النص المفهرس
صفحات 1-20
الدُُّالمِصُون في عُلُمُ الْكِتَابِ المَكْتُون تأليف أَحْمَد بْنِ يُوسُفْ المَعْرُوفِ بِالسَّمِّيْنِ الجَلَتِيّ المتوفى سنة ٧٥٦هـ تحقیق الدّكتور أحمد محَمّد الخراط الأسْنَاذ المُشَارِكِ تَجَامِعَةِ الإمَامْ عَّ بْ سُعُود الإِسِلَامَّة الَعْهَد العَالِيُ لِدّعَوَة الإسلاميَّة - الَّدِيْنَة المُنُوْرَة اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف الجزء الثاني دار القلم دمشق - البقرة - آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿بالبيِّنات﴾: يجوز فيه وجهان، أحدُهما أن يكونَ حالاً من «موسى))، أي: جاءكم ذا بيناتٍ وحُجَجٍ أو ومعه البيناتُ. والثاني: أن يكونَ مفعولاً أي: بسبب إقامةِ البيناتِ، وما بعدَه (١) من الجملِ قد تقدَّم مِثْلُه فلا حاجةً إلى تكريرِه. آ. (٩٣) قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على قوله: ((قالوا سَمِعْنا))، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من فاعل ((قالوا))، أي: قالوا ذلك وقد أُشْربوا ولا بدَّ من إضمار ((قد)) لِيَقْرُبَ الماضي إلى الحالِ خلافاً الكوفيين(٢)، حيثُ قالوا: لا يُحْتاجُ إليها. ويجوز أن يكونَ مستأنفاً لمجردٍ الإِخبارِ بذلك، واستضعَفَه أبو البقاء(٣)، قال: ((لأنَّه قد قالَ بعدَ ذلك: ((قل بِثْسَما يأمركم))، فهو جوابُ قولِهم: ((سَمِعْنا وَعَصَيْن))، فالْأَوْلَى أَلَّ يكونَ بينهما أجنبيٌّ)». والواوُ في ((أُشْرِبوا)) هي المفعولُ الأولُ قَامَتْ مقامَ الفاعلِ، والثاني هو ((العِجْلَ)) لأنَّ ((شَرِبَ)) يتعدَّى بنفسه فَأَكْسَبَتْه الهمزةُ مفعولاً آخرَ، ولا بد من حَذْفِ مضافّيْنِ قبلَ ((العِجْل)) والتقديرُ: وأُشْرِبوا حُبَّ عبادةِ العِجْلِ. وحَسَّن حَذْفَ هذين المضافين المبالغَةُ في ذلك، حتى كأنَّه تُصُوَّر إشرابُ ذاتٍ العِجْل. والإِشرابُ: مخَالَطَةُ المائع بالجامِدِ، ثم اتُّسِعَ فيه حتى قيل في الألوان نحو: أُشْرِبَ بياضُهُ حُمْرةً. والمعنى: أنهم داخَلَهم حُبُّ عبادتِه، كما داخل الصبغُ الثوبَ. ومنه (٤). ٦١٧ - إذا ما القلبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ فلا تَأْمَلْ له الدهرَ انْصِرافًا وعَبَّر بالشربِ دونَ الأكل، لأنَّ الشربَ يتغَلْغَلْ في باطنِ الشيء بخلاف (١) أقحم بعدها في الأصل ((الجملة)). (٢) انظر: الانصاف ٢٥٢. (٣) الاملاء ١ /٥٢. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٠٩/١. ٥ - البقرة - الأكل، فإنه مجاوزٌ، ومنه في المعنى(١): ٦١٨ - جریحبُّهامجرى دمي في مَفاصِلي وقال بعضُهم(٢) . فبادِيه مع الخافي يَسيرُ ٦١٩ - تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ تَغَلْغَلَ حيثُ لم يَبْلُغْ شرابٌ أطيرُ لو أن إنساناً يَطِيرُ أكادُ إذا ذَكَرْتُ العهدَ مِنْها وقيل: الإِشرابُ هنا حقيقةٌ، لأنه يُروى أن موسى عليه السلام بَرَدَ العِجل بالمِبْرَدِ ثم جعل تلك البُرادة في ماءٍ وأمرهم بشُرْبه، فَمَنْ كان يُحِبُّ العجل ظَهَرَتِ الْبُرَادَةُ على شَفَتَيْهِ، وهذا وإنْ كان قال به السُّدِّي(٣) وابن جريج (٤) وغيرُهما فَيَرُدُّه قولُه: ((في قُلوبهم)). قوله: ((بكُفْرهم)) فيه وجهان، أظهرُهما: / أنَّها للسببيةِ متعلِّقَةٌ [٤١/ب] بـ أُشْرِبوا))، أي: أُشْربوا بسببٍ كفرِهم السابق. والثاني: أنها بمعنى (مع))، يَعْنُونَ بذلك أنَّها للحالِ، وصاحبُها في الحقيقةِ ذلك المضافُ المحذوفُ أي: أُشْرِبوا حُبَّ عبادةِ العجلِ مختلطاً بكُفْرهم. والمصدرُ مضافٌ للفاعِلِ، أي: بأَنْ كفروا. ((قُلْ بِثْسَما يأمُركم)) كقوله: ((بئسما اشْتَزَوْا))(٥) فَلْيُلْتفت إليه. (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٠٩/١، وعجزه: فأصبحَ لي عن كل شُغْلٍ بها فُغْلُ (٢) الأبيات لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهي في الحماسة ١٠٥/٢؛ ومجالس ثعلب ٢٣٦/١؛ والمحتسب ١٤٤/٢؛ واللسان: معع؛ والقرطبي ٣٢/٢. (٣)) محمد