النص المفهرس

صفحات 41-60

على تخطئة ما ثبت عن الأئمة لا يسهل))(١)، ويمضي بعد ذلك في تخريج القراءة
وتوجيهها.
وأدغم أبو عمرو راء ((شهر)) في راء ((رمضان))(٢)، فقال ابن عطية: ((وذلك
لا تقتضيه الأصول لأنه جمع بين ساكنين على غير حدهما)» ويعترض عليه
المؤلف هذا الحكم بقوله ((ولا يُلْتفت إلى مَنْ استضعفه فإنه إذا صح النقل
لا يعارض بالقياس»(٣).
وقرأ حمزة قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ يُخافا أَلَّ يُقيما حدودَ الله﴾ (٤) بضم
الياء على البناء للمفعول، وقد استشكلها جماعة وطعن فيها آخرون فقال
السمين: ((إنما ذلك لعدم معرفتهم بلسان العرب))(٥)، ثم يعرض توجيهها
على نحوٍ فيه تفصيل منتشر.
وقرأ نافع ((فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسُرة))(٦) بضم السين، قال المؤلف: ((وقد رد
النحاس الضم تَجُرُؤاً منه، وقال: «لم يأتِ مَفْعُلة إلا في حروف معدودة لیس
هذه منها، وأيضاً فإن الهاء زائدة ولم يأت في كلامهم مَفْعُل البتة)»، ثم ينبري
للردِّ عليه بالسماع والقياس الواردين في اللغة(٧).
ويحكم أبو حيان - على التزامه ومحافظته ولعله سهو منه ـ بشذوذ قراءة
من قرأ ﴿ثمَّ هْويوم القيامة﴾(٨) بتسكين هاء ((هو))، ويرد عليه السمين بقوله:
(١) الورقة ٥٩].
(٢) البقرة آية ١٨٥.
(٣) الورقة ٦٩ أ.
(٤) البقرة آية ٢٢٩.
(٥) الورقة ١٩٠.
(٦) البقرة آية ٢٨٠ .
(٧) الورقة ١١٣ ب.
(٨) القصص ٦١ .
٤١

((وهذا ليس بجيد فإنها قراءة متواترة قرأ بها نافع فيما رواه عنه قالون،
وهو أضبط رواته لحرفه، وقرأ بها الكسائي أيضاً وهو رئيس النحاة))(١).
وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام من ﴿يغفر لمن يشاء﴾(٢) فطعن
عليها بعض الناس، كالزمخشري الذي قال: ((وَمُدْغِمُ الراء في اللامِ لاحن
مخطىء خطأ فاحشاً، وراويه عن أبي عمرو مخطىء مرتين، لأنه يلحن وينسب
إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في هذه الروايات قلة
ضبط الرواة، وسبب قلة الضبط قلة الدراية)). ويتعقب السمين هذا القول
فيقول: ((وهذا من أبي القاسم غير مُرْضٍ، إذ القراء معنُّون بهذا الشأن،
لأنهم تلقوا عن شيوخهم الحرف بعد الحرف، فكيف يَقِلُّ ضبطهم، وهو أمرٍ
يُدْرَك بالحس السمعي، وكيف يقال إنَّ الراوي عن أبي عمرو مخطىء
مرتين، ومن جملة رواته اليزيدي إمام النحو واللغة؟))(٣)
وقرأ حمزة قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنما نُمْلِي﴾(٤)
بالخطاب، وحكم عليها أبو حاتم والنحاس باللحن، ورد عليهما السمين هذا
الحكم فقال: ((وهذا لا يُلتفت إليه لتواترها، وفي تخريجها ستة أوجه،
ويمضي في عَرْض هذه الأوجه مدعومة بالسماع والتعليل مما يكشف عن ثقافة
واسعة (٥).
وفي المسألة المشهورة أعني العطف على الضمير المجرور بدون إعادة
الخافض تعرَّض حمزة - الذي يقرأ بذلك - لانتقادات كثيرة، لأنه قرأ:
:
(١) الورقة ١١٤ ب.
(٢) البقرة آية ٢٨٤.
(٣) الورقة ١٢٠ ب.
(٤) آل عمران آية ١٧٨.
(٥) الورقة ١٩٠ أ.
٤٢

﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾(١)، فيردُّ السمين على المنتقدين
كالزجاج وغيره، ويدعم رأيه بالنقولات المختلفة عن العرب، ويضيف إلى
ذلك اعتماده مذهب الكوفيين في جواز ذلك(٢)، ثم قال: ((ولا التفات إلى
طعن مَنْ طعن فيها، وحمزة بالرتبة السَّنِيَّة المانعة له من نقل قراءة ضعيفة)).
وقرأ حمزة وابن عامر: ((تَلُو)) بلام مضمومة وواو ساكنة من قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضوا﴾(٣)، فقال أبو عبيد: ((القراءة عندنا بواوين))، ورد عليه
السمين بقوله: ((وهذا الطعن ليس بشيء، لأنها قراءة متواترة ومعناها صحيح،
لأنه إنْ أخذناها من الولاية كان المعنى على ما تقدم، وإن أخذناها من اللَّيِّ
فالأصل تَلْووا، وإنما فُعل بها ما تقدم من التصريف))(٤) وكان قد بَيِّن المعنى
والتصريف بياناً جليّاً.
ومن ناحية أخرى فإن بعضَ مَنْ له شأن في هذا الباب يحاول أن يرجِّح
بين القراءات المتواترة، ويَعُدَّ هذه أفضلَ أو أقوى، وتلك أبلغ أو أجود،
ويرفض السمين هذا الاتجاه، فيرى أن تُوَجَّه القراءة المتواترة توجيهاً يكشف
عنها دونَ التعرُّض لفكرة الترجيح فيما بينها.
ففي قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾(٥) رجَّح بعضهم قراءة ((مَلِك))
ورجّح آخرون قراءة (مالك))، فقال السمين: ((وقد رجَّح كل فريق إحدى
القراءتين ترجيحاً يكاد يسقط القراءة الأخرى، وهذا غير مُرْضٍ لأنَّ كلتيهما
متواترة، ويدل على ذلك ما رُوِيَ عن ثعلب أنه قال: ((إذا اختلف الإِعراب في
A
(١) النساء آية ١.
(٢) الورقة ١٩٥م.
(٣) النساء آية ١٣٥ .
(٤) الورقة ٢٢٣ أ.
(٥) الفاتحة آية ٣.
٤٣

