النص المفهرس
صفحات 21-40
- البقرة - الاستعلاء دونَ ((إلى)) التي تقتضي الانتهاء، وخَصَّ القلبَ بالذكر لأنه خزانةُ الحِفْظِ وبيتُ الرَّبِّ، وأضافه إلى ضميرِ المخاطب دونَ ياءِ المتكلِّمِ - وإنْ كان ظاهرٌ الكلامِ يقتضي أَنْ يكونَ ((على قلبي))(١) - لأحدٍ أمرَيْنِ: إِمَّ مراعاةً لحالِ الأمرِ بالقولِ فَتَسْرُدُ لفظَه بالخطابِ كما هو نحوُ قولِك: قل لقومِك لا يُهينوك، ولو قلت: لا تُهينوني لجازَ، ومنه قولُ الفرزدق(٢): دَعَوْتُ فنادَتْنِي هُنَيْدَةُ: ما ليا ٦٣١ - ألم تَرَ أَنِّي يومَ جَوِّ سُوَيْقَةٍ فَأَحْرَزِ المعنى ونكبَّ عن نداءِ هُنَيْدَةَ بـ «مالك))؟، وإمّا لأنَّ ثَمَّ قولاً (٣) آخرَ مضمراً بعد ((قُلْ))، والتقديرُ: قُلْ يا محمد: قال الله مَنْ كان عدوًّاً لجبريلَ، وإليه نَحَا الزمخشري(٤) بقوله: ((جاءَتْ على حكاية كلامِ الله تعالى، قُلْ ما تكلَّمْتُ به من قولي: مَنْ كانَ عَدُوّاً لجبريلَ فإنه نَزَّله على قَلْبِكَ)) فعلى هذا الجملةُ الشرطيةُ معمولةٌ لذلك القولِ المضمرِ، والقولُ المُضْمَرُ معمولٌ لِلَفْظِ ((قُلْ))، والظاهرُ ما تقدَّم من كونِ الجملةِ معمولةٌ لِلَفْظِ (قُلْ)) بالتأويل المذكورِ أولاً، ولا يُنافيه قولُ الزمخشري فإنَّه قَصَدَ تفسيرَ المعنى لا تفسيرَ الإِعرابِ. قوله : ((بإذْنِ الله)) في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل: (نَزَّله)) إِنْ قِيلَ إنه ضميرُ جبريل، أو من مفعولِه إن قيل إنَّ الضميرَ المرفوعَ في ((نَزَّلَ)» يعودُ على الله، والتقديرُ: فإنّه نَزَّله مأذوناً له أو ومعه إِذْنُ الله. [والإِذْنُ في الأصلِ العِلْمُ بالشيءٍ، والإِيذانُ: الإِعلامُ](٥)، أَذِنَ به: عَلِمَ به، وآذَنْتُه بكذا: أَعْلَمْتُه به، (١) انظر: تفسير ابن عطية ٣٦٢/١. (٢) ديوانه ٨٩٥؛ وابن عطية ٣٦٣/١؛ والبحر ٣٢٠/١. (٣) في الأصل: «قول) وهو سهو. (٤) الكشاف ٣٠٠/١. (٥) ما بين معقوفين غير واضح في المصورة عن الأصل. ٢١ - البقرة - ثم يُطْلَقُ على التمكينِ، أَذِن لي في كذا: أَمْكَني منه، وعلى الاختيارِ: فَعَلْتُه بإذنك: أي باختيارِك، وقولُ مَنْ قال بإذنه أي: بتيسيرِه راجعٌ إلى ذلك. قولُه: (مُصَدِّقً)) حالٌ من الهاءِ في ((نَزَّلَه)) إنْ كانَ يعودُ الضميرُ على القرآنِ، وإنْ عادَ على جبريل ففيه احتمالان، أحدُهما: أَنْ يكونَ من المجرور : المحذوفِ لفَهْمِ المعنى، والتقديرُ: فإِنَّ الله / نَزَّل جبريلَ بالقرآنِ مصدٌّقاً، [٤٣/ب] والثاني: أن يكونَ مِنْ جبريل بمعنى مُصَدِّقاً لِما بينَ يديهِ من الرسلِ وهي خَالٌ مؤكّدةٌ، والهاءُ في ((بين يديه)) يجوزُ أن تعودَ على ((القرآنِ)) أو على ((جِبْريل)). : و((هُدَىِّ وَبُشْرَى)) حالان مَعْطوفانٍ على الحالِ قبلهما، فهما مصدران موضوعانِ مَوْضِعَ اسمِ الفاعلِ ، أو على المبالغةِ أو على حَذْفِ مضافٍ أي : ذا هُدَىَّ، و«بُشْرى)) ألفُها للتأنيثِ، وجاءَ هذا الترتيبُ اللفظيُّ في هذه الأحوالِ مطابقاً للترتيبِ الوجودِيِّ، وذلك أنَّه نَزَل مصدِّقاً للكتبِ لأنها من ينبوعٍ واحدٍ، والثاني: أنه حَصَلَتْ به الهدايةُ بعد نزوله. والثالث: أنه بُشْرِى لَمَنْ حَصَلَتْ له به الهدايةُ، وخَصَّ المؤمنينَ لأنهم المنتفعونَ به دونَ غيرِهم وقد تقدَّم نحوُه .. آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿مَنْ كان عَدُوَّاً﴾: الكلامُ في ((مَنْ)) كما تقدَّم، إلَّ أَنَّ الجوابَ هنا يَجُوز أن يكونَ ((فإن الله عَدُوٌّ للكافرين))، فإنْ قيل: وأين الرابطُ؟ فالجوابُ مِنْ وَجْهين أحدُهما: أنَّ الاسمِ الظاهرَ قَامَ مَقام المضمرِ، وكان الأصلُ: فإِنَّ الله عَدُوٌّ لهم، فأتى بالظاهرِ تنبيهاً على العلةِ. والثاني: أن يُرادَ بالكافرين العموم، والعموم من الروابط، لاندراجِ الأولِ تحتَه، ويجوزُ أن يكونَ محذوفاً تقديرُه: مَنْ كانَ عَدُوَّاً لله فقد كَفَر ونحوه. وقال بعضهم: الواوُ في قوله: ((وملائكتهِ ورسُلِه وجبريلَ وميكال)) بمعنى أو، قال: لأنَّ مَنْ عادى واحداً من هؤلاء المذكورين فالحكمُ فيه كذلك. وقال بعضُهم: هي للتفصيلِ ، ولا حاجةً إلى ذلك، فإنَّ هذا الحكمَ معلومٌ، وذَكَر ٢٢ - البقرة - جبريلَ وميكالَ بعد اندراجهما أولاً تنبيهاً على فَضْلِهما على غيرِهما من الملائكةِ، وهكذا كلَّ ما ذُكِرَ: خاصٌّ بعد عامٍ ، وبعضهم يُسَمِّ هذا النوعَ بالتجريدِ، كأنه يعني به أنه جَرَّدَ من العمومِ الأولِ بعضَ أفرادِه اختصاصاً له بمزيَّةٍ، وهذا الحكمُ - أعني ذِكْرَ الخاصِّ بعد العامِّ - مختصُّ بالواوِ، لا يَجُوز في غيرِها من حروف العَطْف. وجَعَل بعضُهم مثلَ هذه الآيةِ - أعني في ذِكْرِ الخاصِّ بعد العامّ تشريفاً له - قوله: ((فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّانٌ))(١) وهذا فيه نظر؛ فإن («فاكهةٌ)) من باب المطلقِ لأنها نكرةٌ في سياقِ الإِثبات، وليست من العمومِ في شيءٍ، فإنْ عَنَى أنَّ اسمَ الفاكهةِ يُطْلَقُ عليهما من بابِ صِدْقِ اللفظِ على ما يَحْتمله ثم نَصَّ عليه فصحيحٌ. وأتى باسمِ الله ظاهراً في قوله: ((فإنَّ الله عَدُوِّ) لأنه لو أُضْمِر فقيل: ((فإنَّه)) لأُوْهم عَوْدَه على اسمِ الشرط فينعكسُ المعنى، أو عَوْدَه على ميكال لأنه أقربُ مذكورٍ. وميكائيل اسمُ أعجمي، والكلامُ فيه كالكلام في جِبْريل من كونِه مشتقاً من مَلْكوت الله أو أن ((مِيك)) بمعنى عبد، و((إِيل)) اسمُ الله، وأنَّ تركيبَه تركيبُ إضافةٍ أو تركيبُ مَزْجٍ، وقد عُرِف الصحيح من ذلك. وفيه سبعُ لغاتٍ(٢): مِيكال بزنة مِفْعال وهي لغةُ الحجاز، وبها قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم، قال(٣): ٦٣٢ - ويومَ بَدْرٍ لقيناكم لنا عُدَدٌ فيه مع النصرِ مِيكالٌ وِبريلٌ وقوله(٤): (١) الآية ٦٨ من الرحمن. (٢) انظر في قراءات ميكائيل ولغاتها: السبعة ١٦٥؛ الشواذ ٨؛ القرطبي ٣٨/٢؛ البحر ٣١٨/١. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣١٨/١. (٤) تقدم برقم ٦٣٠. ٢٣ ٦٣٣ - - البقرة ـ وکَذَّبُوا مِیْکالا ... الثانيةُ: كذلك، إلا أنَّ بعدَ الألفِ همزةً وبها قرأ نافع. الثالثة: كذلك إلا أنه بزيادة ياءٍ بعد الهمزة وهي قراءةُ الباقين. الرابعة: مِيكَئِيل(١) مثل مِيكَعِيل وبها قرأ ابن مخيصن. الخامسة: كذلك إلاّ أنه لا ياء بعد الهمزة فهو مثلُ: مِيكَعِل وقُرىء بها. السادسةُ: ميكاييل بيائين بعد الألف وبها قرأ الأعمش. السابعة: ميكاءَل بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد الألفِ كما يُقال: إسراءَل. وحكى الماورديُّ (٢) عن ابن عباس أن ((جَبْر)) بمعنی عَبْد بالتكبير، و ((مِیکا)» بمعنى عُبَيْد بالتصغير، فمعنى جِبْريل: عبدالله، ومعنى ميكائيل: عُبَيْد الله قال: ((ولا يُعْلَمُ لابنِ عباس في هذا مخالفٌ)). قوله: ((وما يَكْفُر بها إلا الفاسقون)) هذا استثناءً مفرَّغٌ، وقد تقدَّم أن الفراءَ(٣) يُجِيز فيه النصبَ. - آ. (١٠٠) قوله تعالى: ﴿أَوَ كُلِّما عاهدوا﴾: الجمهورُ على تحريك واو ((أَوَ كلما)) واختلف النحْويون في ذلك على ثلاثة أقوال، فقال الأخفش(٤): إنّ الهمزةَ للاستفهام والواوُ زائدةٌ، وهذا على رأيه في جوازِ زِيادتِها. وقال الكسائي: هي ((أَوْ) العاطفةُ التي بمعنى بل، وإنما حُرّكَتِ الواوُ، ويؤيِّدُهُ قراءةٌ مَنْ قرأَها ساكنةً. وقال البصريون: هي واو العطفُ قُدَّمَتْ عليها همزةُ الاستفهامِ على ماعُرِفُ، وقد تقدَّم أنَّ الزمخشري(٥) يُقَدِّرُ بينَ الهمزةِ وحرفِ العطف شيئاً يَعْطِفُ عليه ما بعده، لذلك قَدَّره هنا: أكفروا بالآياتِ البِّنَاتِ وكُلَّما عاهدوا. (١) في البحر: ميكبيل، الشواذ: ميكيل. (٢) تفسير الماوردي ١٤٠/١. (٣) معاني القرآن ١٦٨/١. (٤) معاني القرآن ١٤١. (٥) الكشاف ٣٠٠/١. ٢٤ - البقرة - وقرأ أبو السَّمَّال العَدَوي (١): ((أَوْ كلَّما)) ساكنةٌ الواو، وفيها أيضاً ثلاثةُ أقوال، فقالَ الزمخشري (٢): ((إنها عاطفةٌ على ((الفاسقين))، وقدَّره بمعنى إِلَّ الذين فَسَقُوا أو نَقَضُوا يعني به أنه عَطَفَ الفعلَ على الاسم لأنه في تأويلِه كقوله: ((إن المُصَّدِّقين والمُصَّدِّقاتِ وأَقْرَضوا))(٣) أي: الذين اصَّدَّقوا وأَقْرِضوا. وفي هذا كلامٌ يأتي في سورتِهِ إنْ شاء الله تعالى، وقال المهدوي: ((أَوْ)) لانقطاعِ الكلامِ بمنزلة أَمْ المنقطعةِ، يعني أنَّها بمعنى بل، وهذا رأيُ الكوفيين وقد تقدَّم تحريرُ هذا القولِ وما استدلُّوا به من قوله(٤): . أو أَنْتَ في العَيْنِ أَمْلَحُ ٦٣٤ - في أولِ السورةِ، وقالَ بعضُهم: هي بمعنى الواوِ فتتفقُ القراءتان، وقد ثَبَتَ ورودُ ((أو)» بمنزلةِ الواوِ كقوله(٥): ٦٣٥ - ما بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِه أو سافِعِ ((خطيئةً أَوْ إثماً) (٦) (آئماً أو كفوراً))(٧) فلْتَكُنْ هذه القراءةُ كذلك، وهذا أيضاً رأيُ الكوفيين كما تقدَّم. والناصبُ لكُلَّما بعدَه، وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيها. وانتصابُ ((عَهْداً)) على أحدٍ وَجْهين: إمَّا على المصدرِ الجاري على غيرِ الصَّدْر وكان الأصلُ: («معاهدةً))، أو على المفعولِ به على أَنْ يُضَمَّن عاهدوا (١) البحر ٣٢٣/١؛ الشواذ ٨. (٢) الكشاف ٣٠٠/١. (٣) الآية ١٨ من الحديد. (٤) تقدم برقم ٢٢٦. (٥) البيت لحميد بن ثور، وهو في المغنى ٦٦، اللسان: سفع؛ والعيني ١٤٦/٤. وصدره: قَوْمٌ إذا سَمِعوا الصَّريخَ رَأَيْتَهُمْ والسافع: الآخذ بناصية فرسه بلا لجام. (٦) الآية ١١٢ من النساء: ((ومن يَكْسِبْ خطيئةً أَو