النص المفهرس
صفحات 81-100
- البقرة - كلِّ يومٍ، والمشرقَيْن والمغربَيْن باعتبارٍ مَشْرق الشتاءِ والصيف ومَغْربيهما. وكان مِنْ حقِّهما فتحُ العينِ لِما تقدَّم من أنَّه إذا لم تَنْكَسِرْ عينُ المضارعِ فحقُّ اسمِ المصدرِ والزمانِ والمكانِ فتحُ العينِ، ويجوزُ ذلك قياساً لا تلاوةً. قوله: ((فَأَيْنَما تُولُّوا)) ((أين)) هنا اسمُ شرطٍ بمعنى ((إِنْ))، و((ما)) مزيدةٌ عليها و((تُوَلُّوا)) مجزومٌ بها. وزيادةُ ((ما)) ليست لازمةً لها بدليل قوله(١): ٦٨٩ - أَيْنَ تَضْرِبْ بنا العُداةَ تَجِدْنا وهي ظرفُ مكان، والناصبُ لها ما بعدَها، وتكونُ اسمَ استفهامٍ أيضاً فهي لفظٌ مشترك بين الشرطِ والاستفهامِ كـ((مَنْ)) و((ما)). وزعم بعضُهم أن أصلَها السؤالُ عن الأمكنةِ، وهي مبنيةٌ على الفتحِ لتضمُّنه معنى حرفِ الشرط أو الاستفهام. وأصلُ تُوُلُّوا: تُوَلِّيوا فَأُعِلَّ بالحَذْفِ. وقرأ الجمهور: قُولُّوا بضم التاء واللام بمعنى تَسْتقبلوا، فإنَّ ((وَلَّى)) وإن كان غالبُ استعمالِها أَدْبَر فإنها تقتضي الإِقبالَ إلى ناحية ما. تقول: وَلَّيْتُ عن كذا إلى كذا. وقرأ الحسن(٢): (تَوَلَّوا)) بفتحِهما، وفيها وجهان، أحدهما: أن يكونَ مضارعاً والأصل: تَتَوَّلُّوا مِن التَّوْلِيَةِ فَحَذَف إحدى التاءَيْن تخفيفاً، نحو: ((تَنَزَّلُ الملائكةُ)) (٣). والثاني: أن يكونَ ماضياً والضميرُ للغائبين ردًّاً على قوله: ((لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة)) فتتناسَقُ الضمائرُ. وقال أبو البقاء(٤): ((والثاني: أنه ماضٍ والضمير للغائبين، والتقديرُ: أَيْنما يَتَوَلَّوا)) يعني أنه وإنْ كان ماضياً لفظاً فهو مستقبلٌ معنَّى، ثم قال: ((وقد يَجُوزُ أَنْ يكونَ ماضياً قد وَقَع، (١) البيت لابن همام السلولي وعجزه: نَصْرِفُ العِيسَ نحوها للتلاقي وهو في ابن يعيش ١٠٥/٤ وفي ((أين تصرف))؛ والبحر ٣٥٥/١. (٢) بفتح التاء واللام. انظر: الشواذ ٩؛ ابن عطية ٣٩٧/١؛ البحر ٣٦٠/١. (٣) الآية ٤ من القدر، وأقحمت ((ما)) قبل قوله: ((تنزل)) في الأصل سهواً. (٤) الإملاء ٥٩/١. ٨١ - البقرة - ولا يكونُ ((أَيْنَ)) شرطاً في اللفظِ بل في المعنى(١)، كما تقولُ: ((مَا صَنَعْتَّ صنعتُ)) إذا أَرَدْتَ الماضي، وهذا ضعيفٌ لأنَّ ((أين)) إمَّ شرطٌ أو استفهامُ وليس لها معنَّى ثالثٌ)). انتهى وهو غيرُ واضحٍ (٢). قوله: ((فَثَمَّ وَجْهُ الله)» الفاءُ وما بعدَها جوابُ الشرطِ، فالجملةُ في مخلٍّ جزم، و(ثَمَّ)) خبرٌ مقدم، و((وجهُ الله)) رفعٌ بالابتداء و(«ثَمَّ) اسمُ إشارةٍ للمكانِ البعيدِ خاصةً مثل: هُنا وهَنَّا بتشديدِ النونِ، وهو مبنيٌّ على الفتحِ لتضمَّنِهِ معنى حرفِ الإِشارة أو حرفِ الخطاب. قال أبو البقاء(٣): ((لأنك تقولُ في الحاضر: هُنا، وفي الغائب هُناك، وثَمَّ ناب عن هناك)) / وهذا ليس بشيءٍ. [١/٥٠] وقيل: بُنِي لِشَبَهِهِ بالحَرْفِ في الافتقارِ، فإنه يَفْتَقِرُ إلى مشارٍ إليه، ولا يَتَصَرَّف بأكثَر مِنْ جَرِّه بـ ((مِنْ))، ولذلك غَلِط بعضُهم في جَعْله مفعولاً به في قوله: ((وإذا رأيتَ ثَمَّ [رأيْتَ])(٤)، بل مفعولُ ((رأيت)) محذوف. ومعنى ((وَجْهُ الله)) جِهَتُهُ التي ارتضاها قِبْلَةً وأمَرَ بالتوجُّه نحوَها، أو ذاتُه نحو: ((كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَه))(٥)، أو المرادُ به الجاهُ، أي فَثَمَّ جَلالُ الله وعَظَمَتُهُ مِنْ قولِهم: هو وجهُ القوم، أو يكونُ صِلةً زائداً، وليس بشيءٍ، وقيل: المرادُ به العملُ قاله الفراء(٦)، وعليه قوله(٧): (١) في الأصل: ((اللفظ)) وهو سهو، والتصحيح من الإِملاء. (٢) لعل أبا البقاء يعني أن ((أين)) تكون شرطية واستفهامية، ومن المعلوم أن الشرط يكون بمعنى الاستقبال، ثم قال: إنها قد تكون شرطية ولكن بمعنى الماضي، وضعَّف ورودها على ذلك. (٣) الإملاء ٥٩/١. (٤) الآية ٢٠ من الإِنسان. (٥) الآية ٨٨ من القصص. (٦) لم يشر إلى ذلك في معاني القرآن. (٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكتاب ١٧/١؛ والخصائص ٢٤٧/٣؛ وابن يعيش. ٦٣/٧؛ وشذور الذهب ٣٧١؛ والهمع ٨٢/٢؛ والدرر ١٠٦/٢. ٨٢ - البقرة - ٦٩٠ - أسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لسْتُ مُحْصِيَهَ ربُّ العبادِ إليه الوجهُ والعَمَلُ آ. (١١٦) قوله تعالى: ﴿اَتَّخَذَ اللهُ ولداً سبحانَه﴾: الجمهورُ: ((وقالوا)) بالواوِ عطفاً لهذه الجملةِ الخبريةِ على ما قبلَها وهو أحسنُ في الربط. وقيل: هي معطوفةٌ على قوله: ((وسعى)) فيكونُ قد عَطَفَ على الصلة مع الفعلِ بهذه الجملِ الكثيرة، وهذا ينبغي أن يُنَزَّه القرآنُ عن مِثْلِه. وقرأ ابن عامر (١) - وكذلك هي في مصاحف الشام - ((قالوا)) من غير واوٍ، وذلك يَحْتمل وجهين، أحدُهما: الاستئنافُ. والثاني: حَذْفُ حرفِ العطفِ وهو مرادٌ، استغناء عنه بربطِ الضميرِ بما قبلَ هذه الجملةِ. و((اتَّخَذَ)) بجوزُ أن يكونَ بمعنى عَمِل وَصنَع، فيتعذَّى لمفعولٍ واحدٍ، وأن يكونَ بمعنى صَيِّ، فيتعدَّى لاثنين، ويكونُ الأولُ هنا محذوفاً تقديرُه: ((وقالوا اتَّخذَ اللهُ بعضَ الموجودات ولداً)) إلا أنَّه مع كثرةِ دَوْرِ هذا التركيبِ لم يُذْكَرْ معها إلا مفعولٌ واحدٌ: ((وقالوا اتَّخَذَ الرحمنُ وَلَداً))(٢)، ((ما اَنَّخذ الله من ولدٍ))(٣) ((وما يُنْبغي للرحمن أن يتَّخذ ولداً))(٤). والوَلَدُ: فَعَل بمعنى مَفْعول كالقَبْض والنَّقْص، وهو غيرُ مقيسٍ ، والمصدرُ: الولادة والوَليديَّة، وهذا الثاني غريبٌ جداً. قوله: ((بل له ما في السموات)) ((بَلْ)) إضرابٌ وانتقالٌ، و((له)) خبرٌ مقدَّمٌ و ((ما)) مبتدأ مؤخرٌ، وأتى هنا بـ((ما)) لأنه إذا اختلَطَ العاقلُ بغيره كان المتكلمُ مُخَيَّراً في ((ما)) و((مَنْ))، ولذلك لَمَّا اعتَبَر العقلاءَ غلَّبهم في قوله ((قانتون)) فجاء بصيغةِ السلامةِ المختصَّةِ بالعقلاء. قال الزمخشري(٥) ((فإن قلت: كيف جاءَ بـ ((ما)) التي لغير أولي العلمِ مع قوله ((قانتون)»؟ قلت: هو كقوله: (١) السبعة ١٦٨؛ الكشف ٢٦٠/١؛ البحر ٣٦٢/١. (٢) الآية ٢٦ من الأنبياء. (٣) الآية ٩١ من المؤمنون، والمفعول هو ((ولد)) لأنَّ ((مِنْ)) زائدة. (٤) الآية ٩٢ من مريم. (٥) الكشاف ٣٠٧/١. ٨٣ - البقرة - ((سبحانَ ما سَخَّركُنَّ)) وكأنه جاء بـ ((ما)) دون ((مَنْ)) تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنِهِمْ، وهذا جنوحٌ منه إلى أنَّ ((ما)) قد تقع على أولي العلمِ، ولكنَّ المشهورَ خلافُه. وأمَّا قولُه ((سبحانَ ما سَخَّركُنَّ لنا)) فسبحانُ غَيرُ مضافٍ، بل هو كقوله(١): سبحان مِنْ علقمةً . ٦٩١ _ و ((ما)) مصدرية ظرفية . قوله: ((كلُّ له قانتون)) مبتدأ وخبرٌ، و((كلَّ)) مضافَةٌ إلى محذوفٍ تقديراً، أي: كلُّ مَنْ في السموات والأرض. وقال الزمخشري(٢): ((ويجوزُ أن يكونَ كلَّ مَنْ جَعَلوه لله وَلَداً)) قال الشيخ (٣): ((وهذا بعيدٌ جداً لأن المجعولَ ولداً لم يَجْرِ له ذِكْرُ، ولأنَّ الخبرَ يشترك فيه المجعولُ [ولداً}(٤) وغيرُه)) قوله: (لم يَجْرِ له ذِكْر)» بل قد جَرَى ذِكْرُه فلا بُعْدَ فیه .. وجَمَعَ ((قانِتون)) حَمْلاً على المعنى لما تقدَّم من أَنَّ((كُلَّ)) إذا قُطِعَتْ عن الإِضافةِ جاز فيها مراعاةُ اللفظِ ومراعاةُ المعنى وهو الأكثر نحو: ((كلُّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحون))(٥) ((وكلُّ أَتَوْه داخِرِين))(٦). ومِنْ مراعاةِ اللفظِ: ((قُلْ كلِّ يعملُ على شاكِلَتِهِ))(٧) فكُلَّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ(٨)، وحَسُنَ الجمعُ هنا لتواخي رؤوسِ الآي. والقُنُوت: الطاعةُ والإنقيادُ أو طولُ القيام أو الصمتُ أو الدعاءُ. آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿بديعُ السمواتِ﴾: المشهورُ رَفْعُه على أنه (١) تقدم برقم ٣٤٢. (٢) الكشاف ٣٠٧/١. (٣) البحر ٣٦٣/١. (٤) زيادة من البحر. (٥) الآية ٣٣ من الأنبياء. (٦) الآية ٨٧ من النمل. (٧) الآية ٨٤ من الإِسراء. (٨) الآية ٤٠ من العنكيوت. ٨٤ : - البقرة - خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هو بديعُ. وَقُرىء (١) بالجرِّ على أنه بدلٌ من الضميرِ في ((له)) وفيه الخلافُ المشهورُ. وقُرىء(٢) بالنصبِ على المَدْحِ، وبديعُ السمواتِ من بابِ الصفةِ المشبهة أضيفَتْ إلى منصوبِها الذي كانَ فاعلاً في الأصلِ ، والأصل: بديعُ سماواتُه، أي بَدُعَتْ لمجيئِها على شكلٍ فائقٍ حسنٍ غريبٍ، ثم شُبِّهَتْ هذه الصفةُ باسمِ الفاعلِ فَنَصَبَتْ ما كانَ فاعلاً ثم أُضِيفَتْ إليه تخفيفاً، وهكذا كلُّ ما جاء من نظائرِهِ، فالإِضافةُ لا بدّ وأن(٣) تكونَ من نصبٍ لئلّ يلزمَ إضافة الصفةِ إلى فاعلِها وهو لا يجوزُ، كما لا يجوزُ في اسمِ الفاعلِ الذي هو الأصلُ. وقال الزمخشري (٤): ((وبديعُ السمواتِ)) من باب إضافةِ الصفةِ المشبهةِ إلى فاعلِها)). وردًّ عليه الشيخُ(٥) بما تقدَّم، ثم أجابَ عنه بأنه يُحتمل أَنْ يريدَ إلى فاعلِها في الأصلِ قبل أن يُشَبَّه. وأجاز الزمخشري (٦) فيه وجهاً ثانياً: وهو أن يكونَ (بديع)) بمعنى مُبْدِع، كما أنَّ سميعاً في قولٍ عمرو(٧) بمعنى مُسْمِعٍ نحو(٨): ٦٩٢ - أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ يُؤَرِّقُني وأصحابي مُجُوعٍ إلا أنه قال: ((وفيه نظرٌ)). وهذا الوجهُ لم يذكر ابنُ عطية(٩) غيرَه، وكأن النظرَ الذي ذكره الزمخشري - والله أعلم - هو أنَّ فَعيلاً بمعنى مُفْعِل غيرُ (١) قراءة صالح بن أحمد. الشواذ ٩؛ البحر ٣٦٤/١. (٢) وهي قراءة المنصور. البحر ٣٦٤/١. (٣) الواو