القرآن عن السبعةِ لم أفضِّلْ إعراباً على إعراب في القرآن، فإذا خَرَجْتُ إلى
الكلام كلامِ الناس فضَّلْتُ الأقوى))(١)، ويمضي المؤلف في ذكر نقول عن
العلماء تؤيد طريقته .
وفي قوله تعالى: ﴿إِثمّ كبير﴾(٢)، قُرِىءَ كثير وكبير، فراح بعض الناس
يفاضلون بينهما، مما جعل السمين يعترض طريقهم قائلاً -بعد أن وجَّه كلّ
منهما -: ((وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإِنسان في القرآن وهو أن يذكر لكل قراءة
توجيهاً من غير تَعَرُّضٍ لتضعيف القراءة الأخرى كما فعل بعضهم))(٣).
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿ولكن كونوا رَبَّائِّين بما كنتمْ تُعَلِّمُونْ
الكتاب﴾ (٤) بفتح حرف المضارعة وسكون العين وفتح اللام من عَلِم يعلم أي
تعرفون، وباقي السبعة بضمٌّ حرف المضارعة وفتح العين وتشديد اللام
مكسورة، وذكر المصنف أن جماعة رجَّحوا بينهما، وذكر دليلهم، ثم أضاف:
((والقراءتان متواترتان فلا ينبغي ترجيح إحداهما على الأخرى))(٥).
وقرأ الجمهور ﴿سوف نؤتيهم﴾(٦) بنون العظمة، وقرأ حفص عن عاصم
بالياء. وقال بعضهم: إنَّ قراءة النون أولى لأنها أفخم وتُحَقُّقُ المقابلة
لما قبلها، فيردُّ السمين هذا التفضيل بقوله: ((وهذا ليس بجيد لتواتر
القراءتين))(٧).
وقد تَخْرُجُ القراءة المتواترة عن قياس صناعة القارىء وإطارها فكيشف
(١) الورقة ٦ ب.
(٢) البقرة آية ٢١٩.
(٣) الورقة ٨٥ أ.
(٤) آل عمران آية ٧٩.
(٥) الورقة ١٦٠أ.
(٦) النساء آية ١٥٢.
(٧) الورقة ٢٢٧أ.
٤٤

السمين عن ذلك، غير أنه سرعان ما يعود بعد ذلك إلى التصريح بأن السُّنِّيَّةَ
في هذا الباب أمر واجب، فلا يجوز الاعتراض، وليس معنى هذا أن القراءة
أصبحت عنده لحناً، وإنما يعني هنا أنها خرجت عن قياس القارىء ليس غير،
فقد قرأ أبوبكر وحمزة والكسائي: ﴿مُوَصِّ﴾ (١) بتشديد الصاد والباقون
بتخفيفها: ((مُوْصٍ ))، وهما من أوصى ووصَّى لغتين، إلا أن حمزة والكسائي
وأبا بكر هم من جملة الذين يقرؤون ﴿ووصَّى بها إبراهيمُ﴾(٢) مضعفاً، وأن
نافعاً وابن عامر يقرآن ((أوصى)) بالهمزة، فلو لم تكن القراءة سُنّةٌ متبعة لا تجوز
بالرأي لكان قياس قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص هناك ((ووصَّى))
بالتضعيف أن يقرآ هنا ((مُوَصٍّ)) بالتضعيف)) (٣).
ويقول المؤلف في مادة ((حزن)): ((ومن عجيب ما اتفق أن نافعاً - رحمه
الله - يقرأ هذه المادة من أحزن إلا التي في الأنبياء، وأن شيخه أبا جعفر
يقرؤها من حزن ثلاثيّاً، إلا التي في الأنبياء، وهذا من الجمع بين اللغتين
والقراءة سُنَّةٌ متبعة))(٤).
٢ - الالتزام بالصناعة: يقف المؤلف من إطار الصناعة النحوية موقف
الاحترام التام، فيلتزم بها ويحافظ على ثمراتها، ويراعيها مهما توغل في
المعنى، وكأنه يحس بضوئها الأحمر بمنزلة المؤشر المنبّه في أثناء ما يعالجه
من تفسيرات ومعانٍ وتأويلات، ولم يكن ليسمح أو يتهاون أمام المُعْرِبين
والشارحين أن يَتَخَطُّوا معطيات هذه الصناعة أو يتجاوزوا دلالاتها. وسنجد
لدى دراستنا لموقفه من المعربين أنه كثيراً ما يعترض على أبي البقاء
والزمخشري حين يلقى منهم نزعة التحرر من قيود الصناعة، بل إن معظم
(١) البقرة آية ١٨٢ .
(٢) البقرة آية ١٣٢.
(٣) الورقة ٦٧ ب.
(٤) الورقة ١٨٩.
٤٥