ائماً)). (٧) الآية ٢٤ من الإِنسان: ((ولا تُطِعْ منهم آئماً أو كفوراً)). ٢٥ - البقرة- معنى أَعْطَوا، ويكونُ المفعولُ الأولُ محذوفاً، والتقديرُ: عاهدوا الله عَهْدَاً. وقُرِىءَ: ((عَهِدُوا))(١) فيكونُ (عَهْداً) مصدراً / جارياً على صَدْرِه، [١/٤٤] وقُرىء أيضاً: ((عُوْهِدُوا))(٢) مبنياً للمفعولِ . قوله: ((بَلْ أكثرُهم لا يُؤمنون)) هذا فيه قولان، أحدُهما: أنه من بابِ عطفٍ الجملِ وهو الظاهرُ، وتكونُ ((بل)» لإضرابِ الانتقالِ لا الإِبطالِ وقد عَرَفَتْ أَنَّ (بل)) لا تُسَمَّى عاطفةً حقيقةً إلا في المفرداتِ. والثاني: أنه يكونُ من عطفِ المفرداتِ ويكونُ ((أكثرُهم) معطوفاً على ((فريقٍ))، و((لا يؤمنون)) جملةٌ في محلِّ نصبٍ على الحال من ((أكثرُهم)). وقال ابن عطية(٣): (من الضميرِ في ((أكثرُهم))))، وهذا الذي قاله جائزٌ، لا يُقال: إنها حالٌ مِن المضافِ إليه لأنَّ المضافَ جزءٌ من المضافِ إليه وذلك جائزٌ. وفائدةُ(٤) هذا الإضرابِ على هذا القولِ (٥) أنه لمَّا كان الفريقُ ينطلِقُ على القليل والكثيرِ وَأَسْنَدَ النَّبْذَ إليه، وكان فيما يتبادَرُ إليه الذهنُ أَنَّه يُحْتملِ أَنَّ النابذين للعَهْد قليلٌ بَيَّن أنَّ النابذين هم الأكثرُ دَفْعاً للاحتمال المذكورِ(٦). والنّبْذُ: الطَّرَحُ وهو حقيقةٌ في الأَجْرامِ (٧) وإسنادُه إلى العَهْدِ مجازٌ. آ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿الكتابَ كتابَ الله﴾: ((الكتابَ)) مفعولٌ ثانٍ لـ((أُوْتُوا)) لأنه يتعدَّى في الأصلِ إلى اثنين. فأُقيم الأولُ مُقام الفاعلِ وهو الواوُ، (١) كذا ضبطت في ابن عطية بدون نسبة ٣٦٥/١. (٢) قراءة الحسن وأبي رجاء، البحر ٣٢٤/١؛ وابن عطية ٣٦٥/١. (٣) التفسير ٣٦٥/١. (٤) انظر: البحر ٣٢٤/١. (٥) أي: على القول بعطف المفردات. (٦) أي: صار ذكر الأكثر دليلاً على أن الفريق هنا لا يراد به اليسيرمنهم، فكان هذا إضراباً عما يحتمله لفظ الفريق من دلالته على القليل. (٧) لعله يقصد المتجسدات. ٢٦ - البقرة - وبقي الثاني منصوباً، وقد تَقَدَّم أنه عند السهيلي مفعولٌ أوَّلُ، و((كتابَ الله)) مفعولُ نَبَذَ، و((وراءَ) منصوبٌ على الظرفِ وناصبُه ((نَذَ))، وهذا مَثَلَ لإِهمالِهم التوراةَ، تقولُ العرب: ((جَعَلَ هذا الأمرَ وراءَ ظهره ودَبْرَ أذنِه)) أي: أهمله، قال الفرزدق(١): بِظَهْرٍ فَلا يَعْيَا عليَّ جوابُها ٦٣٦ - تَميمُ بنُ مُرِّ لا تكونَنَّ حاجتي والنَّبْذُ: الطَّرْحُ - كما تقدَّم -. وقال بعضُهم (٢): ((النّبْد والطّرْح والإِلقاء متقاربة، إلا أن النبذَ أكثرُ ما يقال في المبسوط والجاري مَجْراه، والإِلقاء فيما يُعْتبر فيه ملاقاةٌ بين شيئين)) ومن مجيء النُّبْذ بمعنى الطرح قوله(٣): ٦٣٧ - إنَّ الذين أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا نَبِذُوا كتابَك واسْتَحَلُّوا المَحْرَما وفال أبو الأسود (٤): أَخَذْتَ كتابي مُعْرِضاً بِشِمالكا ٦٣٨ _ وخَبَّرني مَنْ كنتُ أرسلْتُ أنّما كَنَبْذِكَ نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعالِكا نظرْتَ إلى عنوانِه فنبذْتَه قوله: ((كأنَّهم لا يَعْلَمون)) جملةٌ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، وصاحبُها: فريقٌ، وإنْ كان نكرةً لتخصيصه بالوصفِ، والعاملُ فيها: نَبَذَ، والتقدير: مُشْبهين للجُهَّال. ومتعلَّقُ العلمِ محذوفٌ تقديرُه: أنه كتابُ الله لا يُداخِلُهم فيه شكّ، والمعنى: أنهم كفروا عِناداً. آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿واتَّبعوا ما تَتْلو الشياطينُ﴾: هذه الجملةُ معطوفةٌ على مجموعِ الجملةِ السابقةِ من قوله: ((ولمَّا جاءَهم)) إلى آخرها. (١) ديوانه ٩٥؛ والأضداد ٢٥٦؛ والقرطبي ٤٠/٢؛ وابن عطية ٣٦٦/١. (٢) نقله في البحر ٣٢٥/١ عن صاحب المنتخب. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٤٠/٢. (٤) ديوانه ٤٩؛ القرطبي ٤٠/٢. وأخلَقَتْ: بليت. ٢٧ - البقرة - وقال أبو البقاء(١): ((إنها معطوفةٌ على ((أُشْرِبوا)) أو على ((نَبَذَ فريقٌ))، وهذا ليس بظاهر، لأنَّ عطفَها على (نَبَذَ)) يقتضي كونَها جواباً لقوله: ((ولمَّا جاءَهم رسولٌ)) واتِّباعُهم لِما تتلو الشياطينُ ليس مترتِباً على مجيء الرسولِ بل كانَ اتِّباعُهم لذلك قبله، فالْأَوْلَى أن تكونَ معطوفةً على جملةٍ لا كما تقدم. و ((ما)» موصولةٌ، وعائدُها محذوفٌ، والتقديرُ: تَتْلوه. وقيل: ((ما)) نافيةٌ وهذا غَلَطّ فاحش لا يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكلامِ البتّةَ، نقل ذلك ابنُ العربي. و((يَتْلو)) في معنى تَلَتْ فهو مضارعٌ واقعٌ موقعَ الماضي كقوله(٢): ٦٣٩ - وإذا مُرَرْتَ بِقبِهِ فاعْقِرْ بِه كُوَمَ الهِجانِ وكلَّ طَرْفٍ سابحٍ فَلَقَدْ يكونُ أخا دمٍ وَذَبائحِ وانضَحْ جوانِبُّ قبِهِ بدِمائِها أي: فلقَدْ كان، وقال الكوفيون: الأصلُ: ما كانت تْلو الشياطينُ ، ولا يريدونَ بذلك أنَّ صلةَ ((ما)) محذوفةٌ، وهي ((كانَتْ))، و((تتلو)) في موضعٍ. الخبرِ، وإنما قَصَدوا تفسِيرَ المعنى، وهو نظيرُ: ((كانَ زيدٌ يقوم)) المعنى على الإِخبار بقيامِه في الزمنِ الماضي . وقرأ الحسن والضحاك(٣): ((الشياطُون)) إجراءً له مُجْرى جَمْعٍ السلامةِ، قالوا: وهو غَلَطُّ. وقال بعضُهم: لَحْنٌ فاحِشٌ. وحكى الأصمعي: ((بُستانُ فلانٍ حولَه بَساتُون)) وهو يُقَوِّي قراءَةً الحسن. قوله: ((على مُلْكِ سُلَيْمانَ)) فيه قولان، أحدُهما: أنه على معنى في، أي: في زمنٍ ملكِه، والمُلْكُ هنا شَرْعُه. والثاني: أَنْ يُضَمَّن تَتْلو معنى: (١) الاملاء ٥٤/١. (٢) البيتان لزياد الأعجم، وهما في أمالي القالي ٨/٣؛ وأمالي الشجري ٣٠٤/١؛ والقرطبي ٤٢/٢؛ والخزانة ١٩٢/٤. والكوم: ج كوماء وهي الناقة العظيمة السنام، والهجان: البيض الكرام من الإِبل. (٣) الشواذ ٨؛ البحر ٣٢٦/١؛ ابن عطية ٣٦٧/١. ٢٨ - البقرة - تتقوَّل أي: تتقوَّل على مُلْكِ سليمان، وتَقَوَّل يتعدَّى بعلى، قال تعالى: ((ولو تَقَوَّل علينا بعضَ الأقاويل))(١). وهذا الثاني أَوْلَى، فإن التجوُّز في الأفعالِ أَوْلَى مِن التجوُّز في الحُروف، وهو مذهبُ البصريينَ كما مَرَّ غيرَ مرة. وإنما أَحْوَجَ إلى هذيْنِ التأويلَيْنِ لأن(٢) تلا إذا تعدَّى بـ((على)) كان المجرورُ بـ(( على)) شيئاً يَصِحُّ أَنْ يُتْلِى عليه نحو: تَلَوْتُ على زيدِ القرآنَ، والمُلْكُ ليس كذلك. والتلاوةُ: الاتِّباعُ أو القراءةُ وهو قريبٌ منه. وسُلَيمان عَلَمُ أعجمي فلذلك لم ينصِرِفْ. وقال أبو البقاء (٣): ((وفيه ثلاثةُ أسبابٍ: العجمةُ والتعريفُ والألفُ والنونُ)) وهذا إنما يَثْبُتُ بعد دخولِ الاشتقاقِ فيه والتصريفِ حتى تُعْرَفَ زيادتُهما، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخُلان في الأسماء الأعجمية، وكَرِّر قوله ((وما كَفَر سليمانُ)) بذكرِه ظاهراً تفخيماً له وتعظيماً كقوله (٤). ٦٤٠ - لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتّ شيءٌ وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. قوله: ((ولكنَّ الشياطينَ كَفَروا)) هذه الواوُ عاطفةٌ جملةَ الاستدراكِ على ما قبلَها. وقرأ(٥) ابنُ عامر والكسائيُّ وحمزةُ بتخفيفِ ((لكنْ)) وَرَفْعِ ما بَعْدها، والباقون بالتشديدِ والنصبِ وهو واضحٌ. وأمَّا القراءةُ الأولى فتكونُ ((لكنْ)) مخففةً من الثقيلة جيء بها لمجرَّدِ الاستدراكِ، وإذا خُفِّفَتْ لم تَعْمَلْ عند الجمهورِ، ونُقِلَ جوازُ ذلك عن يونسَ والأخفشِ (٦). وهل تكونُ عاطفةً؟ الجمهورُ (١) الآية ٤٤ من الحاقة. (٢) اللام هنا مقحمة. (٣) املاملاء ٥٤/١. (٤) تقدم برقم ٤٩٠. (٥) السبعة ١٦٧؛ والكشف ٢٥٦/١؛ والبحر ٣٢٦/١. (٦) تابعتُ إعراب الأخفش لمواضع ((لكن)) المخففة في كتابه معاني القرآن فلم أجده نص على ذلك غير أنه تحدث في ص ١٥٢ عن معاني ((إلا)) فقال: إنها تأتي بمعنى لكن، ونقل عن يونس ((ما أشتكي شيئاً إلا خيراً) والاستنتاج من هذا النص بأنه يُعُمِل المخففة ضعيف. ٢٩ - البقرة - على أنَّها تكونُ عاطفةً إذا لم يكنْ معها الواوُ، وكانَ ما بعدَها مفرداً، وذهبَ يونسُ إلى أنها لا تكونُ عاطفةً، وهو قويٌّ، فإنه لم يُسْمَعْ من لسانهم: ما قام زيدٌ لكن عمروٌ، وإن وُجِدَ ذلك في كتب النحويين فمِنْ تمثيلاتِهم، ولذلك لم يُمَثِّل بها سيبويه(١) إلا مع الواو وهذا يَدُلُّ على نَفْيهِ. وأمَّا إذا وقعت بعدها الجملُ فتارةً تقترنُ بالواوِ وتارةً لا تقترنُ، قال زهير(٢): ٦٤١ - إنَّ ابنَ وَرْقَاءَ لا تُخْشَى بوادِرُهُ لكنْ وقائِعُه في الحَرْبِ تُنْتَظَرُ وقال الكسائي والفراء(٣): ((الاختيارُ تشديدُها إذا كانَ قبلَها واوٌ، وتخفيفُها إذا لم يكنْ)) وهذا جنوحٌ منهما إلى القولِ بكونِها حرفَ عطفٍ .. وأبعدَ مَنْ زَعَم أنها مركبةٌ من ثلاثِ كلماتٍ: لا النافيةِ وكافِ الخطابِ وأَنْ التي للإِثباتِ وإنَّما حُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً. قوله: ((يُعَلِّمون النَّاسَ السحرَ)) ((الناسَ)) مفعولٌ أولُ، و((السحرُ)) مفعولٌ ثانٍ. واختلفوا في هذه الجملةِ على خمسةِ أقوال، أحدُها: أنها حالٌ من فاعل (كفروا))، أي: كفروا مُعَلِّمينَ. الثاني: أنها حالٌ من الشياطين، ورَدَّهِ أبو البقاء (٤) بأنَّ ((لكنّ) لا تعملُ في الحال. وليس بشيء فإن ((لكنَّ)) فيها رائحةُ الفعل. الثالث: أنها في محلِّ رفعٍ على أنَّها خبرٌ ثانٍ للشياطين. الرابعُ: أنها بدلٌ من ((كَفروا)) أبدلَ الفعلَ من الفعلِ. الخامسُ: أنَّها استئنافيةٌ، أُخبرَ عنهم بذلك، هذا إذا أُعَدْنا الضميرَ من ((يُعَلُّمون)) على الشياطين، أمَّا إذا: أَعَدْنَاهِ على ((الذين أَتَّبعوا ما تَتْلو الشياطينُ)) فتكونُ حالاً من فاعلِ ((أَتَّبعوا))، أو استئنافيةً (١) الكتاب ٤٧/١. .