مقحمة في ((وأن)). (٤) الكشاف ٣٠٧/١. (٥) البحر ٣٦٤/١. (٦) الكشاف ٣٠٧/١. (٧) في الأصل: «عمره وهو سهو. (٨) البيت لعمروبن معد يكرب الزبيدي، وهو في الأصمعيات ١٧٢؛ وأمالي الشجري ٦٤/١؛ ومشكل ابن قتيبة ٢٩٧؛ وابن يعيش ٧٣/١؛ واللسان: سمع. (٩) التفسير ٤٠١/١. ٨٥ - البقرة - مَقيسٍ ، وبيتُ عمروٍ مُتَأَوَّلٌ، وعلى هذا القولِ يكونُ بديعُ السمواتِ من بابٍ إضافةٍ اسمِ الفاعلِ لمنصوبِه تقديراً. والمُبْدِعُ: المخترِعُ المُنْشِىءُ، والبديع: الشيء الغريبُ الفائقُ غيرَه حُسْناً. قوله: ((وإذا قَضَى أمراً)) العاملُ في ((إذا)) محذوفٌ يَدُلُّ عليه الجوابُ من قوله: ((فإنما يقول))، والتقديرُ: إذا قضى أمراً يكونُ، فيكونُ هو الناصبُ له. و ((قضى)) له معانٍ كثيرةٌ، قال الأزهري(١): ((قضى)) على وجوهٍ مَرْجِعُها إلى انقطاعِ الشيء وتمامِه قال أبو ذؤيب(٢): داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تَبَّعُ ٦٩٣ - وعليهما مَسْرودتان قَضَاهُما وقال الشماخ(٣): بوائِقَ فِي أَكْمَامِها لم تُفَتَّقِ ٦٩٤ - قَضَيْتَ أموراً ثم غادَرْتَ بعدَها فيكونُ بمعنى خَلَق نحو: ((فَقَضَاهُنَّ سبعَ سمواتٍ))(٤)، وبمعنى أَعْلَمَ: ((وقَضَيْنا إلى بني إسرائيل))(٥)، وبمعنى أَمَر: ((وقضى ربُّك ألَّ تعبُدُوا إلا إِيَّاه))(٦)، وبمعنى وَفَّى: ((فلمّا قضى موسى الأجْلَ)»(٧)، وبمعنى ألزم: قضى القاضي بكذا، وبمعنى أراد: ((وإذا قضى أَمْراً)(٨) [وبمعنى] أَنْهَى، ويجيءُ بمعنى قَدَّر وأَمْضَى، تقول: قَضَى يقضي قَضاءً قال(٩): (١) تهذيب اللغة ٢١١/٩. والأزهري هو محمد بن أحمد، أخذ عن نفطويه وابن السراج، وله التهذيب، توفي سنة ٣٧٠. انظر: النزهة ٣٢٣؛ والبغية ١٩/١. (٢) ديوان الهذليين ١٤/١؛ اللسان ((قضى)). (٣) البيت في القرطبي ٨٧/٢. (٤) الآية ١٢ من فصلت. (٥) الآية ٤ من الإِسراء. (٦) الآية ٢٣ من الإِسراء. (٧) الآية ٢٩ من القصص. (٨) الآية ١١٧ من البقرة. (٩) البيت لسعد بن ناشب وهو في الحماسة ٦٩/١؛ والبحر ٣٥٥/١. ٨٦ - البقرة - ٦٩٥ - سَأَغْسِلُ عني العارَ بالسيفِ جالِباً عليَّ قضاءُ الله ما كانَ جالِبا قوله: ((فيكونُ)) الجمهورُ على رفعه (١)، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً أي خَبَراً لمبتدأ محذوفٍ أي: فهو يكونُ، ويُعْزى لسيبويه(٢)، وبه قال الزجاج (٣) في أحدِ قولَيْه. والثاني: أَنْ يكونَ معطوفاً على ((يقولُ)) وهو قول الزجاج (٤) والطبري(٥). وردًّ ابن عطية (٦) هذا القولَ وجعله خطأً من جهةٍ المعنى؛ لأنَّه يَقْتضي أنَّ القولَ مع التكوينِ والوجودِ» انتهى. يعني أنَّ الأمرَ قديمٌ والتكوينَ حادثٌ فكيف يُعْطَفُ عليه بما يقتضي تعقيبَه له؟ وهذا الردُّ إنما يلزم إذا قيل بأنَّ الأمرَ حقيقةٌ، أمَّا إذا قيل بأنَّه على سبيلِ التمثيل - وهو الأصحُّ - فلا، ومثلُه قولُ أبي النجم(٧): ٦٩٦ - إذ قالَتِ الْأَنْسَاعُ للبَطْنِ الحَقي الثالث: أن يكونَ معطوفاً على ((كُنْ)) من حيثُ المعنى، وهو قولُ الفارسي (٨)، وضَعَّفَ أن يكونَ عطفاً على ((يقولُ))، لأنَّ من المواضعِ ما ليس (١) انظر: السبعة ١٦٨؛ الكشف ٢٦٠/١؛ البحر ٣٦٥/١؛ ابن عطية ٤٠١/١. (٢) الكتاب ٤٢٣/١. (٣) معاني القرآن ١٧٧/١. (٤) معاني القرآن ١٧٧/١. (٥) تفسير الطبري ٥٤٩/٢. (٦) تفسير ابن عطية ٤٠١/١. (٧) بعده : قِدْماً فَاضَتْ كالفَنِيْقِ المُخْنَقِ وهو في الخصائص ٢٣/١؛ والقرطبي ٩١/٢؛ وشواهد الكشاف ٤٦٢/٤. والأنساع: الذي ينسج عريضاً على وسط الدابة، والقِدْم: المضي في الأمر، والفنيق: الفحل المكرم، والمحنق: الضامر، أي: قالت الحزم للبطن اضمر حتى تلحق بالظهر وتلصق به. والبطن تذكر وتؤنث. (٨) الحجة (خ) ٢٣٤/١. ٨٧ - البقرة - فيه ((يقولُ))، كالموضع الثاني في آل عمران، وهو: (ثُمَّ قال له كُنْ فيكونُ))(١)، ولم يَرَ عطفَه على ((قال)) من حيث إنه مضارعٌ فلا يُعْطَّف على ماضٍ فَأَوْرد على نفسه(٢): ٦٩٧ - ولقد أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُني فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني فقال: ((أَمُرُّ بمعنى مَرَرْت. قال بعضُهم: ((ويكون في هذه الآية - يعني في آيةِ آل عمران - بمعنى كان فَلْيَجُزْ عَطْفُه على ((قال)). وقَرأَ ابن عامر / (فيكونَ)) نصباً هنا وفي الأولى من آل عمران، وهي: [٥٠/ب]: (كن فيكونَ، ونُعَلِّمُه))(٣) ، تحرُّزاً من قوله: ((كن فيكون، الحقُّ من ربك))(٤) وفي مريم: ((كُنْ فيكون، وإِنَّ الله ربي))(٥)، وفي غافر: ((كن فيكون، ألم ترَ إلى الذين يجادلون))(٦)، ووافقه الكسائي على ما في النحل (٧) ويس(٨) وهي: ((أن يقولَ له كن فيكون)». أمَّا آيتا النحلِ ويس فظاهِرتان لأنَّ قبلَ الفعل منصوباً(٩) يَصِحُ عطفُه عليه وسيأتي . وأمَّا ما