النص المفهرس

صفحات 481-500

- البقرة -
بعضهم: ((والدليلُ على اعتبارِ هذا المعنى أنَّهم جَمَعوا مريضاً ومَيِّناً وهالِكاً
على فَعْلى فقالوا: مَرْضَى ومَوْتِى وهَلْكِى لَّمَّا جَمَعَها المعنى الذي في جَرْحَى
وقَتْلی)).
الثاني: أن أُسارى جمعُ أَسير (١)، وقد وَجَدْنا فَعِيلاً يُجْمع على فُعَالى
قالوا: شيخٌ قديم وشيوخٌ قُدامى، وفيه نظرً فإن(٢) هذا شاذٍّ لا يُقاس عليه.
الثالث: أنه جَمْعُ أسير أيضاً وإنما ضَمُّوا الهمزةَ من أُسارى وكان أصلُها
الفتح كنديم ونَدامى [كما ضُمَّتِ الكافُ والسينُ من كُسَالِى وَسُكارى](٣) وكان
الأصلُ فيهما الفتحَ نحو: عَطْشان وعَطَاشی .
الرابع: أنه جَمْعُ أَسْرى الذي [هو](٤) جمعُ أسير فيكونُ جَمْعَ الجمعِ.
وأمَّا قراءةُ حمزةَ فواضحةٌ؛ لأن فَعْلى ينقاس(٥) في فَعيل بمعنى مُمَات
أو مُوْجَع نحو(٦): جَريح وجَرْحی وقَتيل وقَتْلی ومَريض ومَرْضی .
وأما (أَسارَى)) بالفتح فلغةٌ ليست بالشاذة(٧)، وقد تقدَّم أنها أَصْلُ أُسارى
بالضم [عند بعضِهم](٨)، ولم يَعْرف أهلُ اللغة فَرْقاً بين أُسارى وأَسْرى
إلا ما حكاه أبو عبيدة (٩) عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ((ما كان في الوَثاق
فهم الأسارى وما كان في اليدِ فهم الْأُسْرى. ونَقَلَ عنه بعضُهم الفرقَ
(١) أقحم بعدها في ي: ((أيضاً وإنما ضموا الهمزة من أسارى)).
(٢) ي: ((لأنه)).
(٣) سقط من: ي.ع.
(٤) سقط من: ((ي)).
(٥) صح: ((قياس)).
(٦) ي: ((أو نحو)).
(٧) ي: ((بالسالمة)».
(٨) سقط من ي.
(٩) صح: ((أبو عبيد)». وليس في المجاز.
٤٨١

- البقرة -:
بمعنى(١) آخر فقال(٢): «ما جاء مُسْتَأسِرا فهم الأسْرى، وما صار في أيديهم
فهم الأسارى، وحكى النقاش عن ثعلب أنَّه لما سَمع هذا الفرقَ قال: ((هذا
كلامُ المجانين»، وهي جرأةٌ منه على أبي عمرو، وحُكي عن المبردِ(٣) أنه
يُقال: ((أَسير وأُسَراء كشهيد وشُهَداء)).
والأسيرُ مشتق من الإِسار وهو القَيْدُ الذي يُرْبِط [به المَحْمَلُ، فَسُمِّي
الأسير أسيراً لشدة وَثاقه، ثم اتَّبِع فيه فَسُمِّي كِلُّ مأخوذٍ بِالقَهْر أَسيراً وإن
لم يُرْبَط](٤). والأسْر: الخَلْق في قوله تعالى ((وشَدَدْنا أَسْرهم))(٥)، وأُسْرَّة
الرجلَ مَنْ يتقوَّى بهم، والْأُسْرُ احتباسُ البولِ، رجلٌ مَأْسورٌ [إذا]ٍ (٦) أصابَه
ذلك: وقالت العرب: (أَسَرَ قَتَبه)) أي: شَدَّه. قال الأعشى(٧):
٥٩١ - وقَيَّدني الشِّعْرُ في بيتِه كما قَيِّد الأسِراتُ الحمارا
یرید أنه بلغ في الشعر النهايةً حتى صار له کالبیتِ لا يُبْرَح عنه.
قوله: (تُفَادُوهم)) قرأ نافع وعاصم والكسائي: ((تُفادُوهم))(٨)، وهو
جوابُ الشرطِ فلذلك حُذِفَتَ نونُ الرفعِ، وهل القراءتان بمعنَّى واحدٍ (٩)،
ويكونُ معنى فاعَلَ مثلَ معنى فَعَل المجرد نحو: عاقَبْتَ وسافَرْت، أو بينهما
(١) ع: ((بوجه)).
(٢) انظر: القرطبي ٢٠/٢.
(٣): انظر: المقتضب ٢٠٨/٢ .
(٤) ما بين معقوفين سقط من ي.
(٥) الآية ٢٨ من الإنسان.
(٦) سقط من ي ع.
(٧) الديوان ٨٩، اللسان: حمر . .
(٨) وقرأ الباقون تَفْدُوْهُمْ انظر: السبعة ١٦٣؛ والكشف ٢٥١/١.
(٩) يبدو أن ثمة سقطاً ضبط فيه القراءة الثانية التي هي تَقْدُوْهُمْ.
٤٨٢

- البقرة -
فرقٌ؟ خلافٌ مشهورٌ، ثم اختلف الناسُ في ذلك الفرقِ ما هو؟ فقيل: مَعْنى
فَداه أَعْطَى فيه فِداءً من مالٍ وفاداه أعطى فيه أسيراً مثلَه وأنشد(١):
عَلا الرأسَ كَبْرَةٌ وَمَشِيبُ
٥٩٢ - ولكنّني فاديْت أمِّي بعدما
لَئِنْ عُرِضا للناظِرِينِ مَعِيبُ
بِعَبْدَيْنِ مَرْضِيَّيْنِ لم يَكُ فيهما
وهذا القول يَرُدُّه قولُ العباس رضي الله عنه: ((فادَيْت نفسي وفادَيْتَ
عَقيلا))(٢) ومعلومٌ أنه لم يُعْطِ أسيرَه(٣) في مقابلة نفسِه ولا وَلدِه(٤)، وقيل:
(تَقْدُوهم بالصلح وتُفادُوهم بالعِثْقِ))(٥). وقيل: (تَفْذُوهم تُعْطِوا)) فِدْيتَهَم،
وتُفادوهم تَطْلبون من أعدائِكم فِذْيةَ الأسيرِ الذي في أيديكم، ومنه قول
الشاعر(٦):
وقومَك لا أرى لهمُ اجتماعا
٥٩٣ - قفي فادِي أسيرَكِ إنَّ قومي
والظاهرُ أن ((تُفادهم)) على أصله من اثنين، وذلك أن الأسيرَ يعطي
المالَ والآسِرَ يعطي الإِطلاقَ، وَتَفْدُوهم على بابِهِ من غيرِ مشاركةٍ، وذلك أنَّ
أَحدَ الفريقين يَفْدي صاحبه من الآخر بمالٍ أو غيره، فالفعلُ على الحقيقة من
واحدٍ، والفداءُ ما يُفْتَدَى به، وإذا(٧) كُسِر أولُه جازَ فيه وجهان(٨): المَدُّ
والقَصْرُ فمِن المدِّ قولُ النابغة(٩):
(١) البيتان لنصيب وهما في اللسان: فدي.
(٢) انظر: القرطبي ٢٢/٢؛ وابن عطية ٣٤٣/١.
(٣) ي: ((أسيرا).
(٤) ع: ((ولا عقيل)).
(٥) صح: ((بالعنف)).
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٢/٢.
(٧) ي: ((فإذا)).
(٨) صح: الوجهان.
(٩) الديوان ٢١؛ وابن يعيش ٧٠/٤؛ والقرطبي ٢١/٢؛ والخزانة ٧/٣.
٤٨٣

