النص المفهرس
صفحات 61-80
- البقرة - عنه بأنَّ معناه لم نُذْهِبْ بالجميع. وهذا نهايةُ ما وَقَعْتُ عليه من كلام الناس. قوله: ((نَأْت)) هو جوابُ الشرط، وجاء فعلُ الشرطِ والجزاءِ مضارعَيْنِ، وهذا التركيبُ أفصحُ التراكيبِ، أعني: مجيئهما مضارِعَيْن. وقوله: ((بخيرٍ منها)) متعلَّقٌ بِنَأْتِ، وفي ((خير)) هنا قولان، الظاهرُ منهما: أنها على بابها من كونها للتفضيل، وذلك أنَّ الآتيَ به إن كانَ أَخفَّ من المنسوخ أو المنسوء فخيريَّتُه بالنسبة إلى سقوطِ أعباء التكليف، وإنْ كانَ أَثْقَلَ فخيريّتُه بالنسبة إلى زيادةِ الثوابِ، وقولُه: ((أو مثلِها)) أي في التكليف والثواب، وهذا واضحٌ. والثاني: أن ((خيرً) هنا مصدرٌ، وليس من التفضيلِ في شيء، وإنَّما هو خيرٌ من الخُيورِ، كخير في قوله: ((أَنْ يُنَزِّل عليكم من خَيْرِ من ربكم))(١) و((مِنْ) لابتداء الغاية، والجارُّ والمجرور صفةٌ لقوله ((خير)) أي: خيرٌ صادِرٌ من جهتها، والمعنى عند هؤلاء: مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو نؤخِّرْها نأتِ بخيرٍ من الخيورِ من جهةٍ المنسوخِ أو المنسوء. وهذا بعيدٌ جداً لقوله بعدَ ذلك: ((أو مثلِها))، فإنه لا يَصِحُّ عَطْفُه على ((بخير)» على هذا المعنى، اللهم إلَّ أَنْ يُقْصَدَ بالخيرِ عَدَمُ التكليفِ، فيكونَ المعنى: نَأْتِ بخيرٍ من الخُيور، وهو عَدَمُ التكليفِ أو نَأْتِ بمثلِ المنسوخِ أو المَنْسوء. وأمَّا عَطْفُ ((مثلِها)) على الضمير في (منها))، فلا يجوزُ إلا عند الكوفيين(٢)، لعدمِ إعادةِ الخافضِ، وقوله: ((ما نَّنْسَخْ)) فيه التفاتٌ من غيبةٍ إلى تكلم، ألا ترى أنَّ قبله ((واللهُ يَخْتَصُّ)) ((والله ذو الفضلِ)». والنَّسْخُ لغةً: الإِزالةُ بغيرِ بدلٍ يُعْقِبُه، نَسَخَتِ الريحُ الأثرَ والشمسُ الظلَّ، أو تَقْلُ الشيءٍ من غير إزالة [نحو:] نُسَخْتُ الكتابَ، وقال بعضُهم (٣): (١) الآية ١٠٥ من البقرة. (٢) انظر المسألة في: الإنصاف ٤٦٣. (٣) انظر: مفردات الراغب ٥١١؛ ابن عطية ٣٧٧/١. ٦١ - البقرة - (والنسخُ: الإِزالةُ، وهو في اللغةِ على ضَرْبَيْن: ضرب فيه إزالةُ شيءٍ وإقامةُ غيرَهُ مُقَامَه نحو: ((نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ)) فإنَّها أزالته وقامَتْ مَقامَه، ومنه («مَا نَنْسَخْ من آية))، والثاني: أن يُزِيلَه ولا يَقُومَ شيءٌ مقامَه نحو: نَسَخَتِ الريحُ الأثر ومنه: فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشيطانُ(١)، والنسيئة: التأخيرُ كما تقدَّم، والإِمضاءُ أيضاً قال(٢): ٦٧٣ - أَمُونٍ كَأَلْواحِ الإِرانِ نَسَأْتُها على لاحِبٍ كَأنَّه ظَهْرُ بُرْجُدِ آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿أَلم تَعْلَمْ﴾: هذا استفهامٌ معناهُ التقريرُ، فلذلك لم يَحْتَجْ إلى معادِلٍ يُعْطَفُ عليه بـ((أم))، وأَمْ في قوله: ((أم تُریدون»: آ. (١٠٨) منقطعةٌ هذا هو الصحيحُ في الآيةِ. قال ابنُ عطية(٣): (ظاهرُه الاستفهامُ المخضُ، فالمعادِلُ هنا على قولِ جماعةٍ: أَمْ تريدون؛ وقال قومٌ: أَمْ منقطعةٌ، فالمعادِلُ محذوفٌ تقديرُهُ: أَمْ عَلِمْتُم، هذا إذا أُريدَ بالخِطابِ أمتُه عليه السلام، أمَّا إذا أُرِيدَ هوبه فالمعادِلُ محذوفٌ لا غيرٌ، وكِلاَ القَوْلَينِ مَرْوِيُّ)) انتهى. وهذا غيرُ مَرْضِيٍّ لِمَا مَرَّ أَنَّ المرادَ بِهِ التقريرُ فهو كقوله: ((أَلَيسَ اللهُ بكافٍ عبدَه))(٤) ((أَلَمْ نَشْرَحْ لك صدرَك))(٥) والاستفهامُ بمعنى التقريرِ كثيرٌ جداً لا سيما إذا دَخَلَ على نفيٍ كما مَثَلْتُه لك. وفي قوله: ((أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ)) التفاتان، أحدُهما: خروجٌ من خطاب (١) الآية ٥٢ من سورة الحج. (٢) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ١٢، وشرح القصائد للتبريزي ١٤١؛ والبحر ٣٣٧/١. والأمون: صفة للناقة أي: يؤمن عثارها، والإِران: تابوت السادة، واللاحب: الطريق المنقاد، والبرجد: كساء مخطط . (٣) التفسير ٣٨٥/١. (٤) الآية ٣٦ من الزمر. (٥) الآية ١ من الانشراح. ٦٢ - البقرة - جماعةٍ وهو ((خيرٍ مِنْ ربَّكم))، والثاني: خروجُ من ضميرِ المتكلِّم المعظّمِ نفسَه إلى الغَيْبَةِ بالاسمِ الظاهر، فلم يقل: ألم تعلموا أننا، وذلكَ لِما لا يَخْفَى من التعظيمِ والتفخيم. و((أَنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قدير)): أَنَّوما في حَيِّزِها : إمَّا سادةٌ مسدّ مفعولَيْنِ كما هو مذهبُ الجمهورِ، أو واحدٍ والثاني محذوفٌ كما هو مذهبُ الأخفشِ حَسْبَ ما تقدَّم من الخلافِ. آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿لهُ مُلْكُ﴾ .. يجوزُ في ((مُلْك)» وجهان، أحدُهما أنَّه مبتدأ وخبرُه مُقَدَّمِ عليه، والجملةُ في محلَّ رفعٍ خبرٌ لـ((أنَّ). والثاني: أنه مرفوعٌ بالفاعليةِ، رَفَعَه الجارُّ قبله عند الأخفش، لا يقال: إنَّ [٤٨/أ] الجارَّ هنا قد اعتمد لوقوعِه خبراً لـ((أَنَّ)، فيرفعُ الفاعلَ / عند الجميع(١)، لأنَّ الفائدة لم تتمَّ به فلا يُجْعَلُ خبراً. والمُلْكُ بالضمَّ الشيءُ المَمْلوك، وكذلك هو بالكسرِ، إلا أنَّ المضمومَ لا يُسْتَعْمَل إلا في مواضِعِ السَّعَةِ وبَسْطِ السُّلْطانِ. قوله: ((وما لكم مِنْ دونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ)) يجوزُ في ((ما)» وجهان، أحدُهما: كونُها تميميَّةً فلا عَمَلَ لها فيكونُ ((لكم)) خبراً مقدماً، و ((مِنْ وليّ)» مبتدأً مؤخراً زيدت فيه ((مِنْ)) فلا تعلُّقَ لها بشيءٍ. والثاني: أن تكونَ حجازيةً وذلك عند مَنْ يُجيز تقديمَ خبرِها ظرفاً أو حرفَ جرِّ، فيكونُ ((لكم)) في محلٌّ نصبٍ خبراً مقدَّماً، و((مِنْ وليّ)) اسمها مؤخراً، و((مِنْ)) فيه زائدةٌ أيضاً. و((مِنْ دونِ اللهِ)) فيه وجهان، أحدُهما أنَّه متعلَّقُ بما تَعَلَّقَ به ((لكم)) من الاستقرارِ المقدَّرِ، و((مِنْ)) لابتداءِ الغاية. والثاني: أنَّه في محلِّ نصبٍ على الحالِ من قوله: ((مِنْ وَلِيّ أو نصير)) لأنَّه في الأصلِ صفةٌ للنكرةِ، فلمَّا قُدِّم عليها انتصَبَ حالاً، قاله أبو البقاء(٢). فعلى هذا يتعلَّقُ بمحذوفٍ غيرِ الذي تعلّق به (١) هذا سهو من المؤلف، فليس جميع النحاة يقرون بأنَّ الجارَّ إذا اعتمد لوقوعه خبراً وثمت الفائدة به يرفع فاعلاً كما هو في قولنا: ((إن زيداً في الدار أبوه)) وإنما هذا مذهب من مذاهبهم. (٢) الإملاء ٥٧/١. ٦٣ - البقرة - ((كم)). ((ولا نصير)) عطفٌ على لفظِ ((ولي)) ولو قُرِىءَ برفعِهِ على الموضِع لكان جائزاً. وأتى بصيغة فَعيل في ((وليَّ)) و((نَصير)) لأنها أَبْلَغُ من فاعل، ولأنَّ ((وليًّا) أكثرُ استعمالاً من ((والٍ)) ولهذا لم يَجِيءُ في القرآن إلا في سورةٍ (١). الرعدِ، وأيضاً لتواخي الفواصلِ وأواخرِ الآي. وفي قوله ((لكم)) انتقالٌ من خطابِ الواحدِ لخطابِ الجماعةِ، وفيه مناسَبَةٌ، وهو أنَّ المنفيَّ صار نَصَّأَ في العمومِ بزيادةِ ((مِنْ)) فناسَبَ كونَ المَنْفِيِّ عنه كذلكَ فُجُمِعَ لذلك. آ. (١٠٨) قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدون﴾ .. قد تَقَدَّم أنَّ ((أَمْ)) هذه يجوزُ أن تكونَ متصلةً معادِلَةً لقوله: ((ألم تَعْلَمْ))، وأَنْ تكونَ منقطعةً وهو الظاهرُ، فَتُقَدَّر ببلِ والهمزِ، ويكون إضرابَ انتقالٍ من قصةٍ إلى قصةٍ، قال أبو البقاء (٢): ((أَمْ هنا منقطعةٌ، إذ ليسَ في الكلامِ همزةٌ تقعُ موقعَها، ومع (٣) أم: أيُّهما، والهمزةُ من قولِه: ((ألم تعلمْ)) ليسَتْ مِنْ أم في شيءٍ، والمعنى: بل أتريدون)) فَخَرَجَ مِن كلام إلى كلام. وأصلُ تُريدون: تُرْوِدُونِ، لأنه مِنْ رَادَ يَرُودُ، وقد تقدَّم، فَتُقِلَتْ حركةُ الواوِ على الراءِ فَسَكْنَت الواوُ بعد كسرةٍ فَقُبِلَتْ ياءً. وقيل ((أم)) للاستفهام ، وهذه الجملةُ منقطعةٌ عما قبلها. وقيل: هي بمعنى بل وحدَها، وهذان قولان ضعيفان. قوله: ((أَنْ تَسْأَلُوا)) ناصبٌ ومنصوبٌ في مجلِّ نصبٍ مفعولاً به بقوله: (تُريدون))، أي: أتريدون سؤالَ رسولِكم. قولُه: ((كما سُئِلَ)) متعلَّقُ بتَسْأَلوا، والكافُ في محلِّ نصبٍ، وفيها التقديران المشهوران: فتقديرُ سيبويه(٤) أنَّها حالٌ من ضمير المصدرِ المحذوفِ (١) الآية ١١ من الرعد: ﴿وما ◌ُهَمْ من دونِهِ مِنْ والٍ﴾. (٢) الإملاء ١ /٥٧. (٣) عبارة أبي البقاء ((وموقع أم))، ويعني أن أم المتصلة موقعُها أيهُما. (٤) الكتاب ١٦/١٪. ٦٤ - البقرة - أي: أَنْ تَسْأَلُوه أي: السؤالَ حالَ كونِه مُشَبَّهاً بسؤالِ قومِ موسى له، وتقديرُ غيرِه - وهم جمهور النحويين - أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إن تسألوا رسولكم سؤالاً مشبهاً كذا. و((ما)» مصدرية، أي: كسؤال موسى، وأجاز الحوفي(١) كونها بمعنى الذي فلا بدَّ من تقدير عائد، أي كالسؤال الذي سُئِله موسى. و ((موسى)) مفعول لم يُسمَّ فاعله، حُذِف الفاعل للعلم به، أي كما سأل قوم موسى . والمشهور: ((سُئِل)) بضم السين وكسر الهمزة، وقرأ الحسن(٢): ((سِيل)) بكسر السين وياء بعدها، مِنْ: سالَ يسال نحو خِفْتُ أخاف، وهل هذه الألفُ في ((سال)) أصلُها الهمزُ أولا؟ تقدَّم خلافٌ في ذلك وسيأتي تحقيقُه في (سَأَلَ)(٣)، وقُرىء بتسهيلِ الهمزةِ بينَ بينَ(٤). و ((من قبلُ)) متعلق بسُئِل، و «قبلُ)) مبنيةٌ على الضَمِّ لأن المضافَ إليه معرفةٌ أي: من قبلِ سؤالِكم. وهذا توكيدٌ، وإلّ فمعلومٌ أَنَّ سؤال موسى كان متقدِّماً على سؤالهم. قوله: ((بالإِيمان)» فيه وجهان، أحدُهما: أنها باء العِوَضيَّة، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. والثاني: أنها للسببية، قال أبو البقاء(٥): ((يجوز أن يكونَ مفعولاً بيتبدَّل، وتكون الباءُ للسبب كقولك: اشتريْتُ الثوبَ بدرهمٍ)) وفي مثالِه هذا نظرٌ. ((فقد ضَلَّ سواءَ السبيل)) قُرِىَء بإدغام الدال في الضاد وإظهارها (٦)، و((سواء)) (١) علي بن إبراهيم، له: إعراب القرآن والموضح، توفي سنة ٤٣٠. انظر: البلغة ١٤١؛ والبغية ١٤٠/٢. (٢) البحر ٣٤٦/١؛ وابن عطية ٣٨٨/١؛ الشواذ ٩. (٣) من الآية ١ من المعارج. (٤) أي بين الهمزة والياء مع ضم السين، كما في ابن عطية ٣٨٨/١. (٥) الاملاء ٥٧/١. (٦) انظر مذاهب القراء في الإدغام: السبعة ١١٣؛ والكشف ١٤٥/١. ٦٥ - البقرة - قال أبو البقاء(١): ((سواء السبيلِ ظرفٌ بمعنى وَسَطِ السبيلِ وأعدله)) وهذا صحيحٌ فإنَّ ((سَواء)) جاء بمعنى وَسَط، قال تعالى: ((في سواءِ الجحيم))(٢)، وقال عيسى بن عمر: (ما زلت أكتب حتى انقطع سَوائي))(٣) وقال حسان(٤): بعدَ المُغَيِّبِ فِي سَواءِ المُلْحَدِ ٦٧٤ - يا ويحَ أصحابِ النبيِّ ورَهْطِه ومن مجيئه بمعنى العَدْلِ قولُ زهير (٥): ٦٧٥ - أَرُونا خُطَّةً لا عيبَ فيها يُسَوِّي بيننا فيها السَّواءُ والسبيلُ يُذَكَّر ويؤَنَّث: ((قُلْ هذه سبيلي))(٦). والجملةُ من قولِه: ((فَقَدْ ضَلَّ)) في محلِّ جزمٍ لأنَّها جزاءُ الشرطِ، والفاءُ واجبةٌ هنا لعَدَمِ صلاحِيتِهِ شَرْطَاً . آ. (١٠٩) قوله تعالى: ﴿وَدَّ كثيرٌ مِنْ أَهلِ الكتابِ لُو يَرُدُّونكم﴾ : الكلامُ في ((لو) كالكلامِ فيها عندَ قوله: ((يَوَدُّ أَحدهم لو يُعَمِّر))(٧)، فَمَنْ جَعَلَها مصدريةً هناك جعلها كذلك هنا، وقال: هي مفعولُ ((يَوَدُ))، أي: وَدِّ كثيرٌ رَدَّكم. ومَنْ أبى جَعَلَ جوابَها محذوفاً تقديرُه: لو يَرُدُّونَكم كفاراً لَسُرُّوا - أو فرحوا - بذلك، وقال بعضُهم: تقديرُه: لو يَرُدُّونكم كفاراً لَوْدُّوا ذلك، فَوَدَّ دالَّةٌ على الجوابِ وليسَتْ بجوابٍ لأنَّ ((لو)) لا يتقدَّمُها جوابُها كالشرط. وهذا التقديرُ الذي قَدَّره هذا القائلُ فاسدٌ؛ وذلك أنَّ(لو)) حرفٌ لما كان سيقعُ لوقوعِ (١) الاملاء ١ /٥٧. (٢) الآية ٥٥ من الصافات. (٣) انظر: مجاز القرآن ٥٠/١. (٤) ديوانه ١٥٤؛ واللسان: سواء مجاز القرآن ٥٠/١. (٥) تقدم برقم ١٤٢. (٦) الآية ١٠٨ من يوسف. (٧) الآية ٩٦ من البقرة. ٦٦ ز - البقرة - غيرِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ تقديرِه ذلك أن وَدَادَتَهُم ذلك لم تَقَعْ، لأن الموجَبَ لفظاً منفيٍّ معنَّى، والغرضُ أن ودَادَتَهم ذلك واقعةٌ باتفاقٍ، فتقديرُ: لَسُرُّوا ونحوِه هو الصحيحُ. و((يَرُدُّ) هنا فيه قولان، أحدُهما - وهو الواضحُ - أنها المتعديةُ لمفعولين بمعنى صَيِّر، فضميرُ المخاطبين مفعولٌ أَوَّلُ، و((كفاراً)) مفعولٌ ثانٍ، ومِنْ مجيء رَدَّ بمعنى صَيَّر قوله(١): بِمِقْدَارٍ سَمَدْنَ له سُمودا ٦٧٦ - رمى الحَدَثانُ نسوةَ آلِ حربٍ وَرَدَّ وجوهَهُنَّ البِيضُ سُودا فَرَدَّ شعورَهُنَّ السُّودَ بيضاً وجَعَلَ أبو البقاء(٢) ((كفاراً)) حالاً من ضميرِ المفعولِ على أنَّها المتعديةُ الواحدٍ، وهو ضعيفٌ لأنَّ الحالَ يُسْتَغْنِى عنها غالباً، وهذا لا بُدَّ منه. و ((مِنْ بعدِ)) متعلَّقٌ بَيَرُدُّونكم، و((مِنْ)) لابتداءِ الغاية. قوله: ((حَسَدَاً)) نصبُ على المفعولِ له، وفيه الشروطُ المجوِّزة لنصبِهِ، والعاملُ فيه ((وَدَّ) أي : الحاملُ على ودَادَتِهِم رَدَّكم كفاراً حَسَدُهم لكم. وجَوَّزوا فيه وجهين آخرين، أحدُهما: أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ، وإنما لم يُجْمَعْ لكونه مصدراً، أي: حاسِدِين، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ مجيءَ المصدرِ حالاً لا يَطَرِدُ. الثاني: أنه منصوبٌ على المصدريةِ بفعلٍ مقدَّرٍ من لفظِه أي يَحْسُدونكم حَسَداً، والأولُ أظهرُ الثلاثة . قوله: ((مِنْ عندِ أنفسِهم)) في هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه متعلَّقٌ بوَدَّ، أي: وَدُّوا ذلك مِنْ قِبَلِ شَهَواتِهم لا من قبلِ التّدَيُّنِ، و((مِنْ)) لابتداءِ (١) البيتان للكميت بن معروف أو عبدالله بن الزبير، وهما في أمالي القالي ١١٥/٣؛ والأضداد ٣٦؛ والحماسة ٤٦٤/١؛ ومجالس ثعلب ٤٣٩/٢؛ والأشموني ٢٦/٢؛ وابن عقيل ٣٣٤/١. والحدثان بفتحتين أو بكسر فسكون: نوائب الدهر، وآل حرب: بنو أمية، سمد: غفل. (٢) الاملاء ١ /٥٧. ٦٧ - البقرة :- الغايةِ. الثاني: أنه صفةٌ لـ ((حَسَدا))، فهو في محلُّ نصبٍ، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: حَسَدَاً كائناً مِنْ قِبَلهم وشهوتِهم، ومعناه قريبٌ من الأول. الثالث: أنه متعلّقٌ بيردُونكم، و(مِنْ)) للسببية، أي: يكونُ الرُدُّ مِنْ تِلْقائِهِم وجِهَتِهم وبإغوائهم. قوله: ((مِنْ بعدِ ما)) متعلِّقٌ بـ((وَدَ))، و((مِنْ)) للابتداءِ، أي إنَّ ودَادَتَهم ذلك ابتدأتْ من حينٍ وضوحِ الحقِّ وتبيّنِه لهم، فكفرُهم عنادٌ، و((ما)) مصدريةٌ أي: مِنْ بعدٍ تبيَّنِ الحقِّ. وَالحَسَدُ: تمنِّي زوالِ نعمةِ الإِنسانِ، والمصدرُ: حَسَنَدٌ وحَسَادَة. والصَّفْحُ قريبٌ من العفو، مأخوذٌ من الإعراض