النص المفهرس

صفحات 61-80

وقرأ حمزة: ﴿إِلا أَنْ يُخافا ألَّ يقيما حدود الله﴾(١) بضم ((يُخاف)) على
البناء للمفعول، فقال السمين: ((طعن فيها بعضهم لعدم معرفتهم بلسان
العرب))، ثم يذكر توجيهاتهم، ومنها: أن يكون ((أن يقيما)) بدلاً من ضمير
(يُخاف))، لأنه يَحُلُّ مَحَلَّه، تقديره: إلا أن يُخاف عدمُ إقامتهما حدودَ الله، وهذا
من باب بدل الاشتمال، وكان الأصل: إلا أن يَخاف الولاةُ الزوجين أَلَّ يقيما
حدود الله، فحذف الفاعل الذي هو الولاة، للدلالة عليه، وقام ضمير
الزوجين مقام الفاعل، وبقيت ((أَنْ)) وما بعدها في محل رفع بدلاً(٢).
وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة من قوله تعالى: ﴿فلإِمِّه﴾(٣) فقال:
((إنَّ كسر همزة ((أُمّ» بعد الكسرة حكاه سيبويه لغة عن العرب ونُسبت إلى هوازن
وهذيل (٤).
وخَرَّج قراءة الكسائي ﴿مُتْعَمِّداً﴾(٥) بسكون التاء بأنه فَرَّ من توالي
الحركات(٦).
وانتقد ابنُ جريج والنحاس قراءة أبي عمرو وابن كثير: ﴿إِنْ
صَدُّوكم﴾ (٧) بكسر إنْ، وذلك من حيث إن الشرط يقتضي أنَّ الأمر المشروط
لم يقع، والفرض أنَّ صَدَّهم عن البيت الحرام كان قد وقع، ونزول هذه الآية
متأخر عنه بمدة، وأن مكة كانت عام الفتح في أيديهم، فكيف يَصُدُّون عنها؟
ويُخَرِّج المؤلف هذه القراءة بعد أن رفض الطعن عليها، بأنَّا لا نُسَلِّم أن الصد
(١) البقرة آية ٢٢٩.
(٢) الورقة ١٩٠.
(٣) النساء آية ١١ .
(٤) الورقة ١٩٩ ب.
(٥) النساء آية ٩٣.
(٦) الورقة ٢١٧ ب.
(٧) المائدة آية ٢ .
٦١

كان قبل نزول الآية فإنَّ نزولها عام الفتح ليس مُجْمَعاً عليه، وإن سلمنا أن
الصدَّ كان متقدماً على نزولها فيكون المعنى: إن وقع صدُّ مثل ذلك الصد
الذي وقع زمن الحديبية أو يستديموا ذلك الصَّدَّ الذي وقع منهم
فلا يَجْرِ مَنُّكم ... الآية))(١).
(ب) الشاذ:
يهتم المؤلف بالنص على القراءات الشاذة الواردة في آيات القرآن
الكريم ولو كانت كثيرةً منتشرة، ويحرص على نسبتها إلى أصحابها إن أسعفته
مصادره، وقد لاحظنا قبل قليل أنه قد يربطها بالمتواتر بوحدة معنوية أو صناعية
لأنَّ الأصل كما يقول: ((توافُقُ القراءات)) غير أنه يهتم قبل كل شيء بتوجيهها
إن أمكن، ولو كلَّفه ذلك صفحات عديدة، معتمداً في ذلك على أصول اللغة
وقياسها وشواهدها.
فقد قرىء قوله تعالى: ﴿بما أُنْزِلَ إليك﴾(٢) بتشديد اللام ورَسْمُها:
أُنْزِلَيْك، فقال السمين: ((وتوجيهُه أن يكون سكَّن آخر الفعل كتسكين ((خُلْطَ))
في ((خُلِط))، ثم حذف همزة إليك، فالتقى مثلان فأدغم)) (٣).
وقد يجد في لغة إحدى القبائل العربية ما يَدْعَمُ إحدى هذه القراءات فقد
قُرىء قوله تعالى: ﴿فَمِّنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ (٤) بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء
المتكلم قال المصنف: ((وهي لغة هذيل تقول في عصاي: عَصَيَّ، وبعد أن
يذكر بعض الشواهد على هذه اللغة يقول: ((كأنهم لَمَّا لم يصلوا إلى ما تستحقه
(١) الورقة ٢٣٤أ.
(٢) البقرة آية ٤.
(٣) الورقة ١١ أ.
(٤) البقرة آية ٣٨.
٦٢

ياء المتكلم من كسر ما قبلها لكونه ألفاً أَتَوا بما يجانس الكسرة فقلبوا الألف
ياء)) (١).
ومن أمثلة تخريجه للقراءات الشاذة قوله في قراءة يحيى بن وثاب
(إِضْطَرُّهُ) بكسر الهمزة من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعه قليلاً ثم اضطره إلى
عذاب النار﴾(٢) قال: ((وَوَجْهُهَا كَسْرُ حرفِ المضارعة كقولهم في أَخال:
إخال))(٣).
ويَرُدُّ على الزمخشري حين حكم على قراءة ابن محيصن: ((أَطَّه)) في
الآية السابقة، بإدغام الضاد في الطاء بأنها مرذولةٌ، لأنَّ الضاد من الحروف
الخمسة التي يُدْغم فيها ولا تُدْغَم هي في غيرها، وهي حروف ضم شفر،
فقال: ((وفي ذلك الحكم نظرً، فإنَّ هذه الحروف قد أدغمت في غيرها، أدغم
أبو عمرو اللام في ((يغفرلكم))، والضاد في الشين في ((لبعض شأنهم))، والشين
في السين في ((العرش سبيلاً))، وأدغم الكسائي الفاء في الباء في ((نخف
بهم))، وحكى سيبويه أن مُضَّجِعاً أكثر، فدل على أن مُطَّجِعاً كثير))(٤).
وقد يَحْكُم بعض العلماء على قراءة شاذة بأنها باطلة ضعيفة كابن عطية
في قراءة ﴿يُطَيَّقُونه﴾(٥) ببناء الفعل للمفعول وتشديد الطاء والياء، فيتعقب
المؤلف هذا الحكم بقوله: ((وإنما قالوا ببطلان هذه القراءة لأنّها عندهم من
ذوات الواو وهو من الطوق فمن أين تجيء الياء؟ وهذه القراءة ليست باطلة
ولا ضعيفة، ولها تخريج حسن، وهو أن هذه القراءة ليست من تَفَّعَّل حتى
(١) الورقة ٥١ من نسخة ج.
(٢) البقرة آية ١٢٦.
(٣) الورقة ٥٢ ب.
(٤) الورقة ٥٢ ب.
(٥) البقرة آية ١٨٣.
٦٣

يلزمَ ما قالوه من الإِشكال، وإنما هي مَنَ تَفَيْعَل، والأصل تَطَيْوَقَ من الطوق،
كَتَدَيَّر وتحيَّر من الدوران والحور، والأصل: تَدَيْوَرَ وَتَخَيْوَرَ، فاجتمعت الياءِ
والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء،
فكان الأصل: يَتَطَيْوَقُونِه، ثم أدغم بعد القلب)).
وقد يَجِدُ للقراءة الشاذة ما يبررها من مذهب أحد النحاة الذين يجيزون
القاعدة النحوية التي استندت إليها هذه القراءةُ: فمن المعروف أن الجمهور
يُوجبون تأنيث الفعل إذا أسند إلى ضمير مستتر، ومذهب ابن كيسان يجيز
التأنيث والتذكير، ويُخَرِّج المصنف قراءة مجاهد: ﴿قد كان لكم آيةٌ في فئتين
التقتا، فئة يقاتل﴾(٢) بالياء من تحت على مذهب ابن كيسان ويقول: ((والذي
حَسَّن ذلك كونُ ((فئة)) في معنى القوم والناس، فلذلك عادَ الضميرُ عليها
مذگَّراً»(٣).
وقد يُخَرِّجُ القراءةَ الشاذة على لغة إحدى القبائل العربية، فقد قرأ
ابن عباس ﴿شهد الله إنه﴾(٤) بكسر الهمزة، فقال المؤلف: (إنه أجرى
(شَهد)) مُجرى القول لأنه بمعناه، ويؤيده ما نقله المؤرِّج أن ((شهد)» بمعنى
((قال)) لغة قيس بن عيلان))(٥).
وقد يُسْرِعُ أحد العلماء فيحكم على القراءة الشاذة بأنها تصحيف من
الضابط، فيقف منه موقف المعترض، ليعترف بها ويُخَرِّجها، فقد رأى
ابن عطية ذلك في قراءة أُبَيّ: ﴿والسُّرَّقُ والسُّرَّقَةُ﴾ (٦) بضم السين وفتح الراء
(١) الورقة ٦٨ ب.
(٢) آل عمران آية ١٣.
(٣) الورقة ١٢٨ أ.
(٤) آل عمران آية ٢٨ .
(٥) الورقة ١٣٢ ب.
(٦) المائدة آية ٣٨.
٦٤

مشددتين، فيردُّ عليه المصنف بقوله: ((ويَظهر توجيه هذه القراءة بوجه ظاهر،
وهو أن السُّرَّق جمع سارق، فإن فُعَّلَا يَطّرد جمعاً لفاعِل صفةً نحو: ضارب
وضُرَّب، والدليل على أن المراد الجمع قراءة عبدالله(١): ﴿والسارقون
والسارقات﴾ .
وإذا وجدنا السمين يَقْبل كثيراً من القراءات الشاذة ويُخَرِّج رواياتِها على
السماع والقياس الصحيحين فإنه يفعلُ ذلك في بعض رواياتها، ولكنه قد ينصُّ
على أن ما أتى به من تخريج لا يتعدَّى التكلفَ أو الضعف، ويُقِرُّ بأن بضاعته
لا تسعفه بأكثر من هذا التخريج .
فقد قرأ اليزيدي: ﴿وإنْ كانت لكبيرةٌ﴾(٢)، وفيه تخريجان: أن تكون
((كان)) زائدةً، أو أن ((كبيرةٌ)) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ((وإن كانت لهي
كبيرة)) والجملة خبر ((كانت))، ودخلت لام الفرق على الجملة الواقعة خبراً،
ثم يقول المؤلف: ((وهو توجيه ضعيف، ولكن لا تُوَجَّه هذه القراءة الشاذة بأكثر
من ذلك))(٣).
وأَمّا قولُه تعالى: ﴿وَكُفْرٌ به والمسجدُ الحرامِ﴾ (٤)، فقد قُرىء
((المسجد)) بالرفع، فيتعقب هذه القراءة بقوله: ((وأَمَّا رفعُهُ فوجهه أنه عطف
على ((وكفرٌ به)) على حذف مضاف تقديره: ((وكفر بالمسجد)) فحُذفت الباء،
وأُضيف ((كفر)) إلى ((المسجد)) ثم حُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه،
ولا يَخْفَى ما فيه من التكلف، إلا أنه لا تُخَرَّج هذه القراءة الشاذة بأكثر من
ذلك)»(٥).
(١) الورقة ٢٤٣ أ.
(٢) البقرة آية ١٤٣.
(٣) الورقة ٥٧).
(٤) البقرة آية ٢١٧.
(٥) الورقة ٨٣ ب.
٦٥

