النص المفهرس

صفحات 21-40

دراسة الكتاب
١ - مصادر الكتاب.
( أ ) المصادر الرئيسية .
(ب) المصادر الثانوية .
٢ - منهج الكتاب.
٣ - أهمية الكتاب.
٤ - مذهب المؤلف.
( أ) بين المدارس النحوية: البصرة والكوفة.
(ب) الالتزام: بالقراءات، بالصناعة، بالظاهر.
(ج) مِن أصول الصناعة: السماع، القياس، الاستصحاب.
٥ - موقفه من القراءات:
( أ ) المتواترة.
(ب) الشاذّة .
٦ - موقفه من المعربين:
( أ) أبي البقاء.
(ب) ابن عطية .
(ج) أبي حيان.
( د) الزمخشري .
٧ - المفسر.
٨ - خاتمة .

١ - مصادر الكتاب:
تؤلف النقول المختلفة المادة الرئيسية للكتاب، وهذا في الحقيقة شأنُ
معظم كتب المتأخرين، الذين وجدوا تراثاً ضخماً يتميز بالتكامل والنضج،
فكنت لا تجد في كتبهم - غالباً - اجتهاداتٍ جوهرية فيها شيء جديد، وإنما
تراهم يختارون ما ترتاح إليه اتجاهاتهم. ومن هنا فإن أهمية هذا الكتاب تبدو
في مادة الجمع والتنسيق، وليس في أنه يمثل مذهباً متميزاً لأحد علماء النحو
الذين قَدَّموا شيئاً جديداً في إطار هذا العلم. وبعبارة أخرى فإن
الباحث المعاصر يطّلع من خلال هذا الكتاب على تراث النحو القرآني من
نافذة عريضة، فيقرأ فيها حوار العلماء عبر القرون الطويلة السالفة وما قالوه في
كتاب الله، ولا يلمح اجتهادات يستطيع أن يسميها بهذه الكلمة، وذلك على
نحو ما نقرأه للفحول المتقدمين.
ولمَّا كان الكتاب مشحوناً بالنقول والآراء فإنّنا نَوَدُّ لونقسم هذه النقول
إلى : مصادر رئيسة ومصادر ثانوية.
( أ) المصادر الرئيسة:
ويأتي كتاب ((البحر المحيط)) لأبي حيان في الدرجة الأولى من مصادر
الكتاب، حتى إن بعضهم ما كان يرى في كتاب («الدر المصون)) شيئاً جديداً
لا يراه في كتاب أبي حيان(١)، وهذا فيه طرف من المبالغة، ولكنه في
الحقيقة يشير إلى ما لاحظه الناس من هذا التأثّر الكبير بكتاب ((البحر))، فقد
كان السمين يقتبس من أبي حيان كثيراً من الشروح اللغوية
(١) انظر: كشف الظنون ١٢٢/١.
٢٣

للمفردات القرآنية، وكثيراً من آراء العلماء حول وجوه الإِعراب، وقد يَرُدُّ على
رأيٍ ضعيف بالرد الذي رآه أبو حيان، وقد لا يشير إلى ذلك.
ومن مظاهر تأثره بكتاب البحر اقتباسه الشواهد المختلفة منه، حيث إن
أكثر هذه الشواهد نلقاها في ((البحر)) دليلاً على الموضوع الذي يعرضه الشيخ
وتلميذه، أو تكون مادة للمناقشة والرد أو القبول.
غير أن هذا لا يعني أن كتاب ((الدر)) نسخة ثانية لكتاب ((البحر))، وذلك
لاختلاف منهج الشيخين، الأمر الذي سنعرض له في أثناء الموازنة التي
عقدناها بينهما.
ويأتي كتاب ((المحرر الوجيز)) لابن عطية في الدرجة الثانية من مصادر
المؤلف حيث إن هذا الكتاب - كما سنرى - يتميز بروح الاجتهاد والترجيح،
ولكن اعتماده عليه يختلف عن اعتماده على ((البحر))، فيأخذ من الأول مادة
المناقشة والأخذ والردّ، ويأخذ من الثاني مادة الحديث حول الآية وما تردّد
حولها من آراء، ومن هنا فهو يذكر ((المحرر)) ليناقشه في اجتهاداته .
ويُعَدُّ ((الكشاف)) من المصادر الرئيسة التي كان السمين يستقي منها
ويحاورها، وقد ورد اسم الزمخشري كثيراً في المناقشات الطويلة التي يخوض
فيها أبو حيان، فكان السمين يعرض هذه المناقشات، فيؤيد فريقاً دون فريق
أو يقف بينهما موقفاً وسطاً، وقد يقتبس السمين من ((الكشاف)) بعض المعاني
البلاغية من دون أن يكون لها مساس بالاعتزال، فإن كان لها تلك الصفة
رفضها وأخذ برأي أهل السنة.
ويأتي كتاب العكبري في المرتبة الرابعة من المصادر الرئيسة ولكنه
- كما سنرى - كان يعارضه في مجمل آرائه.
ونخلص من هذا إلى أن تلك المصادر تكمل بعضها في رسم الصورة
التي يريدها السمين، فهو إن أراد أن يذكر الآراء والصناعة النحوية التي تدور
٢٤