(٢) ديوانه ٣٠٦؛ والمغني ٣٢٤؛ والبحر ٦٢/١؛ والعيني ١٧٨/٤؛ والدرر ١٨٩/٢. (٣) معاني القرآن ٤٦٥/١. (٤) الاملاء ٥٥/١. ٣٠ - البقرة - فقط. والسِّحْرُ: كلُّ ما لَعُفَ ودَقَّ. سَحَرَهُ: إذا أبدى له أمراً يَدِقُّ عليه ويَخْفَى . قال (١): أَدَاءٌ عَراني من حُبابِكِ أَمْ سِحْرُ ٦٤٢ - ويقال: سَحَره: أي خَدَعَه وعَلَّله، قال امرؤ القيس(٢): ونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبِالشَّرابِ ٦٤٣ - أرانا مُوضِعِيْنَ لأمرٍ غَيْبٍ أي: نُعَلَّلُ، وهو في الأصلِ: مصدرٌ يُقال: سَحَرَه سِحْراً، ولم يَجِيءُ مصدرٌ لفَعَل يَفْعَل على فِعْل إلَّ سِحْراً وفِعْلًا. [٤٤/ب] قوله: ((وما أُنْزِلَ)) فيه أربعةُ أقوالٍ أَظْهَرُها / أنَّ (ما)) موصولةٌ بمعنى الذي محلُّها النصبُ عطفاً على ((السِّحْر))، والتقديرُ: يُعَلِّمُون الناسَ السحرَ والمُنَزَّلَ على المَلَكَيْن. الثاني: أنها موصولةٌ أيضاً ومحلها النصبُ لكنْ عطفاً على ((ما تُتْلُو الشياطين)) والتقديرُ: وَتَّبعوا ما تَتْلو الشياطينُ وما أُنْزِل على المَلَكَيْن وعلى هذا فما بينهما اعتراضٌ، ولا حاجَةَ إلى القولِ بأنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً. الثالث: أنَّ محلّها الجَرُّ عطفاً على ((مُلْكِ سليمان)) والتقديرُ: افتراءً على مُلْكِ سُلَيْمان وافتراءً على ما أُنْزِلَ على المَلَكَيْن. وقال أبو البقاء (٣): ((تقديرُه: وعلى عَهْدِ الذي أُنْزِل)). الرابع: أنَّ ((ما)) حرفُ نفيٍ، والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ المنفيَّةِ قبلها، وهي ((وما كَفَر سليمانُ))، والمعنى: وما أُنْزِل على المَلَكَيْنِ إياحةُ السِّحْرِ. (١) البيت لأبي عطاء السندي وصدره: فواللهِ ما أَدْري وإني لصادقٌ وهو في اللسان: حبب؛ والبحر ٣١٩/١. (٢) ديوانه ٩٧؛ واللسان: سحر؛ والبحر ٣١٩/١؛ وينسب أيضاً لزهير وهو في ديوانه مطبوعة بيروت ١٠٠، وموضعين: مسرعين. (٣) الاملاء ٥٥/١ . ٣١ - البقرة بـ والجمهورُ على فَتْح لام ((المَلَكَيْن)) على أنَّهما من الملائكة، وقرأ ابن عباس وأبو الأسود (١) والحسن بكَسْرها على أَنَّهما رَجُلانٍ من الناس، وسيأتي تقريرُ ذلك. قوله ((ببابِلَ)) متعلُّقٌ بأُنْزِلَ، والباءُ بمعنى ((في)» أي: في بابل: ويجوزُ أنْ يكونَ في محلّ نصبٍ على الحالِ من المَلَكَيْن أو من الضمير في ((أُنْزِل)) فيتعلَّقَّ بمحذوفٍ، ذَكَر هذين الوجهين أبو البقاء(٢). وبابل لَا يَنْصَرِفُ للعُجْمَةِ والعَلَمية، فإنها اسمُ أرضٍ وإنْ شِئْتَ للتأنيث والعَلَمية، وسُمِّيَتْ بذلك قال: لِتَبَلْبُلِ السنةِ الخلائقِ بها، وذلك أنَّ اللهَ تعالى أمرَ ريحاً فَحَشَرَتْهُمْ بهذه الأرضِ فلم يَدْرِ أحدٌ ما يقولُ الآخر، ثم فَرَّقْهُم الريحُ في البلادِ يتكلّمُ كلُّ أحدٍ بلغةٍ. والبَلْبَلَةُ: التفرقةُ، وقيل: لَمَّا أُهْبِطَ نوحٌ عليه السَلَامِ نَزَلَ فبنى قريةً وسمّاها ((ثمانِينَ))، فَأَصْبَحَ ذاتَ يوم وقد تَبَلْبَلَتْ الْسِنْتُهم على ثمانينَ لغةً. وقيل: لِتَبَلْبُلِ ألسنةِ الخَلْقِ عند سقوطٍ صَرْحٍ نمرود. قوله: ((هاروتَ وماروتَ)) الجمهورُ على فَتْح تائِهما، واختلف النحويون في إعرابهما، وذلكَ مبنيٌّ على القراءَتَيْنِ في «المَلَكَيْنِ)): فَمَنْ فَتَحَ لامَ ((المَلْكَيْنِ)) وهم الجمهورُ كان في هاروت وماروتَ أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أَنَّهَا بَدَلٌ من ((الملَكَيْنِ))، وجُرَّ بالفتحةِ لأنهما لا يَنْصَرِفان للعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ. الثاني: أنهما عطفُ بيانٍ لهما. الثالث: أنهما بدلٌ من ((الناس)) في قوله: ((يُعَلَّمُونَ الناسَ)) (١) ظالم بن عمرو، مخضرم، قاضي البصرة، أخذ عن علي وعثمان، وروى عنه يحيى ابن بعمر، توفي سنة ٦٩. انظر: أخبار النحويين البصريين ١٣؛ النزهة ٦؛ البغية ٢٢/٢؛ طبقات ابن الجزري ٣٤٥/١. وانظر في هذه القراءة: البحر ٣٢٩/١؛ والقرطبي ٥٢/٢. (٢) الاملاء ١ /٥٥. ٣٢ - البقرة - وهو بدلُ بعضٍ من كلٍ ، أَوْ لأنَّ أقلَّ الجمعِ اثنان. الرابع: أنهما بدلٌ من ((الشياطين)) في قوله: ((ولكنَّ الشياطينَ)) في قراءةٍ مَنْ نَصَبَ، وتوجيهُ البدلِ كما تقدَّم. وقيل: هاروت وماروت اسمان لقبيلتينٍ من الجن فيكونُ بدلَ كلٍ من كلٍ، والفتحةُ على هذين القولَيْنِ للنصْبِ. وأمَّا مَنْ قَرَأَ برفعٍ ((الشياطين)) فلا يكونُ ((هاروت وماروت)) بدلاً منهم، بل يكونُ منصوباً في هذا القولِ على الذمِّ، أي: أذُ هاروتَ وماروتَ من بينِ الشياطينِ كلِّها، كقوله(١): وجوهَ قرودٍ تَبْتَغِي مَنْ تُجادِعُ ٦٤٤ - أَقَارِعُ عَوْفٍ لا أُحاولُ غِيرَها أي: أُذُّ وجوهَ قرودٍ، ومَنْ كَسَرَ لامَهما فيكونان بدلاً منهما (٢) كالقولِ الأولِ إلا إذا فُسِّر الملكان بداودَ وسليمان - كما ذكره بعضُ المفسِّرين - فلا يكونَانِ بَدَلاً منهما بل يكونانِ متعلُّقين بالشياطين على الوَجْهَيْن السابقين في رفع الشياطين ونَصْبِه، أو يكونان بدلاً من ((الناس)) كما تقدَّم. وقرأ الحسن (٣): هاروتُ وماروتُ برفعهما، وهما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي: هما هاروتُ وماروتُ، ويجوز أَنْ يكونا بدلاً من ((الشياطين)) الأولِ، وهو قولُه: ((ما تَتْلو الشياطينُ)) أو الثاني على قراءةٍ مَنْ رفَعَه. ويُجْمعان على هَواريت ومَواريت وهَوارِتَة ومَوارِتَة، وليس مَنْ زعم اشتقاقَهما من الهَرْت والمَرْت وهو الكَسْر بمُصيبٍ لعدَمِ انصرافِهِما، ولو كانا مشتقَيْنِ كما ذُكِرِ لانْصَرَفا. قوله: (وما يُعَلِّمان مِنْ أَحَدٍ)) هذه الجملةُ عَطْفٌ على ما قبلَها. والجمهور على ((يُعَلِّمان)) مُضَعَّفاً، واختُلِفَ فيه على قَوْلَين: أحدُهما: أنه على بابِهِ من التعليم. والثاني: أنه بمعنى يُعْلِمان من ((أَعْلم))، فالتضعيفُ والهمزةُ (١) البيت للنابغة، وهو في ديوان ٥٠؛ والكتاب ٢٥٢/١؛ وأمالي الشجري ٣٤٤/١؛ والبحر ٣٣٠/١. والمجادعة: المخاصمة. (٢) أي فيكون هاروت وماروت بدلاً من الملكين. (٣) الحسن والزهري كما في البحر ٣٣٠/١. ٣٣ - البقرة ـ متعاقبان، قالوا: لأنَّ المَلَكَيْن لا يُعَلِّمان الناسَ السحرَ، إنما يُعْلِمانِهِم به ويَنْهَيَانِهِم عنه، وإليه ذَهَبَ طلحة بن مصرف، وكان يقرأ(١): ((يُعْلِمان)) من الإِعلام. وممَّن حكى أن تَعَلَّمْ بمعنى اعلَمْ ابنُ الأعرابي وابن الأنباري وأنشدوا قولَ زهير(٢): فاقْدِرْ بِذَرْعِكِ وانظُرْ أينَ تَنْسَلِكُ ٦٤٥ - تَعَلَّمَنْ هالَعَمْرُ اللهِ ذا قَسَماً وقولَ القطامي(٣) : ٦٤٦ - تَعَلَّمْ أنَّ بعِدَ الغَيِّ رُشْدَأُ وأَنَّ لذلك الغَيِّ انقِشاعاً وقول كعب بن مالكِ(٤): وأنَّ وعيداً منكَ كالأخذِ باليدِ ٦٤٧ - تَعَلَّمْ رسولَ اللهِ أَنَّك مُدْرِكي وقول الآخر(٥): ٦٤٨ - تَعَلَّمْ أنه لا طيرَ إلا على مُتَطَيٍِّ وهو الثُّبُورُ والضميرُ في ((يُعَلِّمان)) فيه قولان، أحدُهما: أَنَّه يعودُ على: هاروت وماروت، والثاني: أنه عائدٌ على المَلَكَيْنِ، ويؤيِّدُه قراءةُ أُبَيّ بإظهارِ الفاعلِ : (وما يُعَلِّمُ المَلَكان))(٦)، والأولُ هو الأصحُّ؛ وذلك أنَّ الاعتمادَ إنما هو على البَدَل دون المبدل منه فإنه في حُكْم المُطَّرَحِ فمراعاتُه أَوْلَى تقول: ((هندٌ (١) البحر ٣٣٠/١؛ الشواذ ٨. (٢) الديوان ١٨٢؛ والكتاب ١٤٥/٢؛ الدرر ٥٠/١؛ والهمع ٧٦/١؛ والخزانة ٤٧٥/٢. ومعنى فاقدر بذرعك: قدِّر لِخَطْوك. (٣) تقدم برقم ٣٧٠. (٤) يُنْسب أيضاً لكعب بن زهير في ملحق ديوانه ٢٥٨، كما ينسب إلى سارية بن زنيم وهو في أمالي المرتضى: ٧٧/٢. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٥٤/٢. والثبور: الهلاك. (٦) البحر ٣٣٠/١. ٣٤ - البقرة - حُسْنُها فاتِنَ)) ولا تقول: ((فاتنةٌ)) مراعاةً لهند إلا في قليلٍ من الكلامِ كقوله(١): ٦٤٩ - إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَواحَها تَرَكَتْ هوازنَ مثلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ وقول الآخر (٢): ٦٥٠ - فكأنَّه لَهِقُ السَّراةِ كأنه ما حاجِيْهِ مُعَيِّنَ بِسَوادِ فراعى المُبْدَلَ منه في قوله: تَرَكَتْ، وفي قوله: مُعَيِّن، ولوراعى البَدَّلَ وهو الكثيرُ لقال: تَرَكا ومُعَيَّنان كقولِ الآخر (٣): ٦٥١ - فما كانَ قيسُ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ ولكنَّه بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا ولو لَمْ يُراعِ البدلَ لَلَزِمَ الإِخبارُ بالمعنى عن الجثة. وأجاب الشيخ(٤) عن البيتين بأن ((رَواحَهَا وغدوَّها)) منصوبٌ على الظرفِ، وأن قوله ((مُعَيَّنْ)) خبرٌ عن ((حاجِبَيْه)) وجازَ ذلك لأن كلَّ اثنينٍ لا يُغْني أحدهما عن الآخر (٥) يجوزُ فيهما ذلك(٦)، قال(٧): (١) البيت للأخطل وهو في ديوانه ٩٠؛ والأشموني ١٣٢/٣؛ والبحر ٨٧/٣؛ والخزانة ٣٧٢/٢. والأعضب: المقطوع. (٢) البيت للأعشى وليس في ديوانه، وهو في الكتاب ٨٠/١؛ واللسان: عين، وابن يعيش ٦٧/٣؛ والدرر ٢٢١/٢؛ والخزانة ٣٧٠/٢. يصف ثوراً وحشياً نشيطاً، لهق السراة: أبيض أعلى الظهر. وما زائدة. (٣) البيت لعبدة بن الطبيب. وهو في الحماسة ٣٨٧/١؛ والكتاب ٧٧/١؛ وابن يعيش ٦٥/٣؛ والقرطبي ٤٤/٣. (٤) البحر ٨٦/٣. (٥) كاليدين والرجلين والعينين. (٦) أي: أن تخبر عنهما