بِصَفْحَةِ العنقِ، وقيل: معناهُ التجاوزُ، مِنْ تَصَفَّحْتُ الكتاب أي: جاوزت / ورقَه، والصَّفوح: [٤٨/ب] من أسماء الله، والصَّفُوح أيضاً: المرأةُ تَسْتُر وجهَها إعراضاً، قال(١): ٦٧٧ - صَفُوحٌ فما تَلْقاكَ إلَّ بِحِيلةٍ فَمَنْ ملَّ منها ذلك الوصلَ مَلَّتٍ قوله: ((وما تُقَدَّموا لأنفسكم من خيرِ)) كقوله: ((ما نَنْسَخْ من آية))(٢) فيجوز في ((ما)) أن تكونَ مفعولاً بها وأن تكونَ واقعةً موقعَ المصدرِ، ويجوز في ((مِنْ خيرٍ)) الأربعةُ الأوجهِ (٣) التي في ((من آية)). من كونه مفعولاً به أو حالاً أو تمييزاً أو متعلقاً بمحذوفٍ. و((مِنْ)) تبعيضيةٌ، وقد تقدَّم تحقيقُها فَلْيُراجَع ثَمَّةَ. و((لأنفسِكم)) متعلُّق بتقدِّموا، أي: لحياةِ أنفسِكم، فَحُذِفَ، و((تَجِدُوِه)) جوابُ الشرطِ، وهي المتعدِّيةُ لواحدٍ لأنها بمعنى الإِصابةِ، ومصدرُها الوِجْدانُ بكسرِ الواو كما تقدَّم، ولا بُدَّ مِن حذفِ مضافٍ أي: تَجدوا ثوابَه، وقد جَعَلَ الزمخشري (٤) الهاءَ عائدةً على ((ما)» وهو يريد ذلك، لأنَّ الخيرَ المتقدِّم سببٌ (١) البيت لكثير، وهو في ديوانه ٤٣/١؛ والبحر ٣٣٧/١. (٢) الآية ١٠٦ من البقرة. (٣) الأفصح أن يقول: أربعة الأوجه. (٤) الكشاف ٣٠٤/١. ٦٨ - البقرة - مُنْقَضٍ لا يوجد، إنما يوجد ثوابُه. قوله: ((عند الله)) يجوزُ فيه وجهان. أحدُهما: أنه متعلقٌ بـ((تجدوه)). والثاني: أنه متعلُّقُّ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعولِ أي: تَجِدُوا ثوابَه مُدَّخَراً مُعَدّاً عند الله، والظرفيةُ هنا مجازٌ نحو: ((لك عندَ فلانٍ يدٌ)). آ. (١١١) قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ كانَ هُوداً﴾: (مَنْ)) فاعلٌ بقوله (يَدْخُلَ)) وهو استثناءٌ مفرِغْ، فإنَّ ما قبل ((إلَّ)) مفتقرُ لِما بعدَها، والتقديرُ: لن يدخلَ الجنةَ أحدٌ، وعلى مذهبِ الفراء يجوزُ في ((مَنْ)) وجهان آخران، وهما النصبُ على الاستثناءِ والرفعُ على البدلِ من ((أحد)) المحذوفِ، فإن الفراء يراعي المحذوفَ، وهو لو صُرِّح به لجاز في المستثنى الوجهان المذكوران فكذلك مع تقديره(١) عندَه، وقد تقدَّم تحقيقُ المذهبين. والجملةُ من قولِه: ((لَنْ يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَنْ)) في محل نصبٍ بالقول، وحُمِلَ أولاً على لفظِ ((مَنْ)) فَأَفْرِدَ الضمير في قوله: ((كان))، وعلى معناها ثانياً فُجُمِع في خَبَرِها وهو ((هوداً»، وفي مثلِ هذين الحَمْلين خلافٌ، أعني أن يكونَ الخبرُ غيرَ فعل، بل وصفاً (٢) يَفْصِلُ بين مذكرِه ومؤنثِه تاءُ التأنيثِ، فمذهَبُ جمهورِ البصريين والكوفيين جوازُه، ومذهبُ غيرِهِم مَنْعُه، منهم أبو العباس، وهم مَحْجوجون بسماعِه من العربِ كهذه الآيةِ، فإنَّ هوداً جمعُ هائد على أظهر القولين، نحو: بازِل وبُزْل(٣) وعائِد وعُود وحائل وحُول وبائِر وبُور (٤) و((هائد)) من الأوصافِ الفارقِ بين مذكرِها ومؤنثِها تاءُ التأنيثِ، وقال الشاعر(٥): (١) أي إذا كان محذوفاً. وانظر: البحر ٣٥٠/١. (٢) أي: بل يكون الخبر وصفاً. (٣) جمل بازل: في تاسع سنيه. (٤) البائر: ما بار من الأرض فلم يعمر. (٥) لم أهتد إلى تمامه وقائله، وهو في البحر ٣٥٠/١. ٦٩ - البقرة - ٦٧٨ - وَيْقَظَ مَنْ كَان مِنْكم نِياما و ((نيام)) جمعُ ناثُمٍ وهو كالأول. وفي ((هُود)» ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه جمعُ هائِدٍ كما تقدَّم والثاني: أنه مصدرٌ على فُعْل نحو حُزْن وشُرْبٍ، يوصف به الواحدُ وغيرُهُ نحو: عَدْلِ وصَوْمٍ. والثالث : - وهو قَوْلُ الفراءِ (١) . أنَّ أصلَه ((يَهود)» فحُذِفَتِ الياء من أوله، وهذا بعيدٌ جداً. و ((أو)) هنا للتفصيلِ والتنويعِ لأنه لمَّا لَفَّ الضميرَ في قوله: ((وقالوا)) فَصَّل القائلين، وذلك لِفَهْمِ المعنى وأَمْنِ الإِلباس، والتقديرُ: وقالَ اليهودُ: لَنْ يدخُلَ الجنةَ إلا مَنْ كانَ هُوداً، وقال النصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَنْ كان نصارى؛ لأنَّ مِن المعلومِ أنَّ اليهودَ لا تقول: لَنْ يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَنْ كان نصرانياً وكذلك النَّصارى، ونظيرُه: ((قالوا كونوا هوداً أو نصارى))(٢) إذ معلومٌ أنَّ اليهودَ لا تَقُول: كونُوا نصارى، ولا النصارى تقول: كونوا هوداً. وصُدِّرَتٍ الجملةُ بالنفي بـ((لن)) لأنها تُخَلِّصُ للاستقبالِ ودخولُ الجنة مستقبلٌ. وَقُدَّمَتِ اليهودُ على النصارى لفظاً لتقدُّمِهِم زماناً. قوله: (تلك أمانِيُّهُمْ)) ((تلك)) مبتدأٌ، و ((أمانِيُّهم)) خبرُه، ولا محلّ لهذه الجملةِ لكونها اعتراضاً بين قوله: ((وقالوا)) وبين: ((قُلْ هاتوا برهانكم)) فهي اعتراضٌ بين الدعوى ودليلها. والمشارُ إليه بـ«تلك)) فيه ثلاثةُ احتمالاتٍ، أحدُها: أنه المقالةُ المفهومةُ مِنْ: ((قالوا لن يَدْخُلَ))، أي: تلك المقالةُ أمانُّهم، فإنْ قيل: فكيف أَفْرَدَ المبتدأ وجَمَعَ الخبرَ؟ فالجوابُ أن تلك كنايةٌ عن المقالةِ، والمقالةُ في الأصلِ مصدرٌ، والمصدرُ يقع بلفظِ الإِفرادِ للمفردِ والمثنَّى والمجموعِ، فالمرادُ بـ((تلك)) الجمعُ من حيث المعنى. والثاني : - قاله (١) معاني القرآن ٧٣/١. (٢) الآية ١٣٥ من البقرة. ٧٠ - البقرة - الزمخشري (١) - وهو أَنْ يُشار بها إلى الأماني المذكورة وهي أمْنُهُم ألَّ يُنَزَّلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم، وأمنّيْتُهم أَنْ يَرُدُّوهم كفاراً، وأُمْنِيَّتُهم ألَّ يَدْخُلَ الجنةَ غيرُهم. قال الشيخ (٢): ((وهذا ليس بظاهرٍ لأنّ كلَّ جملةٍ ذُكِرَ فيها وُدُّهم لشيءٍ قد كَمَلَتْ وانفَصَلَتْ واستقلَّت بالنزولِ، فَبْعُد أنْ يشارَ إليها)). والثالث - وإليه ذهب الزمخشري (٣) أيضاً - أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: أمثالُ تلك الْأُمْنَّة أمانِيُّهم، يريد أن أمانيّهم جميعاً في البُطْلان مثلُ أَمِنَّتِهم هذه. انتهى ما قاله، يعني أنه أُشير بها إلى واحدٍ. قال الشيخُ (٤) في هذا الوجهِ، ((وفيه قَلْبُ الوَضْعِ، إذ الأصلُ أن يكونَ((تلك)) مبتدأ، و ((أمانيُّهم)) خبرٌ، فَقَلبَ هذا(٥) الوضعِ، إذ قال: إن أمانيَّهم في البُطْلان مثلُ أمنَّتِهم هذه، وفيه أنَّه متى كان الخبرُ مُشَبَّهاً به المبتدأُ فلا يتقدَّمُ الخبرُ نحو: زيدٌ زهيرٌ، فإنْ تقدَّمَ كان ذلك من عكسِ التشبيهِ كقولك: الأسدُ زيدٌ شجاعةً)). قوله: ((هاتُوا بُرْهانكم)) هذه الجملةُ في محلّ نصبٍ بالقولِ. واختُلِفَ في ((هاتٍ)) على ثلاثة أقوال، أحدُها: أنه فعلٌ، وهذا هو الصحيحُ لاتصالِه بالضمائرِ المرفوعةِ البارزةِ نحو: هاتُوا، هاتي، هاتِيا، هاتين. الثاني: أنه اسمُ فعلٍ بمعنى أحْضِرْ. والثالث - وبه قال الزمخشري(٦) -: أنه اسمُ صوتٍ بمعنى ها التي بمعنى أحْضِرْ. وإذا قيل بأنه فعلٌ فاختُلِفَ فيه على ثلاثةِ أقوالٍ أيضاً، أصحُها: أن هاءَه أصلٌ بنفسها، وأنَّ أصلَه هاتَى يُهاتي مُهاتاةٌ مثل: رامَى يُرامي مُراماة، (١) الكشاف ٣٠٥/١. (٢) البحر ٣٥٠/١. (٣) الكشاف ٣٠٥/١. (٤) البحر ٣٥٠/١. (٥) قوله ((هذا)) إشارة إلى الزمخشري. (٦) الكشاف ١/ ٣٠٥. ٧١ - البقرة ـ فوزنه فاعَلَ فنقول: هاتِ يا زيدُ وهاتي يا هندُ وهاتوا وهاتِين يا هنداتٍ، كما تقولُ: رامِ رامي راميا رامُوا رامِينَ. وزعم ابن عطية(١) أن تصريفه مهجورٌ لا يُقال فيه إلا الأمرُ، وليس كذلك. الثاني: أنَّ الهاءَ بَدَلٌ من الهمزةِ وأنَّ الأصلَ: أَأْتِى وزنُه: أَفْعَل مثل أَكْرم. وهذا ليس بجيدٍ لوجهين، أحدهما: أنَّ آتى يتعدَّى لاثنينٍ وهاتَى يتعدَّى الواحدٍ فقط. والثاني من الوجهين: أنه كان ينبغي أَنْ تعود الألفُ المُبْدَلةُ من الهمزةِ إلى أصلِها (٢) لزوالٍ موجِبٍ قَلْبِها وهو الهَمْزةُ الأولى ولم يُسْمع ذلك. الثالث: أن هذه («ها» التي للتنبيه دَخَلَتْ على ((أتى)) ولَزِمَتْها، وحُذِفَتْ همزةٌ أَتَّى لُزوماً وهذا مردودٌ، فإنَّ معنى هاتِ أحْضِرْ كذا ومعنى انتِ: احضَرْ أنتُ، فاختلافُ المعنى يَدُلُّ على اختلافِ المادة. فتحصَّل في ((هاتُوا)» سبعةُ أقوالٍ: فعلٌ أو اسمُ فعلٍ أو اسمُ صوتٍ، والفعلُ هل ◌َتصرَّفُ أولا يتصرفُ، وهل هاؤ، أصليةٌ أو بَدَلٌ منْ همزةٍ أو هي هاءُ التنبيه زِيدت وحُذِفَتْ همزتُه؟ وأصلُ هاتوا: هاتِيُوا، فاستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياء فحُذِفَت، فالتقى ساكنانَ فَحُذِفَ أوَّلُهما وضُمَّ ما قبلَه لمجانسة الواو فصار هاتوا. [ ١/٤٩] قوله: ((بُرْهانكم)) مفعولٌ به، واختُلِفَ فيه على قَوْلَيْن، أحدُهما: أنه مشتقٌّ من البُرْهِ وهو القَطْعُ، وذلك أنه دليلٌ يفيدُ العلمَ القطعيَّ، ومنه: بُرْهَةُ الزمان أي: القِطْعَةُ منه فوزنه فُعْلان. والثاني: أن نونَه أصليةٌ لثبوتِها في بَرْهَنَ ◌ُيَرْمِنُ بَرْهَنَةً، والبَرْهَنَةُ البيانُ، فَبَرْهَنَ فَعْلَلَ لا فَعْلَنَ، لأنَّ فعلنَ غيرُ موجود في أبنيتهم فونه فُعْلال، وعلى هذين القولين يترتَّب الخلافُ في صَرْفِ ((بُرهان)» وعدمِه مُسَمَّی به. (١) التفسير ٣٩٢/١. (٢)) يعني فكان يجب أن نقول: هَأْتوا، لأنه قد أبدلنا الهمزة الثانية ألفاً لأن قبلها همزة مفتوحة، أما الآن فقد زالت هذه الهمزة المفتوحة المصدرة. ٧٢ - البقرة - آ. (١١٢) قوله تعالى: ﴿وهو مُحْسِنْ﴾: جملةٌ في موضعِ نصبٍ على الحالِ والعاملُ فيها (أَسْلم))، وعَبَّر بالوجهِ لأنه أشرفُ الْأَعْضاءِ وفيه أكثرُ الحواسِّ، ولذلك يقال: وَجْهُ الأمرِ أي مُعظَّمُه قال الأعشى (١): ٦٧٩ - أُؤْوِّلُ الحُكْمَ على وَجْهِهِ ليسَ قضائي بالهوى الجائرِ ومعنى أَسْلَمَ: خَضَع، ومنه (٢): له المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْباً زُلالا ٦٨٠ - وأَسْلَمْتُ وُجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ وهذه