انفرَدَ به ابنُ عامر في هذه المواضع الأربعة فقد اضطرب كلامُ (١) الآية ٥٩ من آل عمران: ((خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)). (٢) البيت لشمر بن عمرو الحنفي أولرجل من بني سلول، وهو في الكتاب ٤١٦/١؛ والخصائص ٣٣٠/٣؛ وأمالي الشجري ٢٠٣/٢؛ والخزانة ١٧٣/١؛ والهمع ٩/١؛ والدرر ٤/١. (٣) الآية ٤٧ من آل عمران: ((وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ويعلِّمه الكتاب والحكمة)) وبالنون في ((نعلمه)) قراءة غير نافع وعاصم. (٤) الآية ٥٩ من آل عمران. (٥) الآية ٣٥ من مريم ((سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون)). (٦) الآية ٦٨ من غافر ((فإذا قضى أمراً فإنما يقول له: کن فیکون)). (٧) الآية ٤٠ من النحل ((إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون)). (٨) الآية ٨٢ من يس ((إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)). (٩) في الأصل: ((منصوب) وهو سهو. ٨٨ - البقرة - الناس فيها وهي لعمري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرّأ بعض الناس على هذا الإِمامِ الكبيرِ، فقال ابن مجاهد(١): ((قرأ ابن عامر ((فيكونَ)) نصباً وهذا غيرُ جائز في العربية؛ لأنه لا يكونُ الجواب هنا للأمر بالفاء إلا في يس والنحل، فإنه نَسَقٌ لا جوابٌ))، وقال في آل عمران(٢): ((قرأ ابن عامر وحدَه: (كن فيكونَ)) بالنصب وهو وهمٌ)) قال: «وقال هشام: كان أيوبُ بن تميم(٣) يقرأُ: فيكونُ نصباً ثم رَجَع فقرأ: فيكونُ رفعاً))، وقال الزجاج(٤): ((كن فيكونُ: رفعٌ لا غیرُ)). وأكثرُ ما أَجابوا بأنَّ هذا مِمَّ رُوعي فيه ظاهرُ اللفظ من غير نظرٍ نلمعنى، يريدون أنه قد وُجِد في اللفظ صورةُ أمر فَنَصَبْنا في جوابه بالفاء، وأمّا إذا نظرنا إلى جانب المعنى فإن ذلك لا يَصِحُّ لوجهين، أحدهما: أنَّ هذا وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبرُ نحو: ((فَلْيَمْدُدْ له الرحمنُ))(٥) أي: فَيَمُدُّ، وإذا كان معناه الخبر لم ينتصِبْ في جوابِه بالفاء إلا ضرورةٌ كقوله(٦): ٦٩٨ - سَأَتْرُك منزلي لبني تمیم. وأَلحَقُ بالحجازِ فأستريحا وقول الآخر(٧): ويَأْوي إليها المُسْتجيرُ فَيُعْصَما ٦٩٩ - لنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُّ وَسْطَها (١) السبعة ١٦٩، وهو أحمد بن موسى أول من سَبِّع السبعة، قرأ على قنبل وروى عنه إبراهيم الحطاب، توفي سنة ٣٢٤. انظر: طبقات القراء ١٣٩/١. (٢) السبعة ٢٠٦ . (٣) أيوب بن تميم الدمشقي، قرأ على الذماري وقرأ عليه ابن ذكوان. توفي سنة ١٩٨. طبقات القراء ١٧٢/١. (٤) معاني القرآن ١٧٧/١. (٥) الآية ٧٥ من مريم. (٦) البيت للمغيرة بن حبناء، وهو في الكتاب ٤٢٣/١؛ والمحتسب ١٩٧/١؛ وابن يعيش ٢٧٩/١؛ والخزانة ٦٠٠/٣؛ والهمع ٧٧/١؛ والدرر ٥١/١. (٧) البيت لطرفة وهو في ديوانه ١٩٤؛ والكتاب ٤٢٣/١؛ والمحتسب ١٩٧/١. ٨٩ - البقرة - والثاني: أنَّ مِنْ شرطِ النصبِ بالفاءِ في جوابِ الأمرِ أَنْ يَنْعَقِدَ مِنهما شرطٌ وجزاءٌ نحو: ((ائْتُني فأكرمك)) تقديرُه: إنْ أتيتني أكرمتُك، وههنا لا يَصِحُّ ذلك إذ يَصيرُ التقديرُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، فَيَتَّحِدُ فعلا الشرطِ والجزاءِ معنّی وفاعلًا، وقد عَلِمْت أنه لا بُدَّ من تغايرِهما وإلَّ يلزمُ أن يكونَ الشيءُ شرطاً لنفسه وهو مُحال. قالوا(١): والمعاملةُ اللفظية واردةٌ في كلامهم نحو: ((قُلْ لعبادي الذين آمنوا يُقيموا))(٢) ((قل للذين آمنوا يغفروا))(٣) وقال عمر ابن أبي ربيعة (٤): ٧٠٠ - فَقُلْتُ لجَنَّادِ خُذِ السيفَ واشتَمِلْ عليه برفقٍ وارْقُبِ الشمسِ تَغْرُبِ ولا يَعْلَمَنْ خلقٌ من الناسِ مَذْهَبِي وأَسْرِجْ لي الدَّهْماءَواذهبْ بمِمْطري فجعل ((تَغْرُبٍ)) جواباً لـ ((ارقب)) وهو غير مترتِّب عليه، وكذلك لا يلزمُ من قوله [تعالى] أَنْ يفعلوا، وإنما ذلك مراعاةً لجانبِ اللفظِ. أمَّا ما ذكروه في بيتِ عمر فصحيحُ، وأمَّ الآياتُ فلا نُسَلِّم أنه غيرُ مترتُّبِ [عليه]، لأنه أرادَ بالعبادِ الخُلَّصَ، ولذلك أضافهم إليه، أو تقولُ إن الجزمَ على حَذْفِ لأمِ الأمر وسيأتي تحقيقهُ في موضعه. وقال الشيخ جمال الدين بنُ مالك(٥): ((إنَّ((أَنْ)) الناصبةَ قد تُضْمر بعد الحَصْر بإنما اختياراً وحكاه عن بعض الكوفيين، قال: ((وحَكَوْا عن العرب: ((إنما هي ضربةٌ من الأسدِ فَتَحْطِمَ ظهرَه)) بنصبِ (تَحْطِمَ)) فعلى هذا يكون النصبُ في قراءةِ ابنِ (١) هذا الكلام مرتبط بأول المناقشة وذلك بتخريج القراءة على ما روعي فيه ظاهر اللفظ من غير نظر إلى المعنى. (٢) الآية ٣١ من إبراهيم. (٣) الآية ١٤ من الجاثية. (٤) ديوانه ٤٢٦. والممطر: ثوب من صوف يُتَوَفِىَّ به المطر. (٥) شرح الكافية الشافية