- البقرة .
. وما أُثَمِّرُ مِنْ مالٍ وَمِنْ وَلَّدِ
٥٩٤ - مَهْلَا فِداءً لِكَ الأقوامُ كلُّهمُ
ومن القَصْرِ قولُه(١):
٥٩٥ -
فِدَیّ لَكَ مِنْ رَبِّ طريفي وتالدي
[١/٣٧]
/ (٢) وإذا فُتِحَ فالقصرُ فقط، ومن العربِ مَنْ یکسِرُ ((فِدی)) مع لام الجر
خاصةٌ، نحو: فِدَىَّ لكَ أبي وأمي يريدون الدعاءَ له بذلك، وفَدى وفَادِى
يتعدَّيان لاثنينٍ أحدُهما بِنفسِه والآخرُ بحرفِ جر تقول: فَدَيْتُ أو فادَيْتُ الأسير
بمال، وهو محذوفُ في الآية الكريمة. قال ابن عطية(٣): ((وحَسُنَ لفظ الإِتيان
من حيثُ هو في مقابلةِ الإِخراج فيظهرُ التضادُّ المُقْبحُ لِفِعْلِهم في الإِخراج»
يعني أنه لا يناسِبُ مَنْ أَسَأْتُمْ إليه بالإِخراجِ مِنْ دارِهِ أَنْ تُحْسِنُوا إليه بالفِداءِ.
قوله: ((وهو مُحَرَّمٌ)) هذا موضعٌ يَحْتَاجُ لفضلِ نَظَرِ، والظاهرُ من الوجوهِ
المنقولةِ فيه أنْ يكونَ ((هو)) ضميرَ الشأنِ والقصةِ فيكونَ في محلِّ رفعٍ
بالابتداءِ، و«مُحَرَّمٌ) خبرٌ مِقدمٌ وفيه ضميرٌ قائمٌ مَقامَ الفاعلِ ، و((إخراجهُم)) مبتدأ،
والجملةُ من هذا المبتدأ والخبرِ في محلِّ رفعِ خبراً لضميرِ الشأن، ولم يَحْتَجْ
هنا إلى عائدٍ على المبتدأ لأنَّ الخبرَ نفسُ المبتدأ وعينُه. وهذه الجملةُ مفسِّرةٌ
لهذا الضميرِ، وهو أحدُ المواضعِ التي يُفَسَّرُ فيها المضمَرُ بما بعدَه، وقد
تقدَّمَتْ، وليس لنا من الضمائرِ ما يُفَسَّرِ بجملةٍ غيرُ هذا الضميرِ، ومِنْ شَرْطِهِ
أن يُؤْتِى به في مواضعِ التعظيم وأنْ يكونَ معمولاً للابتداء أو نواسخِه فقط،
(١) البيت النابغة وصدره في الديوان ١٧٠ :
أَتَّخُبُّ إلى النُّعمان حتى تنالَه
وهو في الشعر والشعراء ١٦٩/١؛ وابن عطية ١٠٤/١؛ والبحر ٢٨١/١.
تخب: تسرع، والطريف: ما اكتسبه، والتالد: ما ورثه.
(٢) تنتهي هنا الورقة ٣٦ التي سقطت كلها من الأصل.
(٣) التفسير ٣٤٢/١.
٤٨٤

- البقرة -
وأن يُفَسَّر بجملةٍ مُصَرَّحٍ بجزئيها، ولا يُتْبَعَ بتابعٍ من التوابعِ الخمسةِ، ويجوزُ
تذكيرُه وتأنيثُهُ مطلقاً خلافاً لمَنْ فصَّل: فتذكيرُه باعتبارِ الأمر والشأن، وتأنيثُه
باعتبار القصةِ فتقولُ: هي زيدٌ قائمٌ، ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُحْذَفُ إلا في
مواضع تُذْكر إنْ شاء الله تعالى. والكوفيون يُسَمُّونه ضميرَ المَجْهول وله أحكامٌ
كثيرةٌ .
الوجهُ الثاني: أن يكونَ ((هو)) ضميرَ الشأنِ أيضاً، و ((مُحَرَّمٌ)) خبرهُ،
[و ((إخراجُهم)) مرفوعٌ](١) على أنه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه. وهذا مذهبُ
الكوفيين وتابعَهم المهدوي، وإنما فُرُوا من الوجه الأول، لأنَّ عندهم [أنَّ
الخبرَ المتحمِّل ضميراً](١) مرفوعاً لا يجوزُ تقديمُه على المبتدأ فلا يُقال:
((قائمٌ زيدٌ)) على أن يكونَ ((قائمٌ)) خبراً مقدَّماً، وهذا (٢) عند البصريين [ممنوعٌ
لِمَا عَرَفْتَه أَنَّ ضميرًا(١) الشأنِ لا يُفَسَّر إلا بجملةٍ، والاسمُ المشتقُّ الرافعُ
لِما بعدَه من قبيلِ المفرداتِ لا الجملِ فلا يُفَسَّر به ضميرُ الشأنِ.
الثالث: أن يكونَ ((هو)) كنايةً عن الإِخراجِ، وهو مبتدأ، و((مُحَرَّمٌ) خبرُه،
و ((إخراجُهم)) بدلٌ منه، وهذا على أحدِ القولين وهو [جوازُ إبدالِ الظاهرِ من](١)
المضمرِ قبله ليفسِّرَه، واستدلَّ مَنْ أجازَ ذلك بقوله(٣):
٥٩٦ - على حالةٍ لَوْ أنَّ في القومِ حاتِماً على جُودِه لَضَنَّ بالماءِ حاتِمٍ
فحاتم بدلٌّ من الضميرِ في ((جودِه)).
الرابع: أن يكونَ (هو) ضميرَ الإِخراجِ المدلولَ عليه بقوله «وتُخْرِجون»،
و(مُحَرَّمٌ)) خبره و((إخراجُهم)) بدلٌ من الضميرِ المستترِ في ((مُحَرَّمٌ)).
(١) حرم في الأصل وحققناه من النسخ .
(٢) أي: الوجه الثاني.
(٣) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٨٤٢؛ والكامل ١٣٣؛ وشذور الذهب ٢٤٥؛ وشواهد
الكشاف ٥١٩/٤؛ والعيني ١٨٦/٣.
٤٨٥