الحالُ مؤكِّدة لأنَّ مَنْ أَسْلَمَ وجهه لله فهو مُحْسِنٌ، وقال الزمخشري (٣):((وهو مُحْسِنٌ له في عمله)) فتكونُ على رأيه مبيّنة، لأنَّ مَنْ أَسْلَم وجهَه قسمان: مُحْسِنّ في عمله وغيرُ محسنٍ. قال الشيخ (٤): ((وهذا منه ◌ُنوحْ إلی الاعتزال». قوله ((فله أجرُه)» الفاءُ جوابُ الشرطِ إِنْ قيل بأنَّ ((مَنْ)) شرطية، أو زائدةٌ في الخبرِ إِنْ قيل بأنَّها موصولةٌ، وقد تقدَّم تحقيقُ القولين عند قوله ((بَلَى مَنْ كَسَبَ سيئةً))(٥) وهذه نظيرُ تلك فَلْيُلْتفتُ إليها. وهنا وجهٌ آخرُ زائدٌ على ما في تلك ذكره الزمخشري(٦) وهو أن تكونَ ((مَنْ)) فاعلةً بفعلٍ محذوفٍ أي: بلى يَدْخُلُها مَنْ أَسْلم، و((فله أجرُه)» كلامٌ معطوفٌ على يَدْخُلها. هذا نصُّه. و ((له أجره)) مبتدأٌ وخبرُه: إمَّا في محلِّ جزمٍ أو رفعٍ على حَسَبِ ما تقدَّم من الخلافِ في ((مَنْ))، وحُمِل على لفظِ ((مَنْ)) فأُفْرِدَ الضميرُ في قوله: ((فَلَهُ أجرُه عند ربِّه)) وعلى معناها فجُمع في قوله: ((عليهم ولا هم يَحْزنون))، وهذا أحسنُ (١) ديوانه ١٤٣؛ البحر ٣٧١/٢. (٢) البيت لزيد بن عمرو بن نفيل، وهو في الطبري ٣٩٣/١؛ ومشكل ابن قتيبة ٤٨٠. (٣) الكشاف ١/ ٣٠٥. (٤) البحر ٣٥٢/١. (٥) الآية ٨١ من البقرة. (٦) الكشاف ٣٠٥/١. ٧٣ - البقرة ـ التركيبين - أعني البَداءَةَ بالْحَمْلِ على اللفظ ثم الحَمْلِ على المعنى. والعاملُ في ((عند)) ما تعلَّق به ((له)) من الاستقرارِ، ولمَّا أحال أجرَه عليه أضافَ الظرفَ إلى لفظةِ الرَبِّ لِما فيها من الإِشعار بالإِصلاحِ والتدبيرِ، ولم يُضِفْهُ إلى الضميرِ ولا إلى الجلالةِ فيقول: فله أجرهُ عنده أو عند الله، لما ذكرْتُ لك، وقد تقدَّم الكلامُ في قولِه تعالى: ((ولا خَوْفٌ)) (١) وما فيه من القراءات. آ. (١١٣) قوله تعالى: ﴿اليهودُ﴾: اليهودُ مِلَّةٌ معروفةٌ، والياءُ فيه أصليةٌ لثبوتِها في التصريفِ، وليست من مادَّةٍ هَوَد من قوله: ((هُوداً أو نصارى))(٢) وقد تقدَّم أن الفراء (٣) يَدَّعي أنَّ ((هوداً)) أصلُه: يَهودِ فَحُذِفت يأُؤُه، وتقدَّم أيضاً عند قوله: ((والذين هادوا))(٤) أنَّ اليهودَ نسبةً ليهوذا ابن يعقوب. وقال الشلوبين: (يَهُود فيها وجهان، أحدُهما: أن تكونَ جمعَ يهودي فتكونَ نكرةً مصروفةً. والثاني: أَنْ تكونَ عَلَماً لهذه القبيلةِ فتكونَ ممنوعةً من الصرف. انتهى، وعلى الأولِ دَخَلَتْ الألفُ واللامُ، وعلى الثاني قولُهُ (٥): إذا أنتَ يوماً قُلْتَها لم تُؤَنَّبِ ٦٨١ - أولئك أَوْلَى مِن يهودَ بِمِدْحَةٍ وقال(٦): ٦٨٢ - فَرَّتْ يهودُ وأَسْلَمَتْ جيرانُها (١) الآية ٣٨ من البقرة. (٢) الآية ١١١ من البقرة. (٣) معاني القرآن ٧٣/١. (٤) الآية ٦٢ من البقرة. (٥) البيت لرجل من الأنصار، وهو في الكتاب ٢٩/٢. (٦) البيت للأسود بن يعفر وعجزه: صَمِّنِي لِما فعلَتْ يهودُ صَمامٍ وهو في اللسان: صمم، وقوله: ((صَمِّ صَمام)) يُضرب للرجل يأتى الداهية أي أخرسي يا صمام. ٧٤ - البقرة - ولو قيل بأنَّ ((يهود)) منقولٌ من الفعلِ المضارع نحو: يَزيد ويشكر لكان قولاً حسناً. ويؤيِّدُه قولُهم: سُمُّوا يهوداً لاشتقاقِهم من هاد يُهُود إذا تَحَرَّك. قوله: ((ليست النصارى)) ((ليس)) فعلٌ ناقصٌ أبداً من أخواتٍ كان ولا يتصرَّفُ ووزنُه على فَعِل بكسر العين، وكان من حقِّ فَائِهِ أن تُكْسَرَ إذا أُسْنِدَ إلى تاء المتكلم ونحوِها دلالةً على الياءِ مثل: شِئْتُ، إلا أنه لَمَّا لم يتصرَّفْ بقيت الفاءُ على حالِها. وقال بعضُهم: لُسْتُ بضم الفاء، ووزنُه على هذه اللغة: فَعُل بضم العين، ومجيء فَعُل بضمِّ العينِ فيما عينُه ياءٌ نادر، لم يَجيء منه إلا ((هَيُؤَ الرجلُ)) إذا حَسُنَتْ هيئتُه. وكونُ ((ليس)) فعلًا هو الصحيحُ خلافاً للفارسي(١) في أحدٍ قَولَيْهِ ومَنْ تَابَعَه في جَعْلِها حرفاً كـ (ما)». ويَدُل على فعلَّتها اتصالُ ضمائرِ الرفعِ البارزةِ بها، ولها أحكامٌ كثيرةٌ. و ((النصارى)) اسمُها، و((على شيء)) خبرُها، وهذا يَحْتمِل أن يكونَ ممَّا حُذِفَتْ فيه الصفةُ، أي على شيءٍ مُعْتَدُّ به كقوله: ((إنه ليس من أهلِك))(٢) أي : أهلِك الناجين، [وقوله: ](٣) ٦٨٣ - لقد وَقَعْتِ علی لَحْمِ أي: لحمٍ عظيمٍ، وأَنْ يكونَ نفياً على سبيلِ المبالَغَةِ، فإذا نُفِي إطلاقُ الشيء على ما هُمْ عليه مع أنَّ الشيء يُطْلق على المعدوم عند بعضهم كان ذلك مبالغةً في عدمِ الاعتدادِ به، وصارَ كقولهم: ((أقَلَّ من لا شيء)». قوله: ((وهم يَتْلُون)) جملةٌ حالية. وأصل يَتْلُون: يَتْلُوُوْنَ فَأُعِلَّ بحذفِ اللام وهو ظاهر. قوله: ((كذلك قال الذين لا يَعْلمون)» في هذه الكافِ (١) انظر هذه المسألة في: رصف المباني ٣٠٠. (٢) الآية ٤٦ من هود. (٣) تقدم برقم ١٢٩. ٧٥ - البقرة - قولان، أحدُهما: أنها في محلّ نصبٍ وفيها حينئذ تقديران، أحدُهما: أنَّها نعتٌ المصدرٍ محذوفٍ قُدِّم على عاملِه تقديرُه: قولاً مثلَ ذلك القولِ قالَ الذينَ لا يعلمون. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المصدرِ المعرفةِ المضمرِ الدالِّ عليه ((قال)) تقديرُه: مثلَ ذلك القولِ قاله أي: قال القولَ الذين لا يعلمون حالَ كونِه مثلَ ذلك القول، وهذا رأيُ سيبويه(١) والأول رأيُ النحوبين كما تقدَّم غير مرة. وعلى هذين القولَيْن ففي ((مثلَ قولهم)) وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على البدلِ من موضعِ الكاف. الثاني من الوجهين: أنه مفعولٌ به العاملُ فيه ((يَعْلمون)»، أي: الذين لا يعلمون مثلَ مقالةِ اليهود والنصارى مثلَ مقالهم، أي: إنهم قالوا ذلك على سبيلِ الاتفاقِ، وإن كانوا جاهلين بمقالة اليهود والنصارى. الثاني من القولين: أنَّها في محلٌّ رفعٍ بالابتداء، والجملةُ بعدها خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ تقديرُه: مثلَ ذلك قاله الذين لا يعلمون، وانتصابُ ((مثلَ قولهم)) حينئذٍ إمَّا: على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو مفعولٌ بيعلمون تقديرُه: مثلَ قولِ اليهودِ والنصارى قالَ الذينَ لا يعلمون اعتقادَ اليهود والنصارى. ولا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ نصبَ المفعولِ بقال لأنه أَخَذَ مفعولَه وهو العائدُ على المبتدأ، ذكر ذلك أبو البقاء(٢)، وفيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنَّ الجمهورَ يأبى جَعْلَ الكافِ اسْماً. والثاني: حَذْفُ العائدِ المنصوبِ، والنحويون ينصُّون على مَنْعِه ويجعلون قولَه(٣): ٦٨٤ _ وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا بالحقِّ لا يُحْمَدُ بِالْبَاطِلِ ضرورةً، والكوفيين في هذه المسألةِ تفصيلٌ. (١) الكتاب ١١٦/١. (٢) الاملاء ٥٩/١. (٣) البيت للأسود بن يعفر، وهو في المقرب ٨٤/١؛ والمغني ٦٧٦. ٧٦ - البقرة - قوله: ((بينهم يوم القيامة)) منصوبان بيحكُمُ، و((فيه)) متعلق بيختلفون. آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: ((مَنْ)) استفهامٌ في محلٌّ رفعٍ بالابتداء، و((أظلمُ)) أفعلُ تفضيلٍ خبرُه، ومعنى الاستفهامِ هنا النفيُ، أي: لا أحدَ أظلمُ منه، ولمَّا كان المعنى على ذلك أَوْرَدَ بعضُ الناس(١) سؤالاً: وهو أنَّ هذه الصيغةَ قد تكرَّرتْ في القرآن: ((ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى))(٢) ((ومَنْ أظلمُ مِمَّنْ ذُكِّر بآيَاتِ ربِّه))(٣) ((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمِّنْ كَذَبٍ على الله))(٤) وكلُّ واحدةٍ منها تقتضي أنَّ المذكورَ فيها لا يكونُ أحدٌ أظلمَ منه، فكيف يُوصفُ غيرُه بذلك؟ وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها : - ذكره هذا السائلُ ــ وهو أَنْ يُخَصِّ كلُّ واحدٍ بمعنى صلته كأنه قال: لا أحدَ من المانعين أظلمُ مِمِّنْ مَنَعَ مساجدَ الله، ولا أحدَ من المفترين أظلمُ مِمَّن افترى على الله، ولا أحدَ من الكذَّابين أظلمُ مِمَّن كَذَب على الله، وكذلك ما جاءَ منه. الثاني: أن التخصيصَ يكونُ بالنسبةِ إلى السَّبْقِ، لَمَّا لم يُسْبَقْ أحدٌ إلى مثلِه حَكُم عليهم بأنَّهم أظلمٌ مِّمِّن جاء بعدَهم سالكاً طريقتَهم في ذلك، وهذا يَؤُول معناه إلى السَّبْقِ في المانعيَِّ والافترائيَّةِ ونحوِهما. الثالث: أنَّ هذا نَفْيٌّ للأظلميَّة، ونفيُّ الأظلمِيَّةِ لا يَسْتَدْعي نفيَ الظالميةِ، لأنَّ نَفْيَ المقيدِ لا يَدُلُّ على نفيِ المطلقِ، وإذا لم يَدُلَّ على نَفْي الظالميةِ لم يكن مناقِضاً لأنَّ فيها إثباتَ التسوية في الأظلميةِ، وإذا ثَبَتَتْ التسويةُ في الأظلميةِ لم يكنْ أحدٌ مِمَّن وُصِف بذلك يزيدُ [٤٩/ب] على الآخر لأنهم / متساوون في ذلك وصار المعنى: ولا أحدَ أظلمُ مِمَّن مَنَع ومِمِّن افترى وممِّن ذُكِّر، ولا إشكالَ في تساوي هؤلاء في الأظلميَّة، ولا يَدُل ذلك على أنَّ أحد هؤلاء يزيدُ على الآخرِ في الظلم، كما أنَّك إذا قلتَ: (١) انظر: البحر ٣٥٧/١. (٢) الآية ٢١ من الأنعام. (٣) الآية ٢٢ من السجدة. (٤) الآية ٣٢ من الزمر. ٧٧ - البقرة - (لا أحدَ أفقهُ من زيدٍ وبَكرٍ وخالدٍ)) لا يَدُلُّ على أن أحدَهم أفقهُ من الآخر، بل نَفَيْتَ أن يكونَ أحدٌ أفقهَ منهم، لا يُقال: إِنَّ مَنْ مَنَعَ مساجدَ اللهِ وَسَعَى في خرابِها ولم يَفْتَرِ على الله كذباً أقلُّ ظلماً مِمَّنْ جَمَعَ بين هذه الأشياء فلا يكونون متساوين في الأظلمية؛ لأنَّ هذه الآياتِ كلّها في الكفار وهم متساوُون في الأظلميَّة وإن كان طُرُقُ الأظلميةِ مختلفةً. و ((مَنْ)) يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً فلا محلَّ للجملةِ بعدَها، وأَنْ تكونَ موصوفةً فتكونَ الجملةُ في محلٍّ جرِّ صفةً لها، و((مساجد)) مفعولٌ أولُ لمَنَعِ، وهي جمعُ مَسْجِد وهو اسمُ مكانِ السجودِ، وكان من حَقِّه أن يأتي على مَفْعَلَ بالفتح لانضمامِ عينٍ مضارعه ولكن شَذَّ كَسْرُه كما شَذَّتْ ألفاظُ يأتي ذكرُها، وقد سُمع ((مَسْجَد)) بالفتح على الأصلِ، وقد تُبْدَلُ جِيمُه ياءً ومنه: المَسِْد في لغة . قوله: ((أَنْ يُذْكَرَ)) ناصبٌ ومنصوبٌ، وفيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ لمَنَع، تقولُ: مَنَّعْتُه كذا. والثاني: أنه مفعولٌ من أجلِهِ أي : . كراهةً أن يُذْكَرَ. وقال الشيخ (١): ((فَتَعَيَّن حَذْفُ مضافٍ أي دخولَ مساجدِ الله، وما أَشْبهه)). والثالثُ: أنه بدلُ اشتمالٍ من ((مساجد))، أي: مَنَعَ ذِكْرَ اسمِهِ فيها. والرابع: أنه على إسقاطِ حرفِ الجرِّ، والأصلُ: مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، وحينئذٍ يجيءُ فيها المذهبان المشهوران من كونها في محلَّ نصبٍ أو جرِّ. و((في خَرابِها)) متعلُّقٌ بِسَعَى. واختُلِف في ((خراب)): فقال أبو البقاء(٢): ((هو اسمُ مصدرٍ بمعنى التخريب كالسَّلامِ بمعنى التسليم، وأُضيف اسمُ المصدرِ لمفعوله لأنه يَعْمَلُ عَمَلَ الفعلِ (٣). وهذا على أحدِ القَوْلينِ في اسمِ المصدرِ (١) البحر ٣٥٨/١. (٢) الاملاء ٥٩/١. (٣) عبارة الإملاء: ((عمل المصدر)). ٧٨ - البقرة - هل يَعْمَلُ أولا؟ وأنشدوا على إعماله(١): وبعد عَطائِك المئةَ الرِّتاعا ٦٨٥ - أَكْفْراً بعد رَدِّ الموتِ عني وقال غيرُه: هو مصدرُ خَرِبَ المكان يخرَب خَراباً، فالمعنى : سعى في أن تَخْرَبَ هي بنفسِها بعدمٍ تعاهُدها بالعِمارة، ويقال: منزلٌ خَرابٌ وخَرِب كقوله(٢): ٦٨٦ - ما رَبْعُ مَيَّةً معمورٌ يَطِيفُ [به] غَيْلانُ أَبْهِى رُبَيِّ مِن رَبْعِها الخَرِب فهو على الأولِ مضافٌ للمفعولِ وعلى الثاني مضافٌ للفاعل(٣). قوله: ((ما كانَ لهم أن يَدْخُلُوها)): ((لهم)) خبرُ ((كان)» مقدَّمٌ على اسمِها، واسمُها ((أَنْ يدخُلوها)) لأنه في تأويل المصدرِ، أي: ما كان لهم الدخولُ، والجملةُ المنفيةُ في محلِّ رفعٍ خبراً عن ((أولئك)). قوله: ((إلا خائفين)) حالٌ من فاعل ((يَدْخُلوها))، وهذا استثناءٌ مفرغٌ من الأحوالِ ، لأن التقديرَ: ما كان لهم الدخولُ في جميع الأحوال إلا في حالةٍ الخوف. وقرأ أُبَيّ ((خُيَّفاً)(٤) وهو جمعُ خائف، كضارب وضُرَّب، والأصل: خُوَّف كصُوَّم، إلا أنه أَبْدل الواوَيْنِ ياءِيْنِ وهو جائزٌ، قالوا: صُوَّم وصُيَّم، وحَمَل أولاً على لفظ ((مَنْ))، فَأَفْرَد في قوله: ((مَنَّع، وسعى)) وعلى معناها ثانياً فَجَمَع في قوله: ((أولئك)) وما بعده. قوله: ((لَهُمْ في الدنيا خِزْيٌ)) هذه الجملةُ وما بعدها لا محلَّ لها (١) تقدم برقم ٣١٧. (٢) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ١٢؛ والبحر ٣٥٥/١. وقوله معمور كذا في الأصل والصواب: معموراً. (٣) إذا كانت اسم مصدر ففعلها خرَّب فالتقدير: سعى هو في أن يخربها، وإذا كانت مصدراً ففعلها خَرِب، فالتقدير: سعى في أن تخرب هي. (٤) البحر ٣٥٨/١. ٧٩ - البقرة - لاستئنافِها عَمَّا قبلَها، ولا يجوز أن تكونَ حالاً لأنَّ خِزْيَهم ثابتٌ على كلِّ حالٍ لا يتقيّد بحالٍ دخولِ المساجدِ خاصةً. أ. (١١٥) قوله تعالى: ﴿ولله المشرقُ والمغربُ﴾: جملةٌ مرتبطةٌ بقوله: ((مَنَّعَ مساجدِ الله، وسعى في خَرابِها)) يعني أنه إنْ سَعَى ساعٍ في المِنْعِ مِنْ ذِكْرِهِ تعالى وفي خَرابِ بيوتِه فليسَ ذلك مانعاً من أداءِ العبادَةِ في غيرِها لأنَّ المشرقَ والمغربَ وما بينهما له تعالى، والتنصيصُ على ذِكْرٍ المَشْرقِ والمَغْرِبِ دونَ غيرِهما لوجهين، أحدُهما: لشَرَفِهما حيث جُعِلا الله تعالى. والثاني: أن يكونَ مِن حَذْفِ المعطوفِ للعِلْمِ أي: لله المشرقُ والمغربُ وما بينهما كقوله: ((تَقِيكم الحَرَّ)(١) أي والبرد، وكقولِ الشاعر(٢): نَفْيَ الدراهيمِ تَنْقَادُ الصَّارِيفِ ٦٨٧ - تَنْفي يداها الحصى في كلِّ هَاجِرَةٍ أي: يَداها ورجلاها، ومثله(٣): إذا نَجَلَتْه رِجْلُها خَذْفُ أَعْسَرَا ٦٨٨ - كأنَّ الحَصَى مِن خَلْفِها وأمامِها أي: رجلُها ويدُها. وفي المشرق والمغرب قَوْلان، أحدُهما: أنهما اسما مكانِ الشروقِ والغروبٍ. والثاني: أنهما اسما مصدرٍ أي: الإِشراق والإِغرابُ، والمعنى: الله تَوَلِّي إشراقِ الشمسِ من مَشْرِقها وإغرابِها مِن مَغْربها، وهذا يُبْعِدُه قولُه: ((فأينما تُوَلُّوا))، وأَفْرد المشرق والمغربَ إذ المرادُ ناحيتاهما، أو لأنَّهما مصدران، وجاء المشارقُ والمغاربُ باعتبار وقوعِهما في (١) الآية ٨١ من النحل. (٢) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٥٧٠؛ والكتاب ١٠/١؛ وسر الصناعة ٢٨/١؛ وأمالي الشجري ١٤٢/١؛ والخزانة ٤٢٦/٤. وتنفى: تبعد، وتنقاد: مصدر نقد إذا ميز الرديء من الجيد، الصياريف: ج صيرف وهو الخبير بالنقد. (٣) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ٦٤، واللسان: خذف؛ والعيني ١٦٩/٤. والخذف بالحصى: الرمي به بالأصابع. نجلته: فَرَّقته. ٨٠