وقرأ الزهري بتشديد النون من ﴿فاتَّبعونِّ﴾(١)، وخُرُّجت على أنه ألحق
الفعل نون التوکید وأدغمها في نون الوقاية، وکان ينبغي له أن یحذف واو
الضمير لالتقاء الساكنين إلا أنه شبّه ذلك بقوله ﴿أَتُّحَاجُونِي﴾ وهو توجيهٌ
ضعيف ولكن هو يَصْلُح لتخريج هذا الشذوذ»(٢).
وقرأ عبدالله قوله تعالى: ﴿واللذان يأتيانِها منكم فأذوهما﴾(٣) بصيغة
(والذين يفعلونه منكم)) قال: ((وهذه قراءةٌ مُشْكلةٌ لأنها بصيغة الجمع وبعدها
ضميرُ تثنية - ويعني أبه الضمير في فآذوهما - لها تخريجٌ وهو أن ((الذينِ))
لما كان شاملاً لصنفي الذكور والإناث عاد الضمير عليه مثنى اعتباراً بما اندرج
تحته)» (٤).
وإذا كان السمين قد اعترفَ بإشكال مثل هذه الأمثلة من القراءات،
كما حاول أن يسحب عليها ما تكلَّفه من تخريجات، فهو في أمثلة أخرى يبقيها
على إشكالها وينتقدها ويصفها بالشذوذ أو الضرورة، ولم تسعفه ثقافته بشيء من
الاعتذار لها أو تخريجها، فقد يتابع أحد العلماء في حكمه على القراءة الشاذة
بالغلط، فأبو حاتم يصف قراءة ﴿إن البقرَ تَشَّابَهَتْ علينا﴾(٥) الواردة في
مصحف أُبَيّ بالغلط، لأن التاء في هذا الباب لا تُدْغم إلا في المضارع،
ويتعقب هذا الحكم بقوله: ((وهو معذورٌ في ذلك))(٦).
وقد نلمح هجوماً سافراً على بعض شواذ القراءات، بل إنه ينادي بأن
(١) آل عمران آية ٣١.
(٢) الورقة ١٣٩ ب.
(٣) النساء آية ١٦.
(٤) الورقة ٢٠٢ أ.
(٥) البقرة آية ٧٠ .
(٦) الورقة ٢٩ ب.
٦٦

يغفل المصنفون الإِشارة إليها، فقد حكى أبو زيد قراءة ﴿الربا﴾(١) بكسر الراء
وضم الباء وواو ساكنة بعدها، وحكم عليها بالغلط لأن لسان العرب لا يُبْقي
واواً بعد ضمة في الأسماء المعربة، يقول السمين: ((ونهاية ما قيل فيها أن
قارِئَها قَلَب الألف واواً، كقولهم في الوقف: أَفْعَو، ثم أجرى الوصل مُجرى
الوقف في ذلك، ولم يضبط الراوي عنه ما سمع، فظنَّه بضم الباء لأجل
الواو، فنقلها كذلك، وليت الناس أَخْلَوا تصانيفهم من مثل هذه القراءات التي
لوسمعها العامة لمجُوها [وسئموا] من تعاليلها، ولكن صار التارُكُ لها يَعُدُّه
بعضُهم جاهلاً بالاطلاع عليها))(٢).
ويُضَعِّفُ المؤلف قراءة أبي السمَّال: ﴿فيما شَجْر بينهم﴾(٣) بسكون
الجيم هرباً من توالي الحركات، ثم يقول: ((وهي ضعيفة لأن الفتح أخو
السكون)»(*).
وقرأ الفياض بن غزوان: ﴿وإِنَّ من أهل الكتاب إِلَّ لَيُؤْمِنُنَّ به قبل
موته﴾(٥) بتشديد ((إن))، فيعلق عليها بقوله: ((وهي قراءة مردودة لإشكالها))(٦)،
كما يصف قراءة الحسن بن عمران: ﴿وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا﴾(٧) بكسر الفاء
العاطفة بالضعف والإِشكال، ولا يُبْدي أيَّ تخريج لها(٨).
وقد يجد إحدى هذه القراءات تستعمل إحدى اللغات النادرة، فَيَعْرِضُ
(١) البقرة آية ٢٧٥.
(٢) الورقة ١١١٠.
(٣) النساء آية ٦٥.
(٤) الورقة ٢١٢ أ.
(٥) النساء آية ١٥٩.
(٦) الورقة ٢٢٨ ب.
(٧) آل عمران آية ٢.
(٨) الورقة ٢٣٣ ب.
٦٧

لها ويُعَرِّض بها، ويقول إنها لُغَيَّة - بالتصغير - شاذة، وهذا ما نلقاه في قراءة
الحسن: ﴿يا ويلتا أَعْجِزْت﴾(١) بكسر الجيم ثم يقول: ((إنما المشهور أن
يقال: عَجِزت المرأة بالكسر أي: كَبُرت عجيزتها))(٢).
وقد وصلت إلينا بعضُ الروايات التفسيرية المأثورة على أنها قراءة، وذلك
من مثل الإضافات والتحريرات التي كان بعض الصحابة يسجلونها على
مصاحفهم، ويُسْرِعُ السمين في الحكم على هذه النقول بأنها ليست قراءاتٍ،
وإنما هي من قبيل التفسير، فقد نَصُّوا على أن عبدالله قرأ ﴿تعالوا إلى كلمةٍ
عدلٍ﴾(٣) في حين أن قراءة الجمهور: ((كلمة سواء)) فيقول: ((وهذا تفسير
لا قراءة)»(٤)، ومن هذا القبيل حكمُهُ على قراءة عبدالله في ﴿حتى تنفقوا
مِمَّا تُحِبُّون﴾(٥): بعضَ ما تحبون(٦)، وحكمه على قراءة ابن عباس:
﴿وشاوِرْهُم في بعض الأمر﴾ وقراءة الجمهور تُسْقِط قوله ((بعض))(٧).
٦ - موقفُهُ من المُعْرِبين:
ذكرنا في منهج الكتاب أن الرجلَ كان مهتماً بعَرْضِ أقوال العلماء في
إعراب القرآن الكريم ومناقشتها وتقويمها على الأدلة الصناعية والمعنوية، ويذكر
في مقدمته أنه مهتمٌّ بطائفةٍ من المُعْربين لأنهم كما ذَكَرَ أَعْنَى الناس بما يقصد
إليه(٨)، وفي العرض التالي سنشرح موقفه من: أبي البقاء وابن عطية
وأبي حيان والزمخشري.
(١) المائدة ٣١.
(٢) الورقة ٢٤١ ب.
(٣) آل عمران المائدة ٦٤.
(٤) الورقة ١٥٣ ب.
(٥) آل عمران آية ٩٢.
(٦) الورقة ١٦٥ أ.
(٧) آل عمران آية ١٥٩، الورقة ١٨٦ ب.
(٨) الورقة ١ أ.
٦٨