- البقرة -
الخامس: كذلك، إلَّ أنَّ ((إخراجُهم)) بدلٌ من (هو)). نقل هذين الوجهين
أبو البقاء(١). وفي هذا الأخيرِ نظرٌ، وذلك أنَّك إذا جَعَلْتَ (هو) ضمير
الإِخراج المدلولِ عليه بالفعل كانَ الضميرُ مفسَّراً به نحو: ((اعْدلوا:
هو أقربُ))(٢) فإذا أَبْدَلْتَ منه ((إخراجُهم)) الملفوظَ به كانَ مفسَّراً به أيضاً،
فيلزَمُ تفسيرُه بشيئين، إلا أَنْ يقالَ: هذان الشيئان في الحقيقة شيءٌ واحدٌ.
ڤيحتملَ ذلك.
السادس: أجاز الكوفيون أن يكونَ ((هو)» عماداً - وهو الذي يُسَمِّيه
البصريون ضميرَ الفصل - قُدِّم مع الخبر لِما تقدَّم، والأصلُ: وإخراجُهم هو
مُحَرَّم عليكم، فإخراجُهم مبتدأ، ومُحَرِّم خبره، وهو عِمادٌ، فلمَّا قُدِّمَ الخَبرُ قُدَّمُ
معه. قال الفراء(٣): ((لأن الواوَ هنا تَطْلبُ الاسمَ، وكلُّ موضعٍ تطلب فيه.
الاسمَ فَالعمادُ جائزٌ)) وهذا عند البصريين ممنوعٌ من وجهين: أحدهما: أن
الفصلَ عندهم مِنْ شرطِهِ أن يَقَعَ بين معرِفَتَيْن أو بين معرفةٍ ونكرةٍ قريبةٍ مِنْ
المعرفةِ في امتناع دخول أل كأَفْعَل مِنْ، ومثلٍ وأخواتها. والثاني: أنَّ الفصل
عندهم لا يجوز تقديمُه مع ما اتصل به. ولهذه الأقوالِ مواضعُ يُبْحث فيها
عنها .
السابع: قال ابن عطية(٤): ((وقيل في ((هو)) إنه ضميرُ الأمرِ، والتقديرُ:
والأمرُ مُحَرَّم عليكُم، وإخراجُهُمْ في هذا القولِ بدلٌ من ((هو)) انتهى. قال
الشيخ(٥): ((وهذا خطأً من وجهين، أحدُهما: تفسيرُ ضميرِ الأمرِ بمفردٍ وذلك
(١): الإملاء ٤٩/١.
(٢)) الآية ٨ من المائدة.
(٣)) معاني القرآن ٥١/١.
(٤)). التفسير ٣٤٤/١.
(٥)١ البحر ٢٩٢/١.
:٤٨٦

- البقرة -
لا يُجيزه بَصْرِيٍّ ولا كوفيٍّ، أمّا البصريُّ فلاشتراطه جملةً (١)، وأمَّا الكوفيُّ
فلا بد أن يكونَ المفردُ قد انتظَم منه ومِمَّا بعده مُسْنَدٌ إليه في المعنى نحو:
ظَنْتُه قائماً الزيدان. والثاني: أنه جَعَل ((إخراجُهم)) بدلاً من ضميرِ الأمر، وقد
تقدَّم أنه لا يُتْبَعُ بتابعٍ .
الثامن: قال ابنُ عطية (٢) أيضاً: ((وقيل ((هو)) فاصلةٌ، وهذا مذهبٌ
الكوفيين، وليست هنا بالتي هي عماد، و((مُحَرَّم)) على هذا ابتداءً،
و ((اخراجُهم)) خبرٌ)). قال الشيخ(٣): ((والمنقولُ عن الكوفيين عكسُ هذا
الإِعراب، أي: يكونُ ((إخراجُهم)) مبتدأ مؤخراً، و ((مُحَرَّم)) خبرٌ مقدمٌ، قُدِّم
معه الفصلُ كما مَرَّ، وهو الموافِقُ للقواعدِ، وألَّ يَلزَم منه الإخبارُ بمعرفةٍ عن
نكرةٍ من غير ضرورةٍ تَدْعو إلى ذلك.
التاسع: نَقَله ابنُ عطية أيضاً (٤) عن بعضِهم أن ((هو)) الضميرَ المقدَّرَ في
((مُحَرَّم)) قُدَّمَ وأُظْهِر، قال الشيخ(٥): ((وهذا ضعيفٌ جداً، إذلا ضرورةَ تدعو
إلى انفصالِ هذا الضميرِ بعد استتارِه وتقديمهِ(٦)، وأيضاً فإنه يلزمُ خُلُوُ اسمٍ
المفعولِ مِنْ ضميرٍ، إذ على هذا القولِ يكونُ ((مُحَرَّم)) خبراً مقدَّماً
و ((إخراجُهم)) مبتدأُ، ولا يُوجد اسمُ فاعلٍ ولا مفعولٍ خالياً من الضمير إلا إذا
رَفَع الظاهرَ، ثم يبقى هذا الضميرُ لا ندري ما إعرابُه؟ إذ لا يجوزُ أن يكونَ
مبتدأ ولا فاعلاً مقدَّماً)) وفي قولِ الشيخ: (يَلْزَمُ خُلُّه من ضميرِ» نظرٌ،
إذ هو ضميرٌ مرفوعٌ به فلم يَخْلُ منه، غايةُ ما فيه أنه / انفصلَ للتقديم، وقوله: [٣٧/ب]
(١) أي إن مفسر ضمير الأمر عندهم لا بد أن يكون جملة.
(٢) التفسير ٣٤٤/١.
(٣) البحر ٢٩٢/١.
(٤) التفسير ٣٤٤/١.
(٥) البحر ٢٩٢/١.
(٦) لم يرد قوله ((وتقديمه)) في البحر، ولعلها ((وتقديره)) أو هي معطوفة على ((انفصال)).
٤٨٧

- البقرة -
((لا ندري ما إعرابهُ)) قد دَرَى، وهو الرفعُ بالفاعليةِ. قوله: ((والفاعلُ لا يُقَدَّمِ))
ممنوعٌ فإنَّ الكوفيَّ يُجيزُ تقديمَ الفاعلِ، فُيُحتمل أن يكونَ هذا القائلُ يَرِى
ذلك، ولا شك أنَّ هذا قولٌ رديءٌ مُنْكَرُ لا ينبغي أن يجوزَ مثلُه في الكلامِ،
فكيف في القرآن !! فالشيخُ معذورٌ، وَعَجِبْتُ من القاضي أبي محمد كيف
يُورد هذه الأشياءَ حاكياً لها، ولم يُعَقِّبْها بنكیرٍ .
وهذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ محذوفةً من الجملِ المذكورة قبلَها،
وذلك أنه قد تقدَّم ذكرُ أربعةٍ أشياءَ كلُّها مَحُرَّمٌ، وهي قولُه: «تَقْتُلون أنفسَكم،
وتُخْرِجُون، وتُظاهرون، وتُفادون، فيكونُ التقدير: تقتلون أنفسَكم وهو مُحَرِّمٌ
عليكم قتلُها، وكذلك مع البواقي. ويجوز أن يكونَ خَصَّ الإِخراج بذكر
التحريمِ وإنْ كانَتْ كلُّها حَراماً، لِما فيه من مَعَرَّة الجلاءِ والنفي الذي لا ينقطعُ شِرُّه
إلا بالموت والقتلٍ ، وإنْ كان أعظمَ منه إلا أنَّ فيه قطعاً للشرِّ، فالإِخراجُ من
الديارِ أصعبُ الأربعةِ بهذا الاعتبار.
وَالِمُحَرِّمُ: الممنوعُ؛ فإنَّ الحرامَ هو المَنْعُ من كذا. والحَرامُ: الشيءُ
الممنوعُ منهِ يُقَالُ: حَرَامٌ عليك وحَرَمٌ عليك، وسيأتي تحقيقُه في الأنبياء.
قوله: ((فما جَزَاءُ مَنْ يفعلُ»: ((ما)) يجوز فيها وجهان، أحدُهما أن تكونَ
نافيةً و(جزاء)) مبتدأ، و((إلَّ خِزْيٌ)) ((خبرُه)) وهو استثناءٌ مفرِعٌ، وبَطَلَ عَمَلُ
(ما) عند الحجازيين لانتقاضِ النفي بـ إلَّ، وفي ذلك خلافٌ طويلٌ وتفصيلٌ
منتشرٌ، وتلخيصُه أنَّ خِبرَها الواقعَ بعد ((إِلَّ)): جمهورُ البصريين على وجوبٍ
رَفْعِه مطلقاً، سواءً كان هو الأولَ أو مُنَزَّلَا منزلَتَه أو صفةً أو لم يكُنْ، ويتأوَّلون
قوله(١):
٥٩٧ - وما الدهرُ إِلَّ مَنْجَنُوناً بأَهْلِه وما صاحبُ الحاجاتِ إِلَّ مُعَذَّبَا
(١) البيت لأحد بني سعد، وهو في الأشموني ٢٤٨/١؛ والتصريح ١٩٧/١؛ والدرر
٩٤/١؛ والخزانة ١٢٩/٢؛ والمنجنون: الدولاب الذي يُسْتقى عليه.
٤٨٨