إخبار الواحد. (٧) البيت لامرىء القيس في ملحق ديوانه ٤٧٢، وصدره: زُلُّ زُحْلوقَةٌ لِمَنْ وهو في المحتسب ١٨٠/٢؛ وأمالي الشجري ١٢١/١؛ واللسان: زلل؛ والدرر ٢٤/١. والزحلوقة: آثار أراجيح الصبيان على الميدان. ٣٥ ٦٥٢ - - البقرة - بها العَيْنَانُ تَتْهَلُّ وقال (١): أو سُنْلٍ كُحِلَتْ بِه فَانْهَلَّتِ ٦٥٣ - لكأنَّ في العَيْنَيْن حَبَّ قَرَنْفُلِ ويجوز عكسه (٢)، قال(٣): ٦٥٤ - إذاذكرتْ عيني الزمانَ الذي مضى بصحراءٍ فَلْجٍ ظَلَّا تَكِفَانِ و ((مِنْ)) زائدةٌ لِتأكيدِ الاستغراقِ لا للاستغراق، لأنَّ ((أحداً) يفيدُه بخلافِ: ((ما جاءَني من رجلٍ)) فإنَّهَا زائدةٌ للاستغراقِ، و((أحد)» هنا الظاهرُ أنه الملازمُ للنفي وأنَّه الذي همزتُه أصلٌ بنفسِها. وأجاز أبو البقاء (٤) أن يكونَ بمعنی واحد فتكونَ همُزُه بدلاً من واو. قوله: ((حتى يقولا إنَّما نحنُ فتنةٌ)) حتى: حرفُ غايةٍ وهي هنا بمعنى إلى / والفعلُ بعدَها منصوبٌ بإضمارِ ((أَنْ)) ولا يجوزُ إظهارُها، وعلامةُ النصب [١/٤٥] حذفُ النونِ، والتقديرُ: إلى أَنْ يقولا، وهي متعلقةٌ بقولِه: ((وما يُعَلِّمانِ)) والمعنى أنه ينتفي تعليمُهما أو إعلامُهما على حسبِ ما مضى من الخلاف إلى هذه الغايةِ وهي قولُهم: ((إنما نحن فتنةٌ فلا تَكْفُرْ)) وأجاز أبو البقاء(٥) أَنْ تكونَ ((حتى)) بمعنى ((إلَّ)) قال: ((المعنى وما يُعَلِّمان من أحدٍ إلَّ أَنْ يقولاً)) وهذا الذي أجازه لا يُعْرَفُ عن أكثر المتقدمين وإنما هو شيءٌ قاله الشيخَ (١) البيت لسلمى بن ربيعة، وهو في الحماسة ٢٨٥/١؛ وإملاء العكبري ١١٠/١؛ وأمالي الشجري ١٢١/١. (٢) أي: أن تخبر عن الواحد إخبار المثنى. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في أمالي الشجري ١٢٢/١؛ والبحر ٨٧/٣؛ والهمع ٥٠/١؛ والدرر ٢٥/١. (٤) الإملاء ٥٥/١ . (٥) الإِملاء ٥٥/١. ٣٦ - البقرة - جمال الدين بنُ مالكِ (١) وأنشد(٢): حتى تَجودَ وما لَدَيْكَ قليلٌ ٦٥٥ - ليسَ العطاءُ من الفُضُولِ سَماحةٌ قال: ((تقديرُهُ: إِلا أَنْ تجودَ)). واعلم أنَّ ((حتى)) تكونُ حرفَ جر بمعنى إلى كهذه الآية، وکقوله: ((حتى مَطْلَعِ [الفجر](٣)، وتكونُ حرفَ عطفٍ (٤)، وتكونُ حرفَ ابتداءٍ فتقعُ بعدها [الجملُ كقوله](*): بدَجْلَةَ حتى ماءُ دَجْلَةَ أَشْكَلُ ٦٥٦ - فما زالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دماءَها والغايةُ معنىَّ لا يفارقها في هذه الأحوالِ الثلاثة [فلذلك لا يكون ما بعدها](٦) إلا غايةٌ لِما قبلها: إمَّ في القوة أو الضَّعْفِ أو غيرِهما، ولها أحكامٌ ستأتي إنْ شاء الله تعالى. و ((إنَّما)» مكفوفةٌ بما الزائدةِ فلذلكَ وَقَعَ بعدَها الجملةُ، وقد تقدَّم أنَّ بعضَهم يُجِيزُ إعمالَها، والجملةُ في محلّ نصبٍ بالقول ، وكذلك: ((فَلا تَكْفُرْ)). قوله: ((فيتعلَّمون)» في هذه الجملة سبعةُ أقوالٍ، أظهرُها: أنَّها معطوفةٌ على قوله: ((وما يُعَلِّمان)) والضميرُ في ((فيتعلّمون)) عائدٌ على ((أحد)) (١) محمد بن عبدالله الطائي، أخذ عن السخاوي، له: الألفية والتسهيل، توفي سنة ٦٧٢، انظر: طبقات القراء ١٨١/٢؛ البغية ١٣٠/١. (٢) البيت للمقنع الكندي، وهو في العيني ٤١٢/٤؛ وحاشية الشيخ يس ٢٧٢/١؛ والهمع ٩/٢؛ والدرر ٦/٢. (٣) الآية ٥ من القدر. (٤) نحو: يموت الناس حتى الأنبياءُ. (٥) ما بين معقوفين مطموس في الأصل، والبيت لجرير وهو في ديوانه ٤٥٧؛ وابن يعيش ١٨/٨؛ والخزانة ١٤٢/٤؛ والحمع ٢٤٨/١؛ والدرر ٢٠٧/١. (٦) ما بين معفوفين مطموس في الأصل. ٣٧ - البقرة - وجُمِعَ حَمْلاً على المعنى، نحو قوله: ((فما منكم من أحدٍ عنهُ حاجِزِين))(١)، فإن قيل: المعطوفُ عليه منفيٌّ فَيَلْزَمُ أَنْ يكونَ ((فيتعلَّمون)) منفياً أيضاً لعطفِه عليه وحينئذٍ ينعكسُ المعنى. فالجوابُ ما قالوه وهو أَنَّ ((وما يُعَلِّمانِ من أحدٍ حتى يقولا)) وإنْ كان منفيّاً لفظاً فهو موجّبٌ معنىٍّ لأنَّ المعنى: يُعَلِّمان النَّسَ السحرَ بعدّ قولِهما: إنما نحنُ فتنةٌ، وهذا الوجهُ ذكره الزجاجُ(٢) وغيرُه. الثاني: أنه معطوفٌ على ((يُعَلِّمونَ الناسَ السحرَ)) قاله الفراء(٣). وقد اعترضَ الزجاجُ هذا القولَ بسبب لفظِ الجمع في ((يُعَلُّمون)) مع إتيانِه بضميرٍ التثنية في «منهما))، يعني فكانَ حقه أنْ يُقالَ: ((منهم)) لأجلِ ((يُعَلِّمون))، وأجازَه أبو عليّ وغيرُه، وقالوا؛ لا يمتنع عَطْفُ ((فيتعلَّمونِ)) على ((يُعَلِّمون)) وإن كان التعليمُ من المَلَكَيْنِ خاصةً، والضميرُ في «منهما)) راجعٌ إليهما، فإنَّ قوله (منهما)) إنما جاء بعدَ تقدُّم ذِكْرِ المَلَّكَيْنِ. وقد اعتُرِضَ على قولِ الفراء من وجهٍ آخرَ: وهو أنَّه يَلْزَمُ منه الإِضمارُ قبلَ الذكرِ، وذلك أَنَّ الضميرَ في ((مِنْهُمَا)) عائدٌ على المَلَكَيْن وقد فرضتم أنّ ((فيتعلَّمون منهما) عَطْفٌ على: ((يُعَلِّمون) فيكونُ التقديرُ: ((يُعَلِّمون الناسَ السحرَ فيتعلَّمون منهما)) فيلزم الإِضمارُ في ((منهما)) قبلَ ذِكْرِ المَلَّكَيْنِ، وهو اعتراضٌ واهٍ فإنَّهما متقدِّمان لفظاً، وتقديرُ تأخّرِهما لا يَضُرُّ، إذ المحذورُ عَوْدُ الضميرِ على غيرِ مذكورٍ في اللفظ. الثالث : - وهو أحدُ قَولَيْ سيبويه _(٤) أنه عَطْفٌ على ((كفروا))، و(كفروا)) فِعْلٌ في موضعِ رفعٍ، فلذلك عُطِفَ عليهِ فعلٌ مرفوعٌ، قَال سيبويه: ((وارْتَفَعَتْ ((فيتعلَّمون)) لأنه لم يُخْبِرْ عن المَلَكَيْن أنهما قالا: لا تَكْفُرْ (١) الآية ٤٧ من الحاقة. (٢) معاني القرآن ١٦٢/١. (٣) معاني القرآن للفراء ٦٤/١. (٤) الكتاب ٤٢٣/١. ٣٨ - البقرة - فيتعلَّموا ليَجْعلا كفره سبباً لتعلُّمِ غيرِهِ، ولكنه على: كفروا فيتعلَّمون))، وشَرْحُ ما قالَه هو أنه يريد أنَّ ليس ((فيتعلَّمون)) جواباً لقوله: ((فلا تَكْفُرْ) فينتصِبَ في جوابِ النهي كما انتصَبَ: ((فَيُسْحِتَكم))(١) بعدَ قولِه: ((لا تَقْتَرُوا)) لأنَّ كُفْرَ مَنْ نَهَياه أَنْ يكفرَ ليس سبباً لتعلُّمِ مَنْ يتعلُّم. وقد اعتُرِضَ على هذا بما تقدَّم من لزومِ الإِضمارِ قبلَ الذكر وتقدَّم جوابُه. الرابع: وهو القولُ الثاني لسيبويه(٢) - أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: ((فهم يتعلَّمون)»، فَعَطَفَ جملةً اسميةٌ على فعليةٍ. الخامس: قال الزجاج(٣) أيضاً: ((والأجودُ أَنْ يكونَ معطوفاً على (يُعَلِّمان فيتعلَّمون)) فاستغنى عِنْ ذكرٍ (يُعَلَّمان)) على ما في الكلام من الدليل عليه)). واعترض أبو علي قولَ الزجاج فقال: ((لا وجهَ لقوله: ((استغنى عن ذِكْرٍ يُعَلِّمان)) لأنه موجودٌ في النص)). وهذا الاعتراضُ من أبي علي تحاملٌ عليه لسببٍ وقَعَ بينهما، فإنَّ الزجاجَ لم يُرِدْ أنَّ ((فيتعلَّمون)) عطفٌ على ((يُعَلِّمان)) المنفيِّ بـ («ما)) في قوله ((وما يُعَلِّمان)) حتى يكونَ مذكوراً في النصِّ، وإنما أرادَ أن ثَمَّ فِعلًا مضمراً يَدُلُّ عليه قوةُ الكلامِ وهو: يُعَلِّمان فيتعلَّمونَ. السادس: انه عَطْفٌ على معنى ما دَلَّ عليه أولُ الكلام، والتقديرُ: فَيَأْتُون فيتعلَّمونَ، ذكره الفراءُ (٤) والزَّجَّاجُ(٥) أيضاً. السابع: قال أبو البقاء(٦): ((وقيل هو مستأنَفٌ)) وهذا يَحْتَمِلِ أَنْ يريدَ أنه (١) الآية ٦١ من طه: لا تَفْتَرُوا على الله كَذِباً فَيُسْحِتَكم بعذابٍ. (٢) الكتاب ٤٢٣/١. (٣) معاني القرآن للزجاج ١٦٢/١. (٤) معاني القرآن للفراء ٦٤/١. (٥) معاني القرآن للزجاج ١٦٢/١. (٦) الإملاء ٥٥/١. ٣٩ - البقرة :- خبرُ مبتدٍ مضمرٍ كقولٍ سيبويه، وأن يكونَ مستقلاً بنفسِه غيرَ محمولٍ على شيءٍ قبلَه وهو ظاهرُ كلامِه. هذا نهايةُ القولِ في هذه المسألةِ، وقد أَمْعَنَ المهدويُّ - رحمه الله - فيها فأمتعَ . قوله: ((منهما)) متعلَّقٌ بُيُعَلِّمون. و ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، وفي الضمير ثلاثةُ أقوالٍ ، أظهرُها: عَوْدُه إلى المَلَّكَيْنِ، سواءً فُرِئ بِكِسْر اللام أو فتحِها. والثاني: أنه يعودُ على السحرِ وعلَى المُنَزَّل على الملَكَيْنِ، والثالث: أنه يعودُ على الفتنةِ وعلى الكفر المفهوم من قوله ((فَلا تَكْفُرْ)) وهو قولُ أبي مسلم(١). قوله: ((ما يُفَرِّقون به)) الظاهرُ في ((ما)) أنَّها موصولةٌ اسميةٌ، وأجاز أبو البقاء (٢) أن تكونَ نكرةً موصوفةً وليس بواضحٍ، ولا يجوزُ أن تكونَ مصدريةً لعَوْدِ الضميرِ في ((به)) عليها، والمصدريةُ حرفٌ عند جمهورِ النَّحْوِبِين كما تقدَّم غيرَ مَرَّة . و((بين المرءِ)) ظَرْفُ لـ((يُفَرِّقون)). والجمهورُ على فَتْحِ ميم ((المَرْء)) مهموزاً وهي اللغة العالية. وقرأ(٣) ابنُ أبي إسحاق: ((المُرْء)) بضمِّ الميمِ مهموزاً، وقرأ الأشهب(٤) العقيلي والحسنُ: ((المِرْء)) بكسر الميم مهموزاً. فأمَّا الضمُّ فلغةُ مَحْكِيَّةٌ، وأمَّا الكسرُ فَيَحتمِلُ أَنْ يكونَ لغةً مطلقاً، ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ ذلك للإتباع، وذلك أنَّ في ((المَرْء)» لغةً، وهي أنَّ فاءَه تُنْبَعُ لامَه فإنْ ضُمِّ ضُمَّتْ وإِنْ فُتِحَ فُتِحَتْ وإنْ كُسِرَ كُسِرَتْ. تقول: ((ما قام المُرْء)) بضم الميم، و ((رأيت المَرْءَ)) بفتحها، ومررت بالمِرْءِ)) بكسرِها. وقد يُجْمع بالواوِ والنونِ وهو شاذٍّ، قال الحسن في بعضِ مواعِظه: ((أَحْسِنوا مَلْأَكم أيها المَرْؤُوْن)) أي: (١) محمد بن بحر معتزلي مفسر، له: جامع التأويل والناسخ والمنسوخ: توفي سنة ٣٢٢. انظر: البغية ٥٩/١ . (٢) الإملاء ٥٥/١. (٣) البحر ٣٣٢/١؛ وابن عطية ٣٧٢/١؛ الشواذ ٨. (٤) لم أقف على ترجمة هذا القارىء. ٤٠