزءِ. والنحويون يستضعفون مجيئَها من المضافِ إليه ولو كانَ المضافُ جزءاً، قالوا: لأنَّ الحالَ لا بدّ لها من عاملٍ ، والعاملُ في الحالِ هو العاملُ في صاحبها، والعاملُ في صاحبِها لا يعملُ عملَ الفعل (٣). ومَنْ جَوَّز ذلك قَدَّر العاملَ فيها معنى اللام أو معنى الإضافةِ، وهما عاملان في صاحبها عند هذا القائل. ولم يذكر الزمخشري(٤) غيرَ هذا الوجهِ، وشبَّهه بقولك: ((رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً)) وهو قولُ الزّجَّاج. · الثاني: نصبُه بإضمارٍ فعلٍ أي: نتبعُ حنيفاً، وقدَّره أبو البقاء(٥) بأعني، وهو قولُ الأخفشِ الصغيرِ(٦) وجَعَلَ الحالَ خطأ. (١) الشواذ ١٠؛ والبحر ٤٠٦/١؛ القرطبي ١٣٩/٢؛ وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج، عالم بالعربية والأنساب، أخذ عن ابن عباس، وأخذ عنه نافع والزهري، توفي سنة ١١٧، انظر: أخبار النحويين البصريين ٢١؛ والإنباه ١٧٢/٢؛ والبغية ٩١/٢. (٢) الآية ٤٧ من الحجر. (٣) وذلك نحو: جاء غلام هند ضاحكةً، والعامل في صاحبها هنا معنى الإِضافة أو اللام. (٤) الكشاف ٣١٤/١. (٥) الإِملاء ٦٦/١. (٦) وهو علي بن سليمان وقد تقدمت ترجمته. ١٣٦ - البقرة - الثالث: أنه منصوبٌ على القَطْع وهو رأيُ الكوفيين، وكان الأصلُ عندهم: إبراهيمَ الحنيفَ، فلمَّا نكِّره لم يُمْكِن إتْباعه، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك. الرابع - وهو المختارُ - أن يكونَ حالاً من ((ملَّة)) فالعاملُ فيه ما قَدَّرناه عاملاً فيها، وقد تقدَّم، وتكونُ حالاً لازمةً لأنَّ الملَّةَ لا تتغيَّر عن هذا الوصفِ، وكذلك على القولِ بِجَعْلِها حالاً من ((إبراهيم)) لأنَّه لم يَنْتَقِلْ عنها، فإنْ قيل: صاحبُ الحالِ مؤنثٌ فكان ينبغي أَنْ يطابقُه في التأنيثِ فيقال: حنيفةً، فالجوابُ من وجهين، أحدُهما: أنَّ فَعيلاً يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ. والثاني: أن الملَّة بمعنى الدِّين، ولذلك أُبْدِلَتْ منه في قوله: ((ديناً قِيَماً مِلةً إبراهيم حنيفاً)(١) ذكر ذلك ابنُ الشجري في ((أماليه))(٢). والخَنَفُ: المَيْلُ ومنه / سُمِّي الأحْنَفُ لِمَيْلِ إحدى قَدَمَيْهِ بالأصابعِ إلى الأخرى قالَتْ أمُّه(٣). [٥٥/ب] ٧٤٢ - واللَّهِ لولا حَنَفُ برِجْلِه ما كانَ في فِتْيَانكم مِنْ مثلهِ ويقال: رَجُلٌ أَحْنَفُ وامرأة حَنْفَاءُ، وقيل: هو الاستقامةُ، وسُمِّي المائلُ الرجلِ بذلك تفاؤلاً كقولهم لِلديغ: ((سليمٌ))، وللمَهْلَكَة: ((مفازة)) قاله ابن قتيبة (٤)، وقيل: الحَنيفُ لَقَبٌ لمن تَدَيَّن بالإِسلام، قال عمرو (٥): (١) الآية ١٦١ من الأنعام. (٢) الأمالي ١٨/١. وابن الشجري هبة الله بن علي، له: الأمالي؛ مختارات أشعار العرب، شرح التصريف الملوكي توفي سنة ٥٤٢. انظر: معجم الأدباء ٢٨٢/١٩؛ وفيات الأعيان ٢٣٨/١؛ معجم المؤلفين ١٤١/١٣ . (٣) البيت في اللسان: حنف. (٤) عبد الله بن مسلم، له: إعراب القرآن؛ طبقات الشعراء؛ أدب الكاتب؛ توفي سنة ٢٧٦، أو ٢٦٧. انظر: الإنباه ١٤٣/٢؛ البلغة ١١٦؛ البغية ٦٣/٢. (٥) نسبة المؤلف هذا البيت لعمرو لم أجدها، وإنما نُسِب في السيرة ٢٩٣/١ إلى حمزة، كما نسبه صاحب البحر ٣٩٨/١ إلى عُمر وليس في ديوان عمر بن أبي ربيعة. ١٣٧ - البقرة - إلى الإِسلام والدينِ الحَنيفِ ٧٤٣ - حَمْتُ الله حین ھدی فؤادي قاله القفال(١)، وقيل: الحَنيف: المائلُ عَمّا عليه العامَّةُ إلى مالزِمه، قاله الزجاج وأنشد(٢): ٧٤٤ - ولكنَّا خُلِقْنا إِذْ خُلِقْنَا" حنيفاً دينُنا عَنْ كلِّ دِيْنٍ آ. (١٣٦) قوله تعالى: ﴿قُولوا﴾: في هذا الضمير قولان، أحدُهماً: أنَّه للمؤمنينِ والمرادُ بالمُنَزَّلِ إليهم القرآنُ على هذا. والثاني: أنه يعودُ على القائلين كونوا هوداً أو نصارى، والمرادُ بالمُنَزَّل إليهم: إمّا القرآنُ وإمَّا التوراةُ والإِنجيلُ، وجملةُ ((آمنًّا) في محلِّ نَصْبِ بقولوا، وكَرَّر الموصول في قولِه: (وما أَنْزِلَ إلى إبراهيمَ)) لاختلافِ المنزَّلِ إلينا والمُنَزَّلِ إِليه، فلولم يكِّر لأَوْهَمَ أن المنزَّلَ إلينا هو المنزَّلُ إليه، ولم يكرِّر في ((عيسى)) لأنه لم يخالِفْ شريعةً موسى إلا في نَزْر يَسير، فالذي أوتيه عيسى هو عينُ ما أُوتيه موسى إلّ يسيراً، وقُدِّم المنزَّلُ إلينا في الذِّكْر وإِنْ كان متأخراً في الإِنزال تشريفاً له. والأسْباط: جمعُ ((سِبْط)) وهم في وَلَدِ يعقوبَ كالقبائل في وَلَّدٍ إسماعيلَ. واشتقاقُهم من السَّبْطِ وهو التتابعُ، سُمُّوا بذلك لأنهم أمة متابعون. وقيل: هو مَقْلوبٌ من البَسْط، وقيل: مِنْ (السَّبَط)) بالتحريك جمع ((سَبْطة)) وهو الشجرُ الملتفُّ. وقيل للحَسَنَيْن سِبْطا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لانتشارِ ذَرِّيَّتهم، ثم قيل لكل ابن بنت: ((سِبْطِ)). قوله: ((وما أُوتِي موسى)) يجوزُ في (ما)) وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ فِي محلِّ جرِّ عطفاً على المؤمَنِ به وهو الظاهرُ. والثاني: أنَّها في محلّ رفعٍ (١) محمد بن علي الشاشي، عالم باللغة والدين، من أهل ما وراء النهر، له: ((أصول الفقه)) توفي سنة ٣٦٥. انظر وفيات الأعيان ٤٥٨/١، والأعلام ١٥٩/٧. (٢) معاني القرآن ١٩٤/١، غير أنه لم ينشد البيت المذكور في كتابه هذا، ولم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٩٨/١ ١٣٨ - البقرة - بالابتداءِ، ويكونُ ((وما أوتي النبيُّون)) عطفاً عليها، وفي الخبرِ وجهان، أحدُهما: أن يكونَ ((مِنْ ربهم)). والثاني: أن يكون ((لا نفرِّقُ)) هكذا ذَكَر الشيخ(١)، إلا أنَّ فِي جَعْلِه ((لا نفرِّقُ)) خبراً عن ((ما) نظراً لا يَخْفى من حيثُ عدمُ عودِ الضميرِ عليها. ويجوزُ أن تكونَ ((ما)) الأولى عطفاً على المجرورِ، وما الثانيةُ مبتدأةً وفي خبرها الوجهانِ، وللشيخ أن ينفصِلَ عن عدمِ عَوْدِ الضميرِ بأنَّه محذوفٌ تقديرُه: لا نفرِّق فيه، وحَذْفُ العائدِ المجرورِ بـ((في)» مطَردٌ كَمَا ذَكَر بعضُهم، وأنشد(٢): ٧٤٥ - فيومٌ علينا ويومٌ لنا ويومٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ أي : نُساء فيه ونُسَرُّ فيه. قوله: ((مِنْ ربهم)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وهو الظاهرُ - أَنَّه في محلٌ نصبٍ، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، ويتعلَّقُ بـ((أُوتِيَ)) الثانيةِ إِن أَعَدْنا الضميرَ على النبيين فقط دونَ موسى وعيسى أو بـ((أُوْتِيَ)) الأولى، وتكونُ الثانيةُ تكراراً لسقوطِها في آل(٣) عمران إِنْ أَعَدْنَا الضميرَ على موسى وعيسى والنبِّين. الثاني: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من العائدِ على الموصولِ فيتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: وما أُوتيه كائناً من ربهم. الثالث: انه في محلّ رفعٍ لوقوعِه خبراً إذا جَعَلْنَا ((ما)) مبتدأً وقد تقدَّم تحقيقُه. قوله: ((بين أحدٍ)) متعلَّقٌ بـ((لا نُفَرَّقُ))، وفي ((أحد)) قولان أظهرُهما: أنَّه الملازِمُ للنفي الذي همزتُه أصليةٌ فهو للعمومِ وتحته أفرادٌ، فلذلك صَحَّ دخولُ (بين)) عليه مِنْ غيرِ تقديرِ معطوفٍ نحو: ((المالُ بين الناس)). والثاني: أنه الذي همزتُه بدلٌ من واوٍ بمعنى واحد، وعلى هذا فلا بدَّ من تقديرِ معطوفٍ (١) البحر ٤٠٨/١. (٢) البيت للنمر بن تولب، وهو في الكتاب ٤٤/١؛ والهمع ١٠١/١؛ والدرر ٧٦/١. (٣) الآية ٨٤ من آل عمران: ((وما أُوتي موسى وعيسى والنبيُّون مِنْ ربهِّم)). ١٣٩ - البقرة - لَيَصِحَّ دخولُ ((بَيْنَ)) على متعددٍ، ولكنه حُذِفَ لفَهْمِ المَعْنى، والتقدير: بين أحدٍ منهم، ونظيرُه ومثلُه قولُ النابغة(١): ٧٤٦ - فما كان بين الخيرِ لو جاءَ سالماً أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قَلائِلُ أي: بين الخير وبيني. و((له)) متعلُّقٌ بمسلمون، قُدِّم للاهتمامِ به لغَوْدِ الضميرِ على الله تعالى أو لتناسُبِ الفواصل. آ. (١٣٧) قوله تعالى: ﴿بمثلِ ما آمنتم به﴾: في الباءِ أقوالٌ، أحدُها: أنها زائدةٌ كهي في قوله ((ولا تُلْقُوا بأيدِيكم))(٢) وقوله: ((وهُزُّي إليكِ بجِذْعٍ))(٣) وقوله (٤): ٧٤٧ _ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ والثاني: أنها بمعنى ((على، أي: فإنْ آمَنوا على مثلِ إيمانكم بالله)). والثالث: أنَّها للاستعانةِ كهي في ((نَجَرْتُ بالقَدُوم)) و((كَتَبْتُ بالقلم)) والمعنى: فإِنْ دَخَلوا في الإِيمانِ بشهادةٍ مثلِ شهادتِكم، وعلى هذه الأوجهِ فيكونُ المؤمَّنُ به محذوفاً، و ((ما)) مصدريةٌ والضميرُ في ((به)) عائداً على الله تعالى، والتقديرُ: فإنْ آمنوا باللهِ إيماناً مثلَ إيمانِكم به، و((مثل)) هنا فيها قولان، أحدُهما: أنَّها زائدةً والتقديرُ: بما آمنْتُم به، وهي قراءة(٥) عبدِ الله بنِ مسعودٍ وابن (١) الديوان ١١٩؛ وأوضح المسالك ٦٣/٣؛ والتصريح ١٥٣/٢؛ والأشموني: ١١٦/٣؛ والعيني ١٦٧/٤. (٢) الآية ١٩٥ من البقرة. (٣) الآية ٢٥ من مريم. (٤) البيت الراعي أو القتال الكلابي في ديوانه ٥٣ وصدره: هُنَّ الحرائرُ لارَبَّاتُ أَجْرَةٍ وهو في مجالس ثعلب ٣٠١/١؛ والمخصص ٧٠/١٤؛ والمغني ٤٥؛ والخزانة ٦٦٧/٣. والأحمرة: ج حمار؛ وسود المحاجر: الإِماء السود. (٥) البحر ٤٠٩/١؛ ابن عطية ٤٣١/١؛ الشواذ ١٠. ١٤٠