حول الآية عَرَّج على ((البحر))، وإن أراد اجتهاداتٍ طريفةً تحتمل المناقشة
اقتبس من ابن عطية وأبي البقاء، وإن أراد أن يغوص على المعاني والنظرات
البيانية أخلد إلى الزمخشري، ولعلنا لا نفتقد ورقة من الكتاب دون أن يَرِدَ فيها
ذِكْرٌ لأحد هؤلاء الأعلام.
(ب) المصادر الثانوية :
ذكرنا أن المؤلف عندما أراد أن يحقق الغرض المنشود من كتابه كان
أمامه تراث ضخم يدور حول النحو القرآني والآراء التي قيلت فيه، وقد اعتمد
المؤلف على ما سبقه من محاولات، فهو يستفيد من كتب الأعاريب فائدة
كبيرة، ومن الطبيعي أن تكون تلك الكتب مادة ثرة تغنيه وتدعم غرضه،
ونَخُصُ بالذكر ((المشكل)) لمكي، و((معاني القرآن)» للفراء، وأعاريب القرآن
للنحاس والتبريزي والمهدوي والزجاج والحوفي .
ويعتمد السمين أيضاً على كتب التفسير كالطبري والرازي، ولكنه
لم يكن يستقصي مادتها، وذلك لاختلاف منهج ((الدر)» عن منهج كتب التفسير
الأخرى، فهو مهتم بقواعد النحو وتخريج القراءات، بينما تنشد كتب التفسير
توضيح معاني القرآن الكريم دون أن تضع إعرابه ونحوه غاية رئيسة لها.
وفي مجال اللغة يَرِدُ كثيراً ذِكْرُ كتاب ((المفردات)) للراغب، وذلك في
مجال معاني الألفاظ القرآنية، وما ورد فيها من تفسيرات مختلفة، ويَرِدُ كذلك
ذكرٌ لكتاب ابن سِّيده، ((المخصص))، وكتاب ابن دريد ((الجمهرة)) وكتاب
الأزهري ((التهذيب)).
وفي القراءات يعتمد السمين على كتاب ((المحتسب)) لابن جني في ذكر
القراءات الشاذة وتوجيهها، وكتاب ((السبعة)) في القراءات لابن مجاهد في ذكر
القراءات المتواترة وإعرابها، وإلى جانبه كتاب ((الكشف عن وجوه القراءات))
السبع لمكي .
٢٥

ولا نغفل كتب النحو إلى جانب مصادره الثانوية، وكانت تهدف إلى
تقعيد العربية وإحكام أمر صناعتها، دون أن يكون غرضها الأول أعاريب
القرآن الكريم، وفي هذا الصدد قد تَرِدُ الإِشارة إلى كتاب سيبويه والمقتضب
للمبرد والخصائص لابن جني وكتب الأخفش والزجاجي وابن مالك.
ومهما يكن من أمر فإن اطلاعاً عابراً على الكتاب يؤكد ما قلناه من أن
شخصية المؤلف لا تبدو بقدر ما تبدو فيه الإشارة إلى هذا التراث الضخم
الذي اتخذ من القرآن الكريم محوراً ثابتاً لدَرْسه ونتاجه.
٢ - منهج الكتاب:
يشير السمين الحلبي في مقدمته إلى ضرورة فهم معاني كتاب الله
وبيان أغراضه ((فليس المرادُ حفظَه وسَرْدَه من غير تأمُّلٍ لمعناه ولا تَفَهُّمِ
لمقاصِدِهِ))(١)، ثم يقول: ((فَالْأُولى بالعاقلِ الأريبِ والفَطِنِ اللبيب أن يَرْبَأَ
بنفسِهِ عن هذِه المنزلة الدنيَّة))، وهو يُقِرُّ بأَن العلماء قد قاموا لتحقيق هذه
الغاية وخدمتها ويقول: ((وقد أكثر العلماء - رحمهم الله - من البحث عن
ذلك واهتموا به غايةً الاهتمام))، ولكنه يلاحظ ضرورة تأليف مصنف يجمع
علوم القرآن، ويرى أنها خمسة علوم: الإِعراب والتصريف واللغة والمعاني
والبيان، وهو عندما يُحَدِّدُها بهذا التحديد إنما يشير بذلك إلى اختصاصِه
وطبيعة اتجاهه، ولكنه يُحِسُّ بأن العلماء كانوا يبحثون هذه العلوم بحثاً
منفرداً، بمعنى أنَّ منهم مَنِ اقتصر على ذكر الإِعراب فقط، ومنهم مَنِ اقتصر
على علم مفردات الألفاظ فقط، وترك شيئاً كثيراً من علم التصريف، ومنهم مَنْ
اقتصر على دراسة نظمه وبلاغته. ثم يرى أن هذه العلوم متجاذبة شديدة
الاتصال بعضها ببعض، ويدعم هذا الرأي بقوله: ((فإِنَّ مَنْ عرف كون هذا
(١) الورقة ١).
--
٢٦