لابن مالك ١٥٥٥/٣. وانظر: شرح الجمل لابن عصفور ٠١٥٣/٢ ٩٠ - البقرة - عامر محمولاً على ذلك، إلا أنَّ هذا الذي نَصَبوه دليلاً لا دليلَ فيه لاحتمالٍ أَنْ يكونَ من بابِ العطفِ على الاسمِ، تقديرُه: إنما هي ضربةٌ فَحَطْم، کقوله (١). أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّغُوفِ ٧٠١ - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني وهذا نهايةُ القول في هذه الآية . آ. (١١٨) قوله تعالى: ﴿لولا يُكَلِّمُنا الله﴾: ((لولا)» و «لَوْما)» يكونانِ حَرْفي ابتداءٍ، وقد تقدم ذلك عند قوله ((فلولا فَضْلُ اللهِ)(٢)، ويكونان حَرْفَيْ تحضيضٍ بمنزلة: ((هَلََّ)) فيختصَّان بالأفعالِ ظاهرةً أو مضمرةً كقوله(٣). ٧٠٢ - تَعُذُّون عَقْرَ النَّيْبِ أفضلَ مَجْدِكُم بني ضَوْطَرِىْ لولا الكُمِيَّ المقنّعا أي: لولا تَعُذُّون الكميَّ، فإنْ وَرَدَ ما يُوهم وقوعَ الاسمِ بعدَ حرفٍ . التحضیض یُؤَوَّل كقوله (٤). ٧٠٣ - ونُبِّئْتُ ليلى أَرْسَلَتْ بشفاعةٍ إليَّ فهلَّاً نفسُ لَيْلِى شَفِيعُها فـ ((نفسُ ليلى) مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرِه ((شفيعُها)» أي: فَهَلَّ (١) البيت لميسون بنت بحدل، وهو في الكتاب ٤٢٦/١؛ والمحتسب ٣٢٦/١؛ والحماسة الشجرية ٥٧٣/٢؛ والدرر ١٠/٢؛ والتصريح ٢٤٤/٢. (٢) الآية ٦٤ من البقرة. (٣) البيت لجرير وهو في ديوانه ٩٠٧/٢؛ أو الفرزدق أو الأشهب بن رميلة والخصائص ٤٥/٢؛ وابن يعيش ٣٨/٢؛ والأزهية ١٧٧؛ والمغني ٣٠٤؛ ورصف المباني ٢٩٣؛ واللسان: ضطر، وشواهد المغني ٦٦٩. والنيب: النوق المسنة، وضَوْطَرَى: حمقاء. (٤) البيت لقيس بن الملوح أو الصمة القشيري أو إبراهيم بن الصولي أو ابن الدمينة، وهو في الأشموني ٢٥٩/٢؛ والتصريح ٤١/٢؛ والعيني ٤١٦/٣؛ والخزانة ٤٦٣/١؛ والهمع ٦٧/٢؛ والدرر ٨٣/٢. ٩١ - البقرة - شَفَعَتْ نفسُ ليلى. وقال أبو البقاء(١): ((إذا وَقَعَ بعدَها المستقبلُ كانَتْ للتحضيضِ وإنْ وَقَعَ [بعدها](٢) الماضي كانَتْ للتوبيخ)) وهذا شيءٌ يقولُهُ. علماءُ البيانِ، وهذه الجملةُ التحضيضيةُ في محلِّ نصبٍ بالقول. قوله: ((كذلك قال الذين)» قد تقدَّم الكلامُ على نظيرِه(٣) فَلْيُطْلَب هناك. وقرأ أبو حَيْوة(٤) وابن أبي إسحاق: ((تَشَّابَهَتْ)) بتشديد الشين، قال الداني: ((وذلك غيرُ جائز لأنه فعلٌ ماض)) يعني أن التاءَيْن المزيدتين إنما تجيئان في المضارعِ فَتُدْغِم، أمَّا الماضي فلا. آ. (١١٩) قوله تعالى: ﴿بالحقَّ﴾: يجوزُ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنْ يكونَ مفعولاً به أي: بسببِ إقامةِ الحقِّ. الثاني: أَنْ يكونَ حالاً من المفعولِ في، ((أَرْسلناك)) أي: أَرْسلناك ملتبساً بالحقِّ. الثالث: أن يكونَ حالاً من الفاعل أي: ملتبسين في الحقِّ، قوله: ((بَشيراً ونذيراً) يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ حالاً من المفعول، وهو الظاهرُ. الثاني: أن يكونَ حالاً مِن (الحقُّ)) لأنه يُوصف أيضاً بالبِشارة والنِّذارة، وبشير ونذيرٍ على صيغة فَعيل، أمَّا بشير فتقولُ هو من بَشَر مخففاً لأنه مسموعٌ فيه، وفَعِيلُ مُطَّرَدٌ من الثلاثي، وأمَّا ((نذير)) فمن الرباعي ولا يَنْقاس عَدْلُ مُفْعِل إلى فعيل، إلا أنَّ له هنا مُحَسِّناً. قوله: ((ولا تُسأَلُ)) قرأ الجمهور: ((تُسْأَلُ)) مبنياً للمفعول مع رفعِ الفعلِ على النفي. وقُرىء شاذاً(٥): ((تَسْأَلُ)) مبنياً للفاعل مرفوعاً أيضاً، وفي هذه (١) الإِملاء ٦٠/١. (٢) من الإملاء. (٣) الآية ١١٣ من البقرة. (٤) البحر ٣٦٧/١؛ ابن عطية ٤٠٤/١. (٥) لم أجد من نسب هذه القراءة. ٩٢ - البقرة - الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ فيكونُ معطوفاً على الحال قبلها، كأنه قيل: بشيراً أو نذيراً وغيرَ مسؤول. والثاني: أن تكونَ مستأنفةً. وقرأ نافع(١): ((تُسْأَلْ)) على النهي وهذا مستأنفٌ فقط، ولا يجوزُ أن تكونَ حالاً لأنَّ الطَّلَبَ لا يَقعُ حالاً. والجحيمُ: شدَّةُ تَوَقَّدِ النار، ومنه قيل لعين الأسد: (جَحْمة)) لشدَّة توقُّدِها، يُقال: جَحِمَتِ النارُ تَجْحَمُ، ويقال لشدة الحر: ((جاحم))، قال(٢): جِمِها التخيُّلُ والمِراحُ ٧٠٤ - والحربُ لا يَبْقى لِجَا والرِّضا: ضدُّ الغضَبِ، وهو من ذَواتِ الواوِ لقولهم: الرُّضْوانِ، والمصدر: رِضا ورِضاء بالقصرِ والمَدّ ورِضْواناً ورُضْواناً بكسرِ الفاء وضمِّها، وقد يَتَضَمَّن معنى ((عَطَفَ)) فيتعذَّى بـ ((على))، قال(٣): ٧٠٥ - إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ والمِلَّةُ في الأصلِ : الطريقةُ، يقال: طريقٌ مُمِلُّ: أي: أثَّر فيه المَشْيُّ ويُعَبَّر بها عن الشريعة تَشْبِيهاً بالطريقةِ، وقيل: بل اشْتُقَّت من ((أَمْلَلْتُ)) لأنَّ الشريعةَ فيها