- البقرة -
على أنَّ الناصبَ لمَنْجَنوناً ومُعَذَّباً محذوفٌ، أي: يدورُ دَوَرَانَ مَنْجَنونٍ،
ويُعَذَّبُ مُعَذَّباً تَعْذيباً. وأجاز يونس(١) النصبَ مطلقاً، وإن كان النحاسُ نَقَلَ
عدَم الخلافِ في رفع ((ما زيدٌ إلا أخوك))، فإن كان الثاني مُنَزَّلاً منزِلَةِ الأولِ
نحو: ((ما أنت إلا عِمامَتك تحسيناً وإلّ رِداءَك ترتيباً)) فأجاز الكوفيون نصبه،
وإن كان صفةً نحو: ما زيدٌ إلا قائمٌ فأجاز الفراء نصبه أيضاً. والثاني(٢) أن
تكونَ استفهاميةً في محلِّ رفع بالابتداء، و((جزاء)) خبرُه، و ((إِلَّ خِزْيٌ)) بدلٌ من
((جزاء))، نقله أبو البقاء(٢) و((مَنْ)) موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفةٌ، و((يفعلُ)) لا محلّ
لها على الأول، ومحلُّها الجَرُّ على الثاني.
قوله ((منكم)) فِي محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من فاعلِ ((يفعل)) فيتعلَّقُ
بمحذوف أي : يفعلُ ذلك حالَ كونِه منکم.
قوله: ((في الحياة)) يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ في محلٌّ رفعٍ
لأنه صفةٌ لـ(«خزي))، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، أي: خِزْيٌ كائنٌ في الحياة، والثاني: أن
يكونَ محلُّه النصبَ على أنه ظرفٌ للخِزْي فهو منصوبٌ به تقديراً.
والجَزاءُ: المقابلَةُ، خيراً كان أو شراً، والخِزْيُ: الهَوانُ، يُقال: خَزِيّ
بالكسر يَخْزَىْ خِزْياً فهو خَزْيانُ، وامرأة خَزْيا والجمع خَزايا، وقال ابن
السكيت(٣): ((الْخِزْيُ الوقوعُ في بَلِيَّة، وخَزِيَ الرجلُ في نفسِهِ يَخْزَى خَزَايةً إذا
استحيا)». والدُّنْيَا فُعْلَى تأنيثُ الأدْنى من الدُنُوِّ، وهو القُرْب، وألِفُها للتأنيثِ،
ولا تُحْذَفُ منها أل إلا ضرورةً كقوله(٤).
فِي سَعْي ◌ُنْيَا طالما قد مُدَّتِ
٥٩٨ - يومَ ترى النفوسُ مَا أُعَذَّتِ
(١) عاد إلى إعراب الآية ((فما جزاءُ مَنْ يَفْعل)).
(٢) الإملاء ٤٩/١.
(٣) إصلاح المنطق ٣٧٣.
(٤) تقدم برقم ٥٧٧ .
٤٨٩

- البقرة -
ويأؤها عن واو، وهذه قاعدةٌ مطّردةً(١)، وهي كلُّ فُعْلَى: صفةً لامُها واو
تُبْدَلُ ياءَ نحو: العُلْيَا والدُّنْيا، فأمَّا قولُهم: القُصْوى عند غير تميم، والحُلْوى
عند الجميع فشاذ، فلو كانت فُعْلى اسماً صَحَّتِ الواو كقوله(٢):
٥٩٩ - أداراً بحُزْوىْ هِجْتِ للعَيْنِ عَبْرَةً
فماءُ الهوىُ يَرْفَضُّ أو يَتْرَقْرَقُ
وقد اسْتُعْمِلَتْ استعمالَ الأسماءِ، فلم يُذْكَرْ موصوفُها، قال تعالى:
(تريدون عَرَضَ الدُّنْيًا))(٣)، وقال ابنُ السراج في ((المقصور والممدود)):
((والدُّنْيا مؤنثةٌ مقصورةٌ، تُكْتَبُ بالألفِ، هذه لغةُ نجدٍ وتميمٍ، إلا أنَّ الحجازِ
وبني أسد يُلْحِقُونها ونظائرهَا بالمصادرِ ذوات الواو فيقولون: دَنْوَى مثلَ
شَرْوى(٤)، وكذلك يَفْغَلون بكلِ فُعْلى موضعُ لامِها واوٌ يفتحونَ أوَّلها ويَقْلِبُون
ياءها واواً، وأمَّا أهلُ اللغةِ الأولى فيَضُمُّون الدالَ ويَقْلِبُون الواءَ ياءً لاستثقالِهِم
الواوَ مع الضمةِ .
وقُرىء: (يُرَدُّونَ)) بالغَيْبَةِ على المشهورِ. وفيه وجهان، أحدُهما: أن
يكونَ التفاتاً فيكون راجعاً إلى قوله: ((أفتؤمنون)) فَخَرَج من ضميرِ الخطابِ إلى
الغَيْبَةِ، والثاني: أنَّه لا التفاتَ فيه، بل هو راجِعٌ إلى قولِه: ((مَنْ يفعَل))، وقرأ
الحسن (٥) «تُرَدُّون)» بالخطابِ، وفيه الوجهانِ المتقدِّمان، فالالتفاتُ نظراً
لقوله: ((مَنْ يفعل)»، وعدمُ الالتفات نظراً لقوله: ((أفتؤمنون)).
(١) انظر: الممتع ٥٤٤/٢.
(٢) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ٤٥٦؛ والكتاب ٣١١/١؛ وأوضح المسالك ٣٣٠/٣؛
والأشموني ١٣٩/٣؛ والخزانة ٣١١/١؛ والعيني ٢٣٦/٤. ويرفضٌ: يسيل متناثراً،
ويترقرق: يجري جرياً سهلاً.
(٣)) الآية ٦٧ من الأنفال.
(٤)) الشروى: المثل.
(٥)! الحسن وابن هرمز، كما في البحر ٣٩٤/١.
٤٩٠