فاعلا أو مفعولاً أو مبتدأ مثلاً، ولم يعرف كيفيَّة تصريفه ولا اشتقاقه، ولا كيف
مَوْقِعُهُ من النظم لم يحقق الغاية المرجوة)).
ويصرِّح السمين في مقدمته بأنَّ هدَفَه إنما هو جَمْعُ أطراف هذه العلوم
من كتب القوم، فهو يُقِرُّ بأن عقلية الجمع قد سيطرت عليه منذ البداية،
والكتاب بمجمله شاهد على ذلك، فنحن كثيراً ما نقرأ عبارة: ((وفيها عشرة
أوجه، وفيها عشر قراءات)).
ولم يكن المؤلف ليتعدَّى غرضَه إلى العلوم الأخرى غيرِ الخمسة
المذكورة، كما صنع أبو حيان وغيره، فهو لا يهتم مثلاً بعَرْضِ أسباب النزول
إلا إذا احتاج تقدير الإِعراب إليها، ولم يكن مهتماً بالتفسير والفقه إلا بالقدر
اليسير حيث يكون ثمة ضرورة، وهو في سبيل تحقيق غايته قد يسرد بعض
الآراء الغريبة أو الضعيفة، ويعلل هذا بقوله: ((ومقصودي بذلك التنبيهُ على
ضعفه حتى لا يَغْتَرَّ به مَنِ اطلع عليه))(١)، ففي قوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم
فَوَّلُّوا وجوهكم شَطْرَه، لئلا يكونَ للناس عليكم حُجَّةٌ إلا الذين ظلموا
منهم﴾(٢) قال بعضهم: إنَّ ((إلا)) بمعنى ((بعد))، فتعقب السمين هذا الرأي
بقوله: ((وهذا من أفسد الأقوال وأنكرها، وإنما ذكرته لغرض التنبيه على
ضعفه))(٣). وفي قوله تعالى: ﴿فلا جُنّاح عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بهما﴾(٤) قال بعد أن
أعرب الآية: ((وأجازوا بعد ذلك أوجهاً ضعيفة منها ... )) فيذكرها ويبيّن
ضَعْفَها، ثم يقول: ((وهذان القولان ساقطان، ذَكَرْتُهُما تنبيهاً على
غلطهما))(٥).
(١) الورقة ١ أ.
(٢) البقرة آية ١٥٠.
(٣) الورقة ٥٩ ب.
(٤) البقرة آية ١٥٨.
(٥) الورقة ٦٠ ب.
٢٧

هذا في أعاريب الآية، أما في قواعد اللغة الصناعية فهو قد لا يشير إلى
آراء متعددة، وإنما يكتفي - كما قال -: ((بالمختار عند أهل تلك الصناعة))،
ولكنه قد يذكر اعتراضاتِهِ على هذا المختار أو دلائلَه وتعليلَه.
وقد يستوفي الكلام في مسألة نحوية ويعلل ذلك بكثرة دَوْرها: ففي
مسألة ((إلا)) وهل يُسْتَثنى بها شيئان دون عطف أو بدلية؟ نراه يتناول المسألة
من أطرافها كافة، ويختم تحقيقه بقوله: ((وإنما استوفيت الكلام في هذه
المسألة لكثرة دورها))(١).
وتنثال التفاصيل على ذهن المؤلف، ولكنه قد يتوقف عن الخوض فيها معلِّلاً
ذلك بخوفِ السآمة والملل، وأَنَّ الكتاب غير موضوع لفن واحد فقط، ففي
قوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ والدة بولدها﴾(٢) يقول بعد تفصيل منتشر: ((ولولا
خوف السآمة وأن الكتاب غير موضوع لهذا الفن فقط لذكَرْتُ ما تحتمله هذه
الآية الكريمة» (٣).
وإذا كان المؤلف قد أحسَّ بتفريع المسألة وكونها تحتمل المزيد من
الإشباع نراه يحيل القارىء إلى كتب النحو، ليجد هناك ما يكمل الصورة
أو يعززها، أو يحيل القارىء إلى موضع آخر من الكتاب، ففي أفعل التعجب
يقول: إنهم اختلفوا في نصب الاسم بعده، هل هو مفعول، أو مشبه به؟ ثم
يقول: ((ولهذه المذاهبِ دلائلُ واعتراضاتٌ وأجوبةٌ ليس هذا موضوعَها))(٤).
وبعد أن ذَكَرَ بعض المذاهب في لفظة ((أُخَر)) يعتذر عن المزيد من التفصيل،
ويقول: ((ولهذا موضعٌ هو أليقُ به من هذا))(٥). وفي لفظة ((سَحَر)) يقول:
(١) الورقة ٨١ ب.
(٢) البقرة آية ٢٣٣ .
(٣) الورقة ١٩٣.
(٤) الورقة ٦٥ ب.
(٥) الورقة ٦٨ ب.
٢٨