( أ) أبو البقاء:
يحتل أبو البقاء العكبري مكانةً عاليةً في علم إعراب القرآن الكريم،
حيث إنه قَدَّم لهذا التراث الخصب كتابه (إملاء الرحمن))، وقد درس القوم
هذا الكتاب الذي يدل على سَعة ثقافته ورسوخ قدمه في هذا الباب، وأثاروا
عليه فيضاً من المناقشات، وهم ما بين معترضٍ ومؤيد، والسمين أحد أولئك
الذين أفادوا من ((الإملاء)» وأكثروا من الوقوف عليه.
( أ) يبدو لنا أبو البقاء من خلاله كتابه مَرِناً في التزامه بصناعة النحو
وقواعده فهو مهتمُّ بالمعنى ولوكان هذا الاهتمامُ على حساب الصناعة،
ولذلك كان المؤلف وهو الملتزم المتشدِّدُ يتعقّبَه كثيراً بالرد والمناقشة، فیرفض
أعاريبه وتقريراته بحُجَّة بُعْدِها عمَّا يراه من القواعد.
فقد أَعْرَبَ أبو البقاء قوله تعالى: ﴿لا تَعْبدون﴾ من: ﴿وإذ أخذنا ميثاقَ
بني إسرائيل لا تَعْبدون إلا الله﴾ (١) في محل نصب على الحال من ((بني
إسرائيل))، بمعنى أَخَذْنا ميثاقَهم ملتزمين الإقامة على التوحيد، فيردُّ عليه
السمين بقوله: «وفيه نظرٌ من حيث مجيءُ الحالِ من المضاف إليه في غيرِ
المواضع الجائزِ فيها ذلك على الصحيح))(٢).
وينتقد المؤلف تقدير أبي البقاء لجواب ((لو)) في قوله تعالى: ﴿لو كانوا
يعلمون﴾(٣) فقال: ((قدَّر أبو البقاء الجواب بقوله: ((لو كانوا ينتفعون بعلمهم
لامتنعوا من شراء السحر))، والمقدَّر كلما كان متصيَّداً من اللفظ كان أَوْلِى))
ولذلك نراه يستحسن التقدير الآخر وهو: لو كانوا يعلمون ذمَّ ذلك لما باعوا
به أنفسهم (٤).
(١) البقرة آية ٨٣.
(٢) الورقة ٣٣ ب.
(٣) البقرة آية ١٠٢.
(٤) الورقة ٤٦ أ.
٦٩

ويرى أبو البقاء أنَّ ((حيثما)) في قوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولُّوا
وجوهكم شطره﴾(١) ظرفٌ غيرُ متضمِّن معنى الشرط، ويردُّ عليه بقوله:
((وليس بشيء لأنه متى زِيْدَتْ عليها (ما)) وجب تَضَمُّنُها معنى الشرطِ))(٢)
ويتهم المصنف أباً البقاء بخروجه عن مذاهب النحاة في إسقاط الفاء
من جواب الشرط، فقد أعرب النحاة جملة «ما تَّبِعُوا قِبْلتك)) من قوله تعالى :
﴿ولئنْ أَتَيْتَ الذين أُوتوا الكتاب بكل آية ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾(٣) جواباً للقسم سَدَّ
مسَدَّ جواب الشرط، ولذلك لم تقترن به الفاء، أو أنه جواب لـ إنْ، إجراءً لها
مُجْرى ((لو)) في إسقاط الفاء. أما أبو البقاء فقد قرر أن الجملة جواب الشرط
بدون أن يتضمن معنى لو، وأن الفاء قد حُذفت في الجواب لأن فعل الشرط
ماضٍ ، فردَّ عليه السمين قائلاً: ((وهذا من أبي البقاء يؤذن أن الجواب للشرط
وإنما حذفت الفاء لكون فعل الشرط ماضياً، وهذا منه غير مُرْضٍ، لأنه خالف
البصريين والكوفيين بهذه المقالة» (٤).
ومن هذا القبيل أنَّ أبا البقاء يرى في إعراب ((أَنْ سَخِط)) من قوله
تعالى: ﴿لبئس ما قَدَّمَتْ لهم أنفسُهم أَنْ سَخِط الله عليهم﴾(٥) أن تكون بدلاً
من ((ما)) إنْ قيل إنَّها تمييز، ومعنى هذا أنه يحكم على ((أن سخط)) بأنها تمييز
أيضاً، فيردُّ عليه بأن هذا لا يجوز البتة، لأنَّ شرط التمييز عند البصريين
التنكير، كما لا يجوز عند الكوفيين، لأنهم لا يجيزون التمييز بكل معرفة
خصوصاً أن والفعل))(٦).
(١) البقرة آية ١٤٤.
(٢) الورقة ٥٧ ب.
(٣) البقرة آية ١٤٥.
(٤) الورقة ٥٨ أ.
(٥) المائدة آية ٨٠.
(٦) الورقة ٢٧ أ.
٧٠

وأعرب أبو البقاء ((من البينات)) في قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون
ما أنزلنا من البينات﴾(١) مفعولاً به متعلقاً بـ ((أنزلنا))، وتعقّب عليه السمين هذا
الإِعراب بقوله: ((وفيه نظر من حيث إنه إذا كان مفعولاً به لم يتعَدَّ الفعل إلى
ضمير، وإذا لم يتعدَّ إلى ضمير الموصول بقي الموصول بلا عائد))(٢).
ومن قبيل جريان أبي البقاء وراء المعنى، غير عابى بالصناعة تقديره
تعلُّق ((في سبيل الله)) من قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أَحْصروا في سبيل
الله﴾ (٣) بـ ((مجاهدين في سبيل الله))، فيحكم المصنف على هذا التعلق بأنه
((تفسير معنَّى لا إعراب، لأن الجارَّ لا يتعلق إلا بالكون المطلق))(٤)، ومن ذلك
تقديرهُ للكون المقيَّد في قوله تعالى: ﴿تَرى أعينهم تفيضُ من الدمع﴾(٥)
قال: ((التقدير: مملوءة من الدمع))، وردًّ عليه بأنه كونٌ مقيد والصناعة تأبى
ذلك»(٦).
وينقل أبو البقاء أنَّ جملة ((قاتِلوا)) في قوله تعالى: ﴿وقيل لهم تعالَوا
قاتلوا﴾ (٧) جملةٌ حالية من ((تعالَوا))، ويتعقّب السمين هذا القول: ((وهذا فاسدٌ
لأنَّ الجملة الحالية يشترط أن تكون خبريةً وهذه طلبية)»(٨).
وجَوَّز أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿ويتفكّرون في خلق السموات
والأرض﴾ (٩) في مخلوق، وقال: ((إنَّ هذا يكون من إضافة الشيء إلى
(١) البقرة آية ١٥٩.
(٢) الورقة ٦٠ ب.
(٣) البقرة آية ٢٧٣ .
(٤) الورقة ١١٠أ.
(٥) المائدة آية ٨٣.
(٦) الورقة ٢٧١ ب.
(٧) آل عمران آية ١٦٧ .
(٨) الورقة ١٨٨ أ.
(٩) آل عمران آية ١٩١.
٧١

ما هوهو في المعنى. ويردُّ عليه السمين ذلك بقوله: ((وهو كلام متهافت؛ إذ
لا يُضاف الشيء إلى نفسه، وما أوهم ذلك يؤول))(١).
ويرى أبو البقاء أن جملة ((وعَصَوا الرسول)) في موضع الحال معترضة
بين «يودُّ» ومفعولها ((لو تُسَوَّى)» من قوله تعالى: ﴿يومئذٍ يودُّ الذين كفروا وعَصَوا
الرسول لو تُسَوَّى بهمِ الأرض﴾(٢)، ويتعقب المؤلف عليه إعرابه بقوله: ((وفي
جعله الجملةَ الحالية معترضةً بين المفعول وعامله نظر لا يخفى، لأنها من
جملة متعلقات العامل الذي هو صلة للموصول، وهذا نظير ما لو قلت: ضرب
الذين جاؤوا مسرعين زيداً) فكما لا يقال إنَّ ((مسرعين)) مُعْتَرَضٌ به، فكذلك
هذه الجملة))(٣).
وأخيراً فمِنْ قبيل إغفاله أمرَ الصناعة وجَرَيانه وراء المعنى ذِكْرُه للعائد
المحذوف في قوله تعالى: ﴿فكفَّارتُه إطعام عشرة مساكين من أَوْسَطِ
ما تُطْعِمون أَهْليكم﴾ (٤)، فقد قَدَّره مجروراً بـ((من)) أي: الذي تطعمون منه.
وردَّ عليه المؤلف ذلك فقال: ((وفيه نظر لأن مِنْ شرط العائد المجرور في
الحذف أن يتُّحد الحرفان والمتعلقان، والحرفان هنا - وإن اتفقا - وهما: مِنْ
ومِنْ، إلا أن العامل اختلف، فإنَّ ((من)) الثانية متعلقة بـ ((تطعمون)) والأولى
متعلقة بمحذوف، وهو الكون المطلق لأنها وقعت صفة للمفعول
المحذوف»(٥).
(ب) ويركز السمين على جانب الصناعة في مناقشاته الخصبة مع
أبي البقاء، وإذا كنا قد وجدناه في الفقرة السابقة يتهمه بالخروج عن إطارها
(١) الورقة ١٩٣ أ.
(٢) النساء آية ٤٢ .
(٣) الورقة ٢٠٩).
(٤) المائدة آية ٨٩.
(٥) الورقة ٢٧٣ ب.
٧٢