مَنْ يُملي ويُمْلَى عليه. آ. (١٢٠) قوله تعالى: ﴿هو الهدى﴾: يجوزُ في ((هو)) أَنْ يكونَ فَصْلاً أو مبتدأً وما بعدَه خبرُه، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((هدى الله)) لمجيئه بصيغةٍ الرفعِ ، وأجازَ أبو البقاء(٤) فيه أن يكونَ توكيداً لاسم إِنَّ، وهذا لا يجوزُ فإن المضمَر لا يؤكِّدُ المُظْهَرَ. قوله: ((وَلَيْنِ اتَّبَعْتَ هذه تسمَّى اللامَ الموطَِّةَ للقسم، وعلامتُها أَنْ تقعَ (١) السبعة ١٦٩؛ والكشف ٢٦٢/١. (٢) البيت لسعد بن مالك أو الحارث بن عباد، وهو في الكتاب ٣٦٦/١؛ والحماسة ١٩٢/١؛ والخزانة ٢٥٥/١. والمراح: النشاط. (٣) تقدم برقم ٧٧. (٤) الإملاء ٦١/١. ٩٣ - البقرة ــ قبلَ أدواتِ الشرطِ، وأكثرُ مجيئِها مع ((إنْ)) وقد تأتي مع غيرِها نحو: (لَمَا آتَيْتُكم من كتابٍ))(١)، ((لَمَنْ تَبِعك منهم)(٢)، وسيأتي بيانُه، ولكنها. مُؤْذِنةٌ بالقسم اعتُبر سَبْقُها فَأُجِيبَ القَسَمُ دونَ الشرطِ بقوله: ((ما لَكَ من الله من وَلِيّ)) وحُذِفَ جوابُ الشرط. ولو أُجيب الشرطُ لَوَجَبَتِ الفاءُ، وقد تُحْذَفُ هذه اللامُ ويُعْمَلُ بمقتضاها / فيجابُ القَسَمُ نحو قوله تعالى: ((وإنْ لَمْ ينتهُوا [١/٥١] عَمَّا يقولون لَيَمَسِّنَّ))(٣). قوله: ((من العِلْم)) في محلِّ نصب على الحال من فاعل ((جاءك)) و((مِنْ)) للتبعيض، أي جاءَكَ حالَ كونِه بعضَ العلم. آ. (١٢١) قولُه تعالى: ﴿الذين آتيناهم﴾: رفعٌ بالابتداء، وفي خبرهٍ. قولان، أحدُهما: ((يَتْلُونه))، وتكونُ الجملةُ من قولِه ((أولئكَ يؤمنون)»: إمَّا مستأنفةً وهو الصحيحُ، وإمَّ حالاً على قولٍ ضعيفٍ تقدَّم مثلُه أولَ السورة. والثاني: أنَّ الخبرَ هو الجملةُ من قوله: ((أولئك يؤمنون)) ويكونُ ((يتلونه)) في: محلِّ نصبٍ على الحالِ: إمّا من المفعولِ في ((آتَيْناهم)) وإمَّا من الكتاب، وعلى كِلا القَوْلَيْن فهي حالٌ مقدَّرة، لأنَّ وقتَ الإِيتاء لم يكونوا تالين، ولا كانَ الكتابُ مَتْلُواً. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ ((يَتْلونه)) خبراً، و((أولئك يؤمنون)) خبراً. بعد خبر، قال: ((مثلُ قولهم: (هذا حلوٌ حامِضٌ)» كأنه يريدُ جَعْلَ الخبرينِ في معنى خبرٍ واحدٍ، هذا إنْ أُريد بـ ((الذين)) قومٌ مخصوصونَ، وإنْ أُرِيدَ بهم. العمومُ كانَ (أولئِكَ يُؤْمِنونُ)) الخبرَ. قال جماعة - منهم ابنُ عطية (٤). وغيرُه ـ- ((ويَتْلُونه)) حالٌ لَا يُسْتَغْنى عنها وفيها الفائدةُ)). وقال أيضاً أبو البقاء(٥). ((ولا يجوزُ أن يكونَ ((يَتْلُونه)) خبراً لئلا يلزَمَ منه أنَّ كِلَّ مؤمِنٍ يتلو الكتاب حقَّ : (١) الآية ٨١ من آل عمران: ((وإذ أخَذَ اللهُ ميثاقَ النبيِّين لَمَا آتَيْتُكم من كتابٍ)). (٢) الآية ١٨ من الأعراف. (٣) الآية ٧٣ من المائدة. (٤) التفسير ٤٠٨/١. (٥) الإملاء ١ /٦١. ٩٤ - البقرة - تلاوته بأيِّ تفسيرِ فُسِّرَت التلاوةُ». قال الشيخ(١): ((ونقول ما لَزِمَ من الامتناع مِنْ جَعْلِها خبراً يلزمُ في جَعْلِها حالاً لأنَّه ليس كل مؤمنٍ على حالِ التلاوة بِأَيّ تفسير فُسِّرت التلاوة)). قوله: ((حَقَّ تلاوته)) فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنَّه نُصِبَ على المصدرِ وأصلُه: ((تلاوةً حقاً)) ثم قُدِّم الوصفُ وأُضيفَ إلى المصدرِ، وصار نظير: ((ضَرَبْتَ شديدَ الضربِ)) أي: ضَرْباً شديداً. فلمّا قُدِّم وصفُ المصدرِ نُصِبَ نَصْبَه. الثاني: أنه حالٌ من فاعل ((يَتْلونه)) أي: يَتْلُونه مُحِقِّينٍ، الثالث: أنه نَعْت مصدرٍ محذوفٍ. وقال ابن عطية(٢): ((و (حَقَّ)) مصدرٌ والعاملُ فيه فعلٌ مضمرٌ وهو بمعنى أَفْعَل، ولا تجوزُ إضافته إلى واحدٍ معرَّفٍ، إنما جازَتْ هنا لأنَّ تَعَرُّفَ التلاوةِ بإضافتِها إلى الضميرِ ليس(٣) بتعرُّفٍ مَخْضٍ، وإنما هو بمنزلةِ قولِهِم: رجلٌ واحدٌ أمِّه ونسيج وحده)) يعني أنه في قوةِ أُفعَلِ التفضيلِ بمعنى أحقَّ التلاوةِ، وكأنه يرى أنَّ إضافةً أفعل غيرُ محضةٍ، ولا حاجَةً إلى تقديرٍ عاملٍ فيه لأنَّ ما قبله يَطْلُبُه. والضميرُ في ((به))(٤) فيه أربعةُ أقوالٍ، أحدُها - وهو الظاهرُ - : عَوْدُه على الكتاب. الثاني: عَوْدُه على الرسولِ، قالوا: ((ولم يَجْرِ له ذِكْرٌ لكنَّه معلومٌ)) ولا حاجةَ إلى هذا الاعتذارِ فإنه مذكور في قوله: ((أَرْسلناك))، إلا أنَّ فيه التفاتاً من خطابٍ إلى غَيْبة. الثالثُ: أنَّه يعودُ على اللهِ تعالى، وفيه التِفاتُ أيضاً من ضميرٍ المتكلُّمِ المعظّمِ نفسَه في قوله: ((أَرْسلناك)) إلى (١) البحر ٣٦٩/١. (٢) التفسير ٤٠٨/١. (٣) الأصل: ((وليس)) بإقحام الواو. (٤) يعني «به)) في قوله تعالى: ((أولئك يؤمنون به)). ٩٥ - البقرة ــ الغَيْبة. الرابعُ: قال ابن عطية (١): ((إنه يعودُ على ((الهدى)) وقَرَّره