((وَسَحَرُ فيه كلام كثير يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى عند ذكره، إذ هو الأليق
به)»(١)، وفي حديثه عن لام الجحود يشير إلى مذاهب النحويين فيها، ثم
يقول: ((ولهذه الأقوال دلائل واعتراضات مذكورة في كتب النحو، استغنيتُ
عنها هنا بما ذكرته في شرح التسهيل))(٢).
وقد يُشْبعُ البحث في مسألة من مسائل العربية، حتى إذا ما تكررت
اكتفى بالإِشارة إليها، وإن بَعُدَ العهد بها ذَكَرَ ما ينبِّه عليها، فقد أعاد ذكر
مسألة رفع الجار والمجرور والظرف للفاعل وشروطها بعد فترة طويلة من
عرضها الأول ثم قال: ((وقد تقدَّم تحرير هذا، وإنما أَعَدْتُه لِبُعْدِ عَهْدِهِ)(٣)،
كما أعاد إعراب مثل قوله تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾(٤) قائلًا: ((وإنما أَعَدْتُهُ
تذكرةً به فعليك بالالتفات إليه»(٥).
ويذكر السمين في مقدمته أنه مهتم بإيراد المناقشات الواردة بين
العلماء، فهو لا يكتفي بعَرْض أقوالهم، وإنما نراه يحاورهم ويصول معهم
ويجول، وسوف نجد طائفة من الأمثلة على ذلك لدى عرض مذهبه، ولكنه
يصرِّح بأنه كان يركّز على جماعة منهم كالزمخشري وأبي حيان وأبي البقاء
لأنهم كما يقول: ((أَعْنَى الناس بما قَصَدْتُه وأغناهم))(٦).
وفي خاتمة مقدمته يُعْلِمُ القارىء بما كابده في تأليفه فيقول: ((وهذا
التصنيف في الحقيقة نتيجة عمري وذخيرة دهري، فإنه لُبُّ كلامِ أهل هذه
العلوم)).
(١) الورقة ١٤٣).
(٢) الورقة ١٩٠ ب.
(٣) الورقة ١٣١].
(٤) آل عمران آية ٦٦.
(٥) الورقة ١٥٥ أ.
(٦) الورقة ١ أ.
٢٩

ونستطيع الآن أن نرسم صورة تقريبية عملية لمنهجه بما يلي:
يبدأ أولاً بذكر ألفاظ الآية فيقول مثلاً: ((قوله تعالى: الحمد)»، ثم يسير
مع هذه اللفظة من جانب اللغة والاشتقاق والمعنى، وما تحتمله من دلالات
في الآية وخارجها، ويدعم عَرْضَه بالشواهد المختلفة، ثم يبيّن قراءاتها على
نحو مجمل، وبعد ذلك يناقش كل قراءة، وما اختاره من تخريجات فيها، ثم
يُعْربها ويبيِّن أقوال العلماء وآراءهم.
وإذا صادف فيما يقرره مناسبة للتفصيل في باب من أبواب النحو نراه
يمضي فيه، فيدعُ ما هو فيه من إعراب للآية ليقعِّدَ البحث ويذكر أصوله
وأشكاله، ولولم يكن لهذه الأصول والأشكال صلة بإعرابه المعين للآية، وإذا
انتهت بضاعته من لفظة («الحمد)) ينهض في تاليها من الألفاظ على الطريقة
نفسها .
وقد يبدأ بذكر أكثر من كلمة من الآية، ولكننا لا نراه يتعدى ما أشربًا
إليه، وهو في هذا يختلف عن أستاذه صاحب ((البحر)) الذي كان يقسِّم السورة
إلى طائفة وزمر من الآيات، فيشرع أولاً بالحديث عنها من جانب اللغة
والاشتقاق، حتى إذا ما انتهى من مجموعها ذكر إعرابها وعلومها
الأخرى.
والسمين يلتزم التنظيم والدقة في تَغْطِيَةِ علوم الآية التي هو بصددها،
فهو إن كان يعالجها معالجة لغوية أفرغ كل ما عنده حتى لا يعود إلى اللغة مرة
أخرى، وإن كان يرصد قراءاتها نراه يرسم كل مادته، حتى إذا ما أشبع
الحديث عنها انتقل إلى جانب آخر من الآية، ولم يكن يدع الآية الواحدة دون
أن يمر بها لغة أو نحواً أو صرفاً أو بياناً، ولا سيما آيات البقرة التي كان
يعالجها بأناة وصبر، صحيح أنه في الإِعراب يدور حول المُشْكل منه، ولكن
يبدو أن فهمه للإشكال كان مرهفاً حساساً، فلا يدع شيئاً تعرَّض العلماء له
دونَ أن یشیرَ إلیه.
٣٠

ومن ناحية أخرى يهتم المؤلف بنسبة الأقوال إلى أصحابها، ومن هنا قد
نجد في الصفحة الواحدة أكثر من عشرة أعلام، وإلى جانب كل عَلَمٍ ما رآه
مِنْ رأي أو ذهب إليه من مذهب، غير أننا بالتتبع الدقيق لما يورده ثبت لنا أن
الرجل قد يضمِّن كتابه نقولاً وآراء غير منسوبة إلى أصحابها، وسوف نذكر
أمثلة على ذلك لدى دراسة مذهبه.
وإذا عرض الرجل طائفة متعددة من الآراء والمذاهب كان يهتم بترجيح
ما يراه منها أو تضعيفه(١)، غير أننا لا نلاحظ منهج الترجيح أو ظهور أثر
شخصيته في سائر الآيات، وإنما قد يكتفي بأن يعرض الأقوال دون أن نلمس
أثراً لرأيه.
٣ - أهمية الكتاب:
لا ريب أن كتب الأعاريب تُمَثِّل عصارة علوم العربية فهي قد انطلقت
من آيات القرآن الكريم لتصبَّ في هذا المجرى الثر خلاصة جهودها وصفوة
مباحثها في مسائل العربية، وكتاب ((الدر المصون)) هو في الحقيقة مظهر مهمّ
لهذه الجهود التاريخية التي وصلتنا في هذا الحقل.
ولقد عرف المصنف كيف يستفيد من هذا التراث الطويل، فينسقه
ويرتبه ويجمع مادته ليضعها بين أيدي المهتمين في هذا العلم. وفي خلال
دراستنا لمنهج الكتاب أشرنا إلى أن الجمع والترتيب لما تردد حول إعراب
القرآن الكريم كانا موضع اهتمام المؤلف بالدرجة الأولى. ولعلنا في النقاط
التالية تكشف النقاب عن أهمية ((الدر»:
١ - يستطيع الباحث أن يطّلع على آراء العلماء المختلفة في إعراب
الآية، وما كان لهم من أقوال فيها، إذ كان السمين ينقل في كتابه معظم هذه
(١) انظر الورقة: ١٦٦ أ، ١٨٢ أ، ١٩٣ ١، ٢٢٠ ب، ٢٤٥ أ، ١٢٩٣.
٣١
۔۔

الآراء ضعيفها وقويها، مدعومة بأدلة أصحابها، فهو يمثل مرجعاً رئيساً في هذا
الجانب، على أنه لم يكن ليكتفي بالعرض دون أن يبين ما لها وما عليها من
وجهة الصناعة والمعنى، ومن هنا وصفه صاحب ((كشف الظنون)) بقوله: ((إِنَّهُ
أَجَلُّ ما صُنَّفَ في هذا الباب))(١).
٠ ٢ - الكتاب غني ببحوث النحو العربي، فهو وإن كان كتاب إعراب
مضى يتخذ من ذلك الإِعراب وسيلة ليضع بين أيدينا صورة حية لما استقر في
أذهان العلماء حول علم النحو وقواعده وما يتصل بمدارسه ونتائجه، فإذا ذكر
كلمة ((الاستثناء)) مثلاً نراه يعرِّفنا بضروبه المختلفة وشواهده وآراء العلماء فيه.
ومن هنا نستطيع أن نضيف الكتاب إلى مكتبة النحو التي تتميز بالتقعيد ودراسة
الأصول التي تعتمد عليها هذه الصناعة بعد أن بَدَتْ ناضجة محكمة البنيان.
٣ - يجد طالب مفردات اللغة بغيته في هذا الكتاب، فهو يلتقي
بتحليل مفصل لكلمات القرآن وأصولها واشتقاقاتها وتطورها واستعمالاتها . إنه
لا يقل أهمية عن كتاب الراغب ((مفردات القرآن)). وإذا صادف السمين مادة
لغوية متصلة بعلم الصرف كان لا يألو جهداً في عرض كل ما قيل فيها ما له
وما عليه .
٤ - يعود الباحث المهتم بالقراءات القرآنية وأوجه تخريجها إلى
(الدر)) ليلتقي بأصحاب هذه القراءات وكيف قرؤوا كتاب الله، وما السبل
التي اعتمدوها في ذلك؟ ومن النادر أن يغفل السمين قراءة ما: شاذة
أو متواترة. وقد نجد في الكتاب أكثر من عشرين قراءة لكلمة قرآنية ونجد إلى
جانبها آراء العلماء في توجيهها، ويقف السمين مرجحاً معلِّلاً مختاراً، حاكماً
عليها بروح العالم المتفهم لأبعاد اللغة وما تحتمله وما فيها من غزارة وتفريع.
(١) كشف الظنون ١٢٢/١.
٣٢

٥ - نلتقي في الكتاب بنصوص عديدة نادرة قد لا نجدها في غيره
لضياع أصولها عبر رحلة التاريخ، وقد أشرنا في منهجه أن المؤلف حريص
على الاقتباس والنقل عن علماء العربية والتفسير، والباحث حين يلتقي بمزيد
من الآراء قد يضيف بُعْداً جديداً إلى مذهب معين، وهذا ما يعين على
استكمال صورة البحث أو تعديل النتائج والنظرات.
٦ - يطّلع القارىء في الكتاب على طرائق البحث ومناهجه، ويتعرف
على أصول الحوار والمناقشة عند العلماء المسلمين، ولعل هذا نابع من خطة
السمين في كتابه، فهو لا يعرض المعلومات عرضاً دون أَخْذٍ وردٍ، وإنما نجده
يعمل رأيه ويرجُّح مذهبه، وهو ينشد هذه الغاية بالوقوف على ما يعرضه من
الآراء بذهنية العالم الناقد البصير بأسرار هذه اللغة وأساليب تعبيرها.
٧ - الكتاب غني بشواهد العربية، لقد ضم آلافاً من هذه الشواهد
حتى إننا لا نكاد نمرّ بشاهد نحوي وارد في كتب العربية إلا ونجده وارداً في
((الدر المصون)).
كما أننا نمر بكثير من الشواهد النادرة التي لا نقف عليها في كتاب
آخر وصل إلينا، ونستطيع أن نلتقي بآراء العلماء فيها، وكيف خَرَّجوها
أو اعتمدوها، وهذا يدل على سَعة اطلاع المؤلف واهتمامه بتعزيز مذهبه
أو الدفاع عنه.
٨ - نلمح في الكتاب كثيراً من الإشارات البلاغية، وهو وإن
لم يجعلها غايته قد عرض طائفة منها، وهذا في الحقيقة يعزّز من قيمة
الكتاب، فالقارىء فيه قد يطمح إلى التعرف على سر التعبير القرآني واختياره
المعين، والسمين وإن لم يكن فارساً بارعاً في هذا الباب - لأن الرجل مهتم
بقضايا النحو على نحو خاص - كان يقتبس كثيراً من النصوص البلاغية،
أو نجده يدرك أغوارها بنفسه.
٣٣

٩ - يؤلف الكتاب شاهداً واضحاً على المرحلة الأخيرة من مراحل
التأليف في الإِعراب القرآني والنحو العربي، لقد أصبح شُغْلُ أعلام هذه
الفترة أن يجمعوا آراء المتقدمين من ناحية، وينسقوا فيما بينها من ناحية ثانية
ويبينوا الضعيف والقويَّ منها من ناحية ثالثة. والكتاب خير معين على التعرف
على مرحلة مهمة من مراحل مسيرة النحو العربي وهي مرحلة الجمع
والتنسيق التي أشرنا إليها، فمن خلاله نقرأ الجهود المضنية الخصبة التي بذلها
العلماء في أثناء سبعة قرون .
١٠ - من المعلوم أن الإعراب إنما وُجد ليخدم المعنى ويسلط
الأضواء عليه، ومن خلال هذا الإِعراب نتعرَّف على تفسير الآيات وما قيل
فيها، وكيف درسها العلماء وبيَّنوا مدلولاتها، والكتاب يعين في جانب التفسير
وإن لم يكن يؤلف مرجعاً رئيساً فيه، لأن السمين كان نحوياً بالدرجة الأولى،
ولم يكن عالماً محققاً من علماء التفسير البارزين، ولكننا لا نعدم في الكتاب
كثيراً من المناقشات والآراء والحوار وما دار حول تفسير المعاني على نحو خاص.
٤ - مذهب المؤلف:
( أ) بين المدارس النحوية:
يلاحظ الدارسون لكتب النحو المتأخرة أنها تسير في اتجاه مذهبي
واحد يَتَّسم بوحدة الأصول والمصطلحات والقواعد، وكأن هذه الصناعة قد بدا
عليها النضج والاستقرار بعد مناقشات خصبة طويلة بين العلماء المتقدمين،
فنحو البصرة هو السائد الثابت، ونحو الكوفة بدا أنه قد أعياه السَّبْقُ فاعترف
للفارسِ الآخر ليصول ويجول، وذلك لأن البصريين ((أرادوا أن يضعوا أسس
علم وأرادوا لهذه الأسس أن تكون قوية))(١)، ومن هنا كانت رياحُ البصرة هي
الرياحَ الرائجة بعد استقرار علم النحو وهدوء الأخذ والرد فيه.
(١) انظر: مدرسة البصرة النحوية ١٤٦.
٣٤

والسمين في مُجْمَل ما يقرره من آراء وما يبثه من نظرات كان بصريَّ
الاتجاه وإن لم يكن يُصَرِّح ببصريته دائماً، فإذا أراد أن يعرض ما قالته
المدرستان الكبيرتان فهو الذي يخلد غالباً إلى رأي البصرة ويرتاح له، وفي الوقت
نفسه يُضَعِّف رأي الكوفة أو يرفضه من أساسه، هذا بالإضافة إلى أنه يُعْرِض
في كثير من الأحيان عن التصريح بمذهبية رأيه الذي رأى، ولدى تَتَبَّعِ هذا
الرأي في كتب القوم لن يصعب علينا نسبته إلى المدرسة الأم. ففي مسألة
(الاسم)) ذهب أهل البصرة إلى أنه مشتق من السمو، وذهب أهل الكوفة إلى
أنه مشتق من الوسم، ويتعقب السمين مذهب الكوفيين فيقول: ((وهذا وإن
كان صحيحاً من حيث المعنى ولكنه فاسد من حيث التصريف))(١). وعندما رأى
الزمخشري أن الألف واللام في قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماءَ كلَّهَا﴾(٢) هي
عوضٌ من مضاف إليه محذوف، والتقدير أسماء المسميَّات، يردُّ عليه بقوله:
((وفي قوله نظر، لأن الألف واللام لا يقومان مَقام الإضافة عند البصريين))(٣).
ويرى السمين أن الضمير المرفوع المنفصل ((أنا)» الاسم منه ((أن)»
والألف زائدة لبيان الحركة في الوقف(٤). وقد نصَّ مكي على أن هذا مذهب
البصريين، في حين أن الكوفيين يرون أن الاسم ((أنا)) بكماله(٥). غير أن
السمين عندما ارتضى مذهب البصريين لم نجده ينص على نسبته إليهم.
ومن هذا القبيل ما نجده في شَرْطَيْ ((مِنْ)) الزائدة: أعني أن تدخل على
نكرة، وأن تُسْبَق بكلام غير موجب. ومن المعروف أن هذين الشرطين إنما
يضعهما البصريون، غير أن السمين كان يقرر دائماً أن ((مِنْ)) مزيدة لوجود
(١) الورقة ٣ ب.
(٢) البقرة آية ٣١.
(٣) الورقة ٤٥ من نسخة ج.
(٤) الورقة ١٠٣ ب.
(٥) الكشف لمكي ٣٠٦/١.
٣٥

الشرطين في زيادتها، وبذلك يوافق على مذهب البصريين ولو لَمْ يَنْصَّ على
نسبة هذا الرأي اليهم(١).
وفي مسألة «اللهم» یری البصریون أن الأصل: يا الله ثم حُذِف حرف
النداء، وعُوِّض منه هذه الميم المشددة، ويرى الكوفيون أن الميم المشددة
بقية فعلٍ محذوف تقديره: أُمَّنا بخير، وبعد أن يعرض المصنف دليل
الفريقين ينتصر للبصريين ويقول: ((إن الأخذ بمذهب الكوفيين يجعل المعنى
فاسداً فبان بطلانه)»(٢).
وفي وزن ((مِّتٍ)) ونظائره يرى الكوفيون أن أصله ((مَوِيت))، ويرى
البصريون أنه مَيْوت، وبعد أن يذكر احتجاج الفريقين يستحسن ردًّ البصريين
ودليلهم، ويقول: ((وهو ردًّ حسن))(٣).
والبصريون لا يجيزون حذف الموصول لأنه جزء كلمة وما ورد خلاف
ذلك فهو مؤول على حذف موصوف، ويدلي المصنف برأيه فيرى أن تأويلهم
أولى، ويمضي ليدعم هذا الترجيح بالصناعة والسماع (٤).
وفي مسألة حذف الجواب من قوله تعالى: ﴿أَنْبتوني بأسماء هؤلاء إن
كنتم صادقين﴾(٥) يرى الكوفيون أَنَّ الجواب هو المتقدم، ويتعقب السمين
هذا القول بأنه مردود بقولهم: ((أنت ظالم إن فعلت)) لأنه لو كان جواباً لوجبت
الفاء معه، كما تجب معه متأخراً(٦).
۔۔
(١) الورقة ١٦٥ أ.
(٢) الورقة ١٣٦ أ.
(٣) الورقة ١٣٧ أ.
(٤) الورقة ٢١٠ أ.
(٥) البقرة آية ٣١.
(٦) الورقة ٤٥ من نسخة ج.
٣٦

ويرى الكوفيون أن إضمارَ ((أَنْ)) ينقاس، غير أن المؤلف يَعُدُّه غير
منقاس، وإن جاء في السماع فهو شاذ أو قليل، وذلك يجري على أصول
البصريين(١).
وفي وزن ((توراة)) يرى الكوفيون أنه تَفْعِلَة، ونجد السمين يتعقب هذا
الرأي ويرفضه، ويقول: ((لا حاجةَ إليه))، ويطالبهم بالدليل عليه قائلاً:
((وهو دعوى لا دليل عليها))(٢).
كما أن المؤلف يرفض زيادة الفعل، ويحكم على ما ورد من ذلك
سماعاً بأنه شاذ، وهذا أمرٌ يقيسه الكوفيون، ويجيزونه مطلقاً (٣).
ولَمّا كان علم النحو يعمل في مادة مرنة ابتدعتها عقلية بشرية رأينا أن
السمين قد يخرج عن قواعد البصريين ليؤيد الكوفيين، وذلك لأن المتأخرين
من النحاة لم يكونوا جامدين على الأسس البصرية يدورون حولها بمحور
ثابت، وإنما قد يخرجون عليها فيسيرون مع المدرسة الكوفية: ففي مسألة
العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض يصرح السمين بالتزامه
الرأي الكوفي الذي يُجَوِّز ذلك، ويناقش رأي البصريين، مضعِّفاً إياه بالقياس
والسماع مناقشة مستفيضة هادئة (٤).
وفي مسألة اسمية الكاف في بعض المواضع خرج السمين على رأي
البصريين الذين يمنعون اسميتها، وقال: إنها اسم، وإن كان جمهور البصريين
على خلافه(٥).
(١) الورقة ٣٤أ.
(٢) الورقة ١٢٤ ب.
(٣) الورقة ٢٩١ ب.
(٤) الورقة ٨٣ ب.
(٥) الورقة ١٠٣ ب.
٣٧

ويقف السمين من الكوفيين موقف المؤيد في موضوع جريان الصفة
على غير مَنْ هي له: هل يجب التصريح معها بالضمير؟ فهؤلاء لا يوجبون إذا
أُمِنَ اللَّبْس، والبصريون يوجبون، ويعرض المؤلف المسألة ويقول: ((وهذا
إنما يتمشّى على رأي الكوفيين وهو مذهب حسن))، ثم يمضي في دعم
المذهب الكوفي بالسماع الوارد قرآناً وشعراً(١).
ومن هذا القبيل تأييده لهم في جواز تقديم معمول الصفة على
الموصوف، الأمر الذي يرفضه البصريون الذين يرون أنه لا يتقدم المعمول إلا
حيث يتقدم العامل، ويرى المؤلف أن القاعدة البصرية لا تجري في شواهد
كثيرة منها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيمَ فلا تقهر﴾(٢)، وقد تقدَّم المعمول ((اليتيم))
على لا الناهية، والعامل هنا لا يجوز تقديمه عليها، إذ المجزوم لا يتقدم على
جازمه، وبذلك يكون المعمول قد تقدم حيث لا يُقَدَّمُ العامل(٣).
وإذا كان المؤلف في هذه الأمثلة قد ذكر المذهبين، ورجّح فيما بينهما،
ودعم رأيه بالأدلة المناسبة، فهو قد يُمْسك عن الترجيح، ويكتفي بعرض رأي
المدرستين وأدلة كل منهما فلا يظهر لنا أثر لشخصيته في اعتماد أحد
الرأيين (٤).
(ب) الالتزام والمحافظة :
· إذا تتبعنا نصوص: ((الدر المصون)»، وقرأنا أبعادها، يبدو لنا الرجل ملتزماً
محافظاً، سواء في القراءات القرآنية، أم في الصناعة النحوية، أم في ظاهر
النص. وقد تكون هذه النزعة نابعة من تتلمذه الطويل على أبي حيان شيخ
الالتزام والمحافظة .
(١) الورقة ٢٠١ ب.
(٢) الضحى آية ٦.
(٣) الورقة ٢١١ ب.
(٤) انظر أمثلة على ذلك في الورقة ٢٠ أ، ١١٩ ب، ١١٤٨.
٣٨