ردوده على هذين العلمين كانت تنطلق من هذا المبدأ، وحتى أبو حيان شيخ
الصناعة لم يَسْلم من انتقاداته في هذا الصدد، ونشعر ونحن نقرأ مناقشات
السمين للمعربين أن قواعد النحو قد ذابت في ذهنه حتى كأنه قد هضمها
أو تَمَثَّلها، فلا يبدأ ولا ينتهي إلا بها، وَتَجَنُباً للتكرار في الموضوع الواحد آثرنا
أن يتخذ القارىء أمثلة لهذا الالتزام من الفقرة المطولة التي خصصناها لدراسة
مواقفه من المعربين وآرائه فيما عرضوه.
٣ - الالتزام بالظاهر: ينهج المؤلف منهج الالتزام بالظاهر في معظم
تأويلاته الصناعية والمعنوية، ولعل تلمذته الطويلة على الشيخ أبي حيان قد
طبعت تفكيره بهذا الطابع، فهو لا يُطيق البُعْد عن ظاهر معنى الآية والصناعة،
ويضرب الذكر صَفْحاً عَمَّا يراه كثير من العلماء بعد الربط والاستنتاج والتحليل
بين معطيات اللغة ومعانيها، ويود لو يصل إلى منطوق الآية بأقرب طريق دون
أن يضطر إلى إضمار أو تقديم وتأخير أو كلفة، أو إعطاء المادة أكثر مما يكمن
فيها، أو الجَرْي وراء مُشاحَّات لا طائل من ورائها. فهو يشير إلى التكلف الذي
اضطر إليه الجمهور في تأويل بعض الشواهد النادرة التي كانت فيها ((ما)) تعمل
عمل (ليس) على الرغم مِنْ انتقاض نفيها بـ ((إلا)) نحو:
وما صاحِبُ الحاجاتِ إِلا مُعَذَّبَا
فهم يقدِّرون البيت: يُعَذَّب تعذيباً، فَحُذِف الفعل وأقيم ((معذباً)) مُقَام
(تعذيب)). قال السمين: ((وفيه من التكلُّف ماترى))(١)، وكان يغني الجمهور
عن هذا التكلف أن ينصُّوا على أن ذلك شاذ أو نادر.
وفي قوله تعالى: ﴿إنَّما ذلكم الشيطان يُخَوّف أولياءه﴾(٢). قال
بعضهم: إن المفعولين محذوفان، و ((أولياءه)) نصب على إسقاط الخافض،
(١) الورقة ١٨٢ م.
(٢) آل عمران ١٧٥ .
٤٦

والتقدير: ((يُخَوِّفكم الشر بأوليائه)) والباء للسبب، أي بسبب أوليائه، فيكونون
هم آلة التخويف لكم، وكأن هذا القائل رأى قراءة أُبَيّ: ((يُخَوِّف بأوليائه))
فظن أنَّ قراءة الجمهور مثلها في الأصل، ثم حذفت الباء. قال السمين:
((وليس كذلك، إذ لا حاجة إلى ادِّعاء ما لا ضرورة له))(١).
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿الذين يَبْخلون ويأمرون الناسَ
بالبخل﴾(٢): إنه مبتدأ، والخبر قوله: ﴿إِنَّ الله لا يَظْلم مثقال ذرة﴾(٣)،
ويكون قوله: ﴿والذين ينفقون ... )(٤) عطفاً على المبتدأ، والعائد محذوف،
قال السمين: ((وهكذا متكلف جداً لكثرة الفواصل ولقلق المعنى أيضاً))(٥).
وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿اليوم أُحِلَّ لكم الطيبات، وطعامُ الذين
أوتوا الكتاب حِلَّ لكم﴾(٦): إن ((طعام)) يجوز أن يكون مرفوعاً عطفاً على
مرفوع ما لم يُسَمَّ فاعله وهو ((الطيبات)) و((حِلّ لكم)) خبر مبتدأ محذوف. قال
السمين: ((وهذا ينبغي أن لا يجوز البتة لتقدير ما لا يُحتاج إليه، مع ذهاب
بلاغة الكلام))(٧).
وثمة خلاف بين الزمخشري وأبي حيان في مسألة الباء في قوله تعالى :
﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (٨)، قال الزمخشري: ((المراد إلصاق المسح بالرأس
وماسحُ بعضه ومستوعبُهُ كلاهما مُلْصق المسح برأسه. )). قال أبو حیان : ((وليس
(١) الورقة ١٨٩ ب.
(٢) النساء آية ٣٧.
(٣) النساء آية ٤٠.
(٤) النساء آية ٣٨.
(٥) الورقة ٢٠٨ م.
(٦) المائدة آية ٥.
(٧) الورقة ٢٣٥ ب.
(٨) المائدة آية ٦ .
٤٧