بكلامٍ حَسَنٍ. . (٢) قوله: ((وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ)) العاملُ في ((إذ» قال. العامِلُ فيه ((اذكر)» مقدراً، وهو مفعولٌ، وقد تقدَّم أنَّه لا يَتَصَرَّفُ، فالْأَوْلَى ما ذَكَرْتُه أولاً، وقَدَّره ... (٣) كان كَيْتَ وَكَيْتَ، فَجَعَلَه ظرفاً، ولكنَّ عاملَه مقدرٌ. و((ابتلى)) وما بعده في محلُّ خفضٍ بإضافةِ الظرفِ إليه. وأصلُ ابتلى: ابتلَوَ، فألفُه عن واوٍ، لأَنَّه من بَلا يَبْلو أي: اختبرَ. و «إبراهيمَ)) مفعولٌ مقدمٌ، وهو واجبُ التقديمِ عند جمهورِ النحاةِ؛ لأنه متى أَتَّصل بالفاعلِ ضميرٌ يعودُ على المفعولِ وَجَبَ تقديمُه لئلا يعودَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظاً ورتبةً. هذا هو المشهورُ، وما جاءَ على خلافِهِ عَذُوه ضرورةً. وخالَفَ أبو الفتح (٤) وقال: ((إنَّ الفعلَ كما يَطْلُبُ الفاعلَ يطلُبُ المفعولَ فصارَ لِلَّفْظِ به شعورٌ وطَلَبٌ)) وقد أنشد ابن مالك(٥) أبياتاً كثيرةً تأخّر فيها المفعولُ المتصلُ ضميرُهُ بالفاعلِ ، منها (٦): ٧٠٦ - لَّمَّا عصى أصْحابُه مُصْعَباً أَدَّى إليه الكيلَ صاعاً بصاعْ ومنها(٧): ٧٠٧ - جَزَى بَنُوه أَبَا الغَيْلانِ عن كِبَرِ وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزَىْ سِنِمَّارُ (١) التفسير ٤٠٨/١. (٢) بياض في الأصل بقدر ثلاث كلمات، وكذا في النسخ الأخرى. (٣) بياض في الأصل بقدر ثلاث كلمات، وكذا في النسخ الأخرى. (٤) وهو ابن جني وتقدمت ترجمته. (٥) انظر: شرح الكافية الشافية ٥٨٦/٢. (٦) البيت للسفاح بن بكير اليربوعي، وهو في المفضليات ٣٢٣؛ والخزانة ١٤٠/١. (٧) البيت لسليط بن سعد، وهو في أمالي الشجري ١٠١/١؛ والأشموني ٥٩/٢؛ وابن عقيل ٣٦/٢؛ والهمع ٦٦/١؛ والدرر ٤٥/١. ٩٦ - البقرة - وقال ابنُ عطية(١): ((وقَدَّم المفعولَ للاهتمامِ بِمَنْ وَقَع الابتلاءُ [به]، إذ معلومٌ أنَّ اللهَ هو المبتلي، واتصالُ ضميرِ المفعولِ بالفاعلِ موجِبُ للتقديم)) يعني أنَّ الموجِبَ للتقديمِ سبيان: سببٌ معنويٌّ وسببٌ صناعي. و ((إبراهيم)) عَلَمْ أَعْجَمي، قيل: معناه قبل النقلِ: أبٌ رحيمٌ، وفيه لغاتٌ تسعٌ، أشهرُها(٢): إبراهيم بألف وياء، وإبراهام بألِفَيْن، وبها قرأ هشام وابنُ ذكوان في أحدٍ وَجْهَيْهِ في البقرةِ، وانفرَدَ هشام بها في ثلاثةِ مواضعَ من آخرِ النساءِ وموضِعَيْنِ في آخرِ بَراءة وموضعٍ في آخرِ الأنعام وآخرِ العنكبوت، وفي النجم والشورى والذاريات والحديد والأول من الممتحنة، وفي إبراهيم وفي النحل موضعين وفي مريم ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعاً منها خمسةً عشرَ في البقرة وثمانيةَ عشرَ في السور المذكور. ورُوي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك. ويروى أنه قيل لمالكِ بنِ أنس: إنَّ أهلَ الشامِ يقرؤون ستةً وثلاثين موضعاً: إبراهام بالألف، فقال: أهلُ دمشقِ بأكل البطيخ أبصرُ منهم بالقراءةِ. فقيل: إنَّهم يَدَّعون أنها قراءةٌ عثمانَ، فقال: هذا مصحف عثمانَ فَأَخْرِجِه فوجَدَه كما نُقِل له. الثالثة: إبراهِم بألفٍ بعد الراء وكسرِ الهاءِ دون ياءٍ، وبها قرأ أبو بكر(٣)، وقال زيدٌ بن عمرو بن نفيل (٤): ٧٠٨ - عُذْتُ بما عاذَ به إبراهِمُ إذ قالَ وَجْهِي لك عانٍ رَاغِمُ الرابعة: كذلك، إلا أنه بفتحِ الهاءِ. الخامسة: كذلك إلا أنه بضمِّها. (١) التفسير ٤١٠/١. (٢) انظر: السبعة ١٦٩؛ والكشف ٢٦٣/١؛ والبحر ٣٧٤/١. (٣) شعبة بن عياش الأسدي الکوفي راوي عاصم عرض على عطاء وروى عنه إسحاق ابن عيسى. توفي سنة ١٩٣. انظر: طبقات القراء ٣٢٧/١. غير أن صاحب السبعة لم ينص على هذه القراءة. (٤) وينسب أيضاً لعبدالمطلب، وهو في إعراب ثلاثين سورة ٤ برواية أبرهم، والبحر ٣٧٢/١. ٩٧ - البقرة - السادسة: إبْرَهَم بفتح الهاء من غير ألفٍ وياء، قال عبدالمطلب(١) .. ٧٠٩ - نحنُ آلُ اللهِ في كَعْبته لم نَزَلْ ذاكَ على عهد أبْرَهَمْ السابعة: إبراهوم بالواو. قال أبو البقاء (٢): ((ويُجْمع على أَباره عند قومٍ وعند آخرين بَراهم. وقيل: أبارِهَة وبَرَاهِمَة، ويجوز أَبَارِهة)) وقال المبرُّد: ((لا يقال: بَراهِمَة فإنَّ الهمزةَ لا يَجُوز حَذْفُها)). وحكى ثعلب في جمعِه: بَرَاهِ، كما يُقال في تصغيره: ((بُرَيْهِ)) بحذفِ الزوائدِ. والجمهورُ على نصبِ ((إبراهيم)) ورفعِ ((ربُّه)) كما تقدَّم، وقرأ(٣) ابن عباس وأبو الشعثاء(٤) وأبو حنيفة(٥) بالعكس. قالوا: وتأويلُها دَعًا ربَّه، فسَمَّى دعاءَه ابتلاءً مجازاً لأنَّ في الدعاءِ طلبَ استكشافٍ لِما تجري به المقاديرُ. والضميرُ المرفوعُ في (فَأَتَمَّهُنَّ)) فيه قولان: أحدُهما أنه عائدٌ على ((ربه)) أي: فأكملهنَّ. والثاني: أنه عائدٌ على إبراهيم أي: عَمِل بهنَّ وَوَفَّى بهنَّ. قوله: ((قال إني)) هذه الجملةُ القولية يجوز أَنْ تكونَ معطوفةً على ما قبلَها، إذا قلنا بأنها عاملةٌ في ((إِذَ)) لأن التقديرَ: وقالَ إني جاعِلُكَ إذ ابتلى، ويجوزُ أن تكونَ استئنافً إذا قلنا: إنَّ العاملَ في ((إذ) مضمرٌ، كأنه قيل: فماذا قال له ربُّه حين أتّمَّ الكلماتِ؟ فقيل: قال: إني جاعِلُك. ويجوزُ فيها أيضاً على هذا القولِ أن تُكونَ بياناً لقوله: ((ابتلى)) وتفسيراً له، فيُرادُ بالكلماتِ (١) زاد المسير ١٣٩/١؛ إعراب ثلاثين سورة ٤؛ والهمع ٥٠/٢؛ والدرر ٦٢/٢. (٢) الإِملاء ١ / ٦١. (٣) البحر ٣٧٤/١؛ الشواذ ٩. (٤) جابر بن زيد الأزدي، أثنى عليه ابن عباس توفي سنة ١٠٣، انظر: صفة الصفوة ٠٢٣٧/٣ (٥) النعمان بن ثابت، الفقيه الكبير، روى عن الأعمش وعاصم، وروى عنه الحسن بن زياد وتوفي سنة ١٥٠. انظر: طبقات القراء ٣٤٢/٢. ٩٨ - البقرة - ما ذَكّره من الإِمامةِ وتَطْهِيرِ البيتِ وَرَفْعِ القواعدِ وما بعدَها، نَقَل ذلك الزمخشري (١). قوله: ((جاعِلُك)) هو اسمُ فاعلٍ من «جَعَلَ» بمعنى صَيَّر فيتعذَّى لاثنين أحدُهما: الكافُ وفيها الخلافُ المشهورُ: هل هي في محلِّ نصبٍ أوجرِّ؟ وذلك أن الضميرَ المتصل باسمِ الفاعلِ فيه ثلاثة أقوال، أحدُها: أنه في محلٌّ جرِّ بالإِضافة. والثاني: أنه في محلُّ نصبٍ، وإنَّما حُذِفَ التنوينُ لشدةِ اتصالِ الضميرِ، قالوا: ويَدُلُّ على ذلك وجودُه في الضرورةِ كقولهم (٢): ٧١٠ - فما أَدْري وظني كلَّ ظَنِّ أَمُسْلِمُني إلى قومي شُراحي وقال آخر(٣): ٧١١ - هُمُ الفاعلونَ الخيرَ والأمِرُونه وهذا على تسليمِ كون نون (مُسْلِمُني)) تنويناً، وإلَّ فالصحيحُ أنها نونُ [٥١/ب] وقايةٍ. الثالث - وهو مذهبُ سيبويه(٤) _ / أنَّ حكمَ الضميرِ حكمُ مُظْهره فما جاز في المُظْهَرِ يجوزُ في مضمرِهِ. والمفعولُ الثاني إماماً. قوله: ((للناس)) يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلُّقٌ بجاعل أي لأجلِ الناس. والثاني: أنه حالٌ من ((إماماً)) فإنه صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها . فيكونُ حالاً منها، إذ الأصلُ: إماماً للناسِ ، فعلى هذا يتعلقُ بمحذوفٍ. والإِمامُ: (١) الكشاف ٣٠٩/١. (٢) البيت ليزيد بن محمد الحارثي، وهو في المحتسب ٢٢٠/٢؛ والبحر ٣٦١/٧؛ والعيني ٣٨٥/١؛ والهمع ٦٥/١؛ والدرر ٤٣/١. (٣) لم أهتد إلى قائله، وعجزه: إذا ما خَشُوا من مُحْدَثِ الأمر مُعْظَمَا وهو في الكتاب ٩٦/١؛ الكامل ٢٠٦؛ وابن يعيش ١٢٥/٢؛ والدرر ٢١٥/٢. (٤) الكتاب ٥٢/١. ٩٩ - البقرة - اسمُ ما يُؤْتَمُّ به أي يُقْصَدُ وِيُتَّبَعُ كالإِزار اسمُ ما يُؤْتَزَرُ به، ومنه قيل لخيط البنَّاءِ: ((إِمام))، ويكون في غيرِ هذا جَمْعاً لآمّ اسمٍ فاعلٍ من أَمَّ يُؤُمُّ نحو: قائم وقِیام، ونائم ونیام وجائع وجياع. قوله: (ومِنْ ذَرِّيَّتِي)) فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أَنَّ ((مِنْ ذريتي)) صفةٌ الموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولٌ أولُ، والمفعولُ الثاني والعاملُ فيهما محذوفٌ تقديرُه: ((قال واجْعَلْ فريقاً من ذريتي إماماً)) قاله أبو البقاء(١). الثاني: أنَّ ((ومِنْ ذُرِّيَّتي)) عطفٌ على الكافِ، كأنَّه قال: ((وجاعلُ بعضِ ذريتي)) كما يُقال لك: سَأُكْرِمك، فتقول: وزيداً. قال الشيخ(٢): ((لا يَصِحُّ العطفُ على الكافِ لأنَّها مجرورةٌ، فالعطفُ عليها لا يكونُ إلا بإعادة الجارّ(٣)، ولم يُعَدْ، ولأنَّ ((مِنْ)) لا يُمْكِنُ تقديرُ إضافةِ الجارِّ إليها لكونها حرفاً، وتقديرُها مرادفةً لبعض حتى تَصِحَّ الإِضافةُ إليها لا يَصِحُّ، ولا يَصِحُّ أن يقدَّرَ العطفُ من باب العطفِ على موضعِ الكاف لأنَّه نصبٌ فَتُجْعَلَ ((مِنْ)) في موضعِ نصبٍ لأَنَّه ليسَ مِمَّا يُعْطَفُ فيه على الموضعِ في مذهبٍ سيبويهِ لفواتِ المُحْرِزِ، ولَيْسَ نِظِيرَ ما ذَكَر لأن الكاف في ((سأكرمك)) في موضعِ نصبٍ. الثالث: قال الشيخ (٤): (والذي يَقْتضيه المعنى أن يكونَ ((مِنْ ذَرَيَّتي)) متعلقاً بمحذوفٍ، التقديرُ: واجْعَلْ مِنْ ذَرِّيّتِي إماماً لأنَّ ((إبراهيم)) فَهِمَ من قولِه: إني جاعلُك للناسِ إماماً الاختصاصَ، فسأل أَنْ يَجْعلِ مِنْ ذريتِه إماماً» فإنْ أرادَ الشيخُ التعلُّقَ الصناعيّ فيتعدَّى ((جاعل)) لواحدٍ، فهذا ليسَ بظاهرٍ، وإن أرادَ التعلَّقَ المعنويَّ فيجوزُ أَنْ يريدَ ما يريده أبو البقاء. ويجوزُ أَنْ يكونَ «مِنْ ذَرِّيَّتي)» مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأولِ فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، وجاز ذلك لأنه يَنْعَقِدُ من هذين الجزأين مبتدأٌ وخبرٌ (١) الإملاء ١/ ٦١. (٢) البحر ٣٧٦/١. (٣) الجار هو: جاعل. (٤)، البحر ٣٧٧/١. ١٠٠