١ - القراءات: من المعروف تاريخياً أن القراءات القرآنية إنما نشأت
تعتمد السماع والمشافهة أساساً لها في تأدية دورها الذي قامت من أجله.
وهي نوعان: منها ما هو متواتر أجمعت الأمة على توثيقه، وعددها سبع أو عشر،
ومنها ما هو شاذ، وتصل إلى أكثر من عشرين قراءة. ويقف السمين من مجمل
هذه القراءات موقف الالتزام بها واحترام ما جاءت به، فإن كانت من قبيل
المتواتر قَبِلها قبولاً تاماً، ولم نره يسلك سبيل المنتقدين لبعض حروفها ولو مرة
واحدة، فكان يقف في خط مقابل من كثير من النحاة كالنحاس وأبي حاتم
والزجاج والزمخشري، أولئك الذين سهل عليهم أن يسرعوا إلى تخطئة القراءة
السبعية المتواترة عندما يخيل إليهم عدم جريانها على صناعتهم النحوية
أو اللغوية. لقد وقف السمين من هؤلاء - كما سنرى - موقفاً صلباً كل
الصلابة، لا يعرف المرونة ولا يعهد اللين، وسوف نجد مصداق كلامنا هذا
حين نعرض الأمثلة المختارة من كتابه.
أما القراءات الشاذة فكان المؤلف فيها على خط الالتزام والمحافظة
يحاول أن يدافع عنها بكل ما أوتيه من ثقافة واسعة بقواعد اللغة وأصولها
ر وشواهدها، حتى إذا ما أقفرت بضاعته لم يملك إلا أن يحكم عليها بالشذوذ
وأنها لا تملك نظيراً لها، هذه هي الخطوط العريضة لالتزامه هذا، ولنحاول
الآن أن نتلمس الآثار والبصمات من خلال ((الدر المصون)).
ذكرنا أن بعض النحاة كان لهم موقف الانتقاد من بعض القراءات
المتواترة، فزعموا أنها لحن، ولكن المؤلف كان يعترض عليهم هذه الجرأة،
فيبيِّن زيف أحكامهم، ويمضي ليفند هذا الزعم بما يراه مناسباً: فالزمخشري
يحكم على قراءة ورش - أشهر رواة نافع - بإبدال الهمزة الثانية ألفاً محضة
من قوله تعالى: ﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾(١) بأنها لحن، بحجة أنها تؤدي إلى الجمع بين
(١) البقرة آية ٦.
٣٩

ساكنين على غير حَدِّهما، وأن تخفيف مثل هذه الهمزة إنما هو بين بين، قال
السمين: ((وهذا منه ليس بصواب لثبوت هذه القراءة تواتراً)(١)، وكان قد خَرَّج
هذه القراءة على السماع الوارد في لغة العرب.
أما المبرد فقد انتقد قراءة أبي عمرو ((إلى بارثْكم))(٢) بتسكين الهمزة
ووصفها باللحن، ويَرُدُّ عليه السمين قائلاً: ((وهذه جرأة من المبرد وجَهْلٌ
بأشعار العرب، فإن السكون في حركات الإِعراب قد ورد في الشعر كثيراً.
وبعد أن يورد طرفاً من هذه الأشعار يقول: ((وقراءة أبي عمرو صحيحة وذلك
أن الهمزة حرف ثقيل، ولذلك اجترىء عليها بجميع أنواع التخفيف،
فاستثقلت عليها الحركة فقُدُّرَتْ، وليت المبرد اقتدى بسيبويه في الاعتذار عن
أبي عمرو وفي عدم الجرأة عليه، وجميع رواية أبي عمرو دائرة على
التخفيف»(٣)
وقرأ ابن عامر (نْنْسِخْ)) (٤) بضم النون وكسر السين من ((أَنْسَخ))، قال
أبو حاتم: ((هو غلط)). ويتعقب السمين هذا القول فيقول: ((وهذه جرأة منه
على عادته))(٥)، ثم يمضي في عرض أقوال العلماء في القراءة وتخريجها.
وانتقد الطبري قراءة ابن عامر: ((ولكلِّ وِجْهَةٍ هو مُؤَلِّيها))(٦) بالإِضافةِ،
وحكم عليها بالخطأ، ويردُّ عليه السمين بقوله: ((وهذا ليس بشيء، إذ الإِقدام
(١) الورقة ١٢ ب.
(٢) البقرة آية ٥٤.
(٣) الورقة ٦٠ من نسخة ج.
(٤) البقرة آية ١٠٦.
(٥) الورقة ٤٧ أ.
(٦) البقرة آية ١٤٨.