كما ذكر)) يعني أنه لا يُطْلق على الماسِحِ بعضَ رأسه أنه ملصق المسلح
برأسه. قال السمين: ((وهذه مُشَاحَّةٌ لا طائلَ تحتها))(١).
وفي قوله تعالى: ﴿قال لأقتلَنَّكَ، قال إنَّما يَتَقَبَّلُ الله من المتقين﴾(٢)
قال ابن عطية: ((قبلها كلام محذوف تقديره: لِمَ تقتلني وأنا لم أَجْنٍ شيئاً
ولا ذنبَ لي في تقبُّلِ اللهِ قُرْباني دون قُرْبَانِك؟ وذكر كلاماً كثيراً، وقال غيره:
فيه حذف يطول، وذكر نحوه. وتعقَّب السمين هذه التقديرات وقال:
(ولا حاجة إلى تقدير ذلك كله إذ المعاني المفهومة من فحوى الكلام إذا
قُدِّرَتْ قصيرة كان أحسن))(٣).
وذهب بعضهم إلى أنَّ الهاء مبدلة من همزة في لفظة ((مُهَيْمِن))، وأنها
اسم فاعل من آمن غيره من الخوف، والأصل: مُؤْمِن بهمزتين أبدلت الثانية
ياءً كراهيةً اجتماع همزتّين، ثم أبدلت الأولى هاء كهاء هراق وهراح وهَبَرْتُ
الثوب في: أراق وأراح وأَبَرْت الثوب. قال السمين: ((وهذا ضعيف أو فيه
تكلُّفٌ لا حاجة إليه مع أنَّ له أبنيةً يمكن إلحاقه بها كمُبَيْطِر وأخواته)» (٤).
وقد يختار المؤلف من الآراء ما كان قليلَ الإِشكال والتغييرات، ففي
مسألة ((أشياء)) مذاهب كثيرة، يؤيد فيها مذهب الجمهور الذين يرون أنها اسم
جمع من لفظ ((شيء))، وأصلها: ((شَيْئاء)» ووزنها: فَعْلاء، فاستثقلوا
الهمزتين، وكَثُرَ دورُها في لسانهم فقلبوا الكلمة بتقديمٍ لامِها على فائها
فصارت لَفْعاء. قال السمين: ((وَأَمّا المذاهب الآتية فإنه يَرِدُ عليها إشكالات،
وهذا المذهبُ سالم منها))(٥).
(١) الورقة ٢٣٦ أ.
(٢) المائدة آية ٢٧ .
(٣) الورقة ٢٤٠).
(٤) الورقة ٢٤٧ أ.
(٥) الورقة ٢٧٩م.
٤٨

(ج) أصول الصناعة وموقفه منها:
١ - السماع: يُعَرِّف صاحب ((الاقتراح)) السماع بقوله: ((ما ثَبَتَ في
كلام مَنْ يوثق بفصاحته، فشمل كلام الله تعالى وكلام نبيه وكلام العرب إلى أن
فسدت الألسنة، فهذه ثلاثة أنواع))(١). وسوف نوجز الآن موقف المؤلف من
هذه الأنواع. أما القرآن الكريم فقد التزم بلغته وقراءاته، وأكثر من الاستشهاد
به، ودأب على التذكير بأنه أوثقُ السماع وأجلُّه، وأنه ينبغي لنا أن نحمله دائماً
على الفصيح من لغات العرب وأشكال تعبيرها، فهو يهاجم أبا البقاء الذي
حاول أن يُخَرِّجَ بعض الآيات على حذف الفاء من جواب الشرط مستشهداً
بالبيت المشهور:
مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يشكرها
فيردُّ عليه ذلك قائلاً: ((وكيف يُسَوِّي الآية بالبيت وهو لا يجوز إلا في
ضرورة؟))(٢).
ومن ذلك أنَّ بعضهم كان يسجّل وجوهاً ضعيفة في إعراب قوله تعالى:
﴿فَأَمَّا الذين كفروا فأعذِّبُهم﴾(٣)، فردَّ عليهم السمين قائلاً: ((وهذا ينبغي أن
لا يجوز لعدم الحاجة إليه، مع ارتكاب وجه ضعيف جداً في أفصح
كلام)) (٤).
ويرفض المؤلف عبارة ((الجر على التوهم)) في القرآن الكريم قائلاً:
((وفي العبارة بالنسبة إلى القرآن سوء أدب، ولكنهم لم يقصدوا ذلك حاش
(١) الاقتراح للسيوطي : ١٤
(٢) الورقة ١٤٢ ب.
(٣) آل عمران آية ٥٦.
(٤) الورقة ١٥١أ.
٤٩

لله، وكان أَوْلى بهم ◌َلَّ يُنَظَّروا القرآن بالأبيات الشعرية التي فيها مثل هذا
القبيل))(١).
وقد يأتي المصدر مضافاً إلى مفعوله ثم يأتي فاعله نحو: ((يعجبني
ضربُ عمروٍ زيدٌ، وذلك على ضَعْف، ومنع المؤلف تجويزه في القرآن لأن
((القرآن لَا يُحْمل على الضرورة))(٢).
وبَعُدُّ النحاة التقديم والتأخير البعيدَيْن من ضرائر الشعر ((فيجب تنزيه
القرآن عنه))، لذلك نجد السمين يرفض ما تكلفه بعضهم من تخريج بعضٍ
الآيات على هذا النوع من الضرورة. وهكذا وجدنا الرجل يُجِلَّ هذا النوع من
السماع وبَعُدُّه في أرقى مراتب الفصاحة .
وكانت قضيةُ الاستشهاد بالحديث الشريف مثار جدل طويل بين العلماء
عبر القرون، فقد ساد عند المتقدمين رَفْضُ الاستشهاد به (٣) بحجة أن معظم
الحديث إنما رُوِيَ بالمعنى دون اللفظ، وأن معظم رواته كانوا أعاجم، غير أننا
نلاحظ المتأخرين يفتحون صدورهم له فيُكثرون من الاحتجاج به لدعم
قواعدهم، أو إثبات لهجة من لهجات العرب، أو اتخاذه مادة للبحث والمناقشة،
ومن هؤلاء: ابن مالك وأبو حيان وابن هشام وابن عقيل والسمين الحلبي الذي
كان يَعُدُّه نوعاً من أنواع السماع الموثوق به سواء في اللغة أم في الصناعة
النحوية. ومن هنا وجدنا مادة الحديث غزيرة في كتابه تصل إلى مئات
الأحاديث.
وأَمَّا الشعر العربي الفصيح فقد كان رافداً غزيراً من الروافد التي أمَدَّت
النحو العربي بالمادة التي تعينه على التقعيد والتثبيت، وقد نشط علماء
(١) أورقة ١٦٤أ . :
(٢) الورقة ١٦٧ أ.
(٣) انظر: مدرسة البصرة النحوية ٢٥٥؛ القياس: للشيخ محمد الخضر حسين ٣٢.
٥٠