بن مروان الكوفي صاحب التفسير، روى عن الكلبي. انظر: طبقات القراء ٢٦١/٢ .. وهناك إسماعيل بن عبدالرحمن السدي، تابعي، توفي سنة ١٢٨. انظر: اللباب ٥٣٧/١. (٤) عبد الملك بن عبدالعزيز المكي، روى عن أبن كثير وروى عنه سلام بن سليمان، توفي سنة ٨٠. انظر: وفيات الأعيان ٣٣٨/٢؛ الطبقات لابن الجزري ٤٦٩/١. (٥) الآية ٩٠ من البقرة. ٦ - البقرة - قوله: ((إنْ كنتم مؤمنين)) يجوزُ فيها الوجهان السابقان من كونها نافيةً وشرطيةً، وجوابُها محذوفٌ تقديرُه: ((فِئْسَما يَأْمُرُكم)). وقيلَ: تقديرُه: فلا تقتلوا أنبياءَ اللّه ولا تُكَذِّبوا الرسلَ ولا تكتمُوا الحقَّ، وأَسْندَ الإِيمانَ إليهم تَهَكُّماً بهم، ولا حاجةَ إلى حَذْفِ صفةٍ أي: إيمانُكم الباطلُ، أو حَذْفِ مضافٍ أي: صاحبُ إيمانكم. وقرأ الحسن(١): ((بِهُو إيمانُكُمْ)) بضم الهاءِ مع الواو وقد تقدَّم أنّها الأصل(٢). آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ لَكُم الدارُ الآخِرَةُ عندَ اللهِ خالِصَةً﴾: شَرْطٌ جوابُه: ((فَتَمَنَّو)) و((الدارُ)) اسمُ كان وهي الجنةُ. والْأُوْلَى أن يُقَدَّرِ حَذْفُ مضافٍ، أي: نَعيمُ الدارِ، لأنَّ الدارَ الآخِرَةَ في الحقيقةِ هي انقضاءُ الدنيا وهي للفريقَيْن. واختلفوا في خبر (كان)) على ثلاثةِ أقوالٍ، أحدُها: أنه ((خالصةً)) فتكون ((عند)) ظرفاً لخالصةً أو للاستقرار الذي في ((لكم))، ويجوزُ أن تكونَ(٣) حالاً مِن ((الدار)) والعاملُ فيه ((كان)) أو الاستقرارُ. وأمَّا (لكم)) فيتعلَّقُ بكان لأنها تعملُ في الظرفِ وشِبْهِه. قال أبو البقاء (٤) ((ويجوز أن تكونَ(٥) للتبيينِ فيكونَ موضعُها بعد ((خالصةً)) أي خالصةً لكم فَتَعلَّقَ بنفسِ ((خالصةً)). وهذا فيه نظرٌ، لأنه متى كانت للبيانِ تعلَّقَتْ بمحذوفٍ تقديرُه: أعني لكم نحو: سُقْياً لك، تقديرُه: أعني بهذا الدعاءِ لك. وقد صَرَّحِ غيرُه في هذا الموضعِ بأنها للبيانِ وأنها متعلقةٌ حينئذٍ بمحذوفٍ كما ذكرت. ويجوز أَنْ يكونَ(٦) صفةً لـ ((خالصةً)) في الأصل قُدِّم عليها فصار حالاً منها فيتعلَّقَ بمحذوفٍ . (١) قراءة الحسن ومسلم بن جندب. البحر ٣٠٩/١. (٢) قال في البحر: ((لكن كسرت في أكثر اللغات لأجل كسرة الباء)). (٣) أي: ((عند الله)). (٤) الاملاء: ١/ ٥٢. (٥) أي اللام في ((لكم)). (٦) أي: ((عند الله)). ٧ - البقرة - الثاني: أنَّ الخبر (لكم)) فيتعلَّقُ بمحذوفٍ ويُنْصَبُ ((خالصةً)) حينئذٍ على الحالِ، والعاملُ فيها: إمَّا ((كان)) أو الاستقرارُ في ((لكم)) و((عند) منصوبٌ بالاستقرارِ أيضاً. الثالث: أنَّ الخَبَرَ هو الظَرْفُ، و((خالصةً)) حالٌ أيضاً، والعاملُ فيها: إِمَّا (كانَ)) أو الاستقرارُ، وكذلك ((لكم)). وقد مَنَعَ من هذا الوجهِ قومٌ فقالوا(١): ((لا يجوزُ أن يكونَ الظرفُ خبراً لأنَّ الكلامَ لا يَسْتَقِلُّ به». وجَوَّزَ ذلك المهدوي وابنُ عطية(٢) وأبو البقاء(٣). واستشعر أبو البقاء هذا الإِشكالَ وأجاب عنه فإنه قال(٤): ((وسَوَّغَ أن يكونَ ((عند)) خبرَ كان ((لكم))، يعني لفظَ ((لكم)) سُوَّغَ وقوعٌ ((عند)) خبراً، إذْ كان فيه تخصيصٌ وَتَبْيِينَ، ونظيرُه قولُه: ((ولم يكُنْ له كُفُواً أحدٌ))(٥)، لولا (له)) لم يَصِحَّ أن يكونَ ((كفواً)) خبراً. و((مِنْ دونٍ الناس)) في محلِّ النصبِ بـ ((خالصةً)) لأَنَّك تقولُ: ((خَلُصَ كذا مِنْ كذا)). : وقرأ الجمهورُ: (فَتَمَنَّوًا الموتَ)) بضمِّ الواو، ويُرْوَى عن أبي عمرو (٦) فتحُها تخفيفاً، واختلاسُ الضمة. وقرأ ابن أبي إسحاق(٧) بكسرها على التقاء الساكنين تشبيهاً بواو ((لَو استطعنا))(٨). و((إنْ كنتم)) كقوله: ((إنْ كنتم مؤمنين)) وقد تقدَّمَ. (١) القائل هو أبو حيان في البحر ٣١٠/١. (٢) التفسير ٣٥٦/١. (٣) الاملاء ٥٣/١. (٤) الاملاء ٥٣/١. (٥) الإِخلاص آية ٤. (٦) البحر ٣١٠/١. (٧) عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري، أخذ عن يحيى بن يعمر، وروى عنه أبو عمرو وعيسى بن عمر. توفي سنة ١٢٩. انظر: إنباه الرواة ١٠٤/٢؛ النزهة ١٨؛ البغية ٢ /٤٠. (٨) الآية ٤٢ من التوبة . ٨ - البقرة - آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿أبداً﴾ .. منصوبٌ بَيَتَمَنَّوْه، وهو ظرفُ زمانٍ يقعُ للقليلِ والكثيرِ، ماضياً كانَ أو مستقبلاً، تقول: ما فَعَلْتُه أبداً، وقال الراغب(١): ((هو عبارةٌ عن مدةِ الزمانِ الممتدِّ الذي لا يَتَجزّأ كما يتجزَّأُ الزمانُ، وذلك أنه يقال: زمانَ كذا ولا يُقال: أبدَ كذا، وكان مِنْ حَقِّه على هذا ألّ يُثَنَّى ولا يُجْمَعَ، وقد قالوا: آباد فجَمَعوه لاختلافِ أنواعِه، وقيل: آباد لغةٌ مُؤَلَّدَةٌ، ومجيتُه بعد ((لَنْ)) يَدُلُّ على أن نَفْيَها لا يقتضي التأبيدَ، وقد تقدَّم ذلك، ودَعْوىُ التأكيدِ فيه بعيدةً)). وقال هنا: ((ولن يَتَمَنَّوْه)) فَتَفى بلن وفي الجمعة بـ ((لا))(٢) قال صاحب المنتخب(٣): ((لأنَّ دَعْواهم هنا أعظمُ مِنْ دعواهُمْ هناك لأنَّ السعادةَ القُصْوى فوق مرتبةِ الولايةِ، لأنَّ الثانيةَ تُراد لحصولِ الأولى، والنفيُ بـ((لن)) أَبْلَغُ مِن النفي بـ (لا)). قوله: ((بما قَدَّمَتْ أَيْديهم)) متعلِّقٌ بيتمنَّوْه، والباءُ للسببية أي بسببٍ اجتراحِهم العظائمَ. و (ما)) يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أَظْهَرُها: كونُها موصولةٌ بمعنى الذي. والثاني: نكرةٌ موصوفةٌ والعائدُ على كلا القولَيْنِ محذوفٌ أي: بما قَدَّمَتْه، فالجملةُ لا محلَّ لها على الأولِ، ومحلُّها الجرُّ على الثاني. والثالث: أنَّها مصدريَّةٌ أَي: بتَقْدِمَةِ أيديهِم. ومفعولُ ((قَدَّمَتْ)) محذوفٌ أي: بما قَدَّمَتْ أيدِيهم الشرِّ أو التبديلَ ونحوَه. آ. (٩٦) قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَثَّهم أحرصَ الناسِ﴾ .. هذه اللامُ جوابُ قسم محذوفٍ، والنونُ للتوكيدِ تقديرُه: واللهِ لَتَجِدَنَّهُم. و((وجَدَ)» هنا متعديةٌ لمفعولَيْن أوَّلُهما الضميرُ، والثاني ((أَحْرَصَ))، وإذا تَعَدَّتْ لاثنين كانَتْ (١) المفردات ص ٢. (٢) الآية ٧ من الجمعة: ((ولا يتمنَّونه أبداً)). (٣) الحسن بن صافي ملك النحاة قرأ على ابن برهان له: الحاوي، توفي سنة ٥٦٨. انظر: الإِنباه ٣٠٨/١. ٩ - البقرة ـ كـ ((عَلِمَ)» في المعنى نحو: «وإنْ وَجَدْنا أكثرَهم الفاسِقِين﴾(١). ويجوزُ أن تكونَ متعديةً لواحدٍ ومعناها معنى لِقِيَ وأصابَ، وينتصِبُ ((أَحْرَصَ)) على الحالِ: إمَّا على رَأْي مَنْ لا يشترطُ التنكيرَ في الحال، وإمَّا على رَأْي مَنْ يرى أنَّ إضافةً ((أَفْعَل)) إلى معرفةٍ غيرُ محضةٍ (٢). و((أَحْرَصَ)) أَفْعَلَ تفضيل فـ((مِنْ)) مرادةٌ معَها، وقد أُضِيفتْ لمعرفةٍ فجاءَتْ على أحدِ الجائِزَيْن، أعني عَدَمَ المطابقةِ، وذلك أنَّها إذا أُضيفَتْ إلى معرفةٍ على نَيَّةِ ((مِنْ)) جازَ فيها وجهان: المطابقةُ لِما قبلَها نحو: الزيدان أَفْضَلا الرجالِ، والزيدون أفاضل الرجال، وهند فُضْلى النساء. والهنودُ فُضْلَياتُ النساءِ، ومنه قولُه: ((أكابِرَ مجرميها))(٣)، وعدمُها نحو: الزيدون أَفْضَلُ الرجالِ ، وعليه هذه الآيةُ، وكلا الوجهين فصيحٌ ، خلافاً لابن السراج (٤) حيث ادَّعى تعيُّنَ الإِفرادِ، ولأبي منصور الجواليقي(٥) حيث زَعَم أنَّ المطابقةَ أفصحُ. وإذا أُضيفت لمعرفةٍ لَزِمَ أن تكونَ بعضَها، ولذلك مَنَّع النحْويون: ((يوسُف أَحْسَنُ إخوته)» على معنى التفضيلِ، وتأوَّلوا ما يُوهِمُ غيرَهُ نحو: ((الناقصُ والأشجُّ أعدلا بني مروان))(٦) بمعنى العادِلان فيهم، وأمَّا(٧): (١) الآية ١٠٢ من الأعراف. (٢) أي فتكون ((أحرص)) نكرة لأن الإضافة غير المحضة لا تعريف فيها. (٣) الآية ١٢٣ من الأنعام. (٤) الأصول (بعبارة محتملة) ٦/٢. (٥). موهوب بن أحمد، قرأ على التبريزي، وله: شرح أدب الكاتب والمعرَّب، توفي سنةٍ ٥٤٠. انظر: إنباه الرواة ٣٣٥/٣؛ البلغة ٢٧٠؛ البغية ٣٠٨/٢. (٦) الناقص هو يزيد بن عبدالملك سُمِّي به لنقصه أرزاق الجند، والأشج: عمر ابن عبد العزيز سمي به لشَجَّة كانت في وجهه. وهنا لا نستطيع أن نقدر كون الناقص والأشج قد حصلا على درجة أعلى من غيرهما من الأمويين في العدل، لأننا بذلك نكون قد أثبتنا العدل لجميعهم ثم قَدَّرْنا أن هذين هما الأعدلان، ومن هنا قال النجاة: إن معنى التفضيل هنا غير مقصود. (٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في التصريح ٢٩٩/١؛ والخزانة ٢٣١/٢؛ والهمع ١١٠/١؛ والدرر ٨٠/١. ١٠ - البقرة - فاصبُبْ عليه مَلِكاً لا يَرْحَمُهْ [٤٢/ أ] ٦٢٠ _ يا رَبَّ موسى أَظْلَمِي وَأَظْلَمُهْ فشاذٌّ، وسَوَّغَ ذلك / كَوْنُ ((أَظْلَم)) الثاني مقحماً كأنه قال: ((أَظْلَمُنا)). وأمَّا إذا أُضيفَ لنكرةِ فقد سَبَقَ حكمُها عند قوله: ((أَوَّل كافر))(١). قوله: ((على حَياةِ) متعلِّق بـ ((أَحْرَصَ))، لأنَّ هذا الفعلَ يتعدَّى بـ ((على))، تقول: حَرَصْتُ عليه. والتنكيرُ في ((حياة)) تنبيه على أنه أراد حياةً مخصوصةً وهي الحياةُ المتطاولةُ، ولذلك كانت القراءةُ بها أَوْقَعَ مِنْ قراءةٍ أُبَيّ ((على الحياة))(٢) بالتعريفِ. وقيل: إنَّ ذلك على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: على طُولِ حياةٍ، والظاهرُ أنه لا يَحتاج إلى تقديرِ صفةٍ ولا مضافٍ، بل يكونُ المعنى: أنَّهم أحرصُ الناسِ على مطلقِ حياةٍ. وإنْ قُلْتَ: فكيف وإنْ كَبُرَتْ فيكونُ أَبْلَغَ فِي وَصْفِهم بذلك. وأصلُ حياة: حَيَبَة تحرَّكتِ الياءُ وانفتح ما قبلها قُلِيَتْ أَلِفاً. قولُه: ((ومِنَ الذين أَشْركوا)) يجوزُ أَنْ يَكونَ متصلاً داخلاً تحتَ أَفْعَل التفضيلِ، ويجوزُ أن يكونَ منقطعاً عنه، وعلى القولِ باتصالِه به فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه حُمِل على المعنى، فإِنَّ مَعْنَى أحرصَ الناسُ: أَخْرَصَ من الناسِ ، فكأنه قيل: أحرصَ من الناسِ ومِن الذين أشركوا. الثاني: أن يكون حَذَفَ من الثاني لدلالةِ الأولِ عليه، والتقديرُ: وأحرصَ من الذين أشركوا، وعلى ما تقرَّر من كونٍ ((من الذين أَشْركوا)) متصلاً بأَفْعَلِ التفضيلِ فلا بُدَّ مِنْ ذِكْر ((مِنْ)) لأنَّ ((أَحرصَ)) جَرى على اليهودِ، فَلَوْ عُطِفَ بغيرِ ((مِنْ)) لكانَ معطوفاً على الناس، فيكونُ في المعنى: ولتجدنَّهم أحرصَ الذين أَشْرَكوا فيلزُم إضافةُ أَفْعَلَ إلى غيرِ ما اندَرَجَ تحتَه، لأنَّ اليهود ليسوا من هؤلاء المشركينَ الخاصِّينَ لأنهم قالوا في تفسيرهم إنهم المجُوس أو عَرَبُ يَعْبُدون (١) الآية ٤١ من البقرة. (٢) البحر ٣١٣/١. ١١ - البقرة - الأصنامَ، اللهم إلا أَنْ يُقالَ إنه يُغْتفر في الثواني ما لا يُغْتفر في الأوائل ، فحينئذٍ لو لم يُؤْتَ بمِنْ لكان جائزاً. الثالث: أنَّ في الكلام حَذْفاً وتقديماً وتأخيراً، والتقديرُ: ولتجدنَّهم وطائفةٌ من الذين أشركوا أحرصَ الناسِ، فيكونُ ((مِن الذين أشركوا)) صفةٌ لمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ معطوفٌ على الضمير في ((لتجدنَّهم))، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى، ولكنه يَنْبُو عنه التركيبُ لا سيما على قولِ مَنْ يَخُصُّ التقديمَ والتأخيرَ بالضرورةِ. وعلى القولِ بانقطاعِه من ((أَفْعل)) يكونُ ((مِن الذين أَشْركوا)) خبراً مقدَّماً، و((يَوَدُّ أحدُهم)) صفةً لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه: ومن الذين أَشْركوا قومٌ أو فريقٌ يَوَدُّ أحدُهم، وهو من الأماكن المطّردِ فيها حَذْفُ الموصوفِ بِجُمْلَتِهِ، كقوله: (وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلومٌ)) (١)، وقوله: ((مِنَّا ظَعَنَ ومنَّا أقام)). والظَاهر أن الذين أشْركوا غيرُ اليهودِ كما تقدم. وأجاز الزمخشري(٢) أن يكونَ من اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرُ ابنُ الله، فيكونَ إخباراً بأنَّ مِنْ هذه الطائفةِ التي اشتدَّ حرصُها على الحياةِ مَنْ يَوَدُّ لو يُعَمَّر ألِفَ سنةٍ، ويكون من وقوعِ الظاهِرِ المُشْعِر بالغَلَبة موقعَ المضمرِ، إذ التقديرُ: ومنهم قومٌ يَدُّ أحدُهم. وقد ظَهَرَ مِمَّا تقدَّم أنَّ الكلامَ مِن باب عَطْفِ المفرداتِ على القولِ بدخول ((مِنَ الذين أشركوا)) تحت أَفْعَل، ومن بابٍ عَطْفِ الجمل على القولِ بالانقطاعِ . قوله: ((يَدُّ أحدُهم)) هذا مبنيٌّ على ما تقدَّم، فإنْ قيل بأنَّ ((من الذِين أشركوا)) داخلٌ تحتَ (أَفْعَلَ)) كان في ((يَوَدُّ) خمسةُ أوجهٍ أحدُها: أنه حالٌ من الضمير في (لَتَجِدَّنَّهم)) أي: لتجِدنَّهم وادَّاً أحدُهم. الثاني: أنه حالٌ من الذين أشركوا فيكونُ العاملُ فيه ((أَحْرَصَ)) المحذوف. الثالث: أنه حالٌ من فاعل ((أشْركوا)). الرابع: أنه مستأنفُ استؤنفَ للإِخبار بتبيينِ حالِ أمرِهم في (١) الآية ١٦٤ من الصافات. (٢) الكشاف ٢٩٨/١. ١٢ - البقرة - ازديادِ حِرْصِهِم على الحياةِ. الخامسُ وهو قولُ الکوفیین: أنه صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ، ذلك الموصولُ صفةً للذين أشركوا، والتقدير: ومن الذين أشركوا الذين يودُّ أحدُهم. وإنْ قِيلَ بالانقطاع فيكونُ في محلٌّ رفعٍ ، لأنه صفةٌ لمبتدأ. محذوفٍ كما تقدَّم. و((أحدٌ)) هنا بمعنى واحد، وهمزتُه بدلٌ من واو، وليس هو (أحد)) المستعملَ في النفي فإِنَّ ذاك همزتُه أصلٌ بنفسِها، ولا يُستعملُ في الإِيجابِ المَخْض. و((يودُّ» مضارعُ وَدِدْتُ بكسر العينِ في الماضي، فلذلك لم تُحْذَفْ الواوُ في المضارعِ لأنها لم تقعْ بين ياءٍ وكسرةٍ بخلافِ ((يَعِد)) وبابه، وحكى الكسائي فيه ((ودَدْت)) بالفتحِ. قال بعضُهم: ((فعلى هذا يُقال يَوِدُّ بكسر الواو)). والوَدادة التمني. قوله: (لو يُعَمَّر)) في ((لو)) هذه ثلاثةُ أقوال، أحدُها - وهو الجاري على قواعِد نحاةِ البصرة ...: أنها حرفٌ لِما كان سيقَعُ لوقوعٍ غيرِهِ، وجوابُها محذوفٌ لدلالةِ ((يَوَدُّ» عليه، وحُذِفَ مفعولُ ((يَوَدُّ) لدلالةِ ((لو يُعَمَّرَ)) عليه، والتقديرُ: يَدُّ أحدُهم طولَ العمرِ، لو يُعَمَّر ألفَ سنةٍ لَسُرَّ بذلك، فَخُذِفَ من كلِّ واحدٍ ما دَلَّ عليه الآخرُ، ولا محلَّ لها حينئذٍ من الإِعرابِ. والثاني - وبه قال الكوفيون وأبو علي الفارسي وأبو البقاء _(١): أنها مصدريةٌ بمنزلة أَنْ الناصبةِ، فلا يكونُ لها جوابٌ، ويَنْسَبِكُ منها وما بعدَها مصدرٌ يكونُ مفعولاً لَيَوَدُّ، والتقدير: يَوَدُّ أحدُهم تعميرَه ألفَ سنةٍ. واستدلَّ أبو البقاء بأنَّ الامتناعية [٤٢/ب] معناها في الماضي، وهذه يَلْزَمُها المستقبل كـ ((أَنْ))، وبأنَّ (يوُّ) / يتعدَّى لمفعول وليس مِمَّا يُعَلَّق، وبأنَّ ((أَنْ)) قد وَقَعَتْ بعد يَوَدُّ في قوله: ((أَيَوَدُّ أحدُكم أَنْ تكونَ له جَنَّةٌ»(٢) وهو كثيرٌ، وموضعُ الردِّ عليه غيرُ الكتابِ. الثالث - وإليه نحا الزمخشري _ (٣): أن يكونَ معناها التمني فلا تحتاجُ إلى جوابٍ لأنها في (١) الإملاء ٥٣/١. (٢) الآية ٢٦٦ من البقرة. (٣) الكشاف ٢٩٨/١. ١٣ - البقرة قوة: يا ليتني أُعَمَّر، وتكونَ الجملةُ من لَوْوما في حَيِّزها في محلٌ نصبٍ مفعولاً به على طريقِ الْحكاية بيَوَدُّ، إجراءً له مُجْرى القول. قال الزمخشري: (فإِنْ قلت: كيف اتصل لو يُعَمَّر بَيَوَدُّ أحدُهم؟ قُلْتُ: هي حكايةً لوَّدَادَتِهِم، و((لو)) في معنى التمني، وكان القياسُ: ((لو أُعَمَّر)) إلا أنَّه جرى على لفظٍ الغَيْبَة لقوله: ((يَوَدُّ أحدُهم))، كقولك: حَلَفَ بالله لَيَفْعَلَنَّ انتهى)). وقد تقدَّم شرحُه، إلا قولَه: ((وكان القياسُ لو أُعَمَّر، يعني بذلك أنه كانَ مِنْ حَقُّه أَنْ يأتيَ بالفعلِ مُسْنَداً للمتكلم وحده وإنما أَجْرَى ((يَوَدُّ» مُجْرى القولِ لأنَّ ((يَوْدُّ» فعلٌ قَلبي والقولُ يَنْشَأُ عن الأمورِ القلبيّةِ». و((ألفَ سَنَةٍ )) منصوبٌ على الظرفِ بُيُعَمَّر، وهو متعدٍّ لمفعولٍ واحد قد أُقِيم مُقَامَ الفاعلِ. وفي ((سَنَة)) قولان ((أحدُهما: أنَّ أصلَها: سَنَوة لقولهم: سَنَوات وسُنَيَّة وسانَيْتُ. والثاني: أنها من سَنَهَة لقولِهم: سَنَهات وسُنَيْهَة وسانَهْتُ، واللغتان ثابتتان عن العربِ كما ذَكَرْتُ لك. قوله: (وما هو يَمُزَحْزِحِه من العذابِ)) في هذا الضميرِ خمسةُ أَقْوالٍ ، أحدُها: أنه عائدٌ على ((أحد)) وفيه حينئذٍ وَجْهان، أحدُهما: أنه اسمُ وَمَا)) الحجازيةِ، و((بمُزَحْزِجِه)) خبرُ ((ما))، فهو في محلِّ نصبٍ والباءُ زائدة. و((أَنْ يُعَمَّر)) فاعلٌ بقولِه ((بمُزَحْزِحِهِ))، والتقديرُ: وما أحدُهم مُزَحْزِحَه تعميرُه. الثاني من الوجهين في ((هو)): أن يكونَ مبتدأً، و ((بمُزَحْزِحِهِ)) خبرُه، و((أَنْ يُعَمَّرِ)) فاعلٌ به كما تقدَّم، وهذا على كَوْنٍ ((ما)» تميميَّةً، والوجهُ الأولُ أحسنُ لنزولِ القرآنِ بلغة الحجازِ وظهورِ النصب في قولِه: ((ما هذا بَشَراً))(١)، ((ما هُنَّ أُمَّهاتِهم))(٢) . الثاني من الأقوال: أن يعودَ على المصدرِ المفهومِ من «يُعَمَّر)»، أي: (١) الآية ٣١ من يوسف. (٢) الآية ٢ من المجادلة. ١٤ - البقرة - وما تعميره، ويكون قولُه: ((أن يُعَمَّر)) بدلاً منه، ويكون ارتفاعُ ((هو)) على الْوَجْهَيْنِ المتقدِّمَين، أعني كونَّه اسمَ ((ما)) أو مبتدأ. الثالثُ: أن يكونَ كناية عن التعميرِ، ولا يعودُ على شيءٍ قبلَه، ويكونُ (أن يُعَمِّر)) بدلاً منه مفسِّراً له، والفرقُ بين هذا وبين القولِ الثاني أنَّ ذاك تفسيرُه شيءٌ متقدِّمُ مفهومٌ من الفعلِ ، وهذا مفسَّرٌ بالبدلِ بعده، وقد تقدَّم أنَّ في ذلك خلافاً، وهذا ما عنى الزمخشري بقوله (١): ((ويجوزُ أن يكونَ ((هو)) مبهماً، و ((أَنْ يُعَمَّر)) موضِّحَه)). الرابع: أنه ضميرُ الأمرِ والشأنِ وإليه نحا الفارسي في «الحلبيَّات)» موافقةً للكوفيين، فإنهم يُفَسِّرون ضميرَ الأمرِ بغيرِ جملةٍ إذا انتظَمَ من ذلك إسنادُ معنويٌّ، نحو: ظَنْتُه قائماً الزيدانَ، وما هو بقائمٍ زيدٌ، لأنه في قوة: ظننتُه يقومُ الزيدان، وما هو يقومُ زيدٌ، والبصرِيُّون يَأْبُوْن تفسيرَه إلا بجملةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْنَيْها سالمةٍ من حرفِ جرِّ، وقد تقدَّم تحقيقُ القولين. الخامسُ: أنَّه عِمادٌ، نعني به الفصلَ عند البصريين، نَقْلَه ابن عطية(٢) عن الطبري(٣) عن طائفةٍ، وهذا يحتاجُ إلى إيضاح: وذلك أنَّ بعض الكوفيين يُجِيزون تقديم العِماد مع الخبرِ المقدَّم، يقولون في: زيدٌ هو القائمُ: هو القائمُ زيدٌ، وكذلك هنا، فإنَّ الأصلَ عند هؤلاءِ أَنْ يكونَ ((بمُزَحِزِحِه)) خبراً مقدَّماً و((أَنْ يُعَمَّر)) مبتدأً مؤخراً، و((هو)) عِمادٌ، والتقديرُ: وما تعميرُه هو بمزحزحِه، فلمَّا قُدِّم الخبرُ قُدِّم معه العِمادُ. والبصريُّون لا يُجِيزون شيئاً من ذلك. و((من العذابِ)) متعلَّقُ بقوله: ((بمُزَحْزِحِه)) و((مِنْ)) لابتداءِ الغاية. (١) الكشاف ٢٩٨/١. (٢) التفسير ٣٦٠/١. (٣) تفسير الطبري ٣٧٤/٢. ١٥ - البقرة بـ: والزّحْزَحَةُ: التنجِيَةُ، تقُولُ: زَحْزَحْتُه فَزَحْزَحَ، فيكون قاصراً ومتعدِّياً، فمِنْ مجيئِه متعدِّياً قولُه(١): ٦٢١ - يا قابضَ الروحِ مِنْ نَفْسٍ إذا احْتَضَرَتْ وغافرَ الذنبِ زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ وأنشدَه ذو الرمة: ٦٢٢ - يا قابضَ الروح مِنْ جِسْمَ عَصَىَ زَمَنَاً ومن مجيئه قاصراً قولُ الآخر(٢): وما بالُ ضوءِ الصبحِ لا يَتَوَضِّحُ ٦٢٣ - خليلَيَّ ما بالُ الدُّجى لا يُزَحْزَحُ قولُه: ((أَنْ يُعَمِّر)): إمَّا أَنْ يكونَ فاعِلًا أو بدلاً من ((هو)) أو مبتدأَ حَسْبَ ما تقدَّم من الإِعرابِ في ((هو). ((والله بصيرٌ بما يعملون)) مبتدأ وخبرُه، و((بما)) متعلَّقٌ ببصير. و ((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على كلا القَوْلَيْنِ محذوفٌ أي: يَعْمَلُونِهِ، ويجوز أن تكونَ مصدريةً أي: بِعَمَلِهم. والجمهورُ ((يعملون)) بالياء، نَسَقَاً على ما تقدَّم، والحسنُ وغيرُه(٣) ((تَعْمَلُون)) بالتّاء للخطاب على الالتفات، وأتى بصيغةِ المضارعِ ، وإن كانَ عِلْمُه محيطاً بأعمالِهم السالفةِ مراعاةً لرؤوسِ الآي ، وخَتْمِ الفواصلِ . : آ. (٩٧) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوَّاً لجبريلَ فإِنَّه﴾ .. (مَنْ)) شرطيةٌ في محلٌّ رفعٍ بالابتداءِ، و((كان)) خبرُه على ما هو الصحيحُ كما تقدَّم، وجوابُهُ محذوفٌ تقديرُه: مَنْ كان عدوًّاً لجبريلَ فلا وَجْهَ لعداوتِهِ، أوٍ فَلْيَمُتْ (١) البيت لذي الرمة، وهو في ملحق ديوانه ١٨٧٥؛ والقرطبي ٣٥/٢. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٣٥/٢. (٣) قراءة الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب. انظر: البحر ٣١٦/١؛ ابن عطية ٣٦٠/١. ١٦ - البقرة - غَيْظاً ونحوه. ولا جائز أن يكونَ ((فإنه نزَّله)) جواباً للشرطِ لوجهين، أحدُهما من جهةِ المعنى، والثاني من جهةِ الصناعةِ، أما الأول: فلأنَّ فِعْلَ التنزيلِ متحقِّقُ المُضِيِّ، والجزاءُ لا يكون إلَّ مستقبلاً، ولقائل أن يقولَ: هذا محمولٌ على التبيين، والمعنى: فقد تبيّن أنه نَزَّله، كما قالوا في قوله: ((إن كان قميصه قُدّ [مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ))(١) ونحوِه. وأمَّا الثاني: فلأنه](٢) لا بد في جملة الجزاء مِن ضميرٍ يعودُ على اسمِ الشرطِ، فلا يجوزُ: مَنْ يَقُمْ فزيدٌ منطَلِقٌ، ولا ضميرَ في قوله: ((فإنَّه نَزَّله)) يَعُودَ على ((مَنْ)) فلا يكونُ جواباً للشرط، وقد جاءَتْ مواضعُ كثيرةٌ مِنْ ذلك، ولكنهم أَوَّلُوها على حَذْفِ العائدِ فَمِنْ ذلك قُولُه(٣): فَأَيِّ رجالِ باديةٍ تَراني ٦٢٤ - فَمَنْ تَكُنِ الحضارَةُ أَعْجَبَتْهُ وقولُه(٤). ٦٢٥ - فَمَنْ يَكُ أَمْسی بالمدينةِ رَحْلُه فإني وقَيَّارٌ بها لَغَرِيبُ وينبغي أن يُبْنَّى ذلك على الخلافِ في خبر اسم الشرط. فإنْ قيل: إنَّ [٤٣/أ] الخبرَ هو الجزاءُ وحدّه - أو هو مع الشرطِ - فلا بدَّ من الضمير / ، وإنْ قيل بأنه فعلُ الشرطِ وحدَه فلا حاجَةَ إلى الضميرِ، وقد تقدَّم قولُ أبي البقاء وغيره في ذلك عند قوله تعالى: ((فَمَنْ تَّبِعَ هُدايَ))(٥)، وقد صَرَّحَ الزمخشري(٦) بأنَّه جوابُ الشرطِ، وفيه النظرُ المذكورُ، وجوابُه ما تقدَّم. (١) الآية ٢٦ من يوسف. (٢). لم يظهر في فيلم الأصل، وأثبتناه من النسخ الأخرى. (٣) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ٥٨؛ والمغني ٥٦١؛ واللسان: حضر. والحضارة: الإقامة في الحضر. (٤) البيت لضابىء البرجمي، وهو في الكتاب ٣٨/١؛ وابن يعيش ٦٨/٨؛ والهمع ١٤٤/٢؛ والدرر ٢٠٠/٢. وقيار: اسم فرسه. (٥) الآية ٣٨ من البقرة. (٦) الكشاف ٣٠٠/١. ١٧ - البقرة - و (عَدُوَّا)) خبرُ كانَ، وَيَسْتَوي فيه الواحدُ وغيرُه، قال: ((هم العدُ))(١). والعَدَاوَةُ: التجاوُزُ. قالَ الراغب(٢): ((فبالقلب يُقال العَدَاوَةُ، وبالمشِي يقال: العَدْوُ، وبالإِخلال في العَدْلِ يقال: العُدْوان، وبالمكان أو النسب يقال: قَوْمٌ عِدَىّ أي غُرَبَاء)). و((لِجبريلَ)) يجوزُ أنْ يكونَ صفةً لـ ((عَدُوًّ) فيتعلّقَّ بمحذوفٍ، وأَنْ تكونَ اللامُ مقويةٌ لتعدِيَةِ ((عَدُوًّاً)) إليه. وجبريل اسمُ مَلَكٍ وهو أعجمي، فلذلك لم يُنْصَرِفْ، وقولُ مَنْ قالَ: ((إنَّه مشتقٌّ من جَبَرُوت الله)) بعيدٌ، لأنَّ الاشتقاقَ لا يكونُ في [الأسماءِ] الأعجميةِ، وكذا قولُ مَنْ قالَ : (إنه مركبٌ تركيبَ الإِضافةِ، وأنَّ (جَبْر)) معناه عَبْد، و((إِيل)) اسمٌ من أسماء الله تعالى فهو بمنزلةِ عبدالله)) لأنه كانَ ينبغي أَنْ يَجْرِيَ الأولُ بوجوهِ الإِعراب وأن ينصرفَ الثاني، وكذا قولُ المهدوي: إنه مركَّبُ تركيبَ مَزْجٍ نحو: حَضْرَمَوْت لأنه كانَ ينبغي أن يُبْنَى الأولُ على الفتحِ ليس إلَّ وأمَّا ردُ الشيخ (٣) عليه بأنه لو كانَ مركباً تركيبَ مزجٍ لجازَ فيه أَنْ يُعْرَبَ إعرابَ المتضايِفَيْنِ أو يُبْنَى على الفتحِ كأحدَ عشرَ، فإنَّ كلَّ ما رُكِّب تركيبَ المَزْجِ يجوزُ فيه هذه الأوجهُ، وكونُه لم يُسْمَعْ فيه البناءُ ولا جريانُهِ مَجْرى المتضاِفَيْنِ دليلٌ على عَدَمِ تركيبِه تركيبَ المَزْجِ، فلا يَحْسُنَ رَدَّاً لأنه جاءَ على أحدٍ الجائِزَيْنِ واتَّفَقَ أنه لم يُسْتَعْمَلْ إلا كذلك .. وقد تَصَرَّفَتْ فيهِ العربُ على عادَتها في الأسماءِ الأعجميَّةِ فجاءَتْ فيه بثلاثَ عشرةَ لغةً، أشهرُها وأفصحُها (٤): جِيْرِيل بزنةِ قِنْدِيل، وهي قراءةً (١) الآية ٤ من المنافقون. (٢) المفردات ٣٣٨. (٣) البحر ٣١٧/١: (٤) انظر في قراءات جبريل ولغاته: السبعة ١٦٥؛ الكشف ٢٥٤/١؛ الشواذ ٨؛ البحر ٣١٧/١؛ ابن عطية ٣٦١/١؛ القرطبي ٣٧/٢. ١٨ - البقرة - أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم. وهي لغةُ الحجازِ، قال ورقةُ بنُ نوفل(١): مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصدرَ مُنْزَلُ ٦٢٦ - وجِبْرِيلُ يأتيه ومِيكالُ مَعْهُما وقال حسان(٢): وروحُ القُدْسِ ليسَ له ◌ِفَاءُ ٦٢٧ - وجِبْريلٌ رسولُ اللهِ فينا وقال عمران بن حطان(٣): وكانَ جِبْرِيلُ عند الله مَأْمُوناً ٦٢٨ - والروحُ جبريلُ منهم لا كِفَاءَ له الثانيةُ: كذلك إلا أنه بفتحِ الجيم، وهي قراءة ابن كثير والحسن، وقال الفراء: ((لا أُحِبُّها لأنه ليس في كلامهم فَعْليل)). وما قاله ليس بشيء لأن ما أَدْخَلَتْه العربُ في لِسانِها على قسمين: قسمٍ ألحقُوه بأبنيتهم كلِجام، وقسمٍ لم يُلْحقوه كإبْرَيْسَم(٤)، على أنه قِيل إنه نظيرُ شَمْوِيل اسمٍ طائر، وعن ابن كثير أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: جَبْرِيلَ وميكائيل، قال: فلا أزال أقرؤهُما كذلك. الثالث: جَبْرَئيل كعَنْتَريس(٥)، وهي لغةُ قيسِ ٨ وتميمٍ، وبها قرأ حمزةُ والكسائي، وقال حسان(٦): ٦٢٩ - شَهِدْنَا فما تَلْقى لنا من كتيبةٍ يَدَ الدهرِ الا جَبْرَئِيلُ أَمامَها (١) البحر ٣١٨/١؛ زاد المسير ١١٧/١. (٢) تقدم برقم ٦٠٤. (٣) البحر ٣١٨/١، ولا كفاء: لا نظير. (٤) الإِبريسم: الحرير. (٥) العنتريس: الناقة الغليظة. (٦) البيت لكعب بن مالك كما في اللسان: جبر، وإعراب القرآن المنسوب خطأً للزجاج ٤٥٠/٢. ١٩ - البقرة- وقال جرير (١): وبجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبوا مِيكالا ٦٣٠ _ عبدوا الصليبَ وگَذَّبوا بمحمدٍ الرابعةُ: کذلك إلا أنه لا یاء بعد الهمزة، وتُرْوَی عن عاصمٍ ویحیی ابن يعمر (٢). الخامسة: كذلك إلا أنَّ اللامَ مشدَّدَةٌ، وتُرْوى أيضاً عن عاصم ويحيى بن يعمر أيضاً قالوا: و((إِلَّ)) بالتشديد اسمُ الله تعالى، وفي بعض التفاسير: ((لا يَرْقُبُون في مؤمنٍ إِلَّ ولا ذِمَّة))(٣) قيل: معناهُ الله. ورُوي عن أبي بكر لَّمَّا سَمِع بسَجْع مُسَيْلَمة: ((هذا كلامٌ لم يَخْرُجْ من إلّ)). السادسة: جَبْرائِل بألفٍ بعدَ الراءِ وهمزةٍ مكسورةٍ بعدَ الألفِ، وبها قرأ عكرمةُ. السابعةُ : مِثْلُها إلا أنَّها بياءٍ بعدَ الهمزةِ. الثامنة: جِبْرايِيل بياءَيْنِ بعد الألفِ من غير هَمْزٍ، وبها قَرأ الأعمشُ ويَحْيى أيضاً. التاسعةُ: جِبْرال. العاشرة: جِبْرايل(٤) بالياءِ والقَصْرِ وهي قراءةُ طلحةَ بن مصرف. الحاديةَ عشرةَ: جَبْرِين بفتحِ الجيمِ والنون. الثانيةَ عشرةَ: كذلك إلا أنَّها بكسرِ الجيم. الثالثةَ عشرةَ: جَبْرايين. والجملةُ مِنْ قوله: ((مَنْ كان)) في محلِّ نصبٍ بالقولِ، والضميرُ في قوله: ((فإِنَّه)) يعودُ على جبريل، وفي قوله ((نَزَّلَه)) يعودُ على القرآنِ، وهذا موافقٌ لقوله: ((نَزَّلَ بهِ الروحُ الأمين))(٥) في قراءةِ مَنْ رَفَع ((الروح))، ولقوله ((مصدِّقً)، وقيل: الأولُ يعودُ على اللـهِ والثاني يعودُ على جِبْريل، وهو موافقٌ لقراءَةٍ مَنْ قَرَأَ ((نَزَلَ بهِ الروحُ)) بالتشديدِ والنَّصْبِ. وأتى بـ ((على)) التي تقتضي : (١) ديوانه ٤٥٠؛ والقرطبي ٣٨/٢. (٢) يحيى بن يعمر تابعي جليل عرض على عبدالله بن عمر، وأخذ عنه أبو عمر بن الغلاء توفي سنة ١٢٩. انظر: طبقات ابن سعد ٣٦٨/٧. (٣) الآية ١٠ من التوبة . (٤) في الأصل: جبريل وهو سهو؛ والتصحيح من البحر ٣١٨/١. (٥) الآية ١٩٣ من الشعراء، وقد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص بذلك، والباقون بالتشديد والنصب. انظر: السبعة ٤٧٣. ٢٠