- البقرة -
وكذلك ((وما اللهُ بغافلٍ عَمَّا تَعْلمون)) قُرِىء في المشهورِ بِالغَيْبَةِ
والخطابِ (١)، والكلامُ فيهما كما تقدَّم.
آ. (٨٦) وتقدَّم نظائرُ ﴿أولئك الذين اشْتَرَوا﴾ .. وما بعدَه. إلا أنَّ
بعضَ المُعْرِبين ذَكَر وجوهاً مردودةً لا بدَّ من التنبيهِ عليها، فأجاز أن يكونَ
(أولئك)) مبتدأ، و((الذين اشتروا) خبّره، و((فلا يُخَفَّفُ عنهم العذابُ)) خبراً
ثانياً لأولئك، قال: ((ودخّلَتِ الفاءُ في الخبر لأجلِ الموصولِ المُشْبِهِ للشرطِ
وهذا خطأً، فإن قوله: ((فلا يُخَفَّفُ)) لم يَجْعَلْهُ خبراً للموصول حتى تَدْخُلَ الفاءُ
في خبره، وإنما جَعَلَهُ خبراً عن ((أولئك)) وأينَ هذا مِنْ ذاك؟ وأجاز أيضاً أن
يكونَ ((الذين)) مبتدأ ثانياً، و((فلا يُخَفَّفُ)) خبرَهُ، دخَلْت لكونِه خبراً
للموصولِ، والجملةُ خبراً عن ((أولئك)) قال: ((ولم يُحْتَجْ هنا إلى عائدٍ لأنَّ
(الذين)) هم ((أولئك)) كما تقولُ: ((هذا زيدٌ منطلقٌ))، وهذا أيضاً خَطَأْ لثلاثةٍ
أوجهٍ أحدُها: خُلُوُّ الجملةِ مِن رابطٍ /، قوله: ((لأن الذين هم أولئك)) لا يفيدُ [٣٨/أ]
لأنَّ الجملةَ المستغنِيَّةَ لا بُدَّ وأنْ (٢) تكونَ نفسَ المبتدأ، وأمَّا تنظيرُه بـ ((هذا زيدٌ
منطلقٌ)) فليس بصحيحٍ، فإنَّ ((هذا)) مبتدأٌ، و((زيدٌ)) خبرٌ، و((منطلقٌ)) خبرٌ
ثانٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ ((زيدٌ)) مبتدأً ثانياً، و((منطلقٌ)) خبرَه والجملةُ خبرٌ (٣)
عن الأول للخلوِّ من الرابط. الثاني: أن الموصولَ هنا لقومٍ معيّنين وليس
عاماً، فلم يُشْبِهِ الشرط فلا تَدْخُلُ الفاءُ في خبره. الثالث: أن صلته ماضيةٌ
لفظاً ومعنىٍّ، فلم تُشْبِهْ فعلَ الشرطِ في الاستقبال فلا يجوزُ دخولُ الفاءِ في
الخبرِ. فتعيَّن أن يكون ((أولئك)) مبتدأَ والموصولُ بصلتِه خبرَه، و((فلا يُخَفَّفُ))
معطوفٌ على الصلةِ، ولا يَضُرُّ تخالُفُ الفِعْلَيْنِ في الزمانِ، فإِنَّ الصلاتِ من
(١) قرأ نافع وابن كثير وأبو بكر بالياء، والباقون بالتاء. انظر: السبعة ١٦٠؛ البحر
٢٩٤/١.
(٢) الواو هنا مقحمة.
(٣) كذا في الأصل، والأنسب ((خبراً)).
٤٩١

البقرة-
قَبِيل الجملِ، وعَطْفُ الحملِ لا يُشْتَرَطُ فيه اتحادُ الزمانِ، يجوزُ أن تقولَ:
(جاء الذي قَتَّلَ زيداً أمسٍ وسيقتُل عمراً غداً))، وإنما الذي يُشْتَرَطُ فيه ذلك
حيث كانت الأفعالُ مُنَزَّلَّةً مِنزلةَ المفرداتِ.
قوله: ((ولاهم يُنْصَرُون)) يجوز في ((هم)) وجهانٍ، أحدُهما: أن يكونَ
في محلّ رفعٍ بالابتداءٍ وما بعده خبرهُ، ويكون قد عَطَفَ جملةً اسميةً على
جملةٍ فِعليةٍ وهي: ((فلا يُخَفِّفَ)). والثاني: أن يكونَ مرفوعاً بفعلٍ محذوفٍ
يُفَسِّرُهُ هذا الظاهرُ، وتكونُ المسألةُ من بابِ الاشتغالِ، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ
انفصَلَ الضميرُ، ويكونُ كقولِه(١) :
٦٠٠ - وإنْ هُولم يَحْمِلْ على النفسِ ضَيْمَها
فليسَ إلى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلٌ
ولهِ مُرَجِّحُ على الأولِ وذلك أنَّه يكونُ قد عَطَّفْتَ جملةً فعليةً على
مثلِها، وهو من المواضعِ المرجّحِ فيها الحَمْلُ على الفعلِ في بابٍ
الاشتغالِ. وليس المرجِّحُ كونَه تقدَّمِه لا النافيةُ، فإنَّها ليسَتْ من الأدواتِ
المختصَّةِ بالفِعْلِ ولا الأوْلَى به، خلافاً لابن السِّيدِ حيث زَعَمَ أنَّ ((لا)) النافيةَ من
المرجِّحاتِ لإِضمارِ الفعل، وهو قولُ مرغوبٌ عنه، ولكنه قَويّ من حِيْثُ
البحثُ. فقوله: ((يُنْصَرون)) لا محلّ له على هذا لأنه مفسِّرٌ، ومحلَّه الرفعُ على
الأولِ لوقوعه موقعَ الخبرِ.
آ. (٨٧) قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بعدِه بالرسل﴾ .. التضعيفُ في
((قَفَّيْنَا)) ليس للتعديةِ، إذ لو كانَ كذلك لتعدَّى إلى اثنينِ لأنه قبلَ التضعيفِ
يتعدَّى لواحدٍ، نحو: قَفَوْت زيداً، ولكنه ضُمِّن معنى ((جِئْنا)» كأنه قيل: وجئنا
من بعده بالرسلِ . فإن قيل: يجوزُ أن يكونَ متعدِّياً لاثنين على معنى أنَّ الأولّ
محذوفٌ والثاني ((بالرسل)» والباءُ فيه زائدةٌ تقديرُه: ((وقَفِّيناه من بعدِه الرسلَ)).
(١) البيت للسموءل، وهو في الحماسة ٨٠/١؛ واجمع ٦٣/١؛ والدرر ٧٥/٢.
٤٩٢

- البقرة -
فالجوابُ أن كثرَة مجيئه في القرآن كذلك يُبْعِدُ هذا التقديرَ، وسيأتي لذلك
مزيدُ بيانٍ في المائدةِ إن شاء الله تعالى.
وقَفَّينا أصله: قَقَّوْنا، ولكنْ لَمَّا وقعتِ الواوُ رابعةً قُلِبَتْ ياءً، واشتقاقُه من
قَفَوْتُه إذا اتَّبَعْتَ قَفاه، ثم اتُّسع فيه، فَأُطْلِقَ على كلِّ تابع، وإن بَعُد زمانُ
التابعِ من زمانِ المَتْبوع، وقال أمية (١):
:
وكيفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَبَلُ
٦٠١ - قالَتْ لأختٍ له قُصِّيه عن جُنُبٍ
والقَفا مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال له: القافية أيضاً، ومنه قافيةُ الشِّعْرِ، لأنها
تَتْلُو بناءَ الكلامِ وآخرَه، ومعنى قَقَّيْنا أي: أَتْبَعْنا كقوله: ((ثم أَرْسَلْنَا رُسُلَنا
تٹْری»(٢).
و ((مِنْ بعدِه)) متعلِّقُ به، وكذلك ((بالرُسل))، وهو جمعُ رسول بمعنى
مُرْسَل، وفُعُل غيرُ مَقيسٍ في فَعُول بمعنى مَفْعول، وسكونُ العين لغةُ الحجازِ
وبها قرأ(٣) يحيى والحسن، والضمُّ لغةُ تميم، وقد قرأَ السبعةُ بلغةٍ تميم
إلا أبا عمرو فيما أُضيف إلى ((نا)) أو ((كم)) أو ((هم)) فإنه قرأ بالسكون لتوالي
الحركات.
قوله: ((عيسى)) عَلَمٌ أعجمي فلذلك لم يَنْصَرِفْ، وقد تكلُّم النحويون
في وزنه واشتقاقِه على تقدير كونِه عربيَّ الوضع، فقال سيبويه: ((وزنُه فِعْلى
والياءُ فيه ملحقةٌ بيناتِ الأربعةِ كياءِ مِعْزَى)) يَعْني بالياءِ الألفَ، سَمَّاها ياء
لكتابيِّها بالياءِ. وقال الفارسي: ((أَلِفُه ليست للتأنيثِ كذِكْرى، بدلالةِ صَرْفهم له
في النكرة)). وقال عثمانُ بن سعيد الصَّيْرَفي (٤): ((وزنه فِعْلَل)) فالألفُ عنده
(١) ديوانه ٢٦ برواية: بلا سهل ولا جَدَدٍ؛ والبحر ٢٩٧/١. والجدد: وجه الأرض.
(٢) الآية ٤٤ من المؤمنون.
(٣) البحر ٢٩٩/١.
(٤) وهو أبو عمرو الداني وتقدمت ترجمته.
٤٩٣