فهو قد يتخذ منه موقفاً مغايراً حين يقبل ما رفضه أبو البقاء بحجة التزامه
بالصناعة، فيرى أن هذا لا يتعيَّن فالصناعة تبيح ذلك، وكأن لسان حاله يقول:
إنك لم تدرك مجمل القواعد، بل أخذْتَ أطرافاً منها ورفضت امتداد هذه
الأطراف. ومن ذلك أن أبا البقاء يرى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمِّن كتم
شهادةً عنده من الله﴾(١) أنه لا يجوز أن تُعَلَّق ((مِنْ)) بشهادة، لئلا يُفصل بين
الصلة والموصول بالصفة، ويوضح السمين كلامه فيقول: ((يعني أن شهادة
مصدر مؤول بحرف مصدري وفعل، فلو عَلَّقْتَ ((مِنْ)) بها لكنت قد فصلت بين
ما هو في معنى الموصول وبين أبعاض الصلة بأجنبي وهو الظرف الواقع صفة
الشهادة))(٢) ثم يقول: ((وفيه نظرً، لا نُسَلِّم أن ((شهادة)) يَنْحَلُ لموصول وصلة فإن
كل مصدر لا ينحلُّ لهما)).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدين عند الله الإِسلام﴾(٢) يرفض أبو البقاء أن
يكون الظرف حالاً بحجة أن ((أَنْ)) لا تعمل في الحال، ويَرُدُّ عليه المؤلف
حكمَه ويقول: ((قد جَوَّزوا في ((ليت)) وفي ((كأن)) وفي ((ها)) أن تعمل في الحال،
قالوا: لِما تَضمَّنته هذه الأحرف من معنى التمني والتشبيه والتنبيه، ((فإنَّ)
للتأكيد فلتعمل في الحال أيضاً، فليست تتباعد عن ((ها)) التي للتنبيه، بل هي
أَوْلى منها، وذلك أنها عاملة و((ها)) ليست بعاملة، فهي أقربُ لشبه الفعل
من ها)) (٤).
ويرى أبو البقاء أن قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُون﴾ من الآية: ﴿وما كفر
سليمان، ولكن الشياطين كفروا، يُعَلُّمون الناس السحر﴾(٥) ليست حالاً من
(١) البقرة آية ١٤٠.
(٢) الورقة ٥٦ ب.
(٣) آل عمران آية ٢٠ .
(٤) الورقة ١٣٥ أ.
(٥) البقرة آية ١٠٢.
٧٣

(الشياطين))، لأنَّ (لكن)) لا تعمل في الحال، قال السمين: ((وهذا ليس بشيء،
فإنَّ (لكن)) فيها رائحة الفعل))(١).
(ج) وإذا كان المؤلف يتهم أبا البقاء بأنه لاَ يَعْتَدُّ بالصناعة، فليسٍ
معنى هذا أنه يحصر مناقشته له في هذا الإطار، فهو قد يتتبع المعاني التي
يغوص أبو البقاء فيها، ويكشف عن اختلاف وجهتي النظر بينهما، فقد فسر
أبو البقاء قوله تعالى: ﴿أني قد جئتكم﴾ من الآية: ﴿ويُعَلَّمه الكتاب والحكمة
والتوراة والإنجيل ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية﴾(٢) على
البدل، والتقدير: وَيُعَلِّمه الكتاب، ويُعَلِّمه أني قد جئتكم، فقال السمين:
((وهو بعيد في المعنى))(٣).
ويرى أبو البقاء أنَّ ﴿من الغيظ﴾ في قوله تعالى: ﴿عَضُّوا عليكم
الأنامل من الغيظ﴾(٤) لابتداء الغاية ويقول: أي من أجل الغيظ، كما يجوز أن
يكون حالاً أي مغتاظين. فيتعقب المؤلف هذا التأويل بقوله: ((وقوله ومِنْ
لابتداء الغاية أي: من أجل الغيظ كلام متنافر، لأنَّ التي للابتداء لا تُفَسَّر بمعنى
من أجل، فإنه معنى العلة، والعلة والابتداء متغايران، ثم إن الحالية لا يظهر
معناها))(٥).
وتكلَّف أبو البقاء التقدير المعنوي في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يَظْلِمُ
مثقال ذرة﴾(٦)، فقال: ((تقديرُهُ ظلماً قدرَ مثقال ذرة، فحذف المصدر وصفته،
وأقام المضاف إليه مُقامهما)) فيردُّ عليه المؤلف هذا التكلف قائلاً: ((ولا حاجة
(١) الورقة ٤٤).
(٢) آل عمران آية ٤٩.
(٣): الورقة ١٤٨أ.
(٤) آل عمران آية ١١٩.
(٥) الورقة ١٧٤ أ.
(٦): النساء آية ٤٠.
٧٤

إلى ذلك لأنَّ المثقال نفسه هو قَدْر من الأقدار، جُعِلَ معياراً لهذا القَدْر
المخصوص))(١).
وفي قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونورٌ يَحْكم بها النبيون
الذين أَسْلموا للذين هادوا والربانُون والْأُحْبَارُ بما اسْتُحْفِظُوا من كتاب الله﴾(٢)
ينقل أبو البقاء أنَّ ((الربانيون)) مرفوع بفعل محذوف أي: ويحكم الربانيون
والأحبار بما استحفظوا))، ويوضح السمين هذا التقدير ويردُّه بقوله: ((يعني أنه
لما اخْتَلَف متعلق الحكم غاير بين الفعلين أيضاً، فإن النبيين يحكمون
بالتوراة، والأحبار والربانيون يحكمون بما استحفظهم الله، وهذا بعيد عن
الصواب، لأن الذي استحفظهم الله هو مقتضى ما في التوراة، فالنبيُّون
والربانيون حاكمون بشيء واحد))(٣).
ويُعْرب أبو البقاء جملة: ((وقد دخلوا بالكفر)» من قوله تعالى: ﴿وإذا
جاؤوكم قالوا آمنا، وقد دَخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾ (٤) جملة حالية العامل
فيها ((قالوا)) أي: قالوا كذا في حال دخولهم كفرة وخروجهم كفرة، ويَرُدُّ المؤلف
هذا التفسير بقوله: ((وفيه نظرٌ إذ المعنى يأباه»(٥).
(د) وعلى الرغم من كَثْرَةِ معارضةِ الحلبي لأبي البقاء ورفضه لآرائه
بالتعليل ودونه فقد يقف منه موقفَ المؤيِّد له، المنتصرِ لرأيه، وإن كانت
الشواهد على ذلك نادرةً أو باهتة، فقد خَرَّج أبو البقاء قوله تعالى: ﴿فإن تولّوا
فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون﴾ (٦) على أنه ماض، ولا يجوز أن يكون التقدير
(١) الورقة ٢٠٨ ب.
(٢) المائدة آية ٤٤.
(٣) الورقة ٢٤٥ أ.
(٤) المائدة آية ٦١.
(٥) الورقة ١٢٦٠.
(٦) آل عمران آية ٦٤.
٧٥

فإن يَتَوَلَّوا لفساد المعنى لأنَّ قوله: ((فقولوا اشهدوا)) خطاب للمؤمنين و ((یتولّوا))
للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب الشرط، والتقدير: فقولوا
لهم، ويصف السمينُ هذا الكلام بأنه ((ظاهر جداً)(١).
:
ويفضِّل المؤلف ويستحسن ردًّ أبي البقاء على الفراء الذي زعم أن
﴿استكانوا﴾(٢) افتعل من السكون، وإنما أشبعت الفتحة فتولَّد منها ألف، قال.
السمين: ((وعبارة أبي البقاء أحسنُ في الرد فإنه قال: ((لأن الكلمة في جميع
تصاريفها ثبتت عينها، والإِشباعُ لا يكون على هذا الحد»(٣).
وثمة رأيان في ((ما)) من قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فَمِنَّ
الله﴾ (٤)، الأول: رأيُ أبي البقاء بأنها شرطية، ولا يحسن أن تكون بمعنى
الذي، لأن ذلك يقتضي أن يكون المصيب لهم ماضياً مخصصاً، والمعنى على
العموم، والشرطية أشبه. والرأي الثاني لمكي ابن أبي طالب بأنها موصولية،
ويتعقب السمين هذين القولين وقال: ((والأول أظهر لأنَّ الشرطية أضلّ في
الإِبهام كما ذكر أبو البقاء))(٥).
كما يستحسن المصنفُ تعليق أبي البقاء لقوله تعالى ﴿من بعده﴾ بنفس
﴿النبيين﴾ من الآية: ﴿إِنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من
بعده﴾(٦)، قال السمين: ((يعني أنه في معنى الفعل كأنه قيل: والذين تَنَبّؤُوا
من بعده، وهو معنى حسن))(٧).
(١) الورقة ١٥٤ أ.
(٢) آل عمران آية ١٤٦.
(٣) الورقة ١٨٤ أ.
(٤) النساء آية ٧٩.
(٥) الورقة ٢١٥ أ.
(٦) النساء آية ١٦٣.
(٧) الورقة ٢٢٩ ب.
٧٦

وثمة تخريجات كثيرة لقوله تعالى: ﴿والصابئون﴾(١) الواردة بعد كلام
منصوب، فيرى أبو البقاء أنه قد تكون علامة النصب فتحة النون، والنون
حرف الإِعراب كهي في الزيتون، وأجاز أن يكون هذا الإجراء مع الياء
والواو، فقال السمين: ((لا أحفظ فيه ما ذكره، ومَنْ أثبت حجةٌ على مَنْ نَفَى،
لا سيما مع تقدمه في العلم والزمان»(٢).
ويصحح المؤلف ما ذكره أبو البقاء من تضعيف كون ((ذا)) موصولة في
قوله تعالى: ((يومَ يَجْمع الله الرسل فيقول: ماذا أُجِبْتم))(٣)،
وذلك لأنه لا عائدَ هنا، وحَذْفُ العائد مع حرف الجر ضعيف،
قال المصنف: ((أمَّا جَعْلُه حذفَ العائد المجرور ضعيفاً فصحيح تقدَّم
شرحه)) (٤).
(ب) ابن عطية :
ترك كتاب ابن عطية ((المحرَّر الوجيز)) أثراً طيباً في كتب التفسير.
والإِعراب التي تلته، وذلك لأنه يُرضي الاتجاهات العلمية على أنواعها، وقد
أفاد منه صاحبُ ((الدر المصون)) إفادةٌ واسعة، إذ إنه يقتبس منه نصوصاً كثيرة،
كان فيها ابن عطية يغوص على أبعاد المعاني وخلفياتها، ويصل إلى نتائج
تكشف عن سعة أفقه وخصوبة ثقافته، ويغلب على موقف السمين من هذه
النصوص أنه يكتفي بعرضها ولو طالَتْ دون أن يعلّق عليها بشيء، غير أنه قد
يستحسن أو ينتقد: فقد ذكر ابن عطية في قراءة عليّ بنصب ((الحق)) من قوله
تعالى: ﴿وإنَّ فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحقَّ من ربك﴾(٥) أنه
(١) المائدة آية ٦٩.
(٢) الورقة ٢٦٥].
(٣) المائدة آية ١٠٩.
(٤) الورقة ٢٨٩ ب.
(٥) البقرة آية ١٤٧ .
٧٧

منصوب بـ(يَعْلمون)) قبله، فقال السمين: ((وعلى هذا الوجه يكون ممَّا وقع فيه
الظاهر موقع المضمر، أي: وهم يعلمونه كائناً من ربك، وذلك سائغٌ حسن في
أماکن التفخيم والتهويل»(١).
ويفسر ابن عطية معنى ((أصبحتم)) في قوله تعالى: ﴿وأصبحتم بنعمته
إخواناً﴾ (٢) بأنها عبارة عن الاستمرار، وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقتٍ،
وإنما خُصَّت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبدأ النهار، وفيها مبدأ
الأعمال، فالحال التي يُحِسُّها المرء من نفسه فيها هي التي يستمر عليها يومه
في الأغلب)). فقال السمين: ((وهذا الذي ذكره معنى حسن، وإذا لم ينصَّ عليه
النحويون فإنه لا يُدْفَع، لأنَّ النحاة غالباً إنما يتحدثون بما يتعلق بالألفاظ، وأما
المعاني المفهومة من فحوى الكلام فلا حاجةً لهم بالكلام عليها غالباً»(٣).
وقد يَرُدُّ المصنف على ابن عطية بعض ما يراه قد وَهِمَ فيه، فقد نقل
عن الفارسي اللغات الواردة في ((سِوَى)) وهو يتحدث عن إعراب قوله تعالى:
﴿سَوَاءٌ عليهم أنذرتهم﴾ (٤)، فردَّ عليه هذا النقل قائلاً: ((وهذا عجيب فإن
هذه اللغات في الظرف ((سِوى)) لا في ((سَواء)» الذي بمعنى الاستواء))(٥).
وفي مسألة كون الجواب محذوفاً أو متقدماً من قوله تعالى: ﴿فقال
أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾(٦) قال المبرد: الجواب هو المتقدم،
وقال سيبويه: إنه محذوف، وعكس ابن عطية النسبة، فردَّ عليه السمين وقال:
إنه وهِمْ (٧).
(١) الورقة ٥٨ ب.
(٢) آل عمران آية ١٠٣.
(٣) الورقة ١٦٩ أ.
(٤) البقرة آية ٦.
(٥) الورقة ١٢].
(٦) البقرة آية ٣١.
(٧) الورقة ٤٥ من نسخة ع.
٧٨

ويرى ابن عطية أن ((وإذ قلنا)» من قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة
اسجدوا لآدم﴾(١) معطوفةً على ((إذ) المتقدمة من قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك
للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً﴾ فردَّ عليه هذا العطف قائلاً:
((لا يَصِحُّ هذا لاختلاف الوقتين))(٢).
وقد يردُّ عليه معتمداً على السماع القرآني، فقد قرر ابن عطية أن كلمة
(الريح)» جاءت مجموعةً مع الرحمة مفردةً مع العذاب، فيقول له: ((وهذا يَرُدُّه
اختلاف القراء في أحدَ عشرَ موضعاً))(٣).
وينتقد ابن عطية قراءة أبي عمرو بإدغام راء ((شهر)) في راء ((رمضان)) من
قوله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾ (٤) بحجة الجمع بين الساكنين، فيردُّ عليه
السمين هذا الانتقاد قائلاً: ((وقوله: ((لا تقتضيه الأصول)) غيرُ مقبولٍ منه فإنه إذا
صحَّ النقل لا يُعارَضُ بالقياس)»(٥).
وعلى العموم فإنَّ الطابع الغالب على موقف المؤلف من ابن عطية
هو عَرْضُ كلامِهِ دون مناقشاتٍ ذاتِ أهمية كبيرة.
(ج) أبو حيان:
يُعَدُّ أبو حيان أحد النحاة المحققين الذين تمثلوا قواعد النحو العربي،
حتى كأنها أصبحت أداة طيِّعة ذابت في أعماقهم، ومن يقرأ في كتابه ((البحر))
يعجب لهذه الثقافة الموسوعية وهذا التتبع الدقيق لأصول الصناعة (٦)، ويقف
(١) البقرة آية ٣٤.
(٢) الورقة ٤٦ من نسخة ع.
(٣) الورقة ٦٢].
(٤) البقرة آية ١٨٥.
(٥) الورقة ١٦٩.
(٦) انظر: أبو حيان النحوي: للدكتورة خديجة الحديثي.
٧٩

الرجل على رأس الاتجاه الظاهري الملتزم الذي كان يَعُدُّ الصناعة هي الأساس
الأول في الفهم والتفسير، والمرجع الأول للتقويم والتسديد، وقد ترك كتابه
بصمات واضحة في كتاب ((الدر المصون)) من قبيل توجيه القراءات وأعاريب
الآية وما يعترضه، وأقوال العلماء وما يُقَوِّمها، والشواهد وتخريجها، والصناعة
النحوية وأصولها، ويبلغ السمين في هذا التأثر حَدَّاً عجيباً عندما يصرِّح في
أحد الأوجه الأعرابية: ((ولولا أنَّ أبا حيان ذكره لم أذكره)(١).
ونستطيع أن نؤكد أن الحلبي تمثل ما في ((البحر)) حتى إنه ليُجْرِي
«درره)) بمِداده، وكيف لا والدرر المصونة هي أبداً من أعماق البحار !!!
أمَّا عن أسباب هذا التأثر فنراها في النقاط التالية:
١ - تلمذة السمين الطويلة على أبي حيان فقد عاصره وأفاد منه.
٢ - اتخاذ السمين لموقف الالتزام الذي كان أبو حيان على رأسه،
وقد سبق أن شرحنا هذا الموقف وأبعاده ومظاهره.
٣ - وحدة طبيعة العمل الذي قام به التلميذ وأستاذه، فالاثنان يدرسان
القرآن الكريم، ومادته، ومن الطبيعي أن يفيد الخلف من السلف في ذلك.
ولا نريد أن يفهم القارىء من هذا أن ((الدر)) نسخة طبق الأصل عن
((البحر)) فهذا الحكم لا أساس له من الصحة، وإنما يتخذ الموضوع جانباً ذا
شقين، الأول التأثر، والثاني المناقشة، صحيح أن السمين أفاد من
أبي حيان، ولكن هذا لا يعني أنه كان آلة صماء تسجل دون تمحيص وحوار،
فما أكثر ما كانت آراء الشيخ يَرُدُّها التلميذ النبيه.
ونستطيع أن نقسم مناقشة صاحب ((الدر)) لصاحب ((البحر)) إلى قسمين:
١ - مناقشات عامة.
٢ - مناقشات خاصة بالزمخشري .
(١) الورقة ٦٥ أ.
٨٠