العربية في جمع مادته من البوادي والتقطوا كثيراً من الشوارد، فما كان
مطَّرداً منها قبلوه وقاسوا عليه، وما كان نادراً أَبْقَوه دون قياس عليه، ويُكثر
السمين من الاستشهاد بالشعر، ولا تخلو ورقة من كتابه دون أن يسرد طائفة
من الأشعار، حتى إنها بلغت عنده آلاف الأبيات التي تنتمي - ما عدا قليلاً
منها - إلى عصور اللغة الفصيحة.
وتتضح إفادته منها في أنه يستخدمها وسيلة من وسائل الرد على خصومه
الذين قد يرفضون قاعدة مما قرره، فيضع أمامهم بعض هذه الشواهد، فقد أنكر
ثعلب وقوع الجملة القسمية خبراً فيردُّ عليه بقول الشاعر: (١)
وإذا أَتَاكِ فلاتَ حينَ مَنَاصٍ
جَشَأَتْ فقلتُ اللَّذْ خَشِيتٍ لَيَأْتِيَنْ
ورفض بعضُهم أن تكون ((حَسِبَ)) أحياناً بمعنى اليقين، فيردُّ عليهم
المؤلف بقول الشاعر: (٢)
حَسِبْتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ رَباحاً إذا ما المرءُ أصبح ثاقلا
ومنع بعضهم دخولَ الفاء في خبر المبتدأ المنسوخ إذا كان اسماً
موصولاً وذلك لتشبيه الموصول بالشرط، فيردُّ عليهم بقول الشاعر: (٣)
فواللَّهِ مَا فَارَقْتُكُمْ عن مَلالةٍ
ولكنَّ ما يُقْضَى فسوف يكون
ولكن المصنف قد يرفض حكماً من الأحكام بحجّةٍ عدمٍ ورود السماع
بما يؤيده، فقد منع تثنية الخبر المتوسط في نحو: ((زيد قائمان وعمرو)) وقال:
((ومن ادَّعى جوازه يحتاج إلى سماع من العرب)) (٤)، كما يمنع أن تكون خَلَقَ
بمعنى جَعَلَ التي تتعدَّى لاثنين وقال: ((وهذا غير معروف عند أهل
(١) الورقة ١٩٣ ب.
(٢) الورقة ١٨٨ ب.
(٣) الورقة ١٣٥ ب.
(٤) الورقة ٢٢٠ ب.
٥١

العربية))(١)، ويرفض كونَ ((أَنْ)) المفتوحة تأتي للنفي، وقال: ((وهذا قولٌ
ساقطٌ إذا لم يَثْبَتْ ذلك من لسان العرب))(٢)، وحين فَسَّر ابن زيد معنى
الوسنان بأنه الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى إنه ربما جَرَّد السيف على
أهله، قال السمين: ((وهذا القول ليس بشيء لأنه لا يُفهم من لغة العرب
ذلك»(٣).
وعلى اعتداده الكبير بالسماع الشعري نجده قد يرفض بعض الأبيات
المخالفة للقاعدة، ويَعُدُّها ضرورةً لندورها وكونها لا تؤلف ظاهرة مطردة،
وهو في هذا يتابع البصريين الذين كانوا يطالبون بالاطراد، ومن ذلك أنه
يشترط في الجملة الحالية المثبتة أن لا تسبق بالواو، وأما قوله:
نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مالكا
فهو عنده شاذ(٤)، ويصف شواهد بروز اسم أَنْ المخففة من نحو:
فَلَوْ أَنْكِ في يوم الرخاء سَأَلْتِي
بأنه غير فصيح لندوره(٥). كما أنه يرى أن لا يُلْتفت لضرورة الشعر في
حذف علامة تأنيث الفعل المسند إلى الضمير(٦) من نحو:
ولاٍ أرضَِ أبقلَ إِبْقالَها
وإذا اجتمعت المعرفة والنكرة وَجب أن تُجْعل المعرفة مُحَدَّثاً عنها
والنكرة حديثاً، قال السمين: ((وعكس ذلك قليلٌ جداً أو ضرورة(٧)) نحو:
يكونُ مزاجَها عَسَلٌ ومِاءُ
(١) الورقة ١٩٣ أ.
(٢) الورقة ١٥٧ أ.
(٣) الورقة ١٠٢ أ.
(٤) الورقة ٧٨ أ.
(٥) الورقة ١٨٧ ب.
(٦) الورقة ٢٨٠ ب.
(٧) الورقة ٢٨٦ أ.
٥٢