- البقرة -
أصليةٌ بمعنى أنها منقلبةٌ عن أصل. ورَدَّ ذلك عليه ابنُ الباذِشِ بأنَّ الياءَ والواوَ
لا يكونان أصلَّيْن في بناتِ الأربعةِ، فَمَنْ قال إنَّ ((عِيسى)) مشتقٌّ منَ العَيْس
وهو بياضٌ تخالطُه شُقْرَةٌ كأبي البقاء(١) وغيره ليس بمصيبٍ لأنَّ الأعجميّ
لا يَدْخُلُه اشتقاقٌ ولا تصريفٌ. وقال الزمخشري (٢): ((وقيل: عيسى
بالسُّريانية: أَيْسوع))(٣).
قوله: ((ابنَ مريم)) عطفُ بيان أو بدلٌ، ويجوزُ أَنْ يكونَ صفةٌ إلا أنَّ
الأولَ أَوْلَى لأنَّ (ابن مريم)) جرىْ مَجْرَى العلم له. وللوصفِ بابن أحكامٌ
تَخُصُّه سَتَأْتِي مبينةً إن شاء الله تعالى، وتقدَّم اشتقاقُ ((ابن)» وأصلُه.
ومَرْيم أصلُه بالسريانية صفةٌ بمعنى الخادِمِ ثم سُمِّي به فلذلك
لم ينصِرِفْ، وفي لسانِ العرب هي المرأةُ التي تُكْثِرُ مخالطة الرجال كالزِّير من
الرجال وهو الذي يُكْثِرُ مخالطَتَهُنَّ، قال رؤية (٤).
٦٠٢ - قلتُ لِزِيرٍ لِم تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ
وياءُ ((الزير)» عن واو لأنه من زار يَزُور فَقُلِبَتِ للكسرة قبلَها كالرِّيحَ،
فصار لفظُ مريم مشتركاً بين اللسانينِ، ووزنُه عند النحويين مَفْعَل لا فَعْيَلَ،
قال الزمخشري: ((لأنْ فَعْيَلاً بفتح الفاء لم يَثْبُتْ في الأبنية كما ثَبَتَ في (٥)
(١) الإملاء ٤٩/١.
(٢) الكشاف ٢٩٤/١.
(٣) في مطبوعة الكشاف؛ يشوع.
(٤) ديوانه ١٤٩؛ وشواهد الكشاف ٥١٦/٤ وبعده:
تضليل أهواء الصبي تندُّمُهْ
(٥) الكشاف ٢٩٤/١.
(٦) مقحمة في الأصل ولم ترد في الكشاف.
٤٩٤

- البقرة -
نحو: عِثْيَرِ(١) وعِلْيَب))(٢) وقد أثبت بعضهم فَعْيَلاً وجَعَلَ منه نحو: ((ضَمْيَد))(٣)
اسمَ مكان و ((مَذْيَن)) على القولِ بأصالة ميمهِ و ((ضَهْيَا)) بالقصر وهي المرأةُ
التي لا تَحِيضُ، أو لا تَدْيَ لها، لأنها مشتقةٌ من ضاهَأَتْ أي شابَهَتْ، لأنها
شابَهَتِ الرجال في ذلك، ويجوزُ مَدُّها قاله الزجاج. وقال ابن جني (٤):
(وأما ضَمْيدَ(٥) وعَثْيَر (٦) فمصنوعان)) فلا دلالة فيهما على ثبوت فَعْيَل، وصحةُ
الياءِ في مريم على خلافِ القياس (٧)، إذ كان من حقِّها الإِعلالُ بنَعْلِ حركةٍ
الياء إلى الراءِ ثم قَلْبِ الياءِ ألفاً نحو: مَباعٍ من البَيْع، ولكنه شَذَّ مَزْيَدٍ ومَدْيَن،
وقال أبو البقاء (٨): ((ومَرْيَم عَلَمّ أعجمي ولو كان مشتقاً من رامَ يريم لكان
مَرِيماً بسكونِ الياء، وقد جاءَ في الأعلامِ بفتح الياء نحوَ مَزْيَد وهو على خلافٍ
القياس)).
قوله: ((وَأَيَّدْناه)) معطوفٌ على قوله: ((وآنّنا عيسى)). وقرأ الجمهور
/ أيَّدْناه على فَعَّلْناه، وقرأ مجاهد وابن محيصن(٩) - ويروى عن أبي عمرو - [٣٨/ب]
(آَيَدْنَاه) على: أَفْعَلْناه، والأصلُ فِي أَأْيَدَ بهمزتين، ثانيتُهما ساكنةٌ فوجَبَ إِبدالُ
الثانيةِ ألفاً نحو: أَأْمَنَ وبابِهِ، وصححت العينُ وهي الياءُ كما صَحَّتْ في
(أَغْيَلَت))(١٠) و((أَغْيَمْت))، وهو تصحيحٌ شاذَّ إلا في فِعْل التعجب نحو: ما أَبْيَنْ
(١) العثير: التراب.
(٢) كذا ضبطت في الأصل بالكسر وهو سهو، والصواب انها غُلْيَب، وانظر: الممتع ٨٤.
وهي اسم موضع.
(٣) كذا في الأصل، والذي في الخصائص ١٨٧/٣، ٢١٦: ضهيد.
(٤) الخصائص ١٨٧/٣، ٢١٦.
(٥) راجع الحاشية قبل السابقة .
(٦) العثير: الأثر الخفي، والذي في الخصائص: عَنْيَد.
(٧) انظر: الممتع ٤٨٨.
(٨) الإملاء ٤٩/١.
(٩) البحر ٢٩٩/١؛ ابن عطية ٣٤٦/١.
(١٠) أغيلت المرأة ولدها: سقته الغيل وهو اللبن.
٤٩٥

- البقرة -
وأَْوَلَ. وحُكي عن أبي زيد أن تصحيحَ ((أَغْيَلَت)) مقيسُ(١). فإِنْ قيل:
لِم لا أُعِلَّ آيَدْناه كما أُعِلَّ نحو: أَبَعْناه حتى لا يلزَم حَمْلُه على الشاذ؟
فالجواب أنه لو أُعِلَّ بأنْ أُلْقِيَتْ حركةُ العينِ على الفاءِ فيلتقي ساكنانِ العينُ
واللامُ فِتُحْذَفُ العَيْنُ لالتقاء الساكنين، فتجتمعُ همزتان مفتوحتان فيجبُ قَلْبُ
الثانيةِ واواً نحو ((أَوادِم)، فتتحرَُّك الواوُ بعدَ فتحةٍ فتقلبُ أَلفاً فيصيرُ اللفظُ:
أَادْنَاه، لأدَّى ذلك إلى إعلالِ الفاءِ والعينِ، فلمَّا كانَ إِعلالُه يؤدِّي إلى ذلك
رُفِضَ بخلاف أَبَعْناه وأَقَمْناه، فإنه ليسَ فيه إلا إعلالُ العينِ فَقَطِ. قَالِ
أبو البقاء (٢): ((فإنْ قلتُ: فَلِم لَمْ تُحْذَفِ الياءُ التي هي عينٌ كما حُذِفَتْ من
نحو: أَسَلْناه منْ سالَ يُّسالُ(٣)؟ قيل: لو فَعَلوا ذلك لتوالى إعلالان: أحدُهما
قَلْبُ الهمزةِ الثانيةِ ألفاً ثم حَذْفُ الألفِ المبدلة من الياءِ لسكونِها وسكونٍ
الألفِ قبلَها، فكان يصيرُ اللفظُ آدْناه فكانَتْ تُحْذَفُ الفاءُ والعينُ وليس «أسلمناه)»
كذلك، لأنَّ هناك حَذْفَ العينِ وحدَها. وقال الزمخشري (٤) في المائدة:
(آيَدْتُك على أَفْعَلْتُك)) وقال ابن عطية(٥): ((على فاعَلْتُك)) ثم قال: ((وَيَظْهَرُ أَن
الأصلَ في القراءتين: أَفْعَلْتُك ثم اختلَفَ الإِعلالُ))(٦). انتهى.
والذي يظهر أن ((أَيَّد)) فَعَّل لمجيء مضارِعِه على يُؤَيِّدُ بالتشديدِ، ولو كان
أَيَّد بالتشديد بزنة أَفْعَلَ لكان مضارعُه يُؤْيِدُ كُيُؤْمِنُ من آمَنَ، وأَمَّا آيَدَ - يعني
بالمَدِّ ◌ِ فُيُحتاج في نَقْلِ مضارعه إلى سَماعٍ، فإنْ سُمِعَ يُؤايِدُ كُيُقاتِل
فهو فاعَل، فإنْ سُمع يُؤْيِدُ كُيُكْرِمُ فَآيد أَفْعَل، ذكر ذلك جميعَه الشيخُ في
(١) انظر: الممتع ٤٨٢؛ البحر ٢٩٧/١.
(٢) الإملاء ٤٩/١ .
(٣) كذا في الأصل، وفي مطبوعة أبي البقاء: يسيل.
(٤) الكشاف ٦٥٣/١؛ المائدة ١١٠ ((وإذ أيَّدْتُك بروح القدس)).
(٥) تفسيره ٢٣٠/٥.
(٦) قوله ((الاعلال)) غير واضح في الأصل.
٤٩٦

- البقرة -
المائدة(١). ثم قال: ((إنه لم يَظْهر(٢) كلامُ ابن عطية في قوله: ((اختلف
الإِعلالُ)) وهو صحيحٌ، إلَّ أنَّ قوله ((الذي يظهر أن أيَّد في قراءةِ الجمهورِ فَعَّل
لا أَفْعَل إلى آخرِه)) فيه نظرٌ لأنه يُشْعِرُ بجوازِ شيءٍ آخَر وذلك متعذَّرُ، كيف
يُتَوَهَّمُ أن أَيَّدَ بالتشديدِ في قراءةِ الجمهورِ بزنة أَفْعَل، هذا ما لا يَقَعُ.
والْأَيْدُ: القوَّةُ، قال عبد المطلب(٣):
٦٠٣ - الحمدُ للهِ الْأُعزِّ الأكرمِ
أَيِّدَنا يومَ زُحوفِ الأشْرَمِ
والصحيحُ أن فَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى واحد وهو قَوَّيْناه. وقد فَرَّق بعضُهم
بينهما فقال: ((أمَّ المدُّ فمعناه القوةُ، وأمَّا القصرُ فمعناه التأييدُ والنَّصْرُ))، وهذا
في الحقيقةِ ليس بفرقٍ، وقد أبدلتِ العربُ في آيَدَ على أَفْعَل الياءَ جيماً
فقالت: آجَدَهُ أي قوَّاه، قال الزمخشري(٤): ((يقال: ((الحمدُ لله الذي آجَدَني
بعد ضَعْفٍ وَأَوْ جَدني بعد فَقْر)»، وهذا كما أَبْدلوا من يائِه جيماً فقالوا: لا أَفْعَل
ذلك جَدَ الدهرِ أي: يدَ الدهر، وهو إبدالٌ لا يَطَرِدُ.
قوله: (بروح القُدُس)) متعلَّق بأيَدْناه. وقرأ ابن كثير: ((القُدْس)» بإسكانٍ
الدال(٥)، والباقون بضمِّها، وهما لغتان: الضمُّ للحجاز، والإِسكانُ لتميم،
وقد تقدَّم ذلك، وقرأ أبو حَيْوة: ((القُدُوس)) بواوٍ، وفيه لغةُ فتحِ القاف والدال
ومعناه الطهارةُ أو البركةُ كما تقدَّم عند قوله: ((ونقدِّسُ لك))(٦). والروح في
الأصل: اسمٌ للجزءِ الذي تَحْصُلُ به الحياةُ في الحيوان قاله الراغب(٧)،
(١) البحر ٥١/٤.
(٢) في مطبوعة البحر: لم يفهم.
(٣) البحر ٤ /٥١.
(٤) الكشاف ٢٩٤/١.
(٥) السبعة ١٦٣؛ والكشف ٢٥٣/١؛ البحر ٢٩٩/١.
(٦) الآية ٣٠ من البقرة.
(٧) المفردات: ٢٠٥ (بيروت).
٤٩٧