وأمَّا حذف حرف الجر وانتصاب مجروره فقد وصفه السمين بأنه ضعيف
لا يجوز إلا في ضرورة(١) نحو:
وأُخْفي الذي لولا الْأُسْى لَقَضَانِي
ولكن المؤلف قد يعترف بالقاعدة حين يجد من السماع الشعري المطّرد
ما يقف أمام الاعتراض عليها، فقد وصف مذهب الكوفيين في جواز حذف
الضمير إذا جَرَتْ الصفة على غير مَنْ هي له بأنه حسن(٢)، ودعم هذا
المذهب بشواهد من الشعر الفصيح نحو:
قَوْمِي ذُرا المجدِ بانُسوها
ثم يقول: ((فكثرةُ ورودٍ هذا دليلٌ على جوازه))(٣).
أَمَّا ما يتعلق بالشعر المولَّد فقد ساد منهجُ رفضِه لدى نحاة العربية
كافةً متقدِّمِهم ومتأخّرِهم، وذلك نابع من خشيتهم أن يكون اللحن قد طرأ
عليه، غير أنَّ المتأخرين كانوا يكثرون من الاستئناس به سواء نصُّوا عليه بأنه
مُؤَلَّد أم سكتوا عن ذلك، وكان السمين أحد هؤلاء الذين يدعمون آراءهم بهذا
الشعر لا على سبيل الاستشهاد، وإنما على سبيل الاستئناس ولا يَجِدُون
غضاضة من ذلك.
أَمَّا لغاتُ العرب ولهجاتها وأمثالها فقد كانت مَعيناً ثَرّاً للعلماء في إحكام
قواعدهم النحوية والصرفية، وكان السمين يَعْتَدُّ بها، ويُخَرِّج عليها كثيراً من
الأعاريب والآراء التي يعرضها، إلا إذا كانت نادرة شاذة فيرفضها. فقد ادَّعى
أبو البقاء أنه ليس في الكلام ((هَيْمَنَ))، فردَّ عليه السمين بأن أهل اللغة
(١) الورقة ٢٨٩ ب.
(٢) الورقة ٢٠١ ب.
(٣) الورقة ٨٣ ب.
٥٣

نقلوها(١)، وأثبت الاختلاس والإِسكان بعد المتحرك لغةً عن بني عُقَيل وبني
كلاب، وخَرَّج عليها بعضِ القراءات(٢). وأثبت كذلك تسكين الهاء في الوصل
لغةً عن العرب يقولون: (لَهْ مال)) بالإِسكان، ويتخذها كذلك دليلاً لبعض
القراءات(٣)، وينقل لغة هذيل عَصَيَّ في عَصَاي، وذلك بقلب الألف ياء
وإدغامها في ياء المتكلم ويُخَرِّج عليها بعض الأشعار والقراءات (٤).
وكثيراً ما كان السمين يعتمد الأمثال العربية مورداً آخر لبناء القواعد وقد
يستأنس بها في مَعْرِض مفردات الألفاظ القرآنية وأصولها ..
٢ - القياس: وهو من أصول الصناعة، عمليةٌ فكرية يقوم بها مَنْ
ينتمي إلى جماعة لغوية ويجري بمقتضاها على الاستعمال المطّرد في هذه
الجماعة(٥)، وقد اعتمده النحاة في إغْناء صناعتهم وإثراءِ مباحثهم، ومن
أمثلته في ((الدر المصون)) أن المؤلف يلجأ إليه في تأييدهِ مذهب الكوفيين في
جواز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض، ويَعُدُّه دليلاً مِنْ
أدلَّة جواز المسألة ويقول: ((وأما القياس فلأنه تابعٌ من التوابع الخمسةِ،
فكما يؤكّد الضمير المجرور ويُبْدَلُ منه فكذلك يُعْطَفُ عليه))(٦).
وهل يجوز حَذْفُ أحد الحرفين المضاعفين نحو أَحَسْتُمْ فِي أَحْسَسْتُمْ؟
ينقل المؤلف مذاهب النحويين في المسألة، وأن بعضهم يقيسه في عين كل
فعل مضاعفة اتصل به تاء الضمير أو نونه، ويحكي ذلك عن قبيلة سُلَيْم (٧).
(١) الورقة ٢٤٧ أ.
(٢) الورقة ١٨٣م.
(٣) الورقة ١٥٨ أ.
(٤) الورقة ٥١ من نسخة ج.
(٥) انظر: القياس ص ١ لـ منى توفيق.
(٦) الورقة ٨٣ ب.
(٧) الورقة ١٩٨م.
٥٤

ويرى الفارسي جواز أَنْ يَحُلُّ الإِعراب مَحَلَّ النون مع الياء فيما جرى
من جموع السلامة مَجْرَى المكسِّر كبنين وسنين، نحو جاء البنينُ، وهل يجوز
ذلك مع الواو؟ قال السمين: ((إن القياس يأباه لأن ثمَّة فرقاً بينه-حال كونه
بالیاء - وبین کونه بالواو))(١).
ويلتزم المصنف بمنهج البصريين في أنه لا يُقاس على النادر، وإنما
يُقاس على المطَّرد الكثير، فقد رفض أن تكونَ صيغة ((فاعِل)» مراداً بها المصدر
نحو: عائذاً بالله بمعنى عياذاً، ثم قال: ((ولم تَصِرْ هذه الحروفُ من الكثرة
بحيث يسوغُ القياس عليها))(٢)، كما يرفض القياس على بعض الشواهد التي
جاءت فيها ((أَنْ)) الناصبة عاملة وهي محذوفة، ثم يقول: ((إلا أنَّ هذا غير
مقيس))(٣). ومن هذا القبيل رَفْضُه أن يأتي ((فعيل)) الوصف مجموعاً على فُعَلَة
نحو: كَمِيّ وكُماة ويقول: ((إنه من الندور بحيث لا يُقاس عليه))(٤).
٣ - الاستصحاب: وهو أصلٌ من أصول الصناعة ويُعَرِّفونه بأنه ((إبقاء
حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل)
وهو من الأدلة المعتبرة(٥). ونلمح الركون إليه في کثیر من نصوص الكتاب،
فالمؤلف يُفَضِّل البدلَ على الوصف في الأسماء الموصولة قائلاً: ((فإنَّ الوصفَ
بالموصول على خلاف الأصل لأنه مؤولٌ بالمشتق وليس بمشتق))(٦)، وزعم
الفراء أن ((توراة)) وزنها ((تَفْعِلة)) فَأُبْدِلَتْ الكسرة فتحة. وردَّ عليه البصريون بأن
هذا البناء قليل، وأنه يلزم منه زيادة التاء أولاً، والتاء لم تُزَد أولاً إلا في
(١) الورقة ٢٦٥ أ.
(٢) الورقة ٢٩٠أ.
(٣) الورقة ٢٤٨].
(٤) الورقة ١٣٧ ب.
(٥) الاقتراح ٧٢؛ لمع الأدلة ١٤١ .
(٦) الورقة ٢٥٢ ب.
٥٥

مواضع محصورةٍ بخلاف قلبها في أول الكلمة فإنه ثابت، وذلك أن الواو إذا
وقعت أولاً قُلِبَتْ همزة نحو: أُجوه، أوتاء نحو: تُجاه، ثم يقول السمين:
(واتِّبَاعِ مَا عُهِدَ أَوْلَى منَ اتِّاعِ ما لم يُعْهَدْ))(١).
ويُضَعِّفُ مجيء الكاف زائدة، ويقول: ((وفيه ضعفٌ لأن الأصل عدم
الزيادة))(٢)، ويعتقد في بعض الأعاريب أن الأصل في الحال أن تكون منتقلة
ويقول: ((ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل))(٣).
وبهذا ننتهي من دراسة مذهب المؤلف في كتابه بعد أن عرضنا موقفه
من المدارس النحوية ورأينا أنه كان بَصْرِيَّ الاتجاه في معظم آرائه، ووجدناه
شديدَ الالتزام بالقراءات المتواترة والصناعة وظاهر النص، ثم كشفنا عن موقفه
من أصول الصناعة: السماع والقياس والاستصحاب.
٥ - موقفه من القراءات:
تشغل القراءات القرآنية حَيِّزاً عريضاً من كتاب ((الدر المصون))، وهذا
يعكس اهتمام المؤلف بعرضها وتخريجها والإفادة منها، وقد ذكرنا في منهجه
أنَّ الرجل كان حريصاً على استيفاءِ مادتها مفصّلةً مهما كثرت أشكالها وتَعَدُّد
القائلون بها، ولكنه كان يُنَبِّه القارىء على أن هذه القراءات لا يمكن أن تأتي
على الاختيار والاجتهاد، وإنما هي روايات تناقلها القوم بالسماع والمشافهة ،
وهو في هذا مرهف الحساسية تجاه عبارات قد تصدر من القراء في هذا
الصدد، فأبو عمرو يصرح أنه قرأ ﴿فَرُهُنّ مقبوضةٍ﴾ (٤) بضم الراء والهاء بدون
ألف، وذلك للفصل بين الرُّمان في الخيل وبين جمع رَهْن في غيرها،
(١) الورقة ١٢٤ أ.
(٢) الورقة ١٠٣ ب.
(٣) الورقة ٨١ ب.
(٤) البقرة: ٢٨٣.
٥٦

ويتعقب السمين هذا الحكم قائلاً: ((ومعنى هذا الكلام أنما اخترت هذه
القراءة على قراءة رهان، لأنه لا يجوز له أن يفعل ذلك كما ذكر دون اتِّباع
روایة»(١).
وقد استخدم المؤلف القراءاتِ شاذَّها ومتواترَها في الاحتجاج على نحوٍ
واسع: فقد زعم بعضهم أن لفظة ((الدَّوْلة)) بالفتح تقال في الحرب والجاه،
وبالضم تقال في المال، وردّ السمين هذا القول ((بأن هذا تردُّه القراءتان في
سورة الحشر، فقد قرأ الجمهور هناك بالضم، وقرأ السلمي بفتح الدال»(٢).
وهذا يعني أن الضم والفتح يجريان على معنى واحد، ولا داعي لتفصيل
الزاعم .
وحين ادَّعى بعضهم أن الإِشباع لا يكون إلا في ضرورة ردًّ عليهم بأن
هذا وارد في القراءات السبع(٣).
ويردُّ المؤلف ما فَرَّق به بعضهم في مضارع ((نفر)» حين زعموا أنه يقال:
نَفَر الرجل ينفِر بالكسر، وَنَفَرَتْ الدابة تنفُر بالضم، ففرَّقوا بينهما في
المضارع، فرد عليهم هذا الزعم بقراءة الأعمش: ((فانفُروا))، ((أو انفُروا)) بالضم
فيهما (٤).
وقد يتقوَّى بالقراءات شاذِّها ومتواترها حين يعزم على توجيه بعضٍ
الأعاريب التي يقررها في الآية، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا ميثاقَ بني
إسرائيل لَا تَعْبدون إلا الله﴾(٥) وجوه كثيرة في الجملة المنفية، منها: أن تكون
(١) الورقة ١١٨ ب.
(٢) الورقة ١٧٩ ب.
(٣) الورقة ١٨٤).
(٤) الورقة ٢١٣ أ؛ الآية ٧١ من النساء.
(٥) البقرة آية ٨٣.
٥٧

في محل نصب بقول محذوف وتكون خبراً في معنى النهي. قال المؤلف:
(ويؤيُّده قراءةُ أُبَيّ: ((لا تعبدوا)) على النهي))(١).
وفي قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحيُّ القيوم﴾(٢) توجيهات كثيرة
في لفظة ((الحيّ))، منها: أن تكون صفة لـ ((الله))، قال المصنف: ((وهو أجودها،
لأنه قرىء بنصب ((الحيَّ القيومَ)) على القطع، والقطع إنما هو في باب
النعت))(٣).
وثمة قراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَان ذو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسُرِهِ﴾(٤)
بضم السين مضافاً لضمير الغريم، وقد خَرَّجها أبو البقاء بأن يكون الأصل:
ميسوره، فخفف بحذف الواو، قال السمين: ((وهذا قد يتأيَّدُ بقراءة عبدالله
((مَيْسُوره)) بإضافة ميسور للضمير))(٥).
ومن منهج المصنف في القراءات أنه يحاول أن تكون ثمة وحدة معنوية
وصناعية بين القراءات المتعددة للكلمة الواحدة، لأن الأصل هو التوافق
فيما بينها. ومن هذا القبيل ما نجده لدى حديثه عن قراءة الجمهور: ﴿فَبُهِت
الذي كفر﴾(٦) مبنياً للمفعول، وقراءة ابن السَّمَيْفَع: ((فَبَهَتَ)) بفتح الباء والهاء
مبنياً للفاعل، فهو يُخَرِّجُ القراءة الأخيرة بأن يكون الفعل لازماً والموصول
فاعلًا، والمعنى معنى بُهتَ، قال: ((فتتحد القراءتان)) (٧).
(١) الورقة ٣٤أ.
(٢) البقرة آية ٢٥٥.
(٣) الورقة ١٠٢ أ.
(٤) البقرة آية ٢٨١.
(٥) الورقة ١١٣ ب.
(٦) البقرة آية ٢٥٨ .
(٧) الورقة ١٠٣ ب.
٥٨

وفي قوله تعالى: ﴿لَم يَتَسَنَّهِ﴾(١) قرأ حمزة والكسائي بالهاء وقفاً
وبحذفها وصلاً، والباقون بإثباتها في الحالين، قال السمين: ((فأما قراءتهما
فالهاء فيها للسكت، وأما قراءة الجماعة فتحتمل أن تكون أيضاً للسكت،
وإنما ثبتت وصلاً إجراء للوصل مُجرى الوقف))(٢) وبهذا يكون قد عقد اتفاقاً
بين القراءتين.
وقرأ ابن عباس: ﴿نَنْشُرها﴾(٣) بفتح النون وضم الشين والراء المهملة،
وقرأ الحَرَمِيَّن (نُنْشِرها)) بضم النون وكسر الشين والراء المهملة، ويُخَرِّج
المؤلف هاتين القراءتين بقوله: ((فأَمَّا قراءة الحرمين فمِنْ أنشر الله الموتى،
بمعنى أحياهم، وأما قراءة ابن عباس فيمِنْ نشر ثلاثياً، ويكون بمعنى أَفْعل
فتتحد القراءتان)»(٤).
وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ((رسالاتِهِ)) جمعاً في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
لم تفعلْ فما بَلَّغْتَ رسالَتَه﴾(٥)، والباقون بالإِفراد، قال: ((ووجهُ الجمع أنه
عليه السلام بُعِثَ بأنواع شتى من الرسالة، والإِفراد واضح لأن اسم الجنس
المضاف يَعُمُّ جميع ذلك، وقد قال بعض الرسل: أُبلِّغُكم رسالات ربي،
وبعضهم قال: رسالة ربي اعتباراً بالمعنيين))(٦).
وفي صدد تقسيم القراءات إلى شاذ ومتواتر، نودُّ لو نفرد الحديث عن
موقف المؤلف من كل منهما:
(١) البقرة آية ٢٥٩.
(٢) الورقة ١٠٤ ب.
(٣) البقرة آية ٢٥٩.
(٤) الورقة ١٠٥).
(٥) المائدة آية ٦٧.
(٦) الورقة ٢٦٣ أ.
٥٩

( أ) المتواتر:
ذكرنا في أثناء الحديث عن التزامية السمين أنه كان يقف موقف المدافع
عن القراءات المتواترة، وأنه يهاجم مَنْ يُضَعِّفُ شيئاً منها، كما أشرنا إلى أنه
يرفض فكرة الترجيح فيما بينها، وأنه كان يردِّد دائماً أن هذه القراءات سُنّة،.
فلا يجوز أن يعترض على أيّ قارىء ولو خرج عن قياسه، ونضيف هنا أن
الكتاب مليء بتوجيه القراءات المتواترة عندما تختلف فيما بينها، فقد سار في
دعمها دعماً علمياً يتناسب مع مكانتها وتواترها الموثوق إلى الرسول صلى الله
عليه وسلم، ومن هنا كان التزام المؤلف بها التزام البصير الواعي البعيد عن
العاطفة والهوى، ولذلك نجده يحشد في سبيل ذلك كل ما آتاه الله من ثقافة
واطّلاع على لغة العرب وأصولها وطرائقها في التعبير.
ومن ذلك أن أبا عمرو قرأ قوله تعالى ﴿فتوبوا إلى بارتْكم﴾(١)
بالتسكين، ولذلك طعن عليها بعضهم، قال السمين ((إِنَّ مَنْ يطعن عليها
جاهل بأشعار العرب، فإِنَّ السكون في حركات الإِعراب قد ورد في الشعر
كثيراً)) ثم يسرد طائفة من الأبيات دليلاً على ما يقول. (٢)
ويتعرض لمذاهب القراء في همز ((النبوّة)) وما تصرف منها: فنافع على:
الهمز والباقون بتركه، ثم يُخَرِّج مذهب الفريقين من القرَّاء، ويَرُدُّ على مَنْ
طعن على رواية الهمز ويقول: ((إن أبا زيد حكى نَبَأْتُ من أرض كذا إلى أرض
كذا أي: خرجت، فعندما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قول القائل:
(يا نَبِي ءَ الله)) فإنما يعني نهيَه عمَّا تُوهم به هذه الكلمة من معنى الطرد،
أو يكون هذا حَضَّأَ منه عليه السلام على تَحَرِّي أفصح اللغات))(٣).
(١) البقرة آية ٥٤.
(٢) الورقة ٦٠ من نسخة ع.
(٣) الورقة ٦٦ من نسخة ج.
٦٠