- البقرة
والمرادُ به جبريلُ عليه السلام لقولٍ حَسَّان(١):
٦٠٤ - وجبريلٌ رَسُولُ الله فينا وروحُ القُدْسِ ليس له كِفَاءُ
سُمِّي بذلك لأنَّ بسببه حياةَ القلوب.
قوله: ((أفكلما جاءكم رسولٌ)) الهمزةُ هنا للتوضيحِ والتقريع، والفاءُ
للعطفِ عَطَفَتْ هذه الجملةَ على ما قبلَها، واعتُنِيَ بحرفِ الاستفهام فقُدِّمَ،
وقد مَرَّ تحقيقُ ذلك، وأنَّ الزمخشري (٢) يُقَدِّر بين الهمزةِ وحرفِ العطْفِ جملةً
لَيَعْطِفَ عليها. وهذه الجملةُ يجوز أَنْ تكونَ معطوفةً على ما قبلها من غيرِ
حَذْفِ شيء، كأنه قال: ولقد آتينا يا بني إسرائيلَ أنبياءَكم ما آتيناهُمْ فكلما
جاءَكم رسُولٌ. ويجوز أَنْ يُقَدَّر قبلَها محذوفٌ أي: فَفَعَلْتُم ما فَعَلْتُم فكلما
جاءكم رسولٌ. وقد تقدَّم الكلام في ((كلما)) عند قوله: ((كلَّما أضاء))(٣).
والناصبُ لها هنا (استكبرتم))، و((رسول)) فَعُول بمعنى مَفْعُول أي مُرْسَل،
وكونُ فَعُول بمعنى المَفْعُول قليلٌ، جاء منه الرَّكُوب والحَلُوب أي: المَرْكُوب
والمَحْلوب، ويكون مصدراً بمعنى الرسالة قاله الزمخشري (٤). وأنشد(٥).
٦٠٥ - لقد كَذَبَ الواشون ماقُهْتُ عندَهم ◌ِسِرِّ ولا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي: برسالة، ومنه عنده: ((إِنَّا رسولُ ربِّ العالمين))(٦).
قوله: ((بما لا تَهْوَى أَنفُسكم)) متعلَّق بقوله ((جاءكم»، و ((جاء) يتعدى
بنفسِه تارةً كَهذِه الآية، وبحرفِ الجرِّ أُخْرى نحو: جِئْتُ إليه، و((ما)) موصولةً
(١) من قصيدته الهمزية المشهورة وهو في الديوان ٦٠، وكفاء: نظير.
(٢) الكشاف ٢٩٤/١.
(٣) الآية ٢٠ من البقرة.
(٤) الكشاف ١٠٧/٣ في سورة الشعراء.
(٥) البيت لكثير وهو في ديوانه ٢٤٩/٢؛ برواية: برسيل، واللسان: رسل؛ وشواهد
الكشاف ٤٩٧/٤.
(٦) الآية ١١٦ من الشعراء.
٤٩٨
٠٠

- البقرة -
بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروط، والتقديرُ: بما لا تهواه،
و («تهوى)) مضارعُ هَوِي بكسر العين ولامُه من ياءٍ لأنَّ عينَه واوٌ، وباب طَوّيْتُ
وشَوَيْتُ أكثرُ من بابُ قوّة وحُوَّةً(١). ولا دليلَ في ((هَوِيّ)) لانكسار العين
وهو مثل (شَقِي)) من الشَّقاوة، وقولُهم في تثنيةِ مصدرِه هَوَيان أدلَّ دليلٍ على
ذلك، ومعنى تَهْوَى: تُحِبُّ وتختار. وأصل الهَوَى: المَيْلُ، سُمِّ بذلك لأنه
يَهْوي بصاحبه في النار ولذلك لا يُسْتعمل غالباً إلا فيما لا خَيْرَ فيه، وقد
يُستعمل فيما هو خيرٌ، ففي الحديث الصحيح(٢) قولُ عمرَ في أُسارى بدر:
((فَهَوِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قالَ أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت)). وعن
عائشة رضي الله عنها: ((واللهِ ما أَرى ربَّك إلا يُسارع في هَوَاك))(٣) وجمعُه
أَهْواء، قال تعالى: ((بأَهْوائهم))(٤)، ولا تُجْمع على أَهْوِية وإنْ كان قد جاء:
نّدَى وَأَنْدِية قال الشاعر(٥):
لا يُبْصِرُ الكلبُ فِي ظَلْمائها الطُنُبًا
٦٠٦ - في ليلةٍ من جُمادى ذاتٍ أَنْدِیَةٍ
وأمَّا (هَوَى يَهْوي)) بفتحها في الماضي وكسرِها في المضارع فمعناهُ
السقوطُ، والهَوِيُّ - بفتح الهاءُ ـ ذهابٌ في انحدارٍ، والْهُوِيُّ ذهابٌ في
صعود، وسيأتي تحقيقُ كلُّ ذلك، وأسندَ الفعلَ إلى الأنفس دونَ المخاطبِ
فلم يَقُلْ: ((بما لا تَهْوون)) تنبيهاً أنَّ النفسَ يُسْنَدُ إليها الفعلُ السَّيِّئ غالباً نحو:
(١) الحوة: سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى السواد.
(٢) رواه مسلم في: الجهاد ١٣٨٥/٣؛ وابن حنبل ٣١/١.
(٣) رواه البخاري: (فتح الباري)؛ النكاح ١٦٤/٩؛ مسلم: الرضاع ١٠٨٥/٢.
(٤) الآية ١١٩ من الأنعام ((وإن كثيراً ليُضِلُّون بأهوائهم بغير علم)).
(٥) البيت لمرة بن محكان، وهو في المقتضب ٨١/٣؛ والخصائص ٥٢/٣؛ وابن عطية
٤٤٧/١؛ وأوضح المسالك ٢٤٢/٣. والأندية: ج ندى، وهو البلل، والطنب: حبل
الخيمة .
٤٩٩

- البقرة -
((إنَّ النفسَ لَأَمَّارةُ بالسوءِ))(١) ((بل سَوَّلَتْ لكمْ أَنفسُكُمْ))(٢) ((فَطَوَّعَتْ له
نفسُه))(٣) واستكبر بمعنى تَكَبِّر.
قوله: ((ففريقاً كَذَّبْتُمْ)) الفاءُ عاطفةٌ جملةَ ((كَذَّبْتَم)) على ((استكبرتم))
و((فريقاً)) مفعولٌ مقدَّم قُدُّم لتتفقّ رؤوسُ الآي، وكذا ((وفريقاً تقتلون))، ولا بُدَّ مِنِ
محذوفٍ أي: فريقاً منهم، والمعنى أنه نشأ عن استكبارهم مبادرةُ فَرِيقٍ من
[٣٩/أ] الرسلِ بالتكذيب ومبادَرَةُ آخرين بالقتلِ، وقَدَّم التكذيبَ لأنه / أولُ ما يفعلونه
من الشّرِّ ولأنه مشترك بين المقتول وغيره، فإنَّ المقتولين قد كذَّبوهم أيضاً،
وإنما لم يُصَرِّعْ به لأنه ذَكَرَ أَقْبِحَ منه في الفعلِ. وجيء بـ ((تقتلون)) مضارعاً:
إمَّا لكونِه مستقبلاً لأنهم كانوا يَرُومون قَتْلَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛
ولِما فيهِ من مناسبة رؤوسِ الآيِ والفواصِل، وإمَّا أن يُرادَ به الحالُ الماضيةُ لأنّ
الأمرَ فظيعٌ فَأُريد استحضارُه في النفوس وتصويرُه في القلوب. وأجازَ
الراغب(٤) أَنْ يكونَ ((ففريقاً كَذَّبْتُم)) معطوفاً على قوله ((وأَيَّدْناه) ويكونُ
((أفكلما)) مع ما بعده فَصْلاً بينهما على سبيلِ الإِنكار، والأظهرُ هو الأولُ، وإنْ
کان ما قاله محتملاً.
آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ .. مبتدأ وخبر، والجملةُ في
محلٌّ نصبٍ بالقول قبلَه، وقرأ الجمهورُ: ((غُلْفٌ)) بسكون اللام، وفيها
وجهان، أحدهما - وهو الأظهرُ -: أن يكونَ جمع ((أَغْلَف)) كأحمر وحُمْر
وأصفر وصُفْرٍ، والمعنى على هذا: أنها خُلِقَتِ وجُبِلتَ مُغَشَّاةً لا يَصِلُ إليها
الحقُّ استعارةً من الأغلف الذي لم يُخْتَتَنْ. والثاني: أن يكونَ جمَعَ
(١) الآية ٥٣ من يوسف:
(٢) الآية ١٨ من يوسف.
(٣): الآية ٣٠ من المائدة.
(٤) انظر